السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعلْه حجة علينا يا رب العالمين.
حياكم الله أيها الأحبة في الله في المحاضرة السابعة من محاضرات مادة العقيدة. هذه المحاضره ستكون عن الركن الخامس من أركان الإيمان، وهو الإيمان باليوم الآخر. ولا شك أن الحديث عن الإيمان باليوم الآخر وما فيه من أحداث، بدءاً بما يكون في القبر، ثم ما يكون من البعث، ثم ما يكون في الحشر، ثم ما يكون من حساب وميزان وصراط، ثم ما يكون من القنطرة، ثم ما يكون من دخول الناس إلى الجنة ومن دخول الناس إلى النار؛ لا شك أن الحديث في موضوع اليوم الآخر حديث شيق. نسأل الله سبحانه وتعالى أن ييسر إيضاحه وأن يجعلنا من أهل الجنة.
ما معنى اليوم الآخر؟ السؤال إليكم أيها الأحبة، وكل يجيب في ورقة أمامه: هل اليوم الآخر هو آخر يوم من أيام الدنيا ثم بعده تنتهي أيام الدنيا، آخر يوم ثم يأتي بعده برزخ ثم يأتي يوم القيامة؟ هل اليوم الآخر هو آخر يوم من أيام الدنيا ثم يليه يوم القيامة، أم أن اليوم الآخر ويوم القيامة شيء واحد؟ الجواب أنه هو اليوم الآخر. اليوم الآخر ويوم القيامة هو شيء واحد، فآخر يوم من أيام الدنيا هو اليوم الذي تقوم فيه القيامة، وهو يوم عقيم لا ليلَ بعده، وهو الذي تكون فيه أحداث اليوم الآخر، وتكون فيه قيام الناس من قبورهم، ويكون فيه كل الأشياء هذه. هو آخر يوم من أيام الدنيا وهو يوم القيامة، هذا هو الصحيح.
كيف نؤمن باليوم الآخر؟ أن نؤمن بكل ما جاء في القرآن والسنة، بكل ما أخبرنا الله عز وجل به أو نبيه صلى الله عليه وسلم مما يكون بعد الموت. كل ما يكون بعد موت الإنسان هذا يعتبر داخل في أحداث اليوم الآخر، فالايمان باليوم الآخر هو الإيمان بكل ما ورد في الوحي الإلهي من أحداث بعد موت الإنسان، هذا يسمى الإيمان باليوم الآخر.
أيها الأحبة في الله، لا شك أن ركن الإيمان باليوم الآخر ركن عظيم من أركان الإيمان، ولا يتم إيمان الإنسان إلا بالإيمان باليوم الآخر. والله سبحانه وتعالى يعني في كثير من الآيات يقرن الإيمان به بالإيمان باليوم الآخر: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ مِنكَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. دلالة على قضية أن الإيمان باليوم الآخر هذا الركن له أهمية، أن الله سبحانه وتعالى يقرن الإيمان باليوم الآخر بالإيمان به سبحانه وتعالى.
ثم أنظروا يا إخوان في المصحف، قل أن تجد ورقة من ورقات المصحف إلا ويكون فيها ذكر لليوم الآخر أو لشيء من أحداثه، مما يدل على أهمية هذا الركن من أركان الإيمان. وأيضاً كثره اسمائه في القرآن: اليوم الآخر، يوم القيامة، يوم التغابن، الصاخة، الطامة؛ أسماء كثيرة جداً، مما يدل على أن هذا الركن وهذا اليوم له مكانة في الإسلام.
أيها الأحبة في الله، تعالوا نتأمل قليلاً -وأن كان هذا يعني يكون معنا بمشيئة الله في أغلب هاتين المحاضرتين المتعلقة باليوم الآخر- لكن تأملوا معي شخص يؤمن بالله واليوم الآخر، وشخص عنده الإيمان باليوم الآخر فيه ضعف؛ قارن بين الحالين.
الذي يؤمن باليوم الآخر يجد أيتاماً في الطريق، يجد مساكين وضعفاء؛ الييتيم ليس له والد الآن ياتي فيرد إليك المعروف، المسكين تنظر إليه في الغالب غالب حاله أنه لن يكون غنياً خلال هذه المدة. عندما أنت تحسن لليتامى والمساكين ولا يوجد أحد يراك إلا الله سبحانه وتعالى، فتحسن إليهم، تحسن إليهم لماذا؟ لأنك تريد من الله سبحانه وتعالى الأجر في الآخرة. ولذلك هذا الإيمان باليوم الآخر يجعلك تفعل الطاعات وتترك المعاصي والمنكرات، وعندك يقين أن هناك يوماً سيبعث فيه الناس من قبورهم ويجازون على أعمالهم.
