تسجيل الدخول

المحاضرة 20 - بعض أشراط الساعة الصغرى

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد: صافي الصحيحة فطرة، تنفي الشكوك بواضح البرهان.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.

في المحاضرة الماضية وقفنا عند الحديث عن عذاب النار، نسأل الله أن يعيذنا منها، وسنبدأ في هذه الحلقة الحديث عن نعيم الجنة. يجب علينا أيها الأحبة في الله أن نؤمن بجنة الله سبحانه وتعالى كأنها رأي عين؛ نقوي إيماننا بالجنة كأننا نراها رأي عين. وهذه الجنة لها ثمانية أبواب، كما قال الله عز وجل: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ * وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ﴾ [الزمر: 73-74].

قال صلى الله عليه وسلم: «في الجنة ثمانية أبواب، فيها باب يسمى الريان، لا يدخله إلا الصائمون». من هو أول الداخلين للجنة؟ إنه رسولنا صلى الله عليه وسلم، كما أخبرنا بذلك؛ يقول: «آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح، فيقول الخازن: من أنت؟ فأقول: محمد. فيقول: بك أمرت، لا أفتح لأحد قبلك». وننظر إلى هذه المجموعة التي هي خلف النبي صلى الله عليه وسلم، هذه الزمرة الذين يكونون خلف رسول الله، فيكونون أول أناس يدخلون الجنة.

يصفهم النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: «إن أول زمرة يدخلون الجنة على صورة القمر ليلة البدر، ثم الذين يلونهم على أشد كوكب دري في السماء إضاءة، لا يبولون ولا يتغوطون ولا يتفلون ولا يمتخطون». هذه الأشياء المؤذية لنا في هذه الدنيا: البول، الغائط، التفل، الامتخاط؛ هذه الأمور تنتهي في الجنة. أمشاطهم الذهب، ورشحهم المسك، ومجامرهم الألوة، وأزواجهم الحور العين، على خلق رجل واحد، على صورة أبيهم آدم ستون ذراعاً في السماء.

يا إخوان، هذه الجنة يؤتى يوم القيامة بالموت على صورة كبش أملح، فيوضع بين الجنة والنار ثم يذبح، ويقال لأهل الجنة: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ولأهل النار خلود فلا موت. إذاً لا موت في الآخرة، لا موت في الآخرة إلا الموتة الأولى. ثم هل الإنسان يكبر في سنه في الجنة وتأتيه الأمراض؟ لا، شباب دائم، لا مرض. ولا ملل، ولا تبلى الثياب. الله أكبر يا إخوان، يجب أن يكون عندنا يقين بنعيم الجنة، يقين لا شك فيه البتة.

قال صلى الله عليه وسلم: «ينادي مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تبتئسوا أبداً». قال صلى الله عليه وسلم: «من يدخل الجنة ينعم لا يبأس، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه».

القصور، كيف هذه القصور؟ كيف هذه الأنهار؟ قصور وأنهار لك في هذه الجنة، وهذا يجب أن يكون عند الإنسان يقين بنعيم الله، قصور مع أنهار تجري من تحت القصور. قال الله عز وجل: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِّن فَوْقِهَا غُرَفٌ مَّبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ الْمِيعَادَ﴾ [الزمر: 20].

ما هذه الأنهار؟ قال الله عز وجل: ﴿مَّثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِّن لَّبَنٍ لَّمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِّنْ خَمْرٍ لَّذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِّنْ عَسَلٍ مُّصَفًّى وَلَهُم فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِّن رَّبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: 15].

ما لك من المآكل؟ المأكل ما تشتهيه، أنواع الفواكه، أنواع اللحوم. والمشارب؟ أنواع المشارب، ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ * هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ * لَهُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ وَلَهُم مَّا يَدَّعُونَ * سَلَامٌ قَوْلًا مِّن رَّبٍّ رَّحِيمٍ﴾ [يس: 55-58].

قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ * عَلَى الْأَرَائِكِ يَنظُرُونَ * تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ * يُسْقَوْنَ مِن رَّحِيقٍ مَّخْتُومٍ * خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَٰلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ * وَمِزَاجُهُ مِن تَسْنِيمٍ * عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا الْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: 22-28].

ماذا لهم من الأزواج؟ أزواجهم الحور العين. قال الله عز وجل: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ * أُولَٰئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَّعْلُومٌ * فَوَاكِهُ وَهُم مُّكْرَمُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ * يُطَافُ عَلَيْهِم بِكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ * بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِّلشَّارِبِينَ * لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنزَفُونَ * وَعِندَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ * كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَّكْنُونٌ﴾ [الصافات: 40-49].

فأقبل بعضهم على بعض يتساءلون، قال قائل منهم: ﴿إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ * يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ * أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ * قَالَ هَلْ أَنتُم مُّطَّلِعُونَ * فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ * قَالَ تَاللَّهِ إِن كِدتَّ لَتُرْدِينِ * وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ * أَفَمَا نَحْنُ بِمَيِّتِينَ * إِلَّا مَوْتَتَنَا الْأُولَىٰ وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ * إِنَّ هَٰذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * لِمِثْلِ هَٰذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ﴾ [الصافات: 51-61].

هذا المؤمن بالله وباليوم الآخر تجد أنه يسير وفق ما يجعله يفوز بجنة الله وينجيه من نار الله. قال الله عز وجل: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقًا قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 25].

هل هذا النعيم وانتهى؟ انظروا إلى نعيم آخر يا إخوان. نحن اليوم نؤمن بالله واليوم الآخر، لكن الإيمان بالله واليوم الآخر هذا بالنسبة لنا غيب، لكننا نؤمن به. سيجعل الله سبحانه وتعالى يوم القيامة لمن يعبد الله بالغيب، يعبد الله سبحانه وتعالى وهو مؤمن بالغيب، يؤمن بالله وباليوم الآخر وهما غيبان بالنسبة لنا، نحن لم نر الله جل جلاله، لم نر اليوم الآخر، ومع هذا نعبد الله، سيجعل الله سبحانه وتعالى أعظم نعيم يتنعم به المؤمن يوم القيامة، هي لذة النظر إلى وجه الله سبحانه وتعالى. نأخذ فاصلاً ثم نذكر الحديث في هذا.

بالعلم كالأزهار في البستان، لا يكاد يوم يمر إلا ويعرض لنا أمر نحتار في حكمه الشرعي، فكيف نتصرف؟ الحل أن نستفتي العلماء، قال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. وثمة آداب ينبغي أن يتحلى بها المستفتي: آداب في نفسه، وآداب مع العالم، وآداب في طريقة السؤال. فيستفتي أهل الذكر المتبعين للأدلة، ويتجنب من يفتون بالجهل أو الهوى، قال صلى الله عليه وسلم: «إن من أخوف ما أخاف على أمتي الأئمة المضلين».

ويعرض السؤال على حقيقته دون كذب أو كتمان، وليعلم أن تدليسه لا يحل له الحرام، فإنما يفتيه المفتي على حسب ما يسمع. ويوقر مفتيه، قال صلى الله عليه وسلم: «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن غير الغالي فيه والجافي عنه». ويتحين الوقت والحال المناسب للسؤال، ولا يقاطع الشيخ، ولا يلح عليه إذا اعتذر عن الإجابة، ولا يضيع وقته بما لا علاقة له بالسؤال، ويترك السؤال عما لا يعنيه، قال صلى الله عليه وسلم: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». ويتقبل الحكم الشرعي ولو لم يكن على هوى، قال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].

حياكم الله أيها الأحبة في الله، أخرج الإمام مسلم عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب». الله سبحانه وتعالى يكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل، والله عز وجل يحل عليهم رضوانه.

أخرج الإمام البخاري بسنده عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك. فيقول الله: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك! فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك. قالوا: يا رب، وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني، فلا أسخط عليكم بعده أبداً».

أيها الأحبة في الله، في الجنة توجد الجلسات التي يحبها الشباب اليوم ويحبها الناس اليوم؛ يحب أن يكون عنده رحلات، وتكون في هذه الرحلة جلسات وتكايات مع أصدقائه، ويكون هذا المكان جميلاً وخضرة وهناك الهواء البارد وهناك الأنهار التي تجري. هذه كل ما تتمناه في هذه الدنيا تحلم به هناك، ما هو أعظم منه على أكمل الوجوه تجده في الآخرة.

الجلسات والتكايات يقول الله عز وجل: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَّاعِمَةٌ * لِّسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ * فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ * لَّا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً * فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ * فِيهَا سُرُرٌ مَّرْفُوعَةٌ * وَأَكْوَابٌ مَّوْضُوعَةٌ * وَنَمَارِقُ مَصْفُوفَةٌ * وَزَرَابِيُّ مَبْثُوثَةٌ﴾ [الغاشية: 8-16].

