تسجيل الدخول

المحاضرة 21 - بعض علامات الساعة الكبرى

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته، ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، الصحيحة فطرة بواضح البرهان. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نسألك علماً نافعاً وعملاً صالحاً وقلباً خاشعاً ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين. ما زلنا نتحدث عن أشراط الساعة، وسنأخذ في هذه المحاضرة بعضاً من أشراط الساعة الصغرى.

قبل أن نتحدث عن بعض أشراط الساعة الصغرى، أريد أن أنبه إلى أن هناك فرقاً بين معرفتنا بأن هذا الشرط سيقع، وبين وقوع هذا الشرط. هو أمر كوني قدري أراده الله سبحانه وتعالى أن يكون في كونه وقدره، لكن هذا الشرط إذا كان من المحرمات أو من المكروهات أو من الأمور المذمومة التي ذمها الشرع، فلا يعني ذلك أن نرضى بهذا الشرط ولا نقاومه ولا ندفعه.

فمثلاً ظهور قبض العلم وظهور الجهل؛ إذا رأى الإنسان أن العلماء يتخطفون في عصره، ورأى أن كبار العلماء مات منهم من مات، فيقول خلاص الآن يقبض العلم ويظهر الجهل، إذاً هذا الأمر حادث لا محالة، إذاً نترك طلب العلم؟ لا، هذا فهم غير صحيح؛ لأن هذا الشرط قد يظهر وقد يختفي. فيأتي أناس يطلبون العلم ويظهر علماء آخرون ويفشو العلم ويقل الجهل، ثم يأتي مرة أخرى وهكذا. لكنه في آخر الزمان عند قرب القيامة ينتهي العلم بكتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم.

المقصود أنه ليس هناك فرق بين الأمور الكونية القدرية وبين الأحكام الشرعية. الأمور الكونية والأحكام القدرية التي يقع ضمنها الغيوب المستقبلية هذه واقعة لا محالة، فما واجبنا؟ واجبنا تجاهها التصديق بها قبل وقوعها، فإذا وقعت ننظر إلى الأحكام الشرعية التي ينبغي أن نقوم بها فنمتثلها. أما الأحكام الشرعية فنحن متعبدون بها في كل وقت، فنمتثل أحكام الشرع.

مثلاً يفشو الزنا ويكثر شرب الخمر، وهذا بسبب الاختلاط مثلاً؛ هل معنى ذلك أننا نقول طالما القضية قد تحدث فنستسلم؟ هذا غير صحيح. نحن متعبدون شرعاً بنشر الفضيلة ومقاومة الرذيلة والدعوة إلى العفة ومقاومة المحرمات وهكذا. فلا بد أن يكون هذا الأمر واضحاً، ليس المقصود بأشراط الساعة أن الإنسان يستسلم للأحداث ولا يكون له دور ولا يقوم بالأسباب؛ هذا لا يمكن البتة، ليس هذا الصواب.

ولذلك مسألة مسمى المهدي المنتظر؛ إذا كان المهدي المنتظر بمعنى نؤجل كل جهد ونعطل كل سعي من شأنه التمكين للإسلام ورفع رايته، إذا كان هذا المقصود بالمهدي المنتظر فهذا ليس بمنتظر عند أهل السنة والجماعة، هذا المهدي المنتظر عند الرافضة. أما أن الإنسان يعمل بالأسباب؛ تعليم الناس والدعوة إلى الله ونشر الإسلام، ويترقب أن يظهر المهدي كشرط من أشراط الساعة ويستبشر بذلك، فهذا مهدي منتظر عندنا.

لذلك يا إخوان، مهدي الرافضة يقول عنه ابن القيم رحمه الله: هم ينتظرونه كل يوم، يقفون بالخيل على باب السرداب ويصيحون بأن يخرج إليهم: اخرج يا مولانا! ثم يرجعون بالخيبة والحرمان، فهذا دأبهم. قال رحمه الله: لقد أصبح هؤلاء عاراً على بني آدم، وضحكة يسخر منهم كل عاقل. انظروا هذا كلام ابن القيم عن مهدي الرافضة.