هذا اليتيم أنت لا تريد منه، وهذا المسكين أنت لا تريد منه ولا من أهله، إنما تريد من الله، وتؤمن بأن هناك يوماً آخر سيحاسب الناس على أعمالهم وستجد جزاءك على هذا العمل. لذلك المؤمن باليوم الآخر تجده بالنسبة لليتامى والمساكين وكل من لا يرجى من ورائه نفع في هذه الدنيا، المؤمن باليوم الآخر تجده يفعل الخير مع هؤلاء الأصناف.
الذي يكون ضعيف الإيمان باليوم الآخر يقول: إيش الفائدة؟ وهذه فطره في كل إنسان، كل إنسان يطلب الفائدة، أي عمل يعمله يريد منه فائدة. ما الفائدة من هذا إذا ما في فائدة ما أريد أن أعمله؟ فإذا كان يؤمن باليوم الآخر ستكون فائدته أخروية أيضاً، ويعطيها الله سبحانه وتعالى في الدنيا. أما الذي لا يؤمن باليوم الآخر ما في فائدة، لذلك تجد قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾ [الماعون: 1]. بالدين يعني بالحساب والجزاء اليوم الآخر، ما حاله؟ انظروا بما جعل الله سبحانه وتعالى، ما هي أخص صفات المكذب باليوم الآخر؟ قال: ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: 2-3]. فجعل الله سبحانه وتعالى من أخص صفات المكذبين باليوم الآخر سوء الخلق مع اليتامى والمساكين، مع كل من لا يرجى من ورائهم منفعة في الدنيا. ولذلك الذين لا يؤمنون باليوم الآخر في الغرب ماذا يسمون؟ برجماتية نفعية، ينظر: هل هذا الشخص من ورائه نفع؟ ما وراه نفع، ما يمكن يفعل معه شيء، ما يمكن. ينظر إلى نفعه الدنيوي.
ولذلك الذي يؤمن باليوم الآخر تجده يفعل الطاعات، تجده مثلاً عنده أرحام يصلهم وهم يقطعونه ما يبالي، ما يبالي لأنه يعلم أن هناك يوماً آخر وأنه سيحاسب وسيُجازى على هذا العمل. فعلت معروفاً مع شخص، ساعدته سواء بجاهك بمالك بأي شيء، ثم اليوم التالي وجدت أن ذلك لم يؤثر فيه، وجدت أنه لم يعظم لم يقدرك لم يبتسم في وجهك؛ أنت ما تبالي. الذي يؤمن باليوم الآخر لا يبالي، لماذا؟ لأنه خلاص استودع هذا العمل عند الله سبحانه وتعالى. فلا شك أن عقيدة الإيمان باليوم الآخر لها اثر كبير على سلوك الانسان.
حياكم الله أيها الأحبة في الله. ما هو أول أمر من امور اليوم الآخر؟ أول أمر يصادف الانسان بعد موته من احداث اليوم الآخر هو ما يكون في القبر.
كان عثمان رضي الله تعالى عنه إذا وقف على قبر بكى، ومن شدة بكائه يبل لحيته. فقيل له: تذكر الجنة والنار فلا تبكي؟ نتحدث عن نعيم الجنة، نتحدث عن عذاب النار، ما نراك تبكي مثل ما تبكي من هذا من أمر القبر؟ فقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن القبر أول منزل من منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينجُ منه فما بعده أشد منه». فهذا القبر الذي ينجو في الاختبار والابتلاء الذي يكون في القبر، الذي ينجو من ذلك فما بعده أيسر منه.
أيها الأحبة في الله، نؤمن بأن في القبر هناك فتنة، فتنة يعني ابتلاء اختبار، والأسئله بحمد الله مكشوفة، قد بلغنا اياها ونحن في هذه الدنيا نذاكر هذه الأسئلة ونتقن هذه الأسئلة. والأسئلة ثلاثة لكن مع الدليل، الأسئلة: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ بما عرفت ذلك؟ يعني هات أدلتك. هذه الأصول الثلاثة سنسال عنها في القبر ونختبر فيها. عندكم الأسئلة مكشوفة، الأسئلة عندكم، والانسان يذاكرها الآن ويستعد: من ربك؟ ما دينك؟ من نبيك؟ تختبر في هذا في قبرك.
عن أسماء رضي الله تعالى عنها قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما من شيء لم أكن رايته إلا رايته في مقامي هذا حتى الجنة والنار، وأوحي إلي أنكم تفتنون في قبوركم مثلَ أو قريباً من فتنة المسيح الدجال».
وفي حديث البراء بن عازب الطويل يقول فيه صلى الله عليه وسلم: فياتي المؤمنَ ملكان فيجلسانه فيقولان له -أنظر الأسئلة الآن-: من ربك؟ المؤمن يقول: ربي الله. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله. شفتوا الأسئلة الآن؟ فيقولان له: وما يدريك؟ يعني ايش الدليل؟ ما الذي أدراك أن هذا رسول الله حقاً، وأن هذا