تسجيل الدخول

المحاضرة 1 - خطر البدعة على عقيدة المسلم

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم.

مرحباً بكم طلاب العلم في أكاديمية زاد عموماً، وفي مادة العقيدة المستوى الرابع خصوصاً، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا المستوى فيه البركة والنفع لنا في الدنيا وفي الآخرة.

أيها الأحبة في الله، قبل أن أتحدث عن مفردات هذا المستوى، أريد أن أقول إن الحياة الحقيقية لا تكون إلا بالإيمان، وإن الاستنارة الحق لا تكون إلا بالوحي، وبدون الإيمان وبدون الوحي فلينتظر الإنسان الموت والظلام. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَوَمَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجِ مِنْهَا ۚ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 122].

أخبرنا الله سبحانه وتعالى أن الكافر ميت وإن كان قلبه ينبض بالحياة، وأن الكافر يعيش في ظلمة وإن كان يعيش بين الأنوار. فإذا جاءت بداية الإيمان للقلب صار حياً، وإذا اتبع الإنسان الوحي صار مستنيراً، فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا الإيمان الصادق والاتباع الصحيح.

أيها الأحبة في الله، بهذا المستوى سنأخذ بمشيئة الله ستة موضوعات رئيسية. الموضوع الأول عنوانه: البدعة وضوابطها. العنوان الثاني: التكفير وضوابطه. الموضوع الثالث: أشراط الساعة. الموضوع الرابع: الصحابة وآل البيت. الموضوع الخامس: الأولياء وكراماتهم. الموضوع السادس: الشفاعة.

اليوم، وخلال أربعة دروس أيضاً، سنتحدث عن البدعة وضوابطها. كل موضوع من هذه الستة الموضوعات سنأخذ فيه أربع حصص، ليكون المجموع أربعة وعشرين درساً بإذن الله. اليوم سنتحدث عن الدرس الأول من موضوع البدعة وضوابطها. سنتحدث بمشيئة الله في هذا اليوم عن أهمية دراسة البدع وعن أهمية نقدها، وسنتحدث بمشيئة الله عن تعريف البدعة، عن حكم البدعة، وخطر البدعة باختصار بإذن الله.

لماذا نتحدث عن البدع؟ ما أهمية دراسة البدع وما أهمية نقدها؟ أولاً أيها الأحبة في الله، إن دراسة البدع والقيام بنقدها هذا فرض من فروض الكفاية، لما فيه من حماية للدين الإسلامي في عقيدته وفي شريعته من أن يلصق به ما ليس منه. عندما مثلاً يأتي بعض أهل البدع فيلصقون بالعقيدة الإسلامية معتقدات والإسلام منها بريء، نحتاج إلى من يقوم بنقد هذه البدع ويقول: هذه ليست من دين الاسلام. مثل تكفير مرتكب الكبيرة، مثل الانقطاع عن الدنيا بالكلية، مثل هناك أشياء تتعلق بالعقيدة وأشياء تتعلق بالعبادة بالشريعة الإسلامية، هذه لابد أن تنفى عن الدين الإسلامي. لا يمكن القيام بنفيها دون دراستها ودون القيام بنقدها. إذاً، في دراسة البدع ونقدها حماية للدين الإسلامي عقيدة وشريعة.

كذلك أيها الأحبة في الله، في دراسة البدع ونقدها وقاية للمسلمين من أن يتلبسوا بتلك المعتقدات البدعية أو العبادات التي لم يشرعها الله ولم يشرعها رسوله صلى الله عليه وسلم.

كذلك أيها الأحبة في الله، عندما نقوم بنقد البدع وطرد البدع، تحيا السنن فتنتشر السنة. لماذا؟ لأن الذي يميت السنة للأسف الشديد هو وجود البدع. كلما ظهرت بدعة كان ظهورها على حساب إماتة السنة. عندما نحن نزيح هذه البدع وننقد هذه البدع، لابد أن يتعلم الناس ما هي السنة في هذا الأمر فتنتشر السنة.

كذلك يا إخوان، هناك بدع مكفرة، هناك بدع ليست مكفرة، هناك بدع حقيقية، هناك بدع إضافية. كيف نستطيع أن نحكم على البدع وعلى أصحابها فنأتي بالحكم الصحيح، إلا إذا قمنا دراسة البدع؟ فدراسة البدع بمنتهى الأهمية.

أيها الأحبة في الله، هناك أشياء من مسلمات ديننا الإسلامي، لابد وهي محكمة لابد أن ننشرها بين الناس. المحكم الأول: أنه واجب علينا أن نتعبد لله سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 21]. فلا بد أن نعبد الله، نعبده بقلوبنا بمعتقداتنا، ونعبده بجوارحنا، لابد من هذه العبادة.

لكن المسلمة الثانية: أن الله عز وجل أوجب علينا التعبد بالإسلام وليس بالآراء والأهواء والاذواق، إنما أوجب علينا التعبد بالإسلام الذي ختم الله به الأديان، فلا يقبل الله التعبد له بغيره. قال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]. إذاً، واجب علينا أن نعبد الله، لكن نعبده بدين الإسلام.

ثم المسلمة الثالثة: أن دين الإسلام دين كامل وتام من عند الله سبحانه وتعالى، وقد بلغه الرسول صلى الله عليه وسلم بكماله وتمامه في عقيدته وفي شريعته. فدين الإسلام لا يصح الزيادة فيه، ولا يصح النقص منه، فكلاهما الزيادة والنقص تحريف لدين الإسلام وابتداع فيه نهى الشرع عنه ولا يقبل من إنسان. لابد هذه المسلمات أن تكون عندنا ونحن نبدأ في دراسة البدع.

نتمسك ونحن ندرس البدع بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ [المائدة: 3]. نتعبد لله بالإسلام الذي هو كامل، ونتمسك بقوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 1].

واجب علينا في أمر العقيدة أن نؤمن بخبر الله عن نفسه، عن ملائكته، عن كتبه، عن رسله، عن اليوم الآخر، عن القضاء والقدر، أن نتمسك بخبر الله وتعالى دون شك ودون تقدم نقول هذا نقبله هذا لا نقبله، فنجعل هذا الخبر موزون، ودون إلحاد لا نميل عن الحق الثابت في الخبر لا يمنة ولا يسرة.

وواجب علينا في التعبد لله سبحانه وتعالى في الشريعة أن نمتثل لما طلبه الله عز وجل منا بلا شرك ولا اعتراض ولا ابتداع. ننطلق في دراسة البدع من خلال هذين الامرين.

كلمات قصيرة تحمل بين طياتها تنبيهاً وتحذيراً خطيراً، وتوجه حواسنا ومداركنا إلى دورنا الحقيقي الذي سنحاسب عليه: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. فمن أهم أدوارنا الجديرة به اهتمامنا في هذه الحياة، التركيز على مسؤوليتنا تجاه رعيتنا. فالآباء والأמות لهم الأثر الأعظم بعد الله في مستقبل الأبناء والأجيال، لذلك خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر فقال: «والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها».

إن الأبناء زهرة الحياة وقرة أعين الآباء والأمهات، وبصلاحهم ودعائهم ترفع الدرجات في الآخرة. ولكن يجب أن ندرك أن ذلك مرهون بححسن تربيتهم وصلاح نشأتهم. فهنا كان لزاما علينا البحث عن أبرع الطرقات وأفضل الأساليب في التربية والتوجيه، ليكون أبناؤنا في قابل أيامهم مصدر بر وسعادة لنا، وسواعد خير وبناء للمجتمع والإنسانية.

حياكم الله أيها الأحبة، كما وقفنا قبل الفاصل أن أمور العقيدة أمور الشريعة مكتملة الخبر، أمور الطلب مكتملة عندنا. يجب علينا تجاه خبر الله هذا قد اخذناه في المستوى الأول لكن لا بأس أن نؤكد عليه، يجب علينا أن نؤمن بما صح بالصحيح القرآن وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم سندا ومثنا. فنؤمن بالصحيح بفهم صحيح. أحيانا الإنسان يؤمن بالصحيح لكن يفهمه فهما خاطئا، نؤمن بالصحيح بفهم صحيح.

وضابط فهمنا أن فهمنا هو فهم فهم صحيح للقرآن وللسنة أن نستضيء بفهم السلف الصالح. بالصحابة نستضيء بفهم الصحابة وبفهم أئمة القرون الثلاثة المفضلة، فلا نأتي بفهم يضاد فهمهم، يكون فهمنا فهما صحيحا إذا كان موافقا لفهم السلف الصالح وليس معارضا لفهمهم.

بنظر صحيح أن هذا الخبر الإلهي جاء مقرونا بأدلته العقلية فيما يحتاج فيه إلى دليل عقلي. فلذلك لا نحتاج لا علم الكلام ولا نحتاج إلى علم الفلسفة ولا نحتاج إلى يعني شيء يثبت لنا هذا الخبر. الشيء الذي نحتاج فيه إلى أدلة عقلية قد جاء مقرونا بدليل العقل. وننظر إلى هذا الخبر أنه لا يمكن أن يخالف العقل الصريح، لا يمكن أن يخالف العلم اليقيني الصحيح، لا يمكن أن نخالف ذلك فنؤمن به بلا شك ولا تقدم.

هذه هي المهمة الآن في بالنسبة للخبر، وهذا هو سبب الانحراف وسبب ابتداع في امور العقائد. سبب الابتداع هو التقدم بين يدي الله ورسوله، فيبدأ الإنسان يجعل آرائه، يجعل عقله، يجعل هواه، يجعل شهواته، يجعلها هي الميزان لهذا لهذه العقيدة. تبدأ إما يقع في التمثيل أو التعطيل في مسائل الصفات، إما أن يقع في مسائل الإيمان بالملائكة في الإيمان بالرسل، يأتي بعد ذلك بالآراء وتأتي الانحرافات بسبب هذا التقدم على خبر الله فيقدم آراءه أهواءه فلسفته ذوقه وجده على كلام الله وكلام رسوله فتقع البدع.

ولا إلحاد لا نميل عن الحق الثابت في الكتاب والسنة في خبر الله الحق الثابت في هذا الخبر لا نميل عنه تجاه التعطيل لا نميل تجاه التحريف لا نحرف ذلك. هذا هو الواجب علينا وهذا هو الذي يعصمنا من البدع في أمور عقيدة.

ثم نأتي لأمور الطلب، ما هو الواجب علينا في أمور الطلب؟ الواجب علينا أن نمتثل الصحيح بفهم صحيح بنظر صحيح. أن ما طلبه الله عز وجل منا إنما جاء ليحقق المصالح ويدرأ المفاسد، وأن طلبه الله عز وجل منا مسعد للأرواح والأبدان، مصلح للأفراد والمجتمعات، مصلح للدنيا والآخرة. هذا هو الصحيح بلا شرك، فنعود عابدين لله سبحانه وتعالى مما طلبه الله عز وجل منا بلا شرك ولا اعتراض، لا نعترض على شريعة الله، ولا ابتداع، لا نأتي فنغير في هذه العبادة وفي هذا الطلب، لا نغير فيها شيئاً.

أيها الأحبة في الله، إن مما يخيف الإنسان من البدع أن يتذكر بعض النصوص من القرآن والسنة المخيفة الناهية والمحذرة لنا من البدع والمبينة نتيجة هذا الابتداع في الدين إلى أين سيذهب بالانسان.

هذا رسولنا صلى الله عليه وسلم كما في المسند بإسناد حسن عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطاً، وخط خطوطاً عن يمينه وعن شماله ثم قال: «هذا سبيل الله»، خط خطاً ثم قال: «هذا سبيل الله»، ثم خطوطاً عن يمينه وعن شماله ثم قال: «هذه سبل»، وفي رواية قال: «هذه سبل متفرقة على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه»، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: 153].

السبل هي الابتداع في الدين، هذا الابتداع سواء ذات اليمين جفاء، أو ذات اليسار خلو وإفراط وتفريط. الابتداع هذا هذا تفرق عن سبيل الله، ولا يمكن لهذا المبتدع أن يحقق تقوى الله سبحانه وتعالى، لأن الله قال: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153]. فالتقوى في اتباع ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سبيل الله.

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: 159]. شيء مخيف! إن الذين فرقوا دينهم، فرقوا دينهم تأتي بمعنى فرقوا دينهم، تأتي بمعنى فارقوا دينهم، فارقوا إما بالدين فارقوا المسلمين مفارقة بالدين والردة والعياذ بالله، أو فارقوهم بالسلاح فخرجوا على مجتمعهم بالسلاح. إن الذين فرقوا دينهم بمعنى فارقوا، إما فارقة دينية أو مفارقة بالسلاح كفعل الخوارج فارق بالدين الارتداد.

ويأتي بمعنى ويأتي فرقوا دينهم بمعنى التفريق للدين بأخذ بعضه وترك بعضه وهذا ابتداع، أو الابتداع في الدين بمجرد أن يحدث الابتداع في الدين يحدث الفرقة بين المسلمين، لأن هؤلاء الذين ابتدعوا يكونون شيعاً على بدعتهم ويكونون حزب، لأنهم يتحزبون على هذه البدع، فتكون هذه الفرقة ثم بعد ذلك يحدث الخلاف في الأمة الإسلامية.

يقول الله سبحانه وتعالى حذراً من هذا الفعل من هذا الابتداع في الدين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ ۚ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾ [الأنعام: 159].

ما هي تعريف البدعة؟ البدعة أيها الأحبة اللام في اللغة العربية معناها الاختراع على غير مثال سابق، ومنه قوله سبحانه وتعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: 117] أي مخترعهما على غير مثال سابق، ويقال: أبدع فلان بدعة، يعني ابتدأ طريقة لم يسبق إليها.

وفي الاصطلاح وفي الشرع، هي طريقة مخترعة في التعبد، ولو قلنا هي طريقة مخترعة في الدين لتشمل العقيدة البدع العقائدية والبدعة العبادية لكان أفضل. طريقة مخترعة في الدين بغير دليل من كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

سنأخذ يا إخوان، تأملوا معي ضابط تحديد البدعة. البدعة يعني هي أمر لابد إذا اردنا أن نربطه بالدين، هذا الأمر يكون حدث بعد عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. البدعة هي الأمر الحادث بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذا الأمر الحادث بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ننظر إليه، حدث في الدين ولا في الدنيا؟ إن كان هو حادث في الدنيا مثل إحدى السيارات هذه ما كانت في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، عمائر فخمة، نوافير، مناظر جمالية، أشياء تكون هذه امور حدثت بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم، لكنها امور دنيوية طالما تتعلق بالدنيا إذا هذه تخرج عن كونها بدعة ضلالة، إنما هذا ابتداع، هذا إبداع. هذا الأمر في امور الدنيا المجال مفتوح للابتكار والابتداع والاختراع والتطوير في امور الدنيا، هذا مجاله، كل ما من شأنه.

أن يسهل على الناس حياتهم، وعلى الحيوان كذلك. كل ما من شأنه أن يسهل، أبدع الإنسان فيه، واخترع فيه، ونوى به وجه الله؛ يثاب على ذلك.

أما إذا كان في الدين، وليس في الدنيا -الآن دخلنا في المجال الذي نريد أن نتحدث عنه- حدث هذا الأمر بعد عهد النبي صلى الله عليه وسلم. لكن في الدين؟ فننظر إلى السبب المقتضي لإيجاده؛ لماذا أوجدتم هذه البدعة؟

فإذا كان السبب المقتضي لإيجاده كان موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، مثل محبة الرسول صلى الله عليه وسلم، لكن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يفعله، لم يحث على فعله؛ فهذا هو البدعة الضلالة.

ناخذ فاصل ثم نكمل هذه القضية بعد الفاصل بمشيئة الله. في مثل هذا اليوم، الرابع عشر من فبراير، كان يجتمع الرومان لتقديم القرابين إلى آلهتهم المزعومة، فهو يوم عيدهم الوثني. ثم صاروا يحتفلون فيه بذكرى القس فالنتاين، الذي قتله قائد الرومان لمخالفته الأوامر، فاتخذوا هذا اليوم عِيداً تخليداً لذكراه، فأخذه عنهم النصارى، وأصبح هذا اليوم عيد الحب عندهم. وإن عجب فعجب أمر بعض المسلمين الذين يتشبهون بهم ويشاركونهم في هذا الاحتفال، متناسين قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من تشبه بقوم فهو منهم».

ويكفي أن نعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم أنكر على أصحابه الاحتفال بيومين كانوا يلعبون فيهما في الجاهلية، قائلاً لهم: «إن الله قد أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر». فليس للمسلمين إلا عيد الأضحى وعيد الفطر، وعليه فلا يجوز للمسلم الاحتفال بهذا اليوم الوثني، وإظهار البهجة فيه، ومشاركة المحتفلين به، وبيع الهدايا المخصصة لعيد الحب أو شراؤها أو قبولها هدية.

ولنتذكر دوماً أن الإسلام أعلى من شأن الحب الحلال؛ فقد صح نبينا صلى الله عليه وسلم عن حبه لزوجه عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها، وأخبر أنه رزق حب زوجه خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها. فلا حرج في الحب المباح الجميل، ولا سعادة إلا في اتباع نهج الإسلام فيه.

حياكم الله أيها الأحبة. قلنا: إذا كان الأمر الحادث في أمور دنيوية، ابْتَكَرَ الإنسان، اخترع بما ينفع الناس، وينفع الحيوان، وينفع الطيور؛ فهذا الإنسان يثاب على ذلك. أما إذا كان هذا في الدين، نقول: لماذا ابتدعت هذا الأمر؟ ما الذي دفعك لأن تبتدع هذا الأمر في الدين؟

فإذا أتى بِسَبَبٍ، قال: نحن نحب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولذلك نحن نحتفل بمولده. نقول: وهل كان هذا الداعي لم يكن موجوداً في هدي النبي صلى الله عليه وسلم؟ ما كانوا يحبون رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ والصحابة والرسول صلى الله عليه وسلم ما كان يريد منهم أن يحبوه؛ لأن هذا دين وتعبد. هذا السبب كان موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم لم يحث على هذا الأمر، ولم يمدح فاعله، ولم يطلب من الناس أن يفعلوه؛ إذاً، هذه بدعة ضلالة.

أما إذا كان السبب المقتضي لإيجاده لم يكن موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، فينظر إلى هذا السبب: لماذا؟ هل هو بسبب تقصير المسلمين؟ مثال: يقول مثلاً هناك حاجة إلى أخذ ضرائب من الناس، طيب لماذا؟ لوجود فقراء، ولحاجة بيت المال لدعم الناس له، يقال: هل أنتم الآن استوفيتم المنفذ الشرعي وهو الزكاة؟ إذا كنتم أخذتم الزكاة فالحمد لله، فصار هذا. أما إن لم تأخذوا الزكاة من الناس، أهملتم الزكاة، ثم ابتدأتم هذا الأمر من أجل إعطاء الفقراء والإحسان إلى الفقراء؛ نقول: لا، هذا السبب المقتضي لإيجاده هو سبب تقصير المسلمين في التزام شريعتهم، فيكون هذا الأمر بدعةً إضافة إلى كونه محرماً.

أما إذا كان لا، ما في أي تقصير، لكن كان هذا الأمر خارجاً عن إرادة الناس؛ مثال: المؤذن يؤذن الآن للصلاة، لو كان من غير مكبرات الصوت، لو أذن ما سمعه من هو أسفل المسجد، من هو أسفل عند باب المسجد لا يسمعه، ولو صعد إلى أعلى لا يسمعه، لوجود المصانع ووجود الضجيج والسيارات والمكيفات والأشياء؛ فهذا الأمر ليس ببدعة، وإنما يقال: إن هذا من باب المصلحة المرسلة. وغالباً هذا يكون ليس في كيفية، إنما يكون في أمور مساعدة لأداء هذه العبادة. الابتداع الآن ليس في الأذان، الأذان كما هو، إنما جُعلت وسيلة معينة توصل الأذان إلى الناس فوضعت مكبرات الصوت، فهذه تسمى مصلحة مرسلة، هذه من المصالح ولا تدخل في البدع.

إذاً، نقول عن ضابط البدعة: البدعة نقول هي إحداث أمر في الدين لا في الدنيا، إحداث أمر في الدين سواء في العقيدة أو العبادة لم يثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا عن صحبه الكرام. إن أن هناك بعض الأشياء قد تثبت عن الصحابة، ويكون هذا مفهومهم للدين، مفهومهم للعبادة، وهذا الفهم فهموه من رسولنا صلى الله عليه وسلم؛ فمتابعة سنة الخلفاء الراشدين في أمر يذكرون أنه من العقيدة أو من العبادة، لا بأس في ذلك؛ لأن هؤلاء لا يمكن أن يكون هؤلاء إلا بفهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو من الدين.

نقول لتعريف البدعة: هي ما لم يشرعه الله ولا رسوله صلى الله عليه وسلم، سواء في العقيدة أو العبادة من الأقوال والأفعال والأحوال. نقول إن تعريف البدعة: طريقة في الدين مخترعة مبتدعة تضاهي الشرعية. يعني هذه الآن البدع الإضافية تضاهي الشرعية، يظنها الشخص أنها مثل أمور الشريعة، لكن هي في الحقيقة بدعة، يقصد بالسلوك عليها -لماذا صار الإنسان عليها؟- ليبالغ في التعبد لله سبحانه وتعالى. طريقة في الدين مخترعة تضاهي الشرعية، يقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله تعالى.

يمكن أن نعرف البدعة بتعريف آخر، نقول: هي الأمر الحادث بعد عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمور الدين، وكان الداعي لإيجاده موجوداً في عهد النبي صلى الله عليه وسلم، ومع هذا لم يفعله النبي صلى الله عليه وسلم ولم يحض عليه، فهذا هو البدعة الضلالة.

أيها الأحبة في الله، لو جئنا إلى باب العبادة بالذات، نقول: المقصود الاتباع في العبادة، المقصود أن نعبد الله وأن نكون في عبادتنا لله متبعين لما شرعه الله. فالمقصود بالاتباع في العبادة: عبادة الله وفق ما بينه لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، بدون اختراع عبادة جديدة أو تعديل وتغيير في العبادة المشروعة. بدون اختراع عبادة جديدة فتكون بدعة حقيقية، أو تعديل وتغيير في العبادة المشروعة فتكون هذه بدعة إضافية.

نوضح يا إخوان، هذا يجب عندما نتبع في العبادة المشروع: أن نوافق العبادة في ستة أمور.

الامر الأول: أن نوافق في السبب، فنلتزم العبادة كما شرعت في سببها إن كانت من ذوات الأسباب، كصلاة الخسوف والكسوف. لا يأتي شخص يقول: والله أنا يعني الآن كما ترون الأحداث، وكما ترون كذا، أنا أريد أن أصلي صلاة الخسوف أو صلاة الكسوف ولكن بدون سبب، لا يوجد لا خسوف قمر ولا كسوف شمس، ثم يأتي هو يصلي صلاة الخسوف والكسوف! لماذا؟ قال: هكذا يعني خوفاً من الله سبحانه وتعالى. نقول: لا، لابد أن تلتزم بهذه العبادة، تلتزم بها في سببها، تلتزم بالسبب الذي من أجله شرعت.

الامر الثاني: أن تلتزم في العبادة بجنسها، أن تلتزم بالعبادة كما شرعت في جنسها إن كانت مطلوبة من جنس محدد، كبهيمة الأنعام في الأضاحي؛ الأضاحي إبل، بقر، غنم. ما يأتي إنسان ويقول: يعني الناس الآن في حاجة دجاج أو حمام أو كذا، يقول: هذه يقولها الناس، خلاص! لا، تلتزم بالعبادة في جنسها طالما أنه حدد جنس العبادة.

الامر الثالث: أن تلتزم في العبادة بقدرها، فتلتزم بها كما شرعت في قدره، إن كانت مقدرة بعدد معين كصلاة الفجر ركعتين، بوزن معين كصاع مثلاً، أو مقدار معين، وهكذا تلتزم بقدرها الذي شرعت فيه. فإن أردت تغيير في القدر هذا، تقول: أنا أريد مثلاً أزكي زكاة الفطر بدلاً عن صاع، أريد أن أزكي بصاعين هكذا وأحث الناس لحاجة الناس؛ نقول: لا، الآن تلتزم بالقدر الذي شرعه الله. تريد أن تتطوع في صدقة، زكاة، شيء آخر غير هذا، لك ذلك، لكن تلتزم بقدرها.

الامر الرابع: تلتزم بكيفيتها، تلتزم بالعبادة كما شرعت في كيفيتها وهيئتها وترتيبها، كالوضوء والصلاة. مثل: تلتزم تبدأ بالوجه مع المضمضة والاستنشاق، ثم بعد ذلك اليدين، ثم الرأس، ثم الرجلين. لو قال شخص: يا اخي ما فرقَت، أنا أبدأ برجلي ثم يدي ثم رأسي ثم... نقول: لا، ما ينفع هذا، لا بد أن تلتزم بها في كيفيتها وهيئتها وترتيبها كما شرعت.

الامر الخامس: تلتزم في العبادة بزمنها، طالما هي شرعت في زمن معين كالحج. ما يأتي إنسان ويقول: لا، نقسم الناس، ناس يحجون في شهر ذي الحجة وناس يحجون مثلاً في شهر رجب أو شعبان أو هكذا حتى نخفف الزحام؛ لا، تلتزم العبادة هذه بزمانها.

الامر السادس: تلتزم بها في مكانها، كما شرعت في مكانها، الاعتكاف في المساجد، وهكذا. ما تأتي أن تقول له: أنا أريد أن أعتكف مثلاً في المغارات، اريد أن أعتكف في الكهوف؛ لا، تلتزم بها.

فلا بد في العبادة أن نلتزم: بسبب، بجنسها، بقدرها، بكيفيتها، بزمانها، بمكانها. البدعة الإضافية هي أن تأتي تتلاعب بهذه الأمور؛ تتلاعب بالكيفية، تتلاعب بالزمن، تتلاعب بالمكان، بالقدر، هذا يفسد الأمر ويدخل الإنسان في باب البدع.

أيها الأحبة في الله، البدعة أمرها خطير وامرها محرم، حرم الله الابتداع في دينه، وحرمه رسوله صلى الله عليه وسلم. وعد الله سبحانه وتعالى من يبتدع في الدين فيأتي بعقائد شركية، بعبادات بدعية، يحرم ما أحل الله، يحل ما حرم الله؛ اعتبره الله سبحانه وتعالى -جعل نفسه والذي يقبل به- جعله رباً مع الله سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِه اللَّهُ﴾ [الشورى: 21].

فنعوذ بالله من البدع صغيرها وكبيرها، من البدع العقدية والبدع العبادية. وإلى هذا الحد في هذه المحاضرة نقف، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، ونلتقي في درس قادم بمشيئة الله، استودعكم الله.