يا إخوان، العمل بالإسلام وإقامة الدولة على وجه الأرض، من ظن في زماننا هذا أنه غير ممكن حتى يأتي المهدي وينزل عيسى عليه السلام، فهذا توهم باطل. الذي يظن أنه خلاص الإسلام لن تقوم له قائمة على وجه الأرض، ولن يعود الناس يتمسكون بالإسلام، ولن ينتشر الإسلام في العالم كله إلا إذا جاء المهدي، ولذلك تعطلت الأمور؛ هذا توهم باطل. لأن الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم لم يخبرانا أنه لا عودة للإسلام ولا سلطان له على وجه الأرض إلا في زمانهما، هذا الأمر غير صحيح ولم يرد في الكتاب والسنة. بل من الجائز أن ذلك قبلهما إذا أخذ المسلمون بالأسباب الموجبة لذلك.

بعض الناس يا إخوان بسبب هذا التوهم الباطل أرادوا أن يدعوا الناس للعمل بالأسباب، فصار العمل بالأسباب صحيحاً، لكنهم وافقوا على هذا التوهم الباطل ثم نفوا المهدي، وهذا خطأ وأسلوب غير صحيح. إنما اترك التوهم الباطل وتؤمن بالأحاديث الصحيحة في المهدي وفي عيسى عليه السلام وهكذا. نقول يا إخوان: حديث نزول عيسى عليه السلام والمهدي وغيرها الواجب علينا الإيمان بها والفهم الصحيح لها، أن نؤمن بتلك النصوص الثابتة ونفهمها فهماً صحيحاً، ونرد على ما توهمه المتوهمون منها من ترك العمل والاستعداد الذي يجب القيام به في كل زمان ومكان.

نسب إلى جعفر الصادق رحمه الله أنه كان يقول: إن الله أراد بنا أشياء وأراد منا أشياء، فما أراده بنا أخفاه عنا، وما أراده منا بينه لنا، فما بالنا ننشغل بما أراده بنا عما أراده منا؟ الواجب ننشغل بما أراده الله عز وجل منا.

بعض أشراط الساعة يا إخوان: بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم، هذا أول شرط من أشراط الساعة. بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وهو النبي الأخير، فلا يليه نبي آخر وإنما تليه القيامة. قال الله عز وجل: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ وَلَٰكِن رَّسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: 40].

وأخرج الإمام مسلم بسنده عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت أنا والساعة كهاتين»، وضم السبابة والوسطى. «كهاتين أو كما يفضل إحداهما الأخرى». وأخرج البخاري بسنده عن سهل رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بعثت أنا والساعة كهاتين»، ويشير بإصبعيه فيمدهما. فيكون المعنى يا إخوان بهذا الشكل: بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ويوم القيامة، يعني يتلو بعثة النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة يوم القيامة، كما تلي الوسطى السبابة، ليس بينهما إصبع أخرى.

فيكون بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم هل سيبعث نبي آخر؟ لا. الذي يليه يوم القيامة مباشرة. أو المعنى كما يفضل إحداهما الأخرى، يعني المسافة بين يوم القيامة وبين بعثة النبي صلى الله عليه وسلم كما المسافة بين المسبحة أو السبابة والوسطى. المقصود أن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم شرط من أشراط يوم القيامة.

نأخذ فاصل ثم نعود إليكم.

للسفر فوائد عديدة وآثار حميدة، وقديماً قال الشافعي رحمه الله: تغرب عن الأوطان في طلب العلا ... وسافر ففي الأسفار خمس فوائد تفرج هم واكتساب معيشة ... وعلم وآداب وصحبة ماجد

وينبغي للمسافر أن يحرص قبل سفره على أمور منها: صلاح النية بالسفر بأن يكون لطاعة أو أمر مباح، أن يستخير ويستشير، التوبة وقضاء الدين والتحلل ممن أساء إليهم، ألا ينسى نفقة أهله، أن يختار الرفقة الصالحة في السفر، أن يودع أهله وجيرانه وأصدقاءه. ويستحب السفر يوم الخميس إن تيسر له وأن يبكر في الخروج؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان يحب أن يخرج يوم الخميس، وقد دعا لأمته بالبركة في بكورها.

ويبتدئ بدعاء السفر عند ركوبه وسيلة سفره من سيارة وطائرة وغيرها؛ فعن ابن عمر رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا استوى على بعيره خارجاً إلى سفر كبر ثلاثاً ثم قال: «سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون. اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى. اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطو عنا بعده. اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل. اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر وكآبة المنظر وسوء المنقلب في المال والأهل».

كما يستحب له السرى وهو سير المسافر آخر الليل، لقوله عليه الصلاة والسلام: «عليكم بالدلجة، فإن الأرض تطوى بالليل». وينبغي أن يكون الذكر صاحباً له وانيساً، والدعاء قريناً له وسميراً، فهو مظنة إجابة. وإذا أشرف على قرية أو بلدة دعا قائلاً: «اللهم إني أسألك خيرها وخير أهلها وخير ما فيها، وأعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها». وإن نزل منزلاً دعا وقال: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق»، فإنه لا يضره شيء حتى يرتحل من منزله ذلك.

وينبغي للمسافر أن يحرص على الأذان والإقامة، والإتيان برخص السفر كقصر الصلاة الرباعية ركعتين، وكذا الجمع إذا كان سائراً. فإن كان نازلاً في مكان فالأفضل الصلاة على وقتها قصراً، ويجوز له الجمع. ويستحب له ألا يطيل في السفر، وأن يعجل إلى أهله إذا قضى حاجته. فإن عاد من سفره ودنا من بلدته قال: «آيبون، تائبون، عابدون، لربنا حامدون».

حياكم الله أيها الأحبة. أيضاً من أشراط الساعة وهي من الأشراط الصغرى التي ظهرت وانتهت: انشقاق القمر في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. قال الله عز وجل: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: 1]. أخرج الإمام مسلم عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: بينما نحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمنى إذ انفلق القمر فلقتين، فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه، فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «اشهدوا».

وفي الصحيحين عن قتادة عن أنس بن مالك رضي الله عنه أنه حدثهم أن أهل مكة سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر. انشقاق القمر آية على صدق نبينا صلى الله عليه وسلم وأيضاً على اقتراب القيامة. عندما نقول يا إخوان ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانشَقَّ الْقَمَرُ﴾ فالساعة قريبة، يقول شخص: قريبة، لكن هذا الكلام بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم وانشقاق القمر مر عليه أربعة عشر قرناً الآن وما قامت القيامة.

القرب يا إخوان له عدة معاني: أولاً قرب نسبي لما مضى من عمر الدنيا. ما مضى من الدنيا ولا يعلمه إلا الله، ما بقي بالنسبة لما مضى شيء يسير جداً، شيء يسير جداً بالنسبة لما مضى من عمر الدنيا، والآن نحن وصلنا هذا المكان حتى نصل ليوم القيامة، ما بقي قريب جداً بالنسبة لما مضى من عمر الدنيا الذي لا يعلمه إلا الله. هذا معنى.

المعنى الثاني: أن قربها يكون عند الله سبحانه وتعالى، وإن كانت بعيدة المدة. ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ [المعارج: 6-7]. فقرب الساعة هذا عند الله سبحانه وتعالى فهي قريبة عنده وإن كانت بعيدة في أذهان الناس، لكنهم إذا خرجوا من هذه الدنيا رأوا أن الساعة كانت قريبة جداً. أيضاً هنا يمكن أن يقال عن بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وعن انشقاق القمر وعن موت النبي صلى الله عليه وسلم وهو من أشراط الساعة، كذلك أنه المقصود بها قرب أشراطها من بعثته صلى الله عليه وسلم، أن أشراط الساعة الآن ستظهر بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم ويكثر ظهورها.

انشقاق القمر يا إخوان من دلائل نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو في الوقت ذاته شرط من أشراط الساعة. وبالنسبة لموت النبي صلى الله عليه وسلم، موت النبي صلى الله عليه وسلم شرط من أشراط الساعة. أخرج الإمام البخاري بسنده عن عوف بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك وهو في قبة من أدم، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي، ثم فتح بيت المقدس، ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم، ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مئة دينار فيظل ساخطاً، ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً».

هذه ستة أمور تكون بين يدي الساعة. أولها موت النبي صلى الله عليه وسلم، فبموته صلى الله عليه وسلم وما بعده؟ يأتي يوم القيامة، ما في نبي، ما في أي أمر آخر، انقطع الوحي. فموت النبي صلى الله عليه وسلم إذا كانت بعثته صلى الله عليه وسلم بعدها يوم القيامة، فموته دل ذلك على قرب يوم القيامة.

ثم فتح بيت المقدس؛ فتح بيت المقدس قد حدث في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، تم فتح بيت المقدس سنة ست عشرة للهجرة. لكن هل سيفتح مرة أخرى؟ هذه بعض الأشراط تتكرر.

ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم؛ هذا يدل موتان يعني كثرة الموت، وقُعاص الغنم داء يأخذها فيسيل من أنوفها فتموت فجأة، والمقصود أنه يحدث فيكم موت كثير. قيل إن هذا الموتان الذي يأخذ في الناس كقعاص الغنم أنه حدث في طاعون عمواس في بلاد الشام، هذا الطاعون مات فيه خلق كثير من الصحابة رضي الله عنهم ومن غيرهم، ممكن هذا وممكن يكون غيره، لكن هذا حدث ورأى الناس هذه الكثرة في الموت، وكان الموت فجائياً وانتشر هذا الطاعون وهكذا.

ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مئة دينار فيظل ساخطا، وذلك بسبب كثرة المال، فيعطى الإنسان العطاء الكثير لكن مع هذا لا يرضى به ويراه قليلا. ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته، ويمكن أن يكون المقصود بهذه الفتن ما حدث في عهد الصحابة بعد موت عمر بن الخطاب رضي الله عنه في أواخر خلافة عثمان، وافتتحت هذه الفتن بمقتل عثمان رضي الله عنه واستمرت الفتنة بعده وحدث القتال؛ موقعة الجمل، وموقعة صفين، وهكذا.

ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر الروم فيغدرون، فيأتونكم تحت ثمانين غاية، أي راية، تحت كل راية اثنا عشر ألفا، وقيل هذه معركة الملحمة الكبرى، وهذه سنتحدث عنها بمشيئة الله في الأشراط التالية من أشراط الساعة التي أخبرنا عنها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي مشهورة التطاول في البنيان. قال جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم: «فأخبرني عن الساعة» قال: «ما المسؤول عنها بأعلم من السائل»، أي لا أنت تعرف ولا أنا أعرف. قال: «فأخبرني عن أماراتها»، أي عن أشراطها، قال: «أن تلد الأمة ربتها، وأن ترى الحفاة العراة العالة رعاء الشاء يتطاولون في البنيان».

نبدأ بأن تلد الأمة ربتها، وقيل المعنى كناية عن كثرة الفتوحات الإسلامية وكثرة السراري وهن الإماء، فتلد الأمة ولدا أو بنتا ويكون الولد سيد يومه لأنه ابن سيدهم، أو تكون البنت سيدة لأمها. أن تلد الأمة ربتها أو ربها، ربها أي ولدها تلده ثم يكون هو سيدها، تلد بنته ثم تكون بنتها سيدتها. قيل هذا معنى، وهو أن تكثر الفتوحات ويصبح عند المسلمين السراري، أو هو كناية عن كثرة العقوق في الأمة؛ سيعامل الولد أمه معاملة فيها جفاء كأنه سيدها، أو تعامل البنت أمها معاملة فيها جفاء كأنها سيدة. إذاً إما أن يكون كناية عن كثرة الفتوحات أو كناية عن كثرة العقوق.

كذلك التطاول في البنيان؛ التطاول في البنيان إما من ناحية الطول والارتفاع، كل يبني أطول من الآخر، فيحدث تطاول في البنيان بعد أن كانوا رعاة، حفاة رعاة الشاء كانوا يعيشون في الخيام ونحو ذلك، وإذا بهم يستوطنون الحضر ثم يرتفع البنيان وتأتي ناطحات السحاب، وكل يحاول أن يكون بيته أرفع من بيت جاره ويتطاول في ذلك. وقيل معنى آخر أن التطاول في البنيان المقصود به من ناحية الزينة والزخرفة، كل يتطاول على أخيه وعلى جاره في زخرفة وتزيين بيته، وهذه من أشراط الساعة التي هي ظاهرة أمام الناس.

العلم مراتب، فمنه فرض عين وهو تعلم ما لا يتأدى الواجب إلا به كتعلم صفة الوضوء والصلاة، ومنه فرض كفاية كعلوم الحديث، ونفل كالتبحر في أصول الأدلة، فلا بد من التدرج فيه خطوة خطوة، فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الليالي والأيام. ونراعي الأولويات في التعلم، فنبدأ بالعلوم الأصلية التفسير والفقه قبل علوم الآلة كمصطلح الحديث وأصول الفقه، ونبدأ بتعلم الفروض قبل النوافل، وفي الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه»، وقد قيل: من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور.

ونبدأ بالأسهل قبل الأصعب، وبالمختصرات قبل المطولات، قال تعالى: ﴿كُونُوا رَبَّانِيِّينَ﴾ [آل عمران: 79]، والرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. ونبدأ بتعلم ما يترتب عليه ثمرة قبل المسائل النظرية البحتة، ونبدأ بالتعلم قبل التصدر للتعليم، فإن فاقد الشيء لا يعطيه، ونهتم بالفهم والتدبر ولا نقتصر على الحفظ والتلقين، فتدرج في طلب العلم حتى تكون من الراسخين، قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين».

حياكم الله أيها الأحبة بعد هذا الفاصل، أريد أن أنبه قبل أن نستكمل بعض الأشراط أن ما ورد من أحاديث الفتن؛ تنزيلها على الأزمان المعينة أو الأشخاص المعينين، فنقول مثلا: تطاول البنيان تلد الأمة ربتها، هذا زماننا، والمقصود فلان وفلان وفلان، وتأتي بأسماء أشخاص معينين وأماكن معينة وزمن معين وتقول خلاص انتهى هذا هو، فإذا كانت هذه الأشراط محتملة لمعاني كثيرة، محتملة لهذا الزمن ومحتملة لزمن غيره، محتملة لهذا الشخص ومحتملة لغيره، هذه لا يجوز أن يقول المقصود بها الزمن الفلاني أو الشخص الفلاني أو الحدث الفلاني، لا يجوز إلا بعد وقوعها وانقضائها، فإذا انتهت وانقضت أصبحت واضحة واستكملت كل المواصفات التي وردت في الحديث، هنا يجوز أن تقول المقصود بهذا الشرط هو هذا الذي حدث.

أما إذا كانت محكمة مثل نزول المسيح عليه السلام من السماء عند المنارة البيضاء، فهذا ما فيه احتمالات، وخروج الدجال بصفاته التي أخبر بها النبي صلى الله عليه وسلم هذه ما فيها احتمالات، فهذه يجوز أن تقول نعم هذا الشرط الذي أخبرنا عنه النبي صلى الله عليه وسلم ويقوم الإنسان بالعمل بموجبه. أيضا يا إخوان تنزيل ما ورد من أحاديث الفتن إذا كانت الصورة تامة، أي الأحاديث منطبقة على الحدث من جميع الجوانب، فتقول مثلا هذا المقصود بالحديث الفلاني هو هذا الزمان بالذات، وهذا المقصود بالذات وقد استكمل جميع جوانبه، فهذا يجوز إذا كان استكمل جميع الجوانب، لكن إذا كان جزئيا، مثل يرفع العلم وينزل الجهل ويلقى الشح، فتقول هذا من زمانه، فهذا جزئي، لا تقل أن هذا هو كله وانتهى.

نأخذ بعض الأشراط كذلك، أخرج البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تقوم الساعة حتى يقبض العلم، وتكثر الزلازل، ويتقارب الزمان، وتظهر الفتن، ويكثر الهرج، وهو القتل القتل، حتى يكثر فيكم المال فيفيض». يقبض العلم المقصود به العلم الشرعي، وقبضه بقبض العلماء، كما ورد في صحيح البخاري أن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا.

ويتقارب الزمان؛ يتقارب الزمان إما تقارب حسي أو تقارب معنوي. المعنوي يعني ما فيه بركة، تذهب البركة من الوقت، يكون الوقت سريعا ولا ينجز الإنسان فيه شيئا. أو تقارب حسي؛ بمعنى يستطيع الإنسان أن يسافر من مكان لمكان في ساعة بعد أن كان يسافر من مكان لمكان في شهر، سيكون هذا التقارب حسي بمعنى أن الزمن يصبح قريبا، أو يكون معنى تقارب حسي أن تصبح السنة كالشهر، والشهر كالأسبوع، والأسبوع كاليوم، واليوم كالساعة، وهكذا. وتظهر الفتن ومنها الفتن والخوارج والفتن التي حدثت في عهد أواخر الصحابة، وتظهر هذه الفتن حتى إن الإنسان يمسي مؤمنا ويصبح كافرا والعياذ بالله، أو يصبح مؤمنا ويمسي كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا، كما نتحدث عن مسائل الفتن. ويكثر الهرج وهو القتل القتل، وهذا أيضا من أشراط الساعة، أما بسبب هذه الحروب التي ليست كحروب عادية، يأتي فيقتل فتكون المعركة يقتل فيها مئات الآلاف، بل بعض المعارك يقتل فيها مليون شخص، وأيضا يكثر القتل سواء بالحوادث وهكذا، يكثر موت الناس.

بالنسبة لظهور الفتن أخرج الإمام أحمد بسند صحيح عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن بين يدي الساعة فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا، ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا، القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي، فكسروا قسيكم، وقطعوا أوتاركم، واضربوا بسيوفكم الحجارة، فإن دخل على أحدكم فليكن كخير ابني آدم». هذا إذا ظهرت الفتن وكثرت، يحدث أن الإنسان والعياذ بالله بسبب كثرة الشبهات يصبح ما يعرف أين الحق، ويصبح مؤمنا وإذا به بسبب كثرة الشبهات التي انتشرت يمسي كافرا، ثم يحدث القتال بين أهل الإسلام، وهنا تحدث هذه الفتن لأن الإنسان ما يدري أين الحق.

روى الإمام مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم»، يعني بادر بالأعمال الصالحة وانتبه أنه ستأتي فتن، هذه الفتن والعياذ بالله كقطع الليل المظلم، أي تظلم على الإنسان فلا يعرف ما هو الحق. الآن أنت الإسلام واضح لديك والإيمان بالله واليوم الآخر والقضاء والقدر، هذه الأمور واضحة عندك، فبادر بالأعمال الصالحة قبل أن تدهمك هذه الفتن؛ هذه الفتن تجعل الإنسان في حيرة، يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا أو يمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا. هذا الشخص الذي يعتبر في العلم وفي الدعوة وفي النشاط، فجأة تجده قد باع دينه وترك ما هو عليه من الخير، هذا قائم الليل صائم النهار عابد تجده ترك ذلك، هذه من المصائب ومن الفتن التي تأتي في آخر الزمان.

أيها الأحبة في الله، نعود فنكرر القضية الكبرى ونحن نتذاكر أشراط الساعة، القضية الكبرى أن هذه الأشراط إنما هي من أجل تقوية الإيمان باليوم الآخر في نفوسنا، ومن أجل تقوية الإيمان بالله في قلوبنا، ومن أجل تقوية الإيمان بالنبي صلى الله عليه وسلم كذلك في نفوسنا. هذه الأشراط إنما تجعلنا نستحضر دائما مسألة الإيمان باليوم الآخر، وأن الدنيا دار ممر ومعبر، وأن الدنيا سريعة الزوال، وأن الإنسان عمره قصير في هذه الدنيا، وأن الواجب علينا هو أن نبذل الأسباب. أشراط الساعة ليست دعوة لنا في ترك العمل بالدين الإسلامي وترك الإتيان بالأسباب الشرعية التي أمرنا الله عز وجل بها، من بذل العلم، والدعوة إلى الله، والجهاد في سبيل الله، ومن إقامة دولة الإسلام ومن الخير ومقاومة الشر، فمن فهم أن أشراط الساعة داعية لترك الأسباب فهذا فهمه خاطئ. هذا الأمر يجب أن نستحضره دائما ونحن نتذاكر أشراط الساعة.

أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يغفر ذنوبنا، وأن يستر عيوبنا، وأن يتجاوز عن خطيئاتنا، وإلى لقاء آخر في حلقة قادمة بمشيئة الله. أستودعكم الله، وصلى الله وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيرا.