في الحلقة الماضية، الحلقة الرابعة المحاضرة الرابعة، وقفنا عند أن كثير من الناس يلتبس عليهم مفهوم العبادة، وينبني عليه الارتباس عندهم في معنى توحيد العبادة، وينبني عليه الالتباس عندهم في معنى الشرك. والسبب هو أنه لم يُضبط معنى العبادة ضبطًا جيدًا في صرف عبادات لغير الله، وهو يظن أن هذه الأقوال وهذه الأفعال التعبدية ليست عبادة، وأنه موحد وأنه ليس بمشرك، وهكذا. فما معنى العبادة؟
العبادة في اللغة العربية معناها الخضوع والتذلل، يقال: طريق معبد أي مذلل؛ فمعنى العبادة في اللغة العربية يدور حول الخضوع والتذلل. الاصطلاح الشرعي، ما معنى العبادة؟ العبادة وقلنا خضوع وانقياد، خضوع وتذلل. الخضوع والتذلل يكون لمن؟ لله جل جلاله. كيف يكون هذا الخضوع والتذلل؟ هل هو خضوع تذلل خوف من غير حب؟ لا. هل يكون حب من غير خوف وتعظيم؟ لا. إذا هو خضوع وتذلل لله جل جلاله حبا، لابد حبا وخوفا ولابد أن يكون هناك تعظيم، ورجاء بماذا؟ بما شرع في كل زمان ومكان. هذا تعريف العبادة. العبادة إذا نظرنا لها سنرى أن هي دين الاسلام، الدين في اللغة العربية يدور مع نحو الخضوع والانقياد، وفي الاصطلاح عند علماء الأديان الدين هو علاقة مقدسة بين ذاتين إحداهما تحكم وتسوس وتقهر والأخرى تخضع وتنقاد وفق شريعة بينهما. الإسلام ديننا الإسلامي، العبادة في الإسلام أيضًا علاقة مقدسة، علاقة فيها حب وتعظيم، علاقة حب وتعظيم من العبد لرب سبحانه وتعالى لكونه هو المنفرد بالخلق والملك والتدبير. فهو خضوع وتذلل حبا وخوفا ورجاء لله سبحانه وتعالى المنفرد بالخلق والملك والتدبير بما شرع، يعني بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم في جميع مناحي الحياة. فالعبادة هي دين الإسلام، هي المعنى الإسلامي. العبادة هي الخضوع والتذلل لله بما شرع في كل زمان ومكان، هذا معنى العبادة.
ابن تيمية رحمه الله كان يعرف العبادة بأنها اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه، كل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة يسمى عبادة. اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. الظاهرة، ماذا يقصد بالظاهرة؟ لأنها المتعلقة بالجوارح؛ الصلاة والصيام والزكاة والحج وصدق الحديث وأداء الأمانة وبر الوالدين وصلة الأرحام. والباطنة يقصد بها أعمال القلوب المتعلقة بالقلب، والمحبة والخوف والرجاء والخشية والتوكل، وهكذا تسمى ظاهرة وباطنة، وهذه هي العبادة. اسم جامع لكل ما يحبه الله وهي شاملة لجميع مناحي الحياة، ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * لَا شَرِيكَ لَهُ ۖ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الأنعام: 162-163].
سيأتي شخص يقول: أيضًا ليست واضحة، يعني هكذا اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه. طيب كيف نعرف أن هذا الامر يحبه الله ويرضاه؟ الامر الذي يحبه الله ويرضاه وما أمر به، أمر إجاب أو استحباب. ما يحبه الله ويرضاه نعرفه كيف؟ ننظر للكتاب والسنة؛ هل ورد الأمر بهذا الشيء؟ هل ورد الحث على فعله؟ هل ورد مدح فاعله؟ إن وجدنا مثل هذه الأمور فدل ذلك على أن هذا الأمر عبادة، كل مأمور به أمر إجاب أو استحباب.
والعادات كذلك، عادات الإنسان في المأكل، المشرب، المشي، الرياضة، الأمور العادية، لبس النظيف، وهكذا. هذه الأمور إذا نوى الإنسان بها وجه الله تتحول إلى عبادات كذلك، وهي تدخل ضمن الاستحباب، استحب يعني مستحب للانسان أن ينوي بعاداته من أكلة وشربه ونومه، رياضته، جلوسه مع أصدقائه، أن ينوي بذلك عبادة الله جل جلاله والقربة يتقوى بها على طاعة الله، فتتحول إلى عبادات. هذه هي العبادة، ضابطها أن ننظر إلى الكتاب والسنة، إن وجدنا الأمر بهذا الشيء، حث على فعله، مدح فاعله، فهذا الأمر عبادة.
أي عبادة يا إخوان لابد أن يكون أن تشتمل على أمرين. الأمر الأول: أن يكون فيها الحب، محبة الله المقتضية لامتثال المأمور واجتناب المحظور، كما قال تعالى: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]. هذا الأمر الأول، لابد أن يكون في أي عبادة الحب. الأمر الثاني: لابد أن يكون في أي عبادة الذل واللخضوع، وفيه الخوف والرجاء مع الخوف والرجاء، ذل وخضوع لله سبحانه وتعالى. لا ينفع حب فقط من غير خوف ومن غير رجاء، من غير تعظيم، ما يصلح. لابد مع الحب يكون هناك ذل وخضوع، الذل والخضوع يكون فيه ظهور، يعني الخوف يمنع الإنسان من الوقوع في المعاصي، الرجاء يدفع الإنسان لفعل الطاعات، فلا بد أن يكون هذا في أي عبادة من العبادات.
أيها الأحبة في الله، ينبغي أن نقوي هذين الأمرين. إذا أراد الإنسان أن يكون عابدا لله، محققا لتوحيد الله، متمسكا، يجب أن يحقق في نفسه هذا الأمر حتى يحقق العبودية؛ أن يأتي بالحب، وأن يأتي الذل والخضوع، الخوف والرجاء، فيأتي بهذه الأمور يكون عابدا. كيف الإنسان لا يحب الله سبحانه وتعالى والله جل جلاله متصف بصفات الكمال والجلال سبحانه وتعالى؟ كلما طالع الإنسان أسماء الله سبحانه وتعالى وصفاته ونظر في مخلوقاته، كلما ازداد قلبه حبا لله سبحانه وتعالى. وكلما ربى الإنسان نفسه على تعظيم الله، كلما ازداد الخوف في نفسه والاجلال والتعظيم لله سبحانه وتعالى، وبهذا يكون هذا الإنسان عابدا لله.
ننبه يا إخوان أن معنى الإله أيضا مشتمل على قضية الحب، الإله هو الذي تألهه القلوب، يعني تحبه القلوب تتعلق بها القلوب، تتعلق به سبحانه وتعالى تعلقا يوجب قصده بجميع أنواع العبادة. هذا معنى الإله، والإله معناه عندما تقول أنت لا إله إلا الله كأنك تقول إن قلبي معلق بالله، امتلأ قلبي حبا لله سبحانه وتعالى. لذلك يظهر حب الله عز وجل الذي امتلأ به قلبي، يظهر على جوارحي فعلا للطاعات واجتنابا للمعاصي والمنكرات. ناخذ فاصل ونعود إليكم بمشيئة الله.
حياكم الله أيها الأحبة في الله، نكمل ما بدأناه في حديثنا عن العبادة، وأن هذه العبادة لها مكانة عظيمة في دين الإسلام، لأنها هي تمثل الدين الإسلامي كاملا، وهذه العبادة هي الغاية التي من أجلها خلقنا الله سبحانه وتعالى. قال عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56]. لا يوجد منزلة ينزلها الإنسان أعظم من منزلة العبودية لله جل جلاله، لذلك أرسل الله الرسل وأنزل الكتب من أجل أن يكون الناس عبيدا لله سبحانه وتعالى. قال عز وجل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]. وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25]. وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 92]. خلقنا الله عز وجل من أجل عبادته.
عبادة الله يا إخوان هي قمة الحرية التي يعيشها الإنسان، عندما تتعبد لله جل جلاله تتحرر من العبودية للمخلوقات، وعبوديتك لله سبحانه وتعالى هي تكريم لك وهي اصطفاء لك. عندما أنت يتعلق قلبك بالله وتعبد الله جل جلاله، هذا في الحقيقة اصطفاء لك، لأن ما جعل لك من العبادات والتشريعات إنما فيها إسعاد لك. هذه العبادات التي نقوم بها لله سبحانه وتعالى هي أصلا يعني هي غذاء لقلوبنا، هي صلاح لأبداننا، هي صلاح لدنيانا، هي صلاح لآخرتنا، هي صلاح للفرد، هي صلاح للمجتمع.
ويجب أن يكون هذا الأمر واضح عندنا، لا يمكن أن يكلفنا الله سبحانه وتعالى بأمر فيه شقاء لنا، ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: 2]. لا يمكن أن يكون في شيء من تشريعات الله، في شيء من عبوديتنا لله سبحانه وتعالى، في شيء من خضوعنا لله سبحانه وتعالى، لا يمكن أن يكون فيه شيء يسبب لنا الضيق والضجر والالم، بل فيه سعادة لأرواحنا. هذه العبودية قمة السعادة للروح والقلب، لأن هذه العبودية لله تخلص القلب من جميع الأمراض الخبيثة من الشرك والنفاق، وهذا الشرك يدمر القلب. هذا الشرك، بعض الناس يظن أن الأمر يسير، الشرك هذا يميت الإنسان، يميت قلبه، سرطان. هذا الكفر والعياذ بالله يميت قلب الإنسان، ينبض قلبه بالحياة لكنه في الحقيقة هو من جملة الأموات. إرادة الدنيا بالأعمال الصالحة، الرياء، الكبر، الحسد، الحقد، البغضاء، الشريعة هذه تطهر هذا القلب، يبقى قلبك طاهر نقي، وتملأه بالإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل، الإيمان بالكتب والرسل، الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بالقضاء والقدر، تملأه بحب الله والخوف من وعيد الله والرجاء فيما عند الله، الرضا، اليقين، الصبر، التوكل، هذه الأشياء كلها قوة للقلب، حياة للقلب، صلاح للقلب، هذه تشريعاتنا تشريعات الدين الإسلامي.
ولا تظن أن الإسلام جاء لإسعاد الروح دون البدن، وقد يظن بعض الناس أن الإسلام يعني علاقة روحية وأنه شيء روحي. الإسلام كما جاء لإسعاد الروح واصلاح القلب، جاء كذلك بإسعاد البدن. هذه التشريعات من شأنها وهذه العبودية لله تقوي لك هذا البدن، تسعد لك هذا البدن، تأخذ اللذة البدنية متجنبا المحرمات التي تضر بهذا البدن. كل تشريعات الدين الإسلامي فيها مصلحة وإسعاد للبدن كذلك، لا كما يظن بعض الناس. من التزم بشرع الله أسعده الله عز وجل في بدنه أولا، سيجد قوة في هذا البدن، قوة في سمعه، قوة في بصره، قوة في يده، قوة سيُعطيها الله سبحانه وتعالى إياها. أيضا هو سيجد في الحلال، سيجد لذته في الحلال، وكل من ترك الحرام متعبدا لله بذلك وتوجه للحلال، سيجد في الحلال من اللذة الشيء العجيب. لا يوجد أيها الأحبة في لذة حرمها الاسلام علينا يرتد بها البدن وليس فيها ضرر، مستحيل هذا مستحيل، إلا أن يكون الضرر هو الأكبر وهو الاقوى في حرم هذا الأمر وما فيه من لذة، هذه اللذة التي تكون قليلة في هذا المحرم هذه اللذة تشرع في مكان آخر ليس فيه ضرر.
وهكذا يجب أن نححسن الظن بشريعة الإسلام، نحسن الظن أننا متى تمسكنا بهدي العبودية لله أصلح الله لنا دنيانا، مكننا الله في الأرض، أدر علينا أنواع الرزق، جعل الله سبحانه وتعالى الأمن في أوطاننا. كلما تمسكنا بالدين العظيم لله أصلح الله لنا دنيانا، وإنما من فسد فسد الدنيا وهو يزعم أنه متمسك بالإسلام، فليعلم أن تمسكه بالإسلام تمسكا منحرفا. الإسلام يدعو إلى عمارة الأرض، ﴿هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾ [هود: 61]. العبودية لله سبحانه وتعالى صلاح للدنيا، العبودية لله سبحانه وتعالى صلاح للفرد. فلذلك هذه العبودية قمة أعلى ما يمكن أن يصل اليه الانسان.
لننظر إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، أمره الله عز وجل بالعبودية لله حتى الموت، قال سبحانه وتعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: 99]. ووصف الله عز وجل نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بالعبودية في أشرف الاماكن وفي أشرف البقاع، قال الله عز وجل: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى﴾ [الإسراء: 1]. وقال الله عز وجل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجًا﴾ [الكهف: 1]. ووصف الله عز وجل ملائكته بالعبودية له، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِندَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ﴾ [الأعراف: 206]. الملائكة وصفها الله سبحانه بالعبودية له وأنهم لا يترفعون عن ذلك. كذلك وصف الله عز وجل صفوة خلقه بالعبودية له، فقال تعالى: ﴿عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾ [الإنسان: 6]. وقال الله عز وجل: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63]. والله سبحانه وتعالى وصف عيسى عليه السلام بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ [الزخرف: 59].
أيها الأحبة في الله، هل يمكن للإنسان أن يتعبد ويصل في تعبده إلى مرحلة تسقط عنه التكاليف، يسقط عنه العبادة؟ لأن بعض الناس للأسف الشديد ممن شوهوا دين الإسلام، ظنوا أن قول الله عز وجل: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، أهل اليقين هذه منزلة من منازل العبادة، هذا اليقين ليس هو الموت عندهم، اليقين منزلة تشهد فيها ربوبية الله سبحانه وتعالى، أن الله هو المنفرد بالخلق والملك والتدبير، ثم ترى في هذه المنزلة أن المحرمات.
مراده لله جل جلاله. مرادة لله ليست كونا، كما يقول أهل السنة والجماعة، أنها مرادة كونا ولم يردها شرعا، لا أنها مرادة كونا وهي محبوبة. إذا وصلت إلى هذه الدرجة، استوى عندك الحلال والحرام، استوت عندك الطاعة والمعصية، استوى عندك الكفر، استوى عندك الشرك والتوحيد. قالوا: أنت وصلت إلى مرتبة اليقين، وصلت من التعبد حتى ترى أن الجميع يعبد الله سبحانه وتعالى، لكن كلنا نعبد الله. فشارب الخمر -إذا وصلت إلى مرحلة أنك ترى أن شارب الخمر عبد لله، ولي من أولياء الله- قالوا: عندئذ ممكن تسقط عنك التكاليف. وهذا كلام، أيها الأحبة في الله، من أعجب الخذلان التي خذل الله عز وجل بها بعض الناس.
لكن هؤلاء الناس الذين خذلوا قد يكون بعضهم جهلة، أما البعض الآخر فهو يعلم ذلك ويريد بهذا الأمر هدم دين الاسلام في عباداته. ناخذ فاصل ثم نعود إليكم بمشيئة الله.
وظائف وأعمال، شاشات وألعاب، أشغال كثيرة مهمة وغير مهمة. فكيف نطلب العلم في زحمة الانشغالات؟ أما الأشغال الباطلة والمحرمة كالأفلام والمسلسلات، فيجب الاقلاع عنها فورا، وبذلك يتوفر وقت طويل لطلب العلم. والقناعة، ووفروا الوقت المبذول في تحصيل النفقات الترفيهية، فيمكن إغلاق المحل يوما في الأسبوع مثلا وتخصيصه لطلب العلم، ويمكن التناوب مع زميل على طلب العلم فيحضر أحدكما حين يغيب الآخر، ثم تتبادلان المعلومات، كما كان يفعل عمر بن الخطاب وجاره الأنصاري.
ويمكن استغلال وقت المواصلات ذهابا وإيابا في القراءة والسماع، وكذلك وقت الفراغ أثناء العمل وأيام الإجازات، واستفد بالتكنولوجيا الحديثة كالإترنت والهواتف الذكية والالتحاق بالتعليم المفتوح مثل منصة زادي. وعلى الأغناء كفالة بعض النابهين وتفريغهم لطلب العلم، وفي الحديث: «من جهز غازيا في سبيل الله فقد غزا». فعمن للآخرة يكفيك الله هم الدنيا. قال صلى الله عليه وسلم: «من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله، وأتته الدنيا وهي راغمة».
حياكم الله أيها الأحبة، وصلنا إلى أنه لا يمكن لإنسان أن تسقط عنه العبودية. طيب، إذا أصبح عبد، ماذا؟ إذا سقطت عنه العبودية، ماذا يصبح؟ هل يريدون أنه يصبح إلها؟ هذا ما يخشاه الإنسان، لأنه للأسف بعض المتصوفة هم يدعون إلى وحدة الوجود بحيث يرى الإنسان نفسه إلها؛ إذا سقطت هذه التكاليف صار إلها، فصار معبودا، صار هو الذي يتوجه إليه بالعبادة فتسقط عنه التكاليف عياذا بالله.
العبادة يا إخوان تنقسم إلى قسمين: عبادة كونية، وهذا يكون فيها الإنسان عبدا معبدا يعني خضوعه لأمر الله خضوعا كونيا، هذه أشياء من جميع الخلق لا يخرج عنها أحد، كما قال عز وجل: ﴿إِن كُلُّ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: 93] يعني شاملة للمؤمن والكافر. هل يريدون أن الكافر بمعنى معبد لله؟ لكن هذه ليست هي الممدوحة، هذه ليست الممدوحة، إنما الممدوح الثاني: العبادة الشرعية، وهي الخضوع لأمر الله تعالى الشرعي، وهذه خاصة عباد الله الذين اتبعوا ما جاءت به الرسل، كما قال الله عز وجل: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾ [الفرقان: 63].
مما تبقى في هذه الحلقة، في هذا الدرس، في هذه المحاضرة، أريد أن أطرح عليكم هذه المناقشات: رتبوا لي العبارات التالية ترتيبا على حسب الصحة. رتبوا العبارات التالية على حسب الصحة. العبارة الأولى تقول: نحن نعبد الله حبا فيه، لا طمعا ولا خوفا، المحبة خاصة. يقولون: نحن ننطلق في عبادتنا لله انطلاق المحبة دون خوف ولا طمع. يقول: لو كان نحن لا نعبد الله إلا خوفا، لا، هذا لسنا عبادا طائعين، ولو كنا نعبد الله رجاء أصبحنا مثل التجار الذين يتعاملون مع الله ينظرون إلى ما في يديه. طيب، ماذا قالوا؟ قالوا: نحن نعبد الله حبا فيه، لا طمعا ولا خوفا، بل محبة خالصة. هذا رقم واحد.
العبارة الثانية تقول: نحن نعبد الله طمعا، طماعين فيما عنده ونطمع في رحمته، فنعبد الله ونحن نطمع في رحمته، الذي نصب أعيننا هو الطمع في الرحمة، فإن الله من رحمته -يقولون- فإن الله من رحمته يدخل الجنة بلا عمل، يدخل الجنة من شاء بلا عمل، فإذا نحن طمعنا في رحمة الله -ورحمة الله واسعة- أدخلنا الجنة بلا عمل. فعبوديتنا لله الطمع في رحمته من غير خوف؛ لأنه ما يصلح أن نخاف من الله ونحن نرجو رحمته كما يقولون. بالنسبة للحب، لا بأس به يعني، لكن العبادة الظاهرة عندهم هي عبادة الطمع فيما عنده، الطمع في رحمته. هذه العبارة الثانية: نحن نعبد الله طمعا في رحمته فهو من رحمته يدخل الجنة من شاء بلا عمل.
العبارة الثالثة تقول: نحن نعبد الله خوفا من عذابه وعقوبته، خوفا من عذابه وعقابه، فإن من عاقبه الله أخلده ناره. هم يقولون: نحن نعبد الله بالخوف؛ لأن هذا هو الأساس في أنك تكون عابدا لله أن تعبده بالخوف؛ لأن الله من عاقبه أخلده ناره. هذه الثلاث العبارات. اريد من كل طالب أن يرتب لي هذه العبارة على حسب الصحة: واحد اثنين ثلاثة، أو اثنين واحد ثلاثة، أو ثلاثة واحد اثنين، أياها أصح؟ أما الصحيح، أما الأقل صحة، كل واحد منكم يرتب هذه العبارات.
سأشرح لكم يا إخوان هذه العبارات، وكل واحد يعطي نفسه درجات على حسب ما وصل إليه. من قال: واحد اثنين ثلاثة، خطأ. من قال: اثنين واحد ثلاثة، خطأ. من قال: ثلاثة واحد اثنين، أو ثلاثة اثنين واحد، خطأ. كل هذه العبارات عبارات باطلة ولا تصح منها أي عبارة، ولا يمكن أن نرتب شيئا من هذه العبارات، هذه العبارات كلها باطلة.
طيب، تعالوا نقف عند هذه العبارات: العبارة الأولى: نحن نعبد الله حبا فيه بلا طمع ولا خوف، هذه عبارة الزنادقة. الزنادقة من الصوفية يقولون: هؤلاء إذا كان المتعبد رجلا يتعامل مع الله سبحانه وتعالى كتعامل العشيق مع عشيقته -عياذا بالله- والحب حب إلهي، بمعنى أنه حب دلال، حب ما فيه أي خوف ولا رجاء، هذا حب الزنادقة. ثم هذا الإنسان يرى أن الله عز وجل يحبه وهو يحب الله، فتسقط عنه التكاليف فلا يعمل شيئا، ولذلك سمى زندقة لكونها مرقعة من الدين؛ بعد ذلك لا يعبد الله سبحانه وتعالى.
وببعضهم يقول عبارات -عياذا بالله- شيء من أعجب ما يسمع الإنسان، قال بعضهم -يعني من دلاله على الله- إن الله لو أدخله النار، تمرغ فيها فقلب عشبا أخضر -أعوذ بالله- بعضهم يقول: لو أدخله الله النار -لأنه ما يخاف من النار- ولو أدخله النار لبصق فيها فأطفأها، أعوذ بالله! وهكذا هؤلاء زنادقة، يصور الله سبحانه وتعالى -تعالى الله عز وجل عن ذلك- صورة رجل عشيق، ويسمى في الليل العرس الإلهي، العشق الإلهي. هذه الأمور كلها أمور باطلة؛ التعبد لله بالحب وحده زندقة؛ لماذا؟ لأنه بعد ذلك يترك التكاليف ويترك العمل فيتزندق ويخرج من ملة الإسلام، هذه العبارة الأولى.
العبارة الثانية: نحن نعبد الله طمعا في رحمته، فهو من رحمته يدخل الجنة من شاء بلا عمل، هذه عبارة المرجئة الذين يخرجون العمل عن مسمى الإيمان، وهؤلاء يتعبدون لله بالرحمة، بالنظر في رحمة الله دون النظر في عقوبته، ما يخافون ولا يتحدثون عن العقوبة، وهذا الأمر يجعلهم ماذا؟ يتركون الأعمال؛ أعمال الجوارح ويهملونها ولا قيمة لها عندهم، وهذه مشكلة كبرى عندما يترك الإنسان العمل بالدين الإسلامي.
الدين الإسلامي هو مبني على العمل، ولابد أن يكون فيه عقيدة، لكن هذه العقيدة من أجل العمل، فاذا أنت ألغيت العمل، الدين الإسلامي هذه عقيدة فحسب، يعني شيء في القلب فحسب، وهذا ليس من ملة الإسلام، ليس هذا هو الدين الإسلامي. الدين الإسلامي دين حياة، دين عمارة، دين صلاح، دين وعمل، علم وعمل، إيمان وعمل صالح، هذا الدين الإسلامي. فلما تجعله إيمان قول فقط من غير عمل، هذه مشكلة.
ولذلك المرجئة يقول عنهم بعض السلف أنهم يهود أهل القبلة؛ لأنهم يجعلون الدين قولا بلا عمل، فهذا المعتقد معتقد منحرف عن دين الإسلام، أن يعبد الله بالرجاء، تترك الأعمال الصالحة ويهمل، يعني يقع الإنسان في المعاصي والمنكرات ولا يبالي؛ لأنهم كما يزعمون: الله غفور رحيم، وهكذا بمعنى أنهم يعتمدون على رحمة الله في ارتكاب المعاصي والمنكرات والتفريط في الطاعات، وهذا منهج منحرف، منهج الإرجاء.
المنهج الثالث: عبادة الله بالخوف وحده، وأن من عاقبه الله -بسبب الكبائر أو كذا- أخلده ناره، هذا معتقد الخوارج. عندنا الأول: زنادقة الصوفية. الثاني: المرجئة. الثالث: الخوارج، يعبدون الله بالخوف وحده، الحب عندهم لله سبحانه وتعالى، الرجاء عندهم في رحمة الله عندهم هذا الأمر ضعيف جدا، العبادة كلها عبادة خوف، فهذا انحراف.
فكل العبارات إذا رأيتم منحرفة خاطئة، ولا يصلح أن نجمع بينهم، ولا يصلح أن يقول الإنسان يجمع، بل نأتي بعبارة منفصلة عنهم: فنحن نعبد الله بالحب، وكيف لا نحبه سبحانه وتعالى وهو خلقنا من العدم وأدر علينا أنواع النعم جل جلاله؟ كيف لا، جل جلاله هو المتصف بصفات الكمال والجلال جل جلاله. فنحن نعبد الله حبا فيه، ونعبد الله جل جلاله رجاء في رحمته سبحانه وتعالى، ونعبد الله خوفا من عذابه.
الإنسان المسلم مثله مثل الطائر، له رأس وجناحان؛ فالرأس: حب الله، والجناحان: الخوف والرجاء، ولا يمكن أن يصح الإنسان إلى الله سبحانه وتعالى إلا بهذه الثلاثة الأمور: بالحب والخوف والرجاء. الحب يجعل الإنسان يتذوق لطاعاته، يتذوق حلاوة التعب في طاعة الله، في ترك معصية الله، يجد لها حلاوة ولذة بسبب هذا الحب. الرجاء يجعل الإنسان يندفع للطاعات؛ لأنه يرجو ثواب الله، ويعلم أن كل طاعة يقدمها فإن طاعته محفوظة له عند الله سبحانه وتعالى، فالرجاء يدفعه للعمل. والخوف يجعله يبتعد عن التقصير ويخاف من المعاصي والمنكرات؛ لأنه يخاف من الله. هذا الخوف وهذا الرجاء هو التعظيم، وهذا الحب هو كمال الحب مع كمال التعظيم، هذه هي عبادة الله سبحانه وتعالى.
أسأل الله جل جلاله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعلني وإياكم من عباد الله المقربين للتوحيد حق التحقيق. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد.
وجزاكم الله خيرا يا راغبا في كل علم نافع متطلع لزيادة الإيمان وتريد سهلا. عقيدتنا الصحيحة فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهان. بشرى لنا زادنا كاذبين بالععلم كالأزهار في الأستاذ.
د. أبو زيد مكي القبي