تسجيل الدخول

المحاضرة 19 - قواعد في باب الأسماء والصفات

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أمين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.

حياكم الله في الحلقة التاسعة عشرة من حلقات مادة العقيدة للمستوى الثاني. سأقوم بمراجعه سريعة لما ذكرناه في الحلقة السابقة؛ قلنا يا إخوان في الحلقة السابقة إن توحيد الأسماء والصفات هو من باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات. فأخذنا الواجب علينا في توحيد الأسماء والصفات هو الإيمان بكل ما أخبرنا الله عز وجل به عن نفسه في الكتاب أو السنة، إيماناً بلا شك ولا تقدّم ولا إلحاد. وأخذنا كذلك أننا في قضايا الإثبات نفياً وإثباتاً، الإثبات هو الأصل فيه التفصيل؛ لأن في التفصيل إظهاراً لكماله وممدوحه.

فعندما نقول عن الله عز وجل إنه سميع بصير عليم قدير خبير لطيف رحيم، كلما ذكرنا صفة من الصفات كلما ازدادت معرفتنا بالله، وكلما أثنينا على الله عز وجل ومدحناه جل جلاله. وبالنسبة للنفي، الأصل فيه النفي الإجمالي، والسبب لأن التفصيل في النفي يعني أول شيء النفي سلب وليس بشيء فليس فيه مدح؛ عندما تنفي عن شخص شيئاً ليس بالضرورة أن تكون تمدحه، ولذلك النفي عندنا لا يكون تفصيلا، إنما يكون نفياً إجمالياً.

في شيء آخر نريد أن نضيفه في هذه الحلقة، أن كل نفي نفيناه عن الله لابد أن يتضمن إثبات كمال الضد حتى يكون مدحاً؛ لم يلد ولم يولد لكمال غناه عن الولد وعن الوالد، فهو الأول الذي ليس قبله شيء فهو غني عن الوالد غني عن الخالق غني عن الموجد، ولم يلد ولم يولد لأنه سبحانه وتعالى غني عن الولد فهو الآخر الذي ليس بعده شيء فلم يلد ولم يولد لكمال غناه، لا تأخذه سنة ولا نوم لكمال حياته وقيوميته، وما مسنا من لغوب لكمال قوته، وهكذا كل نفي يتضمن إثبات كمال الضد حتى يكون مدحاً، حتى يكون مدحاً.

إذاً، الإثبات تفصيلي والنفي إجمالي، ولا بد أن يتضمن النفي إثبات كمال الضد. والنفي التفصيلي لا يكون إلا لأسباب؛ لرد مدّعاة الكاذبين في حق الله، أو لدفع توهم نقص في صفة كمال الله. هذه القاعدة الأولى نتذكرها دائماً بكلمة الخبر؛ القاعدة الأولى أن توحيد الأسماء والصفات توحيد خبري وخبر يدور بين... خلاص نتذكر هذه القاعدة، ونتذكر الواجب يجب علينا تجاه الأسماء والصفات وطريقتنا في طريقة أهل السنة والجماعة في باب الأسماء والصفات. وهكذا هذا ما يتعلق بالمحاضره السابقة.

اليوم ماذا نريد أن نضيف؟ نضيف هذا الخبر من الله؛ فالكلام في توحيد الأسماء والصفات هو كلام خبري موقوف على الوحي الإلهي. فتوحيد الأسماء والصفات يسمى توحيد توقيفي، معنى توقيفي يعني موقوف العلم به على نصوص الكتاب والسنة؛ لا نعرف أسماء الله عز وجل وصفات الله سبحانه وتعالى، لا لا نسمي الله عز وجل أو نصف الله عز وجل إلا بما وصف به نفسه في كتابه أو في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. فليس لدينا مصدر نتلقى منه أسماء لله أو صفات لله إلا من الوحي الإلهي.

فالقاعدة الثانية أن توحيد الأسماء والصفات توحيد توقيفي، موقوف العلم بتفصيل أسماء الله وصفاته، موقوف العلم بذلك على الكتاب وعلى السنة فهو خبر. انتهينا منها من الله، هذه ملحوظة: من الله، بمعنى أن المصدر الذي نتلقى منه معرفة الأسماء والصفات لله هو الكتاب والسنة وليس لدينا مصدراً آخر.

طيب، والعقل؟ العقل يدرك كثيراً من صفات الله، لكن لا يستقل بهذا الإدراك، بمعنى ليس هو مصدر ناخذ منه صفات نطلقها على الله سبحانه وتعالى، لكنه يدرك كثيراً من صفات الله، يدرك أن الله عز وجل رحيم، وأن الله عز وجل عليم، وأن الله عز وجل قدير، وأن الله عز وجل حي، وأن الله عز وجل قيوم، وأن الله عز وجل رزاق، وهذه كلها يدركها العقل، يستطيع العقل إدراكها.

لكن العقل ليس مصدراً مستقلاً، لا نستقي منه هذه الأسماء والصفات لله؛ لأن الله سبحانه وتعالى غيب، العقل لا يستطيع إدراك كنه هذا الغيب، لا يستطيع العقل معرفة هذا الغيب على وجه التفصيل على وجه الدقة، لكنه يدرك كثيراً من صفات الله، ولا يستقل بالإدراك، وإنما يكون هذا العقل بعد ذلك تابعاً للوحي الإلهي.

العقل يثبت... يعني العقل يثبت كثيراً من صفات الله الثابتة في الكتاب والسنة؛ فما نحتاجه من أسماء لله ومن صفات لله، معرفة أسماء الله عز وجل وصفاته، قد جاء الوحي بها. هذه القاعدة الأولى: من الله الأسماء والصفات نتلقاها من الله، سواء من القرآن أو من السنة الصحيحة الثابته، هذا واحد ناحية.

الناحية الثانية من الله: إذاً وجب الإيمان به، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف معناه. فلا هنا لا نشترط في إيماننا بما ثبت لله من الأسماء والصفات، لا نشترط أن نعرف حقيبة هذه الصفة، نريد أن ندرك كيفيتها، نريد أن نصل إلى المعنى على وجه الدقة، هذا مستحيل، هذا مستحيل. فنحن نعرف المعاني، لكن هذا المعنى نريد أن نعرف كيفيته هذا لا يمكن. فلما كان الخبر من الله عن الله، وجب الإيمان به سواء عرفنا معناه أو لم نعرف معناه.

خذ فاصل ثم نعود نكمل هذه القضية المهمة.

حياكم الله أيها الأحبه. قلنا لما كان الكلام في باب الأسماء والصفات خبراً وهو من الله، فلما كان الكلام من الله، إذاً الأسماء والصفات تكون موقوفה على الوحي الإلهي. الأمر الثاني أنه وجب علينا الإيمان بكل ما ورد في هذا الوحي الإلهي من الأسماء والصفات، سواء عرفنا معناه أو لم نعرف معناه، فلا يأتي شخص يقول: أنا اريد أن أعرف بعقلي كيفية استواء الله عز وجل على العرش، كيفية غضب الله، أو يقول: هذا ما أفهمه، يعني كيف وجه الله؟ كيف يداه؟ كيف عينه؟ ما أفهم هذا الكلام.

نقول: لا، هنا وجب الإيمان، وجب الإيمان به كما أراده الله، وكما أراده رسول الله، أنه على ما يليق بالله. فلما كانت ذات الله غيباً، كانت صفات الله سبحانه وتعالى عنا غيباً، فننفهم المعنى ونتتربى بذلك، لكن الوصول إلى المعنى الحقيقي الذي هو تكييف تلك الصفة هذا غير ممكن من الله.

فإذا جاءتنا صفات ليست من عند الله من البشر، فجاء شخص وأتى بألفاظ، هذه الألفاظ ليست واردة في الكتاب والسنة؛ الألفاظ الوارده في الكتاب والسنة حول أسماء الله عز وجل وصفاته وجب الإيمان بها، الألفاظ التي ذكرت عن الله لكنها ليست في الكتاب ولا في السنة، مثل لفظ التحيز، مثل لفظ الجهة، مثل لفظ بائن من خلقه، بائن، جهة، حيز، وهكذا جاءتنا ألفاظ لم ترد في الكتاب ولا في السنة.

ما الموقف منها؟ نأتي لهذه اللفظة غير الواردة في الكتاب ولا في السنة في حق الله، وأصفه لله بأي صفة من الصفات، ننظر إليها؛ هل هي مجملة أو مبينة؟ يعني هل هي مجملة فتحتمل حقاً وباطلاً، أو هو لفظ واضح محدد؟

ننظر إليه؛ إن كان هذا اللفظ واضح بين مفهوم المعنى، ليس له إلا معنى واحد، وهذا المعنى ننظر إليه؛ إن كان هذا المعنى حقاً قد وردت به النصوص، لكن لم تذكر تذكر لفظة لكن المعنى وارد في النصوص، مثل كلمة بائن من خلقه، فالله عز وجل ليس فيه شيء من مخلوقاته ولا هو جل جلاله في شيء من مخلوقاته، فهو بائن من خلقه. فكلمة بائن لم ترد في الكتاب ولا في السنة، لكن المعنى المعنى حق، فهذا المعنى نقبله ويجوز للإنسان أن يخبر به عن الله، لا يدخل في الأسماء والصفات التي يتعبد الإنسان بها، إنما يجوز في باب الخبر أن يخبر الإنسان به عن الله فيشرح معنى الصفات الواردة فيستخدم مثل هذه الألفاظ، يجوز لأنها ألفاظ لا تحتمل معنى باطلاً وإنما تحتمل معنى حقاً، هنا يجوز الاخبار بهذا المعنى الحق عن الله سبحانه وتعالى.

وإذا كان المعنى معنى باطلاً، فهذا ننفي اللفظ وننفي المعنى، مثل مثلاً أن يعتقد الإنسان أن الله في جهة، والجهه يقصد بها جهة مخلوقة، فيذكر أن الله سبحانه وتعالى... يأتي بلفظة، هذه اللفظة باطله في اللفظ وفي المعنى، مثل أن ينسب لله عز وجل - تعالى الله عز وجل عن ذلك - الكبد، الطحال، الألفاظ هذه التي لم ترد في الكتاب ولا في السنة وهي معاني باطلة، ينزه الله سبحانه وتعالى عنها، هذه ننفي اللفظ وننفي المعنى.

أما إذا كانت اللفظة مجملة، ما معنى مجملة؟ يعني تحتمل حقاً وباطلاً، مثل الجهة التحيز، نقول هنا هذه اللفظة لا نستخدمها في حق الله، وأما المعنى ننظر إليه؛ المعنى الحق نقبله ونقول هذا معنى حق، لكن نعبر عن هذا المعنى الحق بالألفاظ الواردة في الكتاب والسنة. والمعنى الباطل نرفضه ونقول هذا منفي عن الله سبحانه وتعالى، مثل الجهة، نقول: ماذا تريد بالجهه؟ هل تريد بالجهة شيئاً مخلوقاً؟ فالله عز وجل في جهة، يعني في شيء من مخلوقاته، تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً، هذا المعنى معنى باطل. وإن كنت تريد بالجهه جهة العلو، يعني تأتي المخلوقات كلها، ثم هناك جهة فوق المخلوقات، جهة ليست تنتهي المخلوقات، جهة العلو، فالله عز وجل فوق مخلوقاته بائن من مخلوقاته في علوه سبحانه وتعالى، فهذا العلو نثبته، فالله في جهة أي جهة العلو، بهذا المعنى نثبت الجهة ونقول الله في جهة لا شك، ونقصد بالجهة العلو المطلق، ليس هناك شيء من مخلوقات الله في تلك الجهة، إنما الله سبحانه وتعالى هو محيط بجميع مخلوقاته سبحانه وتعالى، وهو عز وجل... ليس في شيء من مخلوقاته ولا هناك شيء من مخلوقات الله في الله عز وجل، هذا المعنى معنى نثبته ونعبر عن هذه المعاني بالتعبير الشرعي الصحيح أن نقول العلو.

منحاز في حيز؟ تقصد بالحيز أن الله عز وجل تحوطه المخلوقات؟ لا، هذا معنى باطل. تقصد منحاز بمعنى أن الله عز وجل في ليس في مخلوقاته، بائن من مخلوقاته، وأن المخلوقات في حيز والله سبحانه وتعالى في في علوه؟ نقول هذا المعنى معنى حق، التحيز هنا بمعنى أن الله عز وجل بائن من مخلوقاته في علوه، فهذا المعنى نثبته لله سبحانه وتعالى. أما المعنى الباطل وهو أن يكون الله عز وجل في شيء من مخلوقاته، هذا المعنى نرفضه.

إذاً، هذه القاعدة الثانية، كيف نتذكرها؟ نتذكرها بكلمة من الله. من الله نتذكر أمرين اثنين: من الله، فواجب الإيمان به سواء عرفنا معناه أو لم نعرف معناه. من الله، بمعنى أن الأسماء والصفات توقيفية، موقوفه على الوحي الإلهي، مصدرنا في معرفتها هو الله سبحانه وتعالى، والله عز وجل علم رسوله، فمصدر الله ورسوله. والألفاظ التي تكون ليست واردة في الكتاب والسنة عرفنا الموقف الشرعي منها.

خبر من الله، القاعدة الثالثة: على ظاهره. هذا الخبر يجب أن نؤمن به على الظاهر، لكن هنا تاتيني قاعدة: هل الظاهر من الأسماء والصفات مراد أو ليس مراد أو ليس بمراد؟ نقول: نحن نؤمن به على ظاهره، لكن الظاهر أصبح للأسف الشديد من الكلمات المجملة التي تحتمل حقاً وباطلاً، فنقول: الظاهر الذي نقصده نحن، الظاهر هو على ما يليق بالله جل جلاله، هذا هو ظاهر النصوص وهو الحق.

إن الله عز وجل أضاف الاستواء إلى ذاته المقدسة جل جلاله، أضاف الغضب، أضاف الرضا، أضاف الوجه، أضاف اليد، أضاف العين، أضاف السمع، أضاف البصر، أضاف الحياة، أضاف القيومية، أضاف القدرة، أضاف العزة، أضاف الرحمة، أضاف اللطف، أضافها إلى ذاته المقدسة. فلما أضيفت إلى ذات الله، فهي على ظاهرها، أي على ما يليق بذات الله جل جلاله، على ما يليق بالله سبحانه وتعالى، فظاهر نصوص الكتاب والسنة في الأسماء والصفات هو على ما يليق بالله، فنحن نؤمن بها على هذا الظاهر الذي هو لائق بالله جل جلاله.

وأما إذا كان بعض الناس يفهم الظاهر ما يليق بالمخلوقات، فيفهم الاستواء على العرش كما يستوي الإنسان على كرسيه، فإذا سحب منه الكرسي سقط، ويكون الإنسان محتاجاً لهذا الكرسي حتى يجلس عليه، إذا كان هذا الظاهر عند هذا الشخص، فنقول: هذا الظاهر المماثلة ليس هو المراد، لكن ظنك أن هذا هو الظاهر يجب أن تتوب منه وأن تستغفر منه لأن هذا ذنب وهذا...

معصية أن تظن أن ظاهر النصوص؛ نصوص الكتاب والسنة هو التمثيل. نأخذ فاصل ثم نكمل هذه القضية بمشيئة الله.

عماد الدين؛ ثاني أركان الإسلام ومبانيه العظام، أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة، صلة بين العبد وربه، فضائل سامية وخصائص اجتمعت في عبادة واحدة أنها الصلاة، كما أنها تمحو الخطايا. قال عليه الصلاة والسلام: «أرأيتم لو أن نهراً بباب أحدكم يغتسل منه كل يوم خمس مرات هل يبقى من درنه شيء؟» قالوا: لا يبقى من درنه شيء. قال: «فذلك مثل الصلوات الخمس يمحو الله بهن الخطايا». وتمنع الإنسان عن الوقوع في المعاصي والمنكرات، قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: 45]. فكيف لعاقل أن يرد كل هذه الهدايا والعطايا ويعرض نفسه لسخط الله وعذابه؟ فقد توعد الله المتهاون في أدائها، فقال: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]. وحين يسأل أهل النار عن سبب دخولهم فيها يكون أول جوابهم: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ﴾ [المدثر: 43]. لذا جعل النبي صلى الله عليه وسلم بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة.

قال الإام ابن القيم رحمه الله: لا يختلف المسلمون أن ترك الصلاة المفروضة عمداً من أكبر الكبائر، وأن إثمه عند الله أعظم من إثم قتل النفس وأخذ الأموال ومن إثم الزنا والسرقة وشرب الخمر، وأنه متعرض لعقوبة الله وسخطه وخزيه في الدنيا والآخرة. فدين بلا صلاة كبيت بلا عماد، فإنها ميزان النجاة وسبيل الفلاح، فاحرص على إقامتها وسلامتها: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ۖ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 281].

حياكم الله أيها الأحبة، وصلنا القاعدة الثالثة: أننا نؤمن بالاسماء والصفات على ظاهرها اللائق بالله. وأن هناك أناساً للأسف الشديد ظنوا ظن السوء بنصوص الكتاب والسنة، أنه يظهر منها في وصف الله جل جلاله أن هذا الوصف مماثل لصفات المخلوقات. حتى قال الجويني: وجدت القوم ما فهموا من صفات الخالق إلا ما يليق بالمخلوق. لماذا وقعوا في التعطيل؟ لأن قلوبهم تنجست ببذرة التمثيل، فلما ظنوا ظن السوء بنصوص الكتاب والسنة أنها يفهم منها ما يماثل المخلوقات؛ فقالوا: الاستواء على العرش يماثل استواء الإنسان على كرسيه، فهموا ذلك. الممثلة قالوا: نعم هذا الفهم فهم صحيح. وأولئك -يعني والعياذ بالله- وقعوا في كفر واضح صريح، فالله عز وجل قال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، وهم يقولون: الله عز وجل صفاته مثل صفات المخلوقين! هذا -أعوذ بالله- كفر. وهؤلاء أيضاً فهموا الكفر والعياذ بالله؛ فهموا أن نصوص الكتاب والسنة ظاهرها الكفر، فقالوا: نريد أن نؤولها. فقالوا: استوى على العرش يجب أن نؤولها لأننا لا نفهم استواء الله على عرشه إلا كاستواء المخلوق على كرسيه، فقالوا: نقول استوى بمعنى استولى، أو هناك شيء مخلوق يسماه الله عز وجل استوى على العرش وأضافه إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم وهذا شيء مخلوق.

نقول: هذا ظن ظن سوء بكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، وهذا يجعل الإنسان ما يعرف ربه جل جلاله ولا يفهم هذه المعاني، والله عز وجل عبر بهذه المعاني حتى نفهمها، نفهمها على ما يليق بالله. فعندما وصف الله عز وجل نفسه بالغضب فهو غضب على ما يليق بالله جل جلاله، وهذا هو الظاهر من نصوص الكتاب والسنة.

القاعدة الرابعة نضيفها حتى تكمل، الظاهر هنا نقول بلا تمثيل، فلا نظن بنصوص الكتاب والسنة أن فيها شيئاً من التمثيل، لا نظن ذلك أبداً أن فيها شيئاً من تمثيل صفات الخالق جل جلاله بصفات المخلوقين، أو أننا عندما نصف المخلوق بأنه سميع بصير أننا نثبت سمع وبصر المخلوق مثل سمع وبصر الخالق. تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً، فنفهم على ظاهره بلا تمثيل، هذه قاعدة تكون عندنا، ونخوفهم ظاهره التمثيل بأن هذا تعد على الله وعلى رسوله، وأن هذه جناية على نصوص الكتاب والسنة؛ حيث ظن أن نصوص الكتاب والسنة تعلمنا الكفر -العياذ بالله- هذا لا يمكن. ثم هو سيخطئ فيما بعد إن ظن أن نصوص الكتاب والسنة التمثيل، سيخطئ فيما بعد بأن يعطل نصوص الأسماء والصفات، أن يعطل الأسماء والصفات الواردة لله عن الحق الذي فيها، فيقوم بتأويلها وتحريفها.

ناتي بقاعدة خامسة وهي مهمة، أنه بلا تمثيل وبمعنى أننا نفهم أسماء الله عز وجل وصفاته، نعرف معانيها. أيها الأحبة في الله، الأسماء والصفات الواردة لله سبحانه وتعالى في الكتاب والسنة لها جهتان؛ جهة تتعلق بالكيف، وجهة تتعلق بالمعنى. المعنى معلوم لنا، من هذه الجهة أسماء الله وصفاته من جهة المعنى هي معلومة لنا، ومن جهة الكيفية هي مجهولة لنا، فنحن في الكيفيات كيفية أسماء الله وكيفية صفات الله نفوض هذه الكيفية إلى الله جل جلاله. وأما من جهة معانيها فنحن نعرف تلك المعاني ونتربى بها؛ نعرف معنى الرحمة، وأن الله سبحانه وتعالى موصوف بصفة الرحمة، لذلك الواحد منا لا يياس ولا يقنط أبداً مهما وقع في أنواع الذنوب والمعاصي، لا يياس من رحمة الله لأن الله عز وجل رحيم يرحم عباده فيغفر ذنوبهم ويستر عيوبهم ويتجاوز عن خطيئاتهم مهما كانت ذنوبهم مهما كانت معاصيهم، إذا عادوا إلى الله رحمهم الله وغفر لهم ذنوبهم.

نعرف معنى الرحمة، معنى المغفرة، معنى القدرة، معنى السمع، معنى البصر؛ نعلم أن الله يسمع كلامنا، وأن الله يبصر تنقلاتنا، يبصرنا في مكاننا، ونعلم أن الله عز وجل مطلع يعلم ما في قلوبنا. نعلم هذه المعاني بشكل واضح، نعلم معنى أن الله عز وجل له يد يقبض بها ويبسط، نعلم أن معاني القبض والبسط سعة الرزق، نعلم المعنى. لكن الكيفية؛ كيفية يد الله، كيف الله عز وجل يقبض يده، كيف يبسط يده، لا؛ هنا نعلم المعنى وأن الله سبحانه وتعالى واسع الرزق واسع العطاء جل جلاله، نعرف هذه المعاني، لكن الكيفيات نفوض أمرها إلى الله.

نحن لسنا مفوضة للمعاني، والذي ينسب للسلف الصالح أنه يفوض معاني الأسماء والصفات، هذا قد افترى فرية عظيمة على صحابة رسول الله وعلى أئمة القرون الثلاثة المفضلة؛ حيث جهلهم، حيث نسب إليهم الجهل بمعاني أسماء الله عز وجل وصفاته، وأنهم ما كانوا يعرفون المعاني! هذا كلام سيء. بل كانوا يعرفون معاني أسماء الله عز وجل وصفاته، ويعرفون معنى الفرح إذا أضاف إلى الله، ومعنى الغضب إذا أضيف إلى الله، ومعنى الضحك إذا أضيف إلى الله، ومعنى السمع، معنى البصر، يعرفون هذه. يكفينا الحديث المشهور عندما قالت عائشة: سبحان من وسع سمعه الأصوات، لقد كانت المجادلة تجادل رسول الله في ناحية من البيت يكاد يخفى عليه كلامها، والله عز وجل سمع كلامه من فوق سبع سماوات، هذا الكلام معروف يعرفون المعاني، ويعرفون معاني أسماء الله عز وجل وصفاته، ويعرفون الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته وأفعاله، فلا ينسب إلى السلف الصالح التفويض؛ تفويض المعاني، لا، إنما الذي ينسب إليهم وهو الحق هو تفويض الكيفية.

لما كانت ذات الله غيب، كانت صفاته جل جلاله غيب علينا كذلك، فنفوض الكيفيات، وأما المعاني فإننا نعلمها بمعنى وتنزيه؛ فننزه الله سبحانه وتعالى بما اثبتنا له من الأسماء والصفات، ننزهه عز وجل أن يكون له مثيل في ذلك، وننزه الله سبحانه وتعالى عن كل عيب ونقص.

آخر شيء أود أن أذكره في هذه الحلقة وعقلاً، أن هذه الأسماء والصفات لا يمكن أن يكون فيها شيء يخالف ويضاد العقل السليم، لا يمكن أن يكون ذلك، بل هي موافقة للعقول السليمة. والعقل السليم يدرك كثيراً من تلك الأسماء والصفات، لكنه قد يحار فيها. فرق بين أن نقول: يحار العقل، وفرق بين أن نقول: يحيله العقل، فليس في عقِيدتنا ما يحيله العقل، لكن فيه ما يحار فيه العقل. وعرفنا سبب ذلك أن هذا من الغيب، ولما كان الله عز وجل، لما لم نرى الله عز وجل لم نرى ذاته، ولما الله عز وجل ليس له مثيل نقيس عليه، ولما لم يرد الخبر الصادق الموضح لكيفية صفات الله هنا نقول: إن هذا الباب غيب. والعقل يدرك كثيراً من تلك الصفات لكنه لا يحيلها ولا يخالفها. وأيضاً نقول: إن هذه الأسماء والصفات جاءت كذلك موافقاً لما تقول به العقول السليمة.

هذه قواعد مجمله اردنا أن نذكرها في باب أدلة الأسماء والصفات. أسال الله سبحانه وتعالى يجعلني وإياكم من المؤمنين حقاً وصدقاً بأسماء الله عز وجل وصفاته المتربين بها. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.