تسجيل الدخول

المحاضرة 19 - وصف الجنة، وأشراط الساعة

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علمًا نافعًا، وعملًا صالحًا، وقلبًا خاشعًا، ولسانًا ذاكرًا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.

حيّاكم الله معاشر طلاب العلم في المحاضرة التاسعة عشرة من محاضرات مادة العقيدة، المستوى الرابع. من هذه المحاضرة إن شاء الله إلى نهاية المحاضرات سنتحدث بمشيئة الله عن أشراط الساعة. لكن قبل أن نتحدث عن أشراط الساعة، نريد أن نشير إشارة خفيفة عن موضوع الإيمان باليوم الآخر، وعن أثر هذا الإيمان على حياة الإنسان، وما الحكمة من ذكر أشراط للساعة كثيرة جدًا، صغرى وأشراط كبرى، وما أثر وجود هذه الأشراط على مسألة الإيمان باليوم الآخر.

سنجعل هذا التمهيد بمشيئة الله كمقدمة للحديث عن أشراط الساعة. كما تذاكرنا في المستويات الماضية، أن الإيمان باليوم الآخر معناه أن نؤمن بكل ما أخبرنا به الله سبحانه وتعالى أو رسوله صلى الله عليه وسلم عما يكون بعد موت الإنسان. كل ما يكون بعد موت الإنسان هذا يدخل في موضوع الإيمان باليوم الآخر، مما يكون في القبر من فتنة القبر، ونعيم القبر، وعذاب القبر، ثم البعث والنشور، ثم الحشر، وما يكون في أرض المحشر من الحساب والميزان، ثم نؤمن بالصراط، ثم نؤمن بالنار، ثم نؤمن بالجنة، وهكذا كل أحداث اليوم الآخر التي وردت في الكتاب والسنة؛ هذه يجب على الإنسان أن يؤمن بها. هذا المقصود بالإيمان باليوم الآخر.

هذا الركن من أركان الإيمان، وهو الركن الخامس من أركان الإيمان، له أهمية بالغة في التزام الإنسان بشرع الله سبحانه وتعالى، وله أهمية بالغة في سير الإنسان في هذه الحياة. بمقدار إيمان الإنسان باليوم الآخر، بمقدار ما سيكون سلوكه في هذه الحياة، وبمقدار التزامه بالشرع في سيره في هذه الحياة. هناك ارتباط وثيق؛ كلما أيقن الإنسان باليوم الآخر وأن هذا اليوم الآخر يوم قريب، ولذلك سمي الساعة؛ الساعة يعني سيحدث الساعة، هذا اليوم الآخر سيحصل الساعة لأنه قريب، ولذلك سمي الساعة من أسمائه الساعة.

فعندما يؤمن الإنسان أن اليوم الآخر آتٍ، الساعة وقريب، ويؤمن أن هذه الحياة الدنيا مهما ظهر لنا أنها طويلة وأنها كبيرة، لكنها هي عند الله سبحانه وتعالى قريبة، وهي في حقيقتها سريعة الانقضاء. قال الله سبحانه وتعالى ذاكرًا لنا سرعة انقضاء هذه الحياة الدنيا: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [يونس: 24].

وهكذا حال الدنيا، الدنيا بقاؤنا في هذه الدنيا مدة هذه الدنيا كمدة بقاء هذا النبات. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا﴾ [الكهف: 45]. ثم ماذا بعد انقضاء هذه الدنيا؟ يأتي هذا اليوم الآخر الذي فيه الحساب والجزاء، فهذه الدنيا سريعة الزوال، وقد وجدنا فيها لحكمة. هذا يأتي الإيمان باليوم الآخر؛ وجدنا في هذه الدنيا لنعمرها بما سنجنيه يوم القيامة بين يدي الله، فلا بد من استغلال هذه المدة لأداء الحقوق التي أوجبها الله سبحانه وتعالى علينا، وكل مباح من شأنه أن يشغلنا عن الاستعداد للانتقال لدار الخلود ينبغي الزهد فيها، فكيف بالمحرم؟ فكيف بالمكروه من باب أولى؟ هذا حكمة من حكم الإيمان باليوم الآخر، الزهد في هذه الدنيا.

أمر آخر يا إخوان؛ من الساعة، هذه الساعة الكبرى، هناك ساعة صغرى تتعلق بحياة الإنسان، تتعلق بمدة بقاء الإنسان في هذه الحياة. الدنيا في ذاتها قصيرة زائلة، ومع هذا فمدة بقاء الإنسان فيها إنما هو ساعة أو عشية أو ضحاها. يا إخوان، عندما يكون الإنسان لو وضع الإنسان إصبعه أمام عينه، سيرى هذا الإصبع كبيرة جدًا، عندما تبعد هذا الإصبع تراها على حقيقتها، ترى إصبعك على حقيقتها، كذلك نحن يا إخوان لأننا في هذه الدنيا نعيش فيها لا نراها على حقيقتها، بمجرد أن نغادر منها سنرى أن هذه الدنيا عشية، هذه الدنيا كانت ساعة، هذه الدنيا كانت ضحوة، كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾ [يونس: 45]. وقال تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا﴾ [النازعات: 46].

هذا الإنسان المؤمن باليوم الآخر ويعلم أن مدة بقائه في هذه الدنيا إنما هي ساعة، ثم سينتقل إلى اليوم الآخر تحاسب على أعماله؛ ما الواجب عليه؟ ما هو تصرفه؟ كيف سيكون سيره؟ ويعلم أنه وجد في هذه الحياة وقد كلف بأعمال شرعية سيُسأل عنها بين يدي الله تعالى، هذا عنده أصبح يقين. إذا هو سينشغل بالواجب، وسيترك المحرم، وسيتورع عن المكروه، وسيزهد عن الأمور المشغلة له عن الواجب والمستحب لعدم وجود الوقت الكافي للقيام بالواجبات والمستحبات، وهذا أيضًا حكمة عظيمة من حكم الإيمان باليوم الآخر.

قال صلى الله عليه وسلم مبينًا لنا مدة بقائنا في هذه الدنيا، يقول صلى الله عليه وسلم: «ما لي وللدنيا، ما أنا في الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة، ثم راح وتركها». بالله عليكم، إنسان مسافر ثم أراد أن يرتاح في أثناء سفره، وجد شجرًا ذات ظل وارف، وارتاح تحته قليلًا، أخذ غفوة ثم قام وواصل في طريقه، هل هذا الإنسان سيتخذ ظل هذه الشجرة سيتخذها مسكنًا وسيبقى هناك وسينسى سفره؟ لا يمكن، لا يمكن يترك سفره. النبي صلى الله عليه وسلم يبين لنا أن مدة بقائنا في هذه الدنيا كمدة في الحقيقة كمدة بقاء ذلك المسافر الذي استظل تحت شجرة ثم راح وتركها. هذا وقت الدنيا.

فإذا كان هذا وقت الدنيا، فكيف ينشغل الإنسان في هذه الدنيا بالمحرمات؟ ينشغل بالمكروهات؟ ينشغل بما لا نفع فيه مما سيوصله إلى الدار الآخرة؟ إذا من كان موقنًا باليوم الآخر ويعلم أن مدة بقائه في هذه الدنيا كمدة ذلك المستظل في سفره تحت تلك الشجرة، فإنه سيعمر هذه الدنيا، سيعمرها بما ينفعه في اليوم الآخر، فلذلك أيقن باليوم الآخر ستجد حياته مبنية على هذا الاعتقاد.

حيّاكم الله أيها الأحبة، تحدثنا قبل الفاصل عن أمرين اثنين. الأمر الأول أن مدة بقاء هذه الدنيا قصيرة، أن الدنيا قصيرة زائلة وفانية، وأن مدة هذه الدنيا قليل، مدتها قليلة جدًا، وأنها سريعة الزوال والفناء. وتحدثنا كذلك أن مدة بقاء الإنسان في هذه الدنيا ساعة، عشية، ضحوة.

نريد أن نبين شيئًا ثالثًا الآن يتعلق بقضية الإيمان بالدنيا والإيمان بالآخرة، أن نعيم هذه الدنيا رغم أنها أصلًا هي قصيرة، قصيرة، فإنها سريعة الزوال، والإنسان مدة بقائه فيها مدة قصيرة جدًا، ومع هذا قد يجد الإنسان نعيمًا في هذه الدنيا، في هذه الساعة، في هذه العشية، في هذه الضحوة قد يجد نعيمًا، وقد يكون هذا النعيم كبيرًا وضخمًا، وأموالًا وسيارات ومساكن وزوجات ونحو ذلك من النعيم، وعافية في بدنه ونحوه.

هذا النعيم الذي يجده الإنسان في هذه الدنيا بالنسبة لنعيم الآخرة لا شيء، لا يساوي هذا النعيم مهما كبر مهما عظم، لا يساوي بالنسبة لنعيم الآخرة شيئًا؛ لا، حتى المنديل الذي يتمسح به المؤمن في الجنة، هذا المنديل يساوي نعيم الدنيا بأكملها. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: 16-17]. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ﴾ [يونس: 7].

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [السجدة: 17]. قال الله سبحانه: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا نُزُلًا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: 198].

هذا رسولنا صلى الله عليه وسلم يقول: «موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها». ويقول صلى الله عليه وسلم: «والله ما الدنيا في الآخرة إلا مثل ما يجعل أحدكم إصبعه هذه -وأشار بالسبابة- في اليم، فلينظر بمَ يرجع». انظر كيف هذا النعيم، نعيم الدنيا كله بالنسبة لنعيم الآخرة كأنه واحد وضع إصبعه في اليم ثم خرج، فلينظر بمَ يرجع؛ فنعيم الدنيا لا يساوي شيئًا بالنسبة لنعيم الآخرة.

يقول صلى الله عليه وسلم موضحًا هذه الحقيقة، يقول: «لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة -شف نعيم الدنيا كله لو كان يساوي عند الله جناح بعوضة- ما سقى كافرًا منها شربة ماء». نعيم الدنيا لا يساوي بالنسبة لنعيم الآخرة، وما أعده الله من النعيم الحقيقي لا يساوي عند الله حتى جناح بعوضة.

واستمعوا لهذا الحديث العجيب من نبينا صلى الله عليه وسلم، والحديث في مسلم، هذا الحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بالسوق والناس كَنَفَتَه -أي على جنبتيه- من الصحابة، فمر بجدي أسك ميت، أسك أي مقطوع الأذن أو فيه عيب في أذنه، وميت، فتناوله النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ بأذنه، ثم قال: «أيكم يحب أن هذا له بدرهم؟». قالوا: يا رسول الله، ما نحب أنه لنا بشيء، وما نصنع به؟ فقال: «أتحبون أنه لكم؟». قالوا: والله لو كان حيًا كان عيبًا فيه لأنه أسك، فكيف وهو ميت؟

الآن النبي صلى الله عليه وسلم اطمأن وعرف أنهم عندهم زهد في هذا الجدي الأسك الميت، وعرف أنه لا قيمة له في نفوسهم، وتيقن من ذلك. ثم قال صلى الله عليه وسلم: «فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم». فوالله للدنيا، يعني نعيم الدنيا بأكملها، فوالله للدنيا أهون على الله من هذا عليكم.

الآن هو يتحدث عن تجار وهو في السوق الآن، وهذه التجارة ستأتي بنعيم الدنيا، سيحصلون من ورائه نعيم، النبي صلى الله عليه وسلم يقول لهم: يعني هذه إشارة لأهل السوق، أنتم سيحصل لكم نعيم، لكن اعلموا أن هذا النعيم الذي ستحصلونه في هذه الدنيا هو عند الله أهون من هذا الجدي الأسك على نفوسكم، هذا أمر هين تحتقرونه، لا قيمة له عندكم، فكذلك نعيم الدنيا بأكملها عند الله سبحانه وتعالى أهون من هذا الجدي الأسك في نفوسكم.

نعم يا إخوان، نعيم الدنيا ليس حرامًا، ولكنه هو ليس بشيء بالنسبة لنعيم الآخرة، هذا هو الهدف من هذا الخطاب، وهذا خطاب لأهل السوق والتجار، غالبًا يرزقون، ولذلك التجار ما تركوا تجارتهم، عرفوا أن المقصود ألا يشغلهم طلب هذا النعيم عن اليوم الآخر، فيقع في المحرمات أو المكروهات أو نحو ذلك، هذا هو المقصود به.

عندما يعلم الإنسان أن هذه الدنيا بأكملها فانية، قصيرة، سريعة الزوال، وأنه هو فيها أيضًا وقته فيها وقت قصير جدًا، لمدة ساعة أو عشية، وأن هذا النعيم الذي يحصله الإنسان في هذه الدنيا بالنسبة لنعيم الآخرة لا شيء، ماذا سيصنع هذا الإنسان الموقن؟ المؤمن بالله والمؤمن باليوم الآخر، هذا سيغتنم عمره ويغتنم فترة شبابه بالأعمال الصالحة، لذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم لنا: «اغتنم خمسًا قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك». هذا يخاطب من؟ الذين يؤمنون باليوم الآخر.

لذلك قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يُسأل عن خمس: عن عمره فيمَ أفناه، وعن شبابه فيمَ أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيمَ أنفقه، وماذا عمل فيما علم». سيُسأل عن هذه الأمور بين يدي الله، فالمؤمن بالله، المؤمن باليوم الآخر، هو سيكون هذا الأمر في غاية الأهمية عنده، لذلك قال صلى الله عليه وسلم: «المؤمن القوي».. المؤمن بالله واليوم الآخر.

وهو قوي في إيمانه بالله وباليوم الآخر، هذا خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف في الإيمان بالله وباليوم الآخر، وفي كل الخير؛ لأن هذا مؤمن، لكن عندما يكون المؤمن قوياً ما نتيجته؟ احرص على ما ينفعك.

هو عرف أن هذه الدنيا قصيرة الزوال، وأن مدته في هذه الدنيا قليلة، سيحرص على ما ينفعه، واستعن بالله ولا تعجز. وإن فاتك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل؛ فإن لو تفتح عمل الشيطان.

المؤمن بالله واليوم الآخر ستجده في هذه الحياة يملأ ساعات عمره وفترة شبابه ووقت عافيته وصحته بالأمور التي سيُسأل عنها بين يدي الله من الواجبات والمستحبات. يشغل وقته بالإتيان بالواجبات والمستحبات، مستفيداً من نعم الله عز وجل عليه.

العلم نعمة، والمال نعمة، والصحة سيستثمرها في طاعة الله، هذا أعظم أثر من أثر الإيمان باليوم الآخر. المؤمن باليوم الآخر يغتنم الحياة والعمر والشباب والصحة والفراغ بالأعمال الصالحة المنيلة له نعيم الآخرة، والمنجية له من نار جهنم، وسيترك كل ما من شأنه أن يشغله عن الاستعداد لليوم الآخر. أيها الأحبة في الله، هذا المؤمن بالله واليوم الآخر تجده يعتقد سرعة انقضاء الدنيا، ويعتقد قصر عمره في هذه الدنيا، ويعتقد أن نعيم الدنيا مهما عظم فهو لا شيء بالنسبة لنعيم الآخرة. وبالتالي، وهذه الثمرة الكبيرة في قضية الإيمان باليوم الآخر، أنه يغتنم عمره ووقته وشبابه بالأعمال الصالحة.

ولذلك يا إخوان، عقيدة الإيمان باليوم الآخر يظنها الكثير من الناس، خاصة من غير المسلمين، أنها تعطل عن إصلاح الدنيا وعن عمارة الدنيا، وهذا فهم غير صحيح؛ لأن الذي يؤمن باليوم الآخر سيعمل وسيجتهد وسيكون متحركاً في هذه الدنيا من أجل أن يقيم فيها شرع الله سبحانه وتعالى، وفي الالتزام بشرع الله فيها عمارة الدنيا قبل عمارة الآخرة: ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]. نأخذ فاصلاً ثم نعود إليكم بمشيئة الله.

هل كان أجدادنا يتخيلون أن يرسلوا رسالة من المشرق إلى المغرب في لمح البصر؟ هل كان أسلافنا يتصورون أن يلتقوا بالعلماء في أقصى الأرض دون أن يرحلوا إليهم؟ إنها التقنية الحديثة. فلاستخدامها في طلب العلم ميزات؛ منها سرعة ويسر الوصول إلى المعلومة، وضخامة في المعلومات وتنوعها، والتواصل مع العلماء حيثما كانوا. ومن ميزاتها الكبيرة تيسير طلب العلم على المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة، فلا غنى لطالب العلم عن الحاسوب بما عليه من مكتبات ضخمة، حيث يمكنه البحث في ألوف الكتب في ثوانٍ معدودة.

لكن عليه الحذر من التصحيف والتحريف، ولا غنى له عن استخدام الإنترنت في أبحاثه، لكن عليه أن يوثق المعلومات من المصادر المتخصصة، ولا يكتفي بالمنتديات ونحوها. والتعليم عن بعد من خلال الإنترنت يسر طلب العلم للمشغولين بالوظائف والأعمال الخاصة، والأجهزة اللوحية بتطبيقاتها وبرامجها سهلت التعلم؛ حيث إنها في كف طالب العلم حيثما حل وارتحل. وكذلك الفضائيات، لا سيما العلمية المتخصصة، سهلت طلب العلم في البيوت، فهي من أنسب الوسائل التعليمية للنساء، فلتستفد بميزات التقنية، ولتحذر من شرها. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما العلم بالتعلم، وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحرَّ الخير يُعطَه، ومن يتقِ الشر يوقَه».

حياكم الله أيها الأحبة في الله. قلنا موضوع الإيمان باليوم الآخر مما يكون بعد موت الإنسان، إلى الأحداث التي تقع في أرض المحشر. ثم يا إخوان، من أرض المحشر لا يمكن أن يصل الإنسان للجنة حتى يمر بالنار، ومسألة النار وعذاب النار ومسألة نعيم الجنة هي أهم شيء في مسائل الإيمان باليوم الآخر. لابد أن يوقن الإنسان بهذا الأمر يقيناً لا شك فيه كأنه يراه أمام عينيه.

يرى أمام عينه النار، وأن هذه النار لها سبعة أبواب كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ * لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِّكُلِّ بَابٍ مِّنْهُمْ جُزْءٌ مَّقْسُومٌ﴾ [الحجر: 43-44]. والإنسان عنده يقين أن هذه الأبواب ستزدحم، وأن الكفار سيُساقون إليها سوقاً، وأنهم عندما يصلون إلى الباب سيقفون، ويبدأ يدفع بعضهم بعضاً من أجل أن يدخلوا في نار جهنم والعياذ بالله. فإذا دخلوها، نار جهنم حفرة وهاوية، ولذلك إذا دخلوا سقطوا فيها سقوطاً. قال الله عز وجل: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَىٰ جَهَنَّمَ زُمَرًا ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا بَلَىٰ وَلَٰكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ * قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا ۖ فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ﴾ [الزمر: 71-72].

ثم والعياذ بالله إذا دخلوها وتكاملوا فيها أُغلقت عليهم، أُغلقت عليهم بعمد من حديد، كما قال الله عز وجل: ﴿وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ * الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ * يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ * كَلَّا ۖ لَيُنبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْحُطَمَةُ * نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ * الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ * إِنَّهَا عَلَيْهِم مُّؤْصَدَةٌ * فِي عَمَدٍ مُّمَدَّدَةٍ﴾ [الهمزة: 1-9]. وهذه النار أيها الأحبة عياذاً بالله واسعة، واسعة جداً. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلَأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِن مَّزِيدٍ﴾ [ق: 30].

واسعة وقعرها بعيد، أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا تزال جهنم يُلقى فيها وتقول هل من مزيد؟ حتى يضع رب العزة فيها قدمه، فينزوي بعضها إلى بعض، وتقول: قط قط بعزتك وكرمك». ولا يزال في الجنة فضل حتى ينشئ الله لها خلقاً، فيسكنهم فضل الجنة. والنبي صلى الله عليه وسلم كان بين أصحابه فسمعوا وجبة -صوت سقطة- وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «تدرون ما هذا؟». قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: «هذا حجر رُمي به في النار منذ سبعين خريفاً»، تخيل وضع سبعين سنة، حجر يسقط من سبعين سنة فلا يصل إلى قعرها إلا بعد سبعين، يسقط ثم يستمر في نزوله سبعين سنة حتى يصل إلى قعرها، «فهو يهوي في النار الآن» حتى انتهى إلى قعرها.

ما وقود هذه النار؟ وقودها عياذاً بالله الناس والحجارة. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ [التحريم: 6]، يعني يصبح الناس والحجارة هي مثل البنزين للنار الآن، مثل الغاز للنار الآن. قال الله عز وجل: ﴿فَإِن لَّمْ تَفْعَلُوا وَلَن تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ ۖ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [البقرة: 24]. هذه النار يا إخوان إذا سقط فيها الإنسان أو سقط فيها حجر، ما الذي تصنع؟ تتطاير شررها، تزداد اشتعالاً ويتطاير الشرر.

تعالوا ننظر إلى حجم الشرارة الواحدة، أنت الآن تتبخر وتشوف الشرارة كيف حجمها صغير، ومع هذا تحرق ثوبك، وهكذا الشرارة. انظر، النبي صلى الله عليه وسلم يصف لنا، الله عز وجل يصف لنا هذه الشرارة الواحدة ما حجمها؟ قال الله عز وجل: ﴿انطَلِقُوا إِلَىٰ ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ * لَّا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ * إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ * كَأَنَّهُ جِمَالَتٌ صُفْرٌ * وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات: 30-34]. الشرارة الواحدة مثل القصر العظيم، وليس مثل صخرة، قصر عظيم، مثل الجمل الأحمر الكبير الشرارة الواحدة! وانظروا هذه الشرارة تطير لأعلى ثم تسقط، تسقط على رأس الكافر والعياذ بالله والمعذب في نار جهنم.

طيب ما هو الهواء؟ الهواء الذي يشمه أهل النار، ما هواؤهم؟ هواؤهم حار سموم والعياذ بالله. قال الله عز وجل: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ * فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ * وَظِلٍّ مِّن يَحْمُومٍ * لَّا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ﴾ [الواقعة: 41-44]. الماء الذي يشربونه حميم. طعامهم الضريع والزقوم، قال الله عز وجل: ﴿لَّيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِن ضَرِيعٍ * لَّا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ﴾ [الغاشية: 6-7]. ويقول الله عز وجل: ﴿أَذَٰلِكَ خَيْرٌ نُّزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ * إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِّلظَّالِمِينَ * إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ * طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ * فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ * ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِّنْ حَمِيمٍ﴾ [الصافات: 62-67].

ما شرابهم؟ شرابهم الحميم والغساق والصديد والمهل، كما قال الله عز وجل: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ﴾ [محمد: 15]، قال الله: ﴿هَٰذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ﴾ [ص: 57]، قال الله عز وجل: ﴿مِّن وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَىٰ مِن مَّاءٍ صَدِيدٍ﴾ [إبراهيم: 16]، قال الله عز وجل: ﴿وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ ۚ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا﴾ [الكهف: 29]. ما لباسهم؟ لباسهم ثياب لكنها من نار، والسراويل من قطران، كما قال الله عز وجل: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ﴾ [الحج: 19]. وقال الله عز وجل: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُّقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ * سَرَابِيلُهُم مِّن قَطِرَانٍ وَتَغْشَىٰ وُجُوهَهُمُ النَّارُ﴾ [إبراهيم: 49-50].

وطريقة العذاب والعياذ بالله، يؤتى للجلد هذا وينضج، ينضج جلده يعني يطبخ حتى ينضج جلده، يُشوى على نار جهنم والعياذ بالله. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُم بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ ۗ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾ [النساء: 56]. كذلك الصهر، يوضع عليه، يكون في قمع ثم يُصهر من أعلى رأسه والعياذ بالله، ﴿هَٰذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ ۖ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ * يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ﴾ [الحج: 19-20].

كذلك اللفح، تأتي النار وتلفح الوجه لفحاً والعياذ بالله، قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ [المؤمنون: 103-104]. يُقلَّب في نار جهنم على البطن ثم على الظهر كما قال الله عز وجل، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا * خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ لَّا يَجِدُونَ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا * يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَا لَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا﴾ [الأحزاب: 64-66]. وكذلك السحب، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ * يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ﴾ [القمر: 47-48].

ماذا لهم في نار جهنم والعياذ بالله؟ الحسرة والندامة. كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِكُلِّ نَفْسٍ ظَلَمَتْ مَا فِي الْأَرْضِ لَافْتَدَتْ بِهِ ۗ وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُم بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [يونس: 54]. يبذل كل شيء هذا الكافر من أجل الخلاص، يدعو بالثبور والهلاك، يصرخ، يطلب الرجوع لهذه الدنيا، لكن انتهى.

موضوع هذا بالنسبة لعذاب النار والعياذ بالله. في حلقة قادمة نتحدث عن نعيم الجنة، ثم نبدأ في الحديث عن أشراط الساعة. نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينجينا من ناره، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الجنة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يملأ قلوبنا يقيناً باليوم الآخر لنشغل هذه الدنيا بطاعة الله سبحانه وتعالى وبالالتزام بشرعه. أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يوفقنا للعمل الصالح، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.

اللقاء في حلقة قادمة بمشيئة الله راغباً في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم، تقنياته ومجالاته ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد: هذه عقيدتنا الصحيحة، فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهان.