تسجيل الدخول

المحاضرة 6 - أصول العبادة ومظاهر الشرك فيها

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أمين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعلْه حجة علينا يا رب العالمين.

أرحب بكم طلاب العلم في المحاضرة السادسة من محاضرات العقيدة في المستوى الثاني. هذه المحاضرة اليوم تتحدث، وهي ختام الكلام عن العبادة، سنتحدث بمشيئة الله عن أصول هذه العبادة، كيف تكون عبادتنا لله جل جلاله، وشروط قبول العبادة، ثم نتحدث عن بعض العبادات الظاهرة وكيفية دخول الشرك فيها بمشيئة الله.

أصول العبادة: العبادة الإسلامية؛ العبادة في الإسلام تقوم على أصول، أول أصل تقوم عليه عبوديتنا لله، أول أصل هو معرفة الله سبحانه وتعالى معرفة تامة. فإذا الإنسان لم يعرف ربه بربوبيته، بألوهيته، بأسمائه وصفاته، كيف يكون عابداً لله؟ فأول شيء لابد أن يعرف الإنسان ربه.

ومن أعظم ما يُعرف بالله سبحانه وتعالى سورة الإخلاص. قبل أن أذكر هذا الشيء، أريد أن أنبه يا إخوان، للاسف الشديد يكتشف الإنسان فيمن حوله، يكتشف الإنسان في بعض طلابه، لا سيما الذين يأتون الجامعة سنة أولى، يكتشف أن معرفتهم بالله معرفة ضعيفة هشة، وأنه باسهل ما يمكن أن يشكك في الله سبحانه وتعالى؛ من أسهل ما يمكن للاسف الشديد، لاسيما في هذا الزمن. التأصيل العلمي الشرعي معرفة الله جل جلاله وهي أسهل الأمور، وينبغي من دراستنا من سنة أولى، بل من الروضة والتمهيد، والانسان يدرس ويعرف بالله جل جلاله، ومع هذا تجد أن هذه المعرفة معرفة هشة.

لا أدري ما السبب؟ هل إن الطلبة أو أن بعض الطلبة يأخذون هذه الأمور من أجل الاختبار، أو لا أدري ما السر في ذلك؟ أعطيكم مثالاً كان مفاجأة بالنسبة لي، قلت لبعض الطلاب، طلاب مرحلة جامعية سنة أولى، قلت له: الله سبحانه وتعالى الذي نعبده، هل هذا الإله الذي نعبده -قربوا لي هذا الإله- هل هو مثل السماء، مثل الأرض، مثل الشمس، مثل القمر، مثل ماذا؟ تفاجأت يا إخوان أن أغلب المجموعة لا يعرفون الجواب؛ لا يعرفون الجواب أن الله ليس كمثله شيء! فبعضهم متحار, ماذا يجيب؟ هل هو يقول مثل السماء أو كذا؟ وهذه من الأمور العجيبة.

وقد وجدت هذا ليس عندنا، في بعض البلدان كنت أسال بعض الطلبة في مرحلة الابتدائية، أسألهم: كم عدد أولاد الله؟ أتفاجأ أن بعضهم يقول: ثلاثة، خمسة، سبعة، وهكذا. يعني من الأمور العجيبة، معرفة الله سبحانه وتعالى بربوبيته وألوهيته، وهنا أيضاً محل إشكال كبير، وبأسمائه وصفاته، هذا أول ما يحقق هذه العبودية الخالصة لله جل جلاله.

قال الله سبحانه وتعالى معرفاً بنفسه هو من هو: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]. أحد في ربوبيته، أحد في خلقه لهذا العالم وملك هذا العالم وتدبير هذا العالم. لذلك الله الصمد، لكونه هو الأحد في ربوبيته فهو الصمد في ألوهيته؛ هو الذي يرجع إليه الخلائق في قضاء حوائجهم، هو المعبود الذي يقضي، الذي يصمد للخلائق فيقضي حوائجهم هو المعبود.

هذا الإله، لكونه هو المنفرد بالخلق والملك والتدبير وهو المستحق للعبادة، هذا الإله لم يلد، لكونه سبحانه وتعالى هو الآخر الذي ليس بعده شيء، فهو الغني عن الولد. ولم يولد سبحانه وتعالى لأنه غني عن الوالد، فهو الأول الذي ليس قبله شيء. هذا الإله لا يمكن أن يكون له كفواً أحد.

لابد أن يعرف الإنسان ربه بهذه المعرفة، يعرفه بربوبيته، ألوهيته، أسمائه وصفاته. بهذه المعرفة يتحقق الذل والخضوع، هذا أول شيء في أن يكون الإنسان عبداً لله سبحانه وتعالى.

الامر الثاني: عرف ربه، فينيب إليه؛ كما قال الله تعالى: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ﴾ [الزمر: 54]. فيرجع الانسان إلى الله سبحانه وتعالى في جميع الحوائج، وهذا معنى الصمد؛ يرجع إلى الله سبحانه وتعالى في كل زمان ومكان، في السراء والضراء، في الشدة والرخاء. هذا الأصل الثاني من أصول العبادة لله: عرف ربه ورجع إليه.

فيحب هذا الرب سبحانه وتعالى محبه عظيمة. علامة صدق الإنسان في محبته لله أنه يفعل ما أمره الله عز وجل به، ويجتنب ما نهاه الله عز وجل عنه، فيطيع الله؛ علامة صدق في المحبه طاعه الله، وعلامه قوة محبته لله سبحانه وتعالى أن يقدم طاعه الله وطاعه رسوله صلى الله عليه وسلم على طاعه كل من سواهما.

قال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 31]. وقال الله عز وجل: ﴿قُلْ إِن كانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّىٰ يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: 24].

الامر الثالث في اصول العباده في دين الاسلام: محبه الله؛ المحبه المتضمنه تقديم طاعته وطاعه رسوله على ما سواه.

الامر الرابع يا إخوان من اصول العبادة: الاخلاص لله جل جلاله فيها، الاخلاص له سبحانه وتعالى فيخلص الانسان اعماله الظاهره والباطنه، يخلصها من شوائب الشرك. إذا فعل الانسان ذلك كان عبدا لله سبحانه وتعالى؛ معرفه الله والانابه اليه، محبته والاخلاص له، هذا الانسان يكون قد اتى باصول العباده.

ما هي؟ ما مقصود العبادة في الاسلام؟ مقصوده أن يكون الدين لله، فلا يصرف اي نوع من انواع العبادة القولية أو الفعليه، الظاهرة أو الباطنة، لغير الله عز وجل. قال الله عز وجل لنبيه: ﴿قُل إنَّما أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إلَيَّ أنَّما إلَهُكُمْ إلَهٌ واحِدٌ فَمَن كانَ يَرْجُو لِقاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صالِحًا ولا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أحَدًا﴾ [الكهف: 110].

وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ [النساء: 125]. وقال تعالى: ﴿بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 112].

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يقيم عبادته على الأصول الإسلامية، ويحقق هذا المقصود من العبادة. ناخذ فاصل ثم نواصل باذن الله.

القرآن الكريم هو أصل الأصول، فمن علم أحكامه ووفق للعمل بها فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، ونورت في قلبه الحكمة، وصار إماماً في الدين. وقد كان العلماء سلفاً وخلفاً يبدؤون طلب العلم بحفظ القرآن، قال ابن عبد البر: ولا أقول إن حفظه كله فرض، ولكن ذلك شرط لازم على من أحب أن يكون عالماً فقيهاً.

وطالب العلم يحرص على فهم القرآن وتعلم معانيه، قال سعيد بن جبير: من قرأ القرآن ثم لم يفسره كان كالأعمى أو كالأعرابي. وبالتدقيق وتطبيق القرآن على الواقع بشكل صحيح، به يحصل الخشية والخشوع، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29].

لذا ينبغي أن نهتم بمدارسة القرآن في المساجد والمدارس والدور المتخصصة في تحفيظ القرآن وتعليمه، وينبغي أن نستخدم التكنولوجيا الحديثة في تعلم القرآن وتعليمه من خلال الإنترنت والفضائيات. فاعلم يا طالب العلم أن القرآن الكريم هو رأس مالك، وهو أربح التجارات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ [فاطر: 29].

حيّاكم الله أيها الأحبه، كما دائماً نكرر في هذا المستوى، أن الرسل جميعاً كانت دعوتهم لتوحيد العبادة. قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]. قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: 25].

حكى الله عز وجل عن رسله أنهم أمروا الناس بعبادة الله، فقال سبحانه وتعالى عن رسله نوح وهود وصالح عليهم السلام وغيرهم أنهم قالوا لقومهم؛ فكل نبي كان يقول لقومه: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ﴾ [المؤمنون: 23].

أيها الأحبة في الله، هذه العبادة لا تكون مقبولة إلا بشرطين اثنين؛ لا يمكن أن تكون العبادة مقبولة عند الله سبحانه وتعالى إلا بشرطين اثنين:

الشرط الأول: أن تكون هذه العبادة خالصة لله جل جلاله؛ لابد أن نخلص لله عز وجل في تديننا له، في عبوديتنا له، تكون العبودية خالصة لوجه الله، لا نريد بتعبدنا إلا وجه الله سبحانه وتعالى.

أريد أن أبين شيئاً؛ بعض الناس عندما يسمع قضية الإخلاص والعبودية لله، وأننا لا نريد إلا وجه الله، يظن أن معنى ذلك أن لا نريد حسنة الدنيا ولا نريد حسنة الآخرة! لا، هذا غير صحيح. نحن نعبد الله جل جلاله وحده، نريد وجهه وحده سبحانه وتعالى بعبوديتنا له، هذا حباً فيه، وأيضاً نرجو ثوابه، نرجو ثوابه الدنيوي والأخروي.

إن إرادتنا لوجه الله سبحانه وتعالى والعبودية الخالصة لا تعني أننا لا يكون لنا شيء في هذه الدنيا من حسنة الدنيا، لا؛ يحصل، تأتيك الدنيا وهي راغمة. إنما الممنوع أن تقصد بهذه العبودية أن تأخذ من الناس، تريد وجه الناس بهذه العبودية حتى يكرموك، حتى يعطوك، حتى يحترموك، حتى… هذه هي المشكلة هنا؛ تريد بعبوديتك من الناس المال.

لكن لو طلبت من الله سبحانه وتعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: 201]؛ طلبت من الله بالعبودية له عافية البدن، سرور القلب، راحة النفس؛ طلبت من الله سبحانه وتعالى أن يفتح لك أبواب الخيرات، وطلبت من الله الجنة التي عرضها السماوات والأرض ورؤية الله سبحانه وتعالى فيها؛ طلبت من الله ذلك، هذا هو المطلوب، هذا هو الصحيح.

كلما كنت تعرف ربك سبحانه وتعالى، كلما طمعت فيه، وطمعت فيما بين يديه من خيري الدنيا والآخرة؛ تعمل ذلك حباً لله، وطمعاً فيما عند الله، وخوفاً من أن يسخط الله سبحانه وتعالى عليك، خوفاً من عقوبته، خوفاً من سخطه، خوفاً من غضبه، لا تريد أن ربك يغضب عليك. وهكذا، المقصود: أول شرط من شروط قبول العبادة إخلاص الدين لله سبحانه وتعالى، إخلاص العبادة لله.

وهذا الأمر يتحقق بمعرفة المعبود، بمعرفة الله جل جلاله، وما له من الأسماء والصفات، وتتعلم معاني الألوهيّة والربوبيّة. فلا يتحقق هذا الأمر، الذل والخضوع لله سبحانه وتعالى، إلا بمعرفته؛ كلما عرفت ربك كلما ازددت إخلاصاً له سبحانه وتعالى، لأنك ماذا تريد؟ ماذا تريد من هذه الدنيا؟ اطلبها من الله؛ ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ [النساء: 134].

ماذا تريد من المخلوقين؟ الأشياء التي تنالها من المخلوقين بطاعة الله وتخسر آخراً وقد لا تكسب دنياك أنت، هذه الأشياء لو طلبتها من الله جل جلاله أعطاك الله عز وجل أكبر مما تريد، أكثر مما تريد؛ أعطاك الله من خيري الدنيا والآخرة. المقصود: أول شرط من شروط قبول العبادة هو الإخلاص لله سبحانه وتعالى.

الشرط الثاني: اتباع النبي صلى الله عليه وسلم، أن تكون هذه العبادة كما شرع الله؛ وهذا يتحقق بمعرفة دين الإسلام. الإخلاص يتحقق بمعرفة الله، والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم وعبادة الله بما شرع تتحقق بمعرفة دين الإسلام. لا يمكن أن تتحقق العبادة إلا بمتابعة أوامر المعبود واجتناب نواهيه، ولا تتحقق إلا بفعل أوامره واجتناب نواهيه، هذا هو دين الإسلام.

من كان جاهلا بالدين الإسلامي كيف سيأتي بالعبودية المقبولة عند الله؟ من تعبد لله بالظن والرأي والهوى فإن عبادته غير مقبولة عند الله، لا تكون العبادة مقبولة إلا أن تكون وفق ما شرع الله. لذلك نحن كررنا كثيراً في معنى العبادة؛ معنى العبادة كما قلنا: الخضوع والانقياد لله وحده لا شريك له بما شرع في كل زمان ومكان بما شرع، هذا قيد مهم. إذاً بغير الشرع هذه عبادتك يقذف بها في وجهك: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد». لابد أن تكون هذه العبادة وفق السنة، وتكون هذه العبادة خالصه لوجه الله.

قال الله عز وجل: ﴿فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الكهف: 110]. فالاخلاص بأن يكون العمل لوجه الله الكريم، والعمل الصالح ما كان على هدي النبي صلى الله عليه وسلم.

قال الفضيل بن عياض في كلمته المشهوره، قال عن قوله سبحانه وتعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحَسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]. قال: أحسن عملاً أخلصه وأصوبه. قيل: يا أبا علي، ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إذا كان العمل خالصاً لله ولم يكن صواباً لم يقبل، وإذا كان صواباً ولم يكن خالصاً لم يقبل، حتى يكون خالصاً صواباً؛ والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

أيها الأحبه في الله، التعبد لله بالبدع؛ البدع إما أن تكون بدعاً حقيقية واضحة تماماً ليس لها أصل في الشرع، فياتي الانسان ويتعبد لله؛ يذهب الانسان إلى الصحراء ثم يقف في الشمس لمدة نصف ساعة تعبداً لله سبحانه وتعالى! هذه عبادة ظاهرة، بدعة ظاهرة، ويتعبد الله بما لم يشرعه الله. ما في عندنا هذه العبادة، يأتي يقف في الشمس حاسر الراس لمدة نصف ساعة، في وقت الظهر من الساعة واحدة إلى واحدة ونصف، ثم يرى أن هذه عبودية! لا، هذه ليست… هذه بدع حقيقية لا أصل لها في الشرع، لا يوجد لها أصل في الشرع.

هذه غالباً تكشف ولا يلبس فيها على المسلمين، إلا أن تظهر لهم أنها رياضات، أنهم يمارسون رياضات تسعد الروح، فيوقعون بعض المسلمين في العبادة لغير الله أو التعبد لله ببدع لم يشرعها الله، فيأتون إليهم يقولون له مثلاً تجلس على البحر.

وتأخذ نفساً عميقاً وشهيقاً وزفيراً، وهكذا. ثم في هذا الوقت أنت يعني تتصل بالله، وهكذا. هذه بعض العبادات التي تكون عبادات شرقية أو نحو ذلك، يدرب عليها بعض المسلمين فيمارسها وهو يظن أنه يتعبد لله، أو يظن أنها مجرد رياضة روحية.

الإشكالية يا إخوان في البدع الإضافية، البدع الإضافية هي التي يكون إذا نظرت إليها من جهة الشرع وجدت أن عليها دليل، الصلاة، الصوم، الزكاة، الحج، قيام الليل، هذه أمور واضحة أنها لها أصول في الشرع. لكن ماذا يصنع صاحب البدعة الإضافية؟ يأتي لهذه العبادة فيبدأ يتلاعب أو يغير زمانها، إذا غير زمانها صار بدعة إضافية، أو يغير مكانها، أو يغير من جنسها، أو يغير من عددها، يغير من كيفيتها، هذا إذا حدث هذا التغيير وهذا التلاعب صارت بدعة، يصلي ويقوم الليل لكنه مغير مختار زماناً لم يرد الشرع به فتلف هذه العبادة التي تعب فيها ويقذف بها في وجهه. لذلك نتعبد لله مخلصين وفق شرع الله.

ناخذ فاصل نأتيكم مرة أخرى بمشيئة الله، يأخذ بيدك ليرقى بك إلى أعلى المنازل، يقف معك نافحاً عنك وقت الضيق والكرب، إنه القرآن. ففي الحديث يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة: ﴿اقرأ واصعد﴾، فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شيء معه. وحين تأتي أهوال يوم القيامة وشدائده لا يتخلى القرآن عن أصحابه، يقول عليه الصلاة والسلام: «اقرؤوا القرآن فانه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه». بل إن القرآن ينفع صاحبه بكل حرف منه، إن القرآن يرفعك وينفعك في الدنيا والآخرة. وفي الحديث: «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها». لذلك استحق صاحب القرآن أن يغبط على ذلك.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار». فكن مع هذا الصاحب الوفي وعش في رحابه، فأنت في صفقة رابحة وتجارة لن تبور، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ [فاطر: 29].

حياكم الله أيها الأحبة في الله، في ختام هذا الدرس أريد أن أذكر بعض العبادات التي يعني كثر في العصر الحاضر دخول الشرك فيها، هذه العبادات نماذج لكيفية دخول الشرك على بعض الناس في العبادات الظاهرة، وإن شاء الله في لقاءات أخرى نتحدث عن كيفية دخول الشرك في العبادات القلبية، ونتحدث أيضاً عن كيفية دخول الشرك في الأسباب، كيف تتحول بعض الأسباب إلى أن يقع فيها يقع الإنسان بسببها في الشرك بالله سبحانه وتعالى. سنتحدث عن كذلك النجوم والجن، نتحدث كذلك عن الطيور، نتحدث بمشيئة الله في اللقاءات القادمة عن مثل هذه الموضوعات. اليوم سآخذ بعض النماذج من العبادات الظاهرة وكيف دخل الشرك فيها.

نبدأ بالعبادة الأولى؛ الذبح: الذبح لله سبحانه وتعالى كذبح الأضاحي والهدي والفدية وكذلك ذبح إكراما للضيف، هذه عبادات يتقرب بها الإنسان إلى الله جل جلاله. كيف عرفنا أن الذبح عبادة من العبادات؟ نعرف أن الذبح عبادة من العبادات ننظر في الكتاب والسنة، هل أمر الله عز وجل بالتقرب إليه بالذبح أم لا؟ نجد أن الله عز وجل قال: ﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين * لا شريك له﴾ [الأنعام: 162-163]. النسك ذبح النسيكة هذه عبادة تقرب بها إلى الله، صلاتي ونسكي، النسك والأضاحي هذه من الأنساق التي يتقرب بها الإنسان إلى الله فيتنسك، يتطهر بسبب فعلها من ذنبه ومعاصيه، فيخرج بعد فعلها كالنسيم يعني كالذهب الذي يدخل مثلا في الفرن وهكذا ثم ينظف من الشوائب، وهكذا الإنسان عندما يتقرب إلى الله سبحانه وتعالى بعبودية الذبح له من بهيمة الأنعام قربه الله سبحانه وتعالى، فيتنسك فيتطهر من البخل ويتطهر من الأمراض ويتطهر من الذنوب وغير ذلك. قال الله عز وجل: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الكوثر: 2]، النحر قيل هو يوم عيد الأضحى يصلي ويذبح أضحيته.

فالذبح لله سبحانه وتعالى عبادة يتقرب بها إليهم. طيب، هل ياتي شخص ينازع في أن الذبح بهذه الطريقه يتقرب الانسان إلى الله، الله عز وجل لن ينال لحمها ولا دمها يعني لا يناله شيء من ذلك، إنما هو تعظيم لله فيذبح بسم الله، يرجو وجه الله، ويكرم بهذا اللحم ويكرم الفقراء والمساكين ويكرم أصدقاءه ويكرم كذا ضيوفهم بهذا اللحم تقربا إلى الله، فيريق الدم لوجه الله سبحانه وتعالى تقربا إلى الله. هذا الذبح عبادة، متى يكون الذبح شركا؟ متى يكون الذبح لغير الله شركا؟ الذبح لغير الله مثلا تذبح للضيف هل هو شرك؟ لا، ليس بشرك، لكن متى يكون الذبح لغير الله شرك؟ يكون الذبح لغير الله شركا إذا شابه الصورة التي يذبح فيها لله سبحانه وتعالى، إذا ذبح الإنسان لغير الله بنية التقرب له، بنية التعبد له، والله لو ذبح ذبابة بنية التعبد للمذبوح له لاعتبر مشركا شركا أكبر مخرج من ملة الإسلام، يحذر الإنسان من ذلك.

فما يفعله بعض الناس عند القبور يأتون إلى الموتى، ميت، ثم يذبح له، هل الميت سياكل اللحم؟ أنت أراقت الدم الآن قريبا من قبره، أراقت الدم هذا هذا هو التعبد، هذا هو التعبد لأنه لن يأكل من هذا اللحم، فليس هو إكرام ميت أو مثلا جن يذبح الإنسان للجن، يذبح دجاج، يذبح يعني ما يأمره به السحرة، يذبح ثم يتلطخ بهذا الدم تقربا لهؤلاء الجن حتى يرفع عنه الضر، حتى يجلبوا له النفع، هذا كله من الشرك بالله.

الذبح للغائبين، الذبح لإنسان مار يريق له الدم ثم يرمي الذبيحة، ليس المقصود أن يأكل مثلا أهل القرية وانه ما يستطيع مثلا هذا الكريم أو هذا الأمير أو الوزير لا يستطيع الدخول إلى منزله فيذبح ثم يأكلون اللحم، لا، إنما يذبح وترمى، هذا كله يعني شرك بالله سبحانه وتعالى. فضابط شرك الذبح هو أن يذبح لغير الله بنية التعبد والتقرب للمذبوح له فيريق الدماء من أجل وجهه. لو قال الانسان: أتوسل أتشفع، أنا أذبح من أجل أكرام ضيوف هذا الولي، لا، الآن أنت تذبح في هذا المكان فترريق الدم ثم يأكل الآخرون هذا اللحم، هذه الطريقة هي طريقة تعبد لله سبحانه وتعالى فهذا شرك، ولا يلبس على الإنسان فيقع في الشرك الأكبر ويأتي وسواس يقول له هذه ليست عبادة، هذه عبادة، هذه عبادة إراقة الدماء لهذا الميت أو لهذا الغائب أو للجن أو نحو ذلك، هذه الإراقة تعتبر عبادة عبادة لهذا المذبوح له.

ناخذ النذر؛ النذر يلزم الإنسان نفسه ما لا يلزمه. هل الوفاء بالنذر عبادة؟ نعم، الوفاء بالنذر عبادة. كيف عرف أن الوفاء بالنذر عبادة والدخول في النذر مكروه؟ لأن النذر لا يأتي بخير، ويستخرج من البخيل، عادة الذي لا يتصدق إذا ضاقت به الأمور لكونه مقصرا في الصدقة قال يا رب لك علي إن حدث كذا أذبح أتصدق كذا، فهذا النذر، أو إنسان مقصر في الصلاة يا رب سأصلي كذا، هذا النذر. الدخول فيه مكروه لكن الوفاء به عبادة. كيف عرفنا أنه عبادة؟ لأن الله مدح فاعله، قال تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: 7]، فمدح الله الموفين بنذر، وقال الله عز وجل: ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ ۗ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾ [البقرة: 270]. فالنذر عبادة.

متى يكون النذر لغير الله شركا؟ متى يكون النذر شركا؟ نعطيكم صورة، هل هذه هي شرك أم لا؟ واحد قال لأصدقائه: لكم علي التزم لكم إن نجحت في الاختبار أن أذبح لكم ذبيحة، فهذا الأصل أنه أزم نفسه أن يكرمهم بذبيحة هذا لا شيء فيها، إنما هو يعني فرح لله، كذب. فإن قال: لله علي أن أذبح لكم ذبيحة، هذا صار نذرا، أما ذاك التزام لهم والامر عادي. هذه الامور العادية، متى يكون نذر شركا؟

يكون نذرا شركا، يأتي صورته: يأتي الإنسان إلى هذا الميت في قبره فيضع سجادة أو يضع شيء على رأس القبر ثم يقول: يا سيدي فلان، يا سيدي فلان، لك علي إن رد الله غائبي أو شفى مريضي أو قضى حاجتي، لك علي كذا وكذا من الذبائح أو الشمع أو النذور، ينذر أنه سيفعل كذا وكذا من الصدقات إن شفى الله مريضه أو رد غائبه أو قضى حاجته، وهكذا.

لماذا هذا بهذه الطريقة شرك؟ لأنه هو الآن يظن أنه يعني بهذا الشكل، هو يقول اسف، يقول لك: سيدي فلان، إن رد الله غائبي وقضى حاجتي لك علي أذبح كذا وكذا وكذا، هو الآن يلزم نفسه لهذا الميت، يلزم نفسه ما لا يلزمه، هذه الصورة هي التي تكون مع الله سبحانه وتعالى هو يفعلها مع هذا الميت. يظن هو أن الميت يشفع له عند الله، أو أن الميت له مكان عند الله فسيقول يعني كذا وكذا، أو يأتي من عنده لأن بعضهم يصل به الأمر أن يعتقد أن الله قد أعطاه شيئا من الربوبية فيقضي الحاجة بنفسه، أو يعتقد أنه يشفع له، لكن ماذا قدم هو؟ نذر بهذه الطريقة، بهذه الصفة مثل ما يفعل مع الله سبحانه وتعالى، وهذا هو الشرك.

الاستعاذة؛ الاستعاذة بالله سبحانه وتعالى من العبادات، قال الله عز وجل: ﴿قُل أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ * مِن شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الفلق: 1-2]، وقال صلى الله عليه وسلم: «من انزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات». فاستعاذة عبادة، الاستعاذة بالله أو بكلماته أو بأسمائه وصفاته عبادة. متى تكون الاستعاذة شركا؟ إذا استعاذ بغير الله في أمر لا يقدر عليه إلا الله، فيدخل الشرك للاستعاذة.

الدعاء والاستغاثة من العبادات، بل من أجل العبادات، أن يدعو الإنسان ربه ويستغيث به، والنصوص كثيرة جدا في هذا الباب. متى يكون الدعاء والاستغاثة شرك؟ إذا دعا غير الله في أمر لا يقدر عليه إلا الله، استغاث بغير الله في أمر لا يقدر عليه إلا الله، مثل الدعاء والاستغاثة في مغفرة الذنوب، في سعة الرزق، في جلب الولد، في صلاح الدنيا، في صلاح الاخره. هذه الأمور تدعو وتستغيث بالمخلوقين، بالموتى، بالغائبين، الموتى والغائبين حتى لو كانوا يقدروا عليه حال كونهم أحياء، هذا الدعاء وهذه الاستغاثة بهم وتصرف على الوجه الذي يصرف بالله، هذا شرك. فكيف وأنت تدعوهم وتستغيث بهم في أمر لا يقدرون عليه لو كانوا أحياء؟ فالدعاء والاستغاثة بالموتى والغائبين، الدعاء والاستغاثة بالمخلوقين في امور لا يقدر عليها إلا الله هذا من الشرك.

وهكذا يدخل الشرك في العبادات الظاهرة، أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العليا أن يجعلني وإياكم من أهل التوحيد الخالص، الذين يخلصون عباداتهم الظاهرة والباطنة من شوائب الشرك والبدع والمعاصي، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيرا.

يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلا النوال ميسرا يأتيك ميسورا بأي مكان. زاد أكاديمية ينبوعها صاف ليروي غلة الظمآني. هذه عقيدتنا الصحيحة فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهاني. بشرى لنا زاد أكاديمية علما كالأزهار في البستان.