يا راغبا في كل علم نافع، متطلعا لزيادة الإيمان وتريد سهلا؟ عقيدتنا الصحيحة فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهان، بالعلم كالأزهار في البستان. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم إنا نسألك علما نافعا وعملا صالحا وقلبا خاشعا ولسانا ذاكرا. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين. أيها الأحبة في الله، حياكم الله في الحلقة الثامنة عشرة من مادة العقيدة المستوى الثاني. أيها الأحبة في الله، اليوم سنأخذ بعض القواعد في الأسماء والصفات، سواء في الأدلة أو في الصفات أو في الأسماء، لكن قد لا نستكمل اليوم إلا القواعد في الأدلة.
مررنا فيما مضى على هذه القواعد مرورا سريعا، اليوم سنأخذها بشيء من التمهل والتفصيل إن شاء الله، أريد منكم أن تشاركوني في استخراج هذه القاعدة من آية الكرسي ومن سورة الإخلاص. الله سبحانه وتعالى يعرف بنفسه فيقول: ﴿اللّهُ لاَ إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255]. قبل أن نكمل، ما هو الشيء الذي اريد منكم أن تلاحظوه؟ أولا أريد أن تلاحظوا أن الكلام في توحيد الأسماء والصفات (توحيد الربوبية) هو كلام خبري يخبرنا الله سبحانه وتعالى به، أو هو طلبي أمر ونهي؟ هل هو من باب الخبر أم من باب الطلب؟ لا شك أنه من باب الخبر، الواجب علينا أن نؤمن به، مطلوب منا الإيمان به، لكن هو في الأصل كلام خبري يخبرنا الله سبحانه وتعالى به عن نفسه. لاحظوا هذه، لاحظوا الملاحظة الثانية، هذا الخبر ووصف الله سبحانه وتعالى نفسه فيه، هنا إثبات؟ لاحظوا معي هذه القضية.
الله يعرف الله عز وجل بنفسه فيقول: الله، من هو؟ لا إله إلا هو، ينفي الله سبحانه وتعالى استحقاق التأله والتعبد لأي كائن من كان إلا هو، يبين الله سبحانه وتعالى العبودية عن كل ما سواه ويثبت استحقاق العبادة له وحده لا شريك له. الله، من هو الله؟ لا إله إلا هو الحي القيوم. لاحظوا: لا إله (نفي)، إلا هو الحي القيوم (إثبات). ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255]، أيضا نريد منكم أن تلاحظوا في النفي: هناك لا إله إلا هو نفي إجمالي، هنا لا تأخذه سنة ولا نوم نفي تفصيلي؛ يعني أتى إلى عيوب بعينها ذكرها مفصلة ثم نفاها، وهناك نفي إجمالي. ﴿لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ﴾ [البقرة: 255] (إثبات)، ﴿مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِندَهُ﴾ [البقرة: 255] (يعني لا أحد، ﴿إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: 255]) (إثبات)، نفي وإثبات. ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَأَرْضَ وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ [البقرة: 255] (اثبات).
لاحظتم يا إاخوان؟ قل، يعني يا رسول الله معرفا بالله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] (اثبات)، ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ [الإخلاص: 2] (اثبات)، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: 3] (نفي ونفي تفصيلي)، ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4] (نفي إجمالي). لاحظنا يا إخوان، نقول: القاعدة الأولى الكلام عن أدلة الأسماء والصفات، أن هذه الأدلة -أن الكلام في باب الأسماء والصفات- هو من باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات، فتوحيد الأسماء والصفات وكذلك توحيد الربوبية هو من باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات. من هو المخبر؟ من هو الذي تكلم في باب الأسماء والصفات؟ هو الله سبحانه وتعالى، سواء في القرآن أو في السنة النبوية الثابتة الصحيحة، وهذا الكلام الخبري يدور بين النفي والإثبات.
فما الواجب علينا في باب الأسماء والصفات؟ الواجب علينا، نقول: لما كان الكلام في توحيد الأسماء والصفات من باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات، والمتكلم هو الله سبحانه وتعالى سواء في القرآن أو في السنة، الواجب علينا أن نؤمن بكل ما أخبرنا الله عز وجل به في الكتاب أو السنة، نفيا أو إثباتا، من غير إلحاد في ذلك. إذا، القاعدة الأولى من قواعد الأسماء والصفات: أن الكلام في الأسماء والصفات هو من باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات. والإثبات تفصيلي؛ لاحظوا مثلا: الحي القيوم، العلي العظيم، الله أحد، الله الصمد، الإثبات يكون تفصيلا، والنفي: ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4] إجمالا.
لكن هناك تفصيل حتى في النفي، لكن هذا التفصيل ليس دائما، إنما يكون لأغراض؛ مثلا: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: 3] لكونهم طلبوا معرفة: أنسب لنا ربك، هل له والد؟ هل له أولاد؟ فقال الله عز وجل: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ [الإخلاص: 3] لغرض وهو لرد ما أدعاه الكاذبون في حق الله أن دعوا للرحمن ولدا. قال الله: ﴿وَمَا يَنبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَن يَتَّخِذَ وَلَدا﴾ [مريم: 92]. وهناك معتقدات باطلة احتيج للنفي التفصيلي لردها، لرد هذه المعتقدات الباطلة بعينها لكونها ذكرت، فكان هناك نفي تفصيلي لنفي تلك المعتقدات الباطلة بعينها، وإلا في الأصل في النفي أن يكون مجملا.
هنا في آية الكرسي: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255]، نفي تفصيلي ما السبب؟ لانه قال الحي القيوم، فقد يتوهم متوهم أن حياة الله وقيوميته أنه قد يلحقها شيء من النعاس أو النوم أو نحو ذلك، فقال الله عز وجل مظهرا كمال حياته وكمال قيوميته: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلاَ نَوْمٌ﴾ [البقرة: 255]. إذا، القاعدة الأولى نتذكر كلمة الخبر، وتوحيد الأسماء والصفات هو من باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات. نأخذ فاصل ثم نعود إليكم مرة أخرى بمشيئة الله.
القرآن كنز عامر بالفضائل والخيرات، وللوصول إلى فوائد هذا الكنز لابد من استعمال مفاتيحه، وهي آداب تلاوة القرآن. فمنها إخلاص النية لله تعالى، وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أوائل من تسعر بهم النار يوم القيامة قارئ للقرآن يقال له: قرأت القرآن ليقال هو قارئ. ومنها التسوك والتطهر من الحدث الأصغر واستقبال القبلة. وعند البدء بالتلاوة يستعيذ بالله من الشيطان ويرتل القرآن بتمهل وتبيين للحروف، وكان ابن عباس يقول: لأن أقرأ سورة أرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله.
ويستحب تحسين الصوت بالقرآن، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «زينوا القرآن بأصواتكم». وإذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ بالله من العذاب. ويستحب الاجتماع لتلاوة القرآن وتدبره وتدارسه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم الله فيمن عنده».
حياكم الله أيها الأحبة في الله. تعالوا مرة أخرى الآن عرفنا أن الكلام في توحيد الأسماء والصفات هو من باب الخبر بين النفي والإثبات، عرفنا ما الواجب علينا تجاه هذا الموضوع؟ الواجب علينا هو الإيمان بكل ما أخبرنا الله عز وجل به عن نفسه نفيا أو إثباتا في الكتاب أو السنة. اريد فقط أذكر بستة امور في هذا الجانب:
الأمر الأول: أننا نحن نؤمن بالصحيح، نؤمن في توحيد الأسماء والصفات بالصحيح، يعني يكون هذا الخبر في القرآن أو في السنة الثابتة الصحيحة. وأريد أن أنبه، وهذا قد ذكرناه في المستوى الأول: أننا في السنة الصحيحة عند من؟ السنة الصحيحة سواء كانت متواترة أو آحاد، المهم أن يكون هذا الحديث صحيحا، سواء كان متواترا أو كان آحادا. أحب أن أذكر أيضا أننا في الحديث نبحث في صحته سند ومتنا، هناك ما يقال عن اصحاب المنهج السلفي أنهم يهتمون بالحديث سندا ولا يفقهون المتن، هذا غير صحيح، نبحث عن صحة الحديث من ناحية الإسناد ومن ناحية المتن، فنتأكد أن يكون هذا الحديث لا شذوذ فيه ولا علة فيه وهكذا، نبحث عن صحة الحديث سندا ومتنا فنحن نؤمن بالصحيح. هذه القضية الأولى.
القضية الثانية: نحن نفهم النص فهما صحيحا، نؤمن بالصحيح بفهم صحيح. أريد أن تنتبهوا لهذه القضية، ما معنى الفهم الصحيح؟ أو كيف نعرف أن فهمنا لهذا الخبر فهما صحيحا؟ الله يخبرنا عن نفسه في القرآن أو في السنة، كيف نعرف أن فهمنا لمعنى الاستواء على العرش؟ لمعنى الغضب، لمعنى الرضا، لمعنى المجيء، بمعنى أن لله وجه، أن لله قدمان (القدم واليد والوجه والعين السمع البصر)، وأن الله سبحانه وتعالى لطيف خبير سلام مؤمن مهيمن عزيز؟ كيف نعرف أن فهمنا هو الفهم الصحيح لهذا الوحي الإلهي؟ نضبط فهمنا وفق ما فهمه سلفنا الصالح، فلا نأتي بفهم للوحي الإلهي يكون هذا الفهم مخالفا لما فهمه صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الإلهي. النبي صلى الله عليه وسلم بلغ الصحابة هذا الوحي وفهموه، وفهمهم له هو فهمهم للدين الإسلامي الذي جاء به رسولنا صلى الله عليه وسلم من عند الله، وفهمهم للعقيدة هو الفهم الذي أراده الله وأراده رسوله صلى الله عليه وسلم.
هم فهموا الفهم الصحيح وبلغوا التابعين، فأئمة القرون الثلاثة المفضلة (التابعون وأتباع التابعين) هذه القرون المفضلة لها علماء ولهم أئمة هناك، هؤلاء فهموا الفهم الصحيح. نحن كيف نعرف أن فهمنا فهما صحيحا؟ ألا يكون هذا الفهم لصفات الله ولاسماء الله وصفاته أن يكون مضادا لما فهمه سلفنا الصالح، فإذا فهموا أن الله سبحانه وتعالى استوى على عرشه استواء يليق بجلاله، فالله أضاف الاستواء إلى ذاته المقدسة أنه استوى على عرشه، ففهموا الاستواء على ما يليق بالله فأثبتوا الاستواء على ما يليق بالله، لكنه ليس كاستواء المخلوقين؛ لأن للمخلوق استواء يليق به وللخالق استواء يليق به، فأثبتوا الاستواء، أثبتوا الغضب، أثبتوا الرضا، أثبتوا المجيء، أثبتوا الوجه، أثبتوا اليد، أثبتوا القدم، أثبتوها لله على ما يليق بالله.
فإذا جاء شخص وقال: لا، الذي أفهه من الاستواء على العرش هو الاستيلاء، الذي أفهه من الاستواء... الذي أفهه من الغضب هو يفسر الغضب ببعض المخلوقات، مثلا يقول: نزول العقوبة، هذا هذا معنى غضب الله، نزلت عقوبته، يؤول الغضب بالمخلوقات بالعقوبات، وأول الرحمة بالمخلوقات أو بالإرادة، يقول: أراد الله ثوابهم، أراد الله عقابهم، نقول: هذا لم يفهمه سلفنا الصالح وأتيت بفهم مخالف لفهم السلف الصالح، إذا أنت أخطأت. إذا لابد أن نؤمن بالصحيح ويكون فهمنا لهذا الصحيح فهما صحيحا بفهم صحيح.
الأمر الثالث: بنظر صحيح، ننظر إلى هذه النصوص نظرة صحيحة، أن هذه النصوص فيما يحتاج فيه إلى أدلة عقلية قد جاء مقرونا بأدلته العقلية، هذه واحدة. ثانيا: أن هذه النصوص لا يمكن أن تكون مخالفة للعقول السليمة للعقول الصريحة، لا يمكن أن يكون هناك مخالفة في هذه النصوص، مخالفة العقل السليم؛ العقل السليم قد يحار لكنه لا يحيل، فلا يمكن أن يكون فيما يتعلق باب الأسماء والصفات ما يخالف العقل، لكن قد يحار فيه العقل، وسبب الحيرة أننا لم نر ذات الله، ولذلك الكلام عن الذات والكلام عن الكيفية للصفات أمر غيبي لا نعرفه لأننا لم نره. الأمر الثاني: أن الله ليس له مثيل فيقاس عليه. الأمر الثالث: أنه لم يردنا الخبر الصادق الموضح للكيفية للذات والكيفية للصفات، وبالتالي نحن نؤمن بهذه الصفات ونفهم معانيها لكننا لا نعرف كيفية، فيحار العقل في الكيفية لكنه لا يقول عن هذا الأمر أنه مستحيل. إذا نؤمن بالصحيح بفهم صحيح بنظر صحيح.
الأمر الرابع: نؤمن به إيمانا بلا شك، ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: 15]، نؤمن بهذا الخبر من غير شك فيه.
الأمر الخامس: ولا نقدم؛ نقدم يعني لا نتقدم على كلام الله وعلى كلام رسوله وأخبرنا، فيأتي شخص ويتقدم على كلام الله وعلى كلام رسوله فيقول: أنا عندي تعبير أحسن، عندي تعبير أوضح، عندي تعبير أفضل. لا، نقول هنا: انتبه هذا تقدم. ولا نأتي نقدم العلوم، الحضارات، نقدم علم الكلام، أقدم علم الفلسفة، فنجعل الوحي الإلهي موزونا لعلم الكلام، ونقول: استوى على عرشه، الاستواء على عرشه صفحات علم الكلام يقول: الله لا تحل به الحوادث، إذن صفة الاستواء على العرش لا يمكن أن نثبتها لله، يعني ما هذا الكلام؟ ما هذا الكلام؟ هذا تقدم على على الله وعلى رسوله! الله عز وجل قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [الأعراف: 54]، ﴿الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، تأتي أنت تقول: لا ما استوى؟! أنت تعبر أفضل من الله؟! أنت تريد أن تعبر أحسن من رسول الله صلى الله عليه وسلم؟! أنت أعلم من الله وأعلم من رسوله؟ وتجعل كلام الله وكلام رسوله موزونا لعلم الكلام؟ استغفر الله، أنت تجعل علم الكلام، تجعل علم الفلسفة، تجعل علوم اللغة العربية تجعلها موزونة للوحي الإلهي، موزونة في ميزان الوحي الإلهي، لا تعكس. ناخذ فاصل ثم نعود نكمل معكم بمشيئة الله.
يموج العالم بأنواع من المعاملات والعقود، منها الحلال ومنها الحرام، فهل تعلم هذا من ذاك؟ فيلزم التاجر أن يتعلم فقه البيوع وأركان البيع وشروطه، حتى يكون بيعه صحيحا ويتجنب البيوع المحرمة، ويتعلم الربا وصوره وما يشترط فيه القبض والتماثل معا أو التقابض فقط حتى لا يقع في الربا. ويلزمه معرفة البيوع المنهي عنها، كبيع محرمات كالخمر، والغرر كبيع الطير في الهواء وبيع ما لا يملك والقمار. ويلزمه تعلم أنواع الخيار؛ كخيار المجلس وخيار الشرط وخيار العيب، حتى لا يظلم المشتري، ويتعلم أحكام القرض؛ ما يصح إقراضه وما لا يصح وكيف يتصرف مع المماطل، حتى لا يقع في الربا أو الظلم. ويتعلم القبض وصوره، فقبض كل شيء بحسبه؛ فإن كان موزونا فقبضه بوزنه، وإن كان ثيابا ونحوها فقبضها نقلها، وإن كان مما لا ينقل فقبضه بالتخلية. ويتعلم أحكام الإجارة كحرمة مماطلة الأجير. قال صلى الله عليه وسلم:
أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه، ويتعلم أحكام الزكاة حتى يعرف كيف يزكي أمواله، وليعلم أن الضريبة لا تغني عن الزكاة، ومن احتاج معاملة تعلم فقهها حتى لا يقع في الحرام.
قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [التوبة: 115]. حياكم الله أيها الأحبة مرة أخرى. قلنا طالما أن الحديث عن الأسماء والصفات ومن باب الخبر، فنحن كنا نؤمن بالصحيح، بفهم صحيح، بنظر صحيح، إيماناً بلا شك ولا تقدم. شرحنا المراد؛ التقدم هنا يعني لا نجعل الوحي الإلهي موزوناً لعلم الكلام أو علم الفلسفة أو علم المنطق أو أي علم من العلوم، إنما نجعل الوحي الإلهي هو الميزان الذي توزن به العلوم والحضارات والآراء هنا.
ولا تقدم، الأمر السادس ولا إلحاد، ما من الإلحاد، لا نميل عن الحق الثابت الواضح في هذه النصوص فنذهب يميناً أو نذهب يساراً، لا بل لا نلحد، لا نذهب عن الحق الثابت بتحريف -وإن سميناه تأويلاً- لكنه تحريف، سواء كان هذا التحريف تحريفاً لفظياً أو تحريفاً معنوياً؛ لفظياً نضيف على هذا الحرف مغيراً في التشكيل، وكلم الله موسى تكليماً، نقول: وكلم الله بتحريف. أو تحريف معنوي، نقول: الرحمن على العرش استوى، معناهم استولى. لا نحرف ولا نكيف، نكيف أن نطلب إثبات الكيفية لذات الله أو صفات الله، ما نستطيع، والعقل هو الذي يأمر بذلك، وهذا مما الله عز وجل ابتلانا به، فغاب الله عز وجل عنا بذاته في هذه الدنيا ابتلاء واختباراً، والله يفعل ما يشاء جل جلاله وله الحكمة البالغة.
ويوم القيامة سيجعل الله عز وجل أعظم نعيم يتنعم به الإنسان في الجنة هي لذة النظر إلى وجهه سبحانه وتعالى جزاء وفاقاً، لأننا عبدناه اليوم بالغيب، والله عز وجل وإن غاب عنا بذاته هو علمنا، علمنا ما نحتاج معرفته وعلمه من الأسماء والصفات والأفعال، عرفنا الله سبحانه وتعالى بنفسه، وهو جل جلاله هو قائم بنا سبحانه وتعالى وقائم بأمر السماوات وأمر العالم كله، ونحن نستشعر ونؤمن بالله سبحانه وتعالى في كل لحظة من لحظات حياتنا، في كل نفس نتنفسه نحن نعرف الله سبحانه وتعالى.
المقصود ما نلحد لا بتحريف ولا تكييف ولا تمثيل، لا نقيس صفات الله سبحانه وتعالى بمماثل من مخلوقاته، لا نقول إن الوجه لله سبحانه وتعالى كوجه المخلوقين، تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً، ولا نقول إن يد المخلوق مثل يد الخالق، تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً، لا يمكن أن يكون لله مثيل من مخلوقاته، لأنه هو الخالق وما سواه مخلوق.
والله عز وجل شرعاً قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، فنفى الله عز وجل عن نفسه مثيلاً، وعقلاً أيضاً يقول ذلك، عندما تقول إن الله سبحانه وتعالى إن يد الله مثل يد المخلوق أنت تقع في التناقض، لأن يد الله لم تسبق بعدم، عندما تقول مثل يد المخلوق تقول مسبوقة بعدم، فكيف لم تسبق بعدم أو تقول عن يد المخلوق مسبوقة بعدم، المخلوق كان معدوماً ثم وجد، ثم تقول إن يد المخلوق كيد الخالق، فكأنك تقول لم تسبق بعدم وهذا هو الأصل، ثم تقول هي مسبوقة بعدم وهذا هو الأصل ثم تقول لم أسبق بعدم، هذا تناقض باطل لا يمكن ولا يصح، فالتمثيل باطل كما هو باطل شرعاً، باطل عقلاً.
إذاً لا نلحد لا بتحريف ولا تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل، والتعطيل يعني أن نجحد هذه الصفات ننكرها بالكلية، ننكر أن يكون الله سبحانه وتعالى موصولاً بصفة العزة، موصولاً بصفة الرحمة، موصولاً بصفة العلم، فيجحد الإنسان الصفات ويثبت الأسماء، لكن يقول أنا الصفات هذا تعطيل، تعطيل لله سبحانه وتعالى عن صفاته الثابتة الواردة في الكتاب والسنة، أما تعطيلاً كلياً أو تعطيلاً جزئياً يعطل مثلاً فعلياً ويثبت الصفات الأخرى، هذا نوع من أنواع التعطيل، تعطيل جزئي وتعطيل كلي.
إذاً الواجب علينا في باب الأسماء والصفات هو لما كان توحيد الأسماء والصفات ومن باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات فالواجب علينا أن نؤمن بكل ما أخبرنا الله عز وجل به في كتابه أو في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم نفياً أو إثباتاً، نؤمن به بلا شك ولا تقدم ولا إلحاد. هذه القاعدة.
في شيء آخر ننطلق منه من قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، ليس كمثله شيء تنزيه، وهو السميع البصير إثبات، نفي وإثبات هنا، ناخذ قاعدة أخرى في باب الخبر، أن تنزيهنا لله عن مماثلة المخلوقات نحن ننزه الله سبحانه وتعالى أن يكون مثل شيء من مخلوقاته، وننزه الله سبحانه وتعالى أن يكون هناك شيء من مخلوقاته مثله، فنحن ننزه الله عز وجل عن مماثلة المخلوقات في ماذا؟ في كل ما أثبتناه له، وهو السميع البصير في كل ما أثبتناه له مما أثبته لنفسه أو أثبته له نبيه صلى الله عليه وسلم في الكتاب أو السنة.
نحن تنزيهنا لله جل جلاله عن مماثلة المخلوقات لا يجعلنا نعطل ما ثبت لله من الأسماء والصفات، أمر آخر عندنا، نحن عندما نثبت لله أنه سميع، بصير، عليم، قدير، له وجه، له يدان، له قدم، له عين، له سمع، له بصر، نثبت له صفة الغضب، الرضا، المجيء، النزول، الإتيان، ونحن نثبت لله ما أثبته لنفسه في الكتاب أو السنة نحن لا ننسى أبداً ليس كمثله شيء، فإثباتنا الوارد لله عز وجل من الأسماء والصفات في الكتاب والسنة، إثباتنا لذلك الوارد من غير تمثيل، هذه قاعدة احفظوها.
نحن ننزه الله عن المماثلة للمخلوقات من غير تعطيل الوارد، ونحن نثبت لله الوارد في الكتاب والسنة نفياً أو إثباتاً من غير، ننزه الله سبحانه، نثبت لله الوارد في الكتاب والسنة إثباتاً من غير تمثيل، فتنزيها لله من غير تعطيل، وإثباتنا الوارد لله من غير تمثيل، انتبهوا لهذه القاعدة.
أيضاً شيء آخر، لاحظوا ليس كمثله شيء هذا نفي إجمالي، فنحن ننزه الله سبحانه وتعالى عن كل عيب وكل نقص، ننزه تنزيهاً إجمالياً، هذا هو الأصل ولا نفصل هذه المعايب وهذه النقائص فننفيها عن الله واحداً تلو الآخر، لا نفعل ذلك، طبعا نحن متابعون للكتاب والسنة، لا أفعل ذلك إلا لأسباب؛ منها لرد ما ادعاه الكاذبون في حق الله، أو لدفع توهم نقص عن صفة كمال الله، وإلا فالأصل أن التنزيه يكون إجمالاً.
ولاحظوا في الإثبات وهو السميع البصير أن هذا الإثبات يكون عن طريق التفصيل.
نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن نلتقي في حلقات أخرى على خير وبركة، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.
زاد، زاد أكاديمية ينبوعها، هذه عقيدتنا الصحيحة فطرة بواضح البرهان.
د. أبو زيد مكي القبي