قال الله عز وجل: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ * أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ * فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ * ثُلَّةٌ مِّنَ الْأَوَّلِينَ * وَقَلِيلٌ مِّنَ الْآخِرِينَ * عَلَىٰ سُرُرٍ مَّوْضُونَةٍ * مُّتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ * يَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدَانٌ مُّخَلَّدُونَ * بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِّن مَّعِينٍ * لَّا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنزِفُونَ * وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ * وَحُورٌ عِينٌ * كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ * جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا * إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا﴾ [الواقعة: 10-26].

يا إخوان، بعض الناس الآن بسبب تقارب البلدان واكتشاف الأماكن في هذا العالم، وجد في هذه الدنيا أماكن في منتهى الجمال مع شيء من الجو الجميل، المكان جميل والجو جميل وهناك شلالات وهناك أشياء الذي أعطاها الإنسان في هذه الحياة، وقد يكون الذي يسكن تلك المنطقة من أهل الكفر، وأعطاهم الله سبحانه وتعالى هذا النعيم في هذه الدنيا، وهذا النعيم مهما كبر ومهما كثر هو لا شيء بالنسبة لنعيم الآخرة. الذي يؤمن بذلك ويعلم أن فترة عمره وأن الدنيا هذه قصيرة، وأن أهل القرن أيضاً يزولون سريعاً، يعلم هذا الأمر تماماً وعنده يقين بذلك؛ فلا شك أن سلوكه وأن حياته ستتغير وسيكون ملتزماً بشرع الله.

إن الإيمان باليوم الآخر له أثر عظيم في توجيه حياة الإنسان، ولذلك لكون اليوم الآخر والإنسان في هذه الدنيا قد يغفل، وأيضاً يظن أن الحياة طويلة، وأن الدنيا طويلة، فإن الله سبحانه وتعالى قد جعل في هذه أشراطاً؛ علامات تدل على قرب يوم القيامة. وهذه العلامات جعلها الله سبحانه وتعالى لنا من أجل أن نستعد للقاء الله، وجعلها من جانب آخر ليقوى إيماننا باليوم الآخر، وجعلها من جانب آخر ليقوى إيماننا لنبينا صلى الله عليه وسلم، ومن جانب آخر ليقوى إيماننا بالله سبحانه وتعالى؛ لأن من آمن برسول الله، وهذا من دلائل نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، فكل دليل يدل على نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم فهو دليل على وجود الله ووحدانية الله سبحانه وتعالى.

فيصبح عندك إيمان بالله وبالنبي صلى الله عليه وسلم وباليوم الآخر، فجعلت هذه الأشراط، أشراط الساعة، لتغذية هذا الموضوع. ما معنى أشراط الساعة؟ الشرط أيها الأحبة بالتحريك المقصود به العلامة، والساعة هي جزء من أجزاء الزمان؛ الليل أو النهار، والساعة أحياناً تقال للوقت الذي أنت فيه الآن، تقول الساعة، يعني الآن، هذا معنى الساعة. وأيضاً معنى الساعة المصطلح الشرعي هو الوقت الذي تقوم فيه القيامة. لماذا سميت الساعة؟ لقربها سميت الساعة، أو لأنها تأتي الإنسان بغتة. فأشراط الساعة ما معناها؟ هي علامات يوم القيامة التي تسبقها وتدل على قربها.

والساعة أيها الأحبة في المصطلح الشرعي تأتي على ثلاثة معاني: الساعة الكبرى، وهي بعث الناس من قبورهم للحساب والجزاء، وإذا أطلقت الساعة في القرآن فالمراد بها القيامة الكبرى، قال تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ﴾ [الأحزاب: 63]، أي عن القيامة. وقال تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ [القمر: 1]، هذه الساعة الكبرى. وتأتي الساعة في الشرع بمعنى الساعة الصغرى، وهي موت الإنسان، فمن مات فقد قامت قيامته لدخوله في عالم الآخرة. وأيضاً تأتي الساعة بمعنى الساعة الوسطى، وهي موت أهل القرن الواحد.

أشراط الساعة أيها الأحبة في الله تنقسم إلى قسمين: أشراط صغرى وأشراط كبرى. الأشراط الصغرى تتقدم يوم القيامة لكن بأزمان بعيدة، أما الأشراط الكبرى فهي الأمور التي تأتي قرب قيام الساعة، يعني بعدها مباشرة تقوم القيامة. الأشراط الكبرى أمور عظيمة لكنها تكون قريبة من يوم القيامة، أما الأشراط الصغرى فهي أمور صغيرة لكنها وقعت قبل يوم القيامة بأزمان بعيدة. الأشراط الصغرى تكون من نوع المعتاد، يعني ليس فيها خوارق للعادات، أما الأشراط الكبرى فهي تكون غير معتادة الوقوع، مثال الأشراط الصغرى: قبض العلم، ظهور الجهل، استحلال شرب الخمر أو كثرة شرب الخمر.

التطاول في البنيان هذه من النوع المعتاد. هذه الأشراط الصغرى تتقدم يوم القيامة لكن بأزمان بعيدة وتبقى يراها الإنسان، وهذه تقوي إيمانه باليوم الآخر وتقوي إيمانه بالله سبحانه وتعالى وتجعله يستعد للقاء الله وهكذا. وهناك أشراط كبرى وهي الأمور العظام التي تظهر قرب قيام الساعة وتكون غير معتادة الوقوع مثل ظهور الدجال ونزول المسيح عيسى عليه السلام وخروج يأجوج ومأجوج وطلوع الشمس من مغربها وهكذا، هذه تسمى أشراطًا كبرى.

أشراط الساعة يا إخوان من حيث ظهورها هناك أشراط ظهرت وانقضت وانتهت مثل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، مثل انشقاق القمر، مثل موت النبي صلى الله عليه وسلم؛ هذه أشراط ظهرت وانقضت. وهناك أشراط ظهرت لكن ما زالت تتتابع، وهذه الأشراط تظهر ثم يقوم الناس بما أمرهم به الشرع ثم تختفي هذه الأشراط ثم تظهر مرة أخرى وبعضها يزداد، فهذا قسم ظهر ولا زال يتتابع مثل ضياع الأمانة، مثل قبض العلم، فشو الجهل، القتل وهكذا. وقسم لم يظهر إلى الآن وهي أشراط الساعة الكبرى وبعض الأشراط الصغرى لكنها لم تظهر إلى الآن. نأخذ فاصلًا ثم نعود إليكم بمشيئة الله.

إن أردت النجاح في الدنيا والسعادة في الآخرة فاسلك طريق العلم، لكن الآفات على هذا الطريق كثيرة؛ منها الرياء بأن يُراد بالعلم الشهرة وثناء الناس، قال صلى الله عليه وسلم: «من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو ليباهي به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، فهو في النار». ومنها الكبر والعجب، قال مجاهد: لا يتعلم العلم مستحيٍ ولا مستكبر. ومنها الحسد، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا بَغَوْا بَيْنَهُم بَغْيًا﴾ [الشورى: 14]؛ فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم.

ومنها الانشغال بالدنيا وملهياتها وأشغالها عن تحصيل العلم النافع. ومنها التعالم والتصدر قبل التأهل، فإن التصدر يمنع من تلقي العلم، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تفقهوا قبل أن تسودوا. ومنها الفتور والكسل، قال صلى الله عليه وسلم: «إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت شرته إلى سنتي فقد أفلح، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك». فالزم طريق العلم ولا تصدنك الآفات، واحذر من قطاع الطريق، قال تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: 6].

حياكم الله أيها الأحبة. قلنا أشراط الساعة في غاية الأهمية من أي النواحي؟ من ناحية الإيمان باليوم الآخر؛ فأنت أُخبرت باليوم الآخر، لكن لكون اليوم الآخر أحيانًا يستبعده الإنسان بمعنى يرى أن حياته طويلة وأن الدنيا طويلة فيغفل ويعيش في هذه الحياة وينسى قضية الإيمان باليوم الآخر، ما يبقى حاضرًا في ذهنه. فجعلت هذه الأشراط يراها الإنسان في كل زمن، في كل أمة من الأمم تظهر الأشراط والعلامات التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم وأنها تدل على قرب يوم القيامة، فيرى الإنسان هذه الأشراط فتبقى قضية الإيمان باليوم الآخر حية في نفس الإنسان.

كذلك من الذي أخبرك بأشراط الساعة؟ إنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، ورسولنا صلى الله عليه وسلم من أين له يتحدث عن هذا الغيب الذي لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى؟ لا بد أن تكون هذه الأخبار أتته من الله جل جلاله، لذلك أشراط الساعة داخل فيها دلائل نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم؛ بل هو صلى الله عليه وسلم بعثته دليل شرط من أشراط الساعة، وانشقاق القمر وما أخبرنا ببعض الآيات التي ظهرت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم فيها دلالة على نبوته صلى الله عليه وسلم من جهة وعلى أن هذا الأمر يدل على قرب القيامة من جهة أخرى. المقصود ما أخبرنا به النبي صلى الله عليه وسلم أنه سيكون، ولا سيما أحاديث الفتن؛ فقد أخبرهم بأشياء ورآها الصحابة، وبعض الأشياء رُؤيت فيما بعد كما أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم، كما وصف رسولنا صلى الله عليه وسلم وقعت تمامًا، فهي أشراط الساعة من دلائل نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم وهي تقوي الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم في النفس.

كذلك أشراط الساعة من الإيمان بالغيب، لا سيما أشراط الساعة التي لم تقع بعد؛ فنحن نؤمن بها على مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أخبرنا بها الله عز وجل وكما أخبرنا بها رسولنا صلى الله عليه وسلم. يا إخوان أشراط الساعة فيها تقوية للإيمان باليوم الآخر من جهة، وفيها الاستعداد لليوم الآخر، فيها تقوية الإيمان بنبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، فيها أيضًا مطالعة شيء من الغيب؛ يعني الناس هكذا يرغبون في معرفة ماذا سيكون وما الذي سيحدث، فهذا مصدر شرعي يخبرنا فيه الوحي الله سبحانه وتعالى سواء في القرآن أو السنة يخبرنا ببعض ما سيكون قبل يوم القيامة من الأحداث التي تكون فتشبع رغبة، فاجتنب الذهاب للكهنة والمنجمين والسحرة ويذهب عن مطالعة الغيب عن طريق أولئك المشعوذين، وإنما يطالع بعضًا من الغيب مما هو في مصلحته وينفعه يطالعه في هذا الوحي.

أيضًا يا إخوان نستفيد من معرفة أشراط الساعة ماذا نصنع إذا حدث هذا الشرط من أشراط الساعة؟ فنعرف الأحكام الشرعية، يعني من أدركه الدجال نعوذ بالله من ذلك وعرف مقدار اليوم يعرف كيف سيصلي كما سنتحدث عن ذلك، وهكذا بعض الأشراط فيها أحكام شرعية ينبغي للإنسان أن يتعلمها. أيها الأحبة في الله، ما هي مصادرنا في تلقي أشراط الساعة؟ مصادرنا في تلقي أشراط الساعة الوحي الإلهي، لا نتلقى أشراط الساعة إلا من الوحي الإلهي، كما أننا أحداث اليوم الآخر من أين نتلقاها؟ لا نتلقاها إلا من الوحي الإلهي. ماذا سيكون في القبر؟ ماذا سيكون من بعد البعث من القبور؟ ماذا سيكون في أرض المحشر؟ ماذا سيكون على الصراط؟ ماذا سيكون في الجنة؟ ماذا سيكون في النار؟ هذه الأمور لا نتلقاها إلا من الوحي الإلهي، فكذلك أشراط الساعة مصدرنا في معرفتها الوحي الإلهي، كتاب الله وما صح عن رسولنا صلى الله عليه وسلم.

ننتبه يا إخوان في مسألة الحديث، يأتينا حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم، لا بد أن نفرق بين قول النبي صلى الله عليه وسلم المعصوم وبين اجتهاد العالم في إنزال هذا الشرط في الواقع؛ أحيانًا يأتي العالم ويقول هذا الشرط قد وقع، وهذه النار التي مثلًا ظهرت في أرض الحجاز واستطاع الناس في العراق أن يروا بسبب لهيب هذه النار أن يروا أعناق الإبل في الظلام؛ النار اشتعلت حتى رأوا الناس أعناق الإبل وهم في البصرة، قال مثلًا هذا العالم أن هذه النار خلاص انتهت ظهرت وانتهت وانقضى هذا الشرط، هذا اجتهاد قد يحدث، قد لا يكون هو ذاك، فنفرق بين قول النبي صلى الله عليه وسلم عن تلك النار وأنها ستحدث، وبين اجتهاد ذلك العالم أن هذا الأمر حدث وهكذا.

أيضًا نفرق بين قول الصحابي الذي تلقاه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وتلقاه من الوحي الإلهي وبينه لنا، وبين قول الصحابي الذي تلقاه من الإسرائيليات؛ وبعض الصحابة اطلع على بعض الكتب على التوراة على الإنجيل أو هكذا اطلعوا على بعض أشراط الساعة من تلك الكتب. فنفرق بين ما تلقاه الصحابي من رسول الله فهذا حق وصدق مصدر لتلقي الأشراط، وما تلقاه من إسرائيليات هذا يُعرض على الوحي؛ فإن كان مصدقًا عندنا في الوحي قبلناه، وإن كان مخالفًا معارضًا لما عندنا في الوحي رفضناه، وإن كان مسكوتًا عنه سكتنا.

أما ننتبه يا إخوان للمصادر غير الصحيحة؛ لا نتلقى أشراط الساعة من الأحاديث الضعيفة والموضوعة، للأسف الشديد هناك فترة من الفترات وُضعت أحاديث على النبي صلى الله عليه وسلم، وهذه أحاديث موضوعة، وهذه الأحاديث الموضوعة وضعها أناس ليظهروا أنهم هم المراد بهم في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم، فيريدون أن ينتصروا على عدوهم فيأتون مثلًا برايات سود وهكذا، فيأتي هذا الشخص فيضع هذا الحديث ليقول إن أولئك الناس هم سينتصرون، فيكون هذا نوع من أنواع الحرف؛ فيضعون تلك الأحاديث الموضوعة، هذه الأحاديث الموضوعة أو ضعيفة جدًا أو نحو ذلك وضعت في ذلك العصر ثم نأتي في العصر الحاضر فيستخدمها بعض الناس أيضًا؛ يأتون لتلك الأوصاف ويلتزمون بها من أجل أن يقال أنهم هم الذين انطبقت عليهم تلك الأحاديث وهكذا.

كذلك الإسرائيليات التي تعارض ما عندنا أو التي أمرنا بالتوقف فيها هذه ليست مصادر صحيحة في تلقي أشراط الساعة، كذلك المنامات: رأيت في المنام كذا أو سيحدث كذا، أو بعض الناس لديه حدس ولديه تحليل عجيب يستطيع أن يربط بين الأحداث ثم يحلل القضية، هذا التحليل ليس مصدرًا من أشراط الساعة؛ ليس مصدرًا هو تحليله هو، قد يكون خاطئًا، التحليلات السياسية هذه ليست مصدرًا نتلقى منها أشراط الساعة، كذلك حساب الجمل ومرويات الرافضة هذه مصادر غير صحيحة، الرافضة عندهم اهتمام بقضية أشراط الساعة واهتمام بالمهدي فلا نأخذ عن الرافضة شيئًا، إنما مصادرنا في تلقي أشراط الساعة نتلقاها من كتاب الله ومن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وننتبه إلى قضية أخرى: إذا ثبت هذا الشرط في كتاب الله أو سنة النبي صلى الله عليه وسلم فإننا نفهمه الفهم الصحيح ونعرف ما هو مراد النبي صلى الله عليه وسلم من هذا، فمثلاً عن أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها قالت: كان الأعراب إذا قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم سألوه عن الساعة متى الساعة؟ فنظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى أحدث إنسان منهم، شاب صغير منهم، قال: «إن يعش هذا لم يدركه الهرم قامت عليكم ساعتكم». فيقول كيف هذا؟ الإنسان جاءت الساعة، لكن المراد بها هنا في هذا الحديث الساعة، ساعة المخاطبين، فساعة كل امرئ موته، فهؤلاء المخاطبون يقول هذا الشاب يعني هو آخر واحد فيكم وتدرككم الساعة، لأنه أنتم هذه المجموعة ساعتكم تنتهي بموت هذا الشاب، وهنا هذا يسمى أسلوب الحكيم؛ أجابهم بخلاف ما كانوا يترقبون وأرشدهم إلى الاستعداد للموت والتأهب للقاء الله فإنه قريب.

أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يغفر ذنوبنا وأن يستر عيوبنا، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يملأ قلوبنا يقينًا بالله وباليوم الآخر، ونكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة وإلى لقاء في حلقة أخرى بمشيئة الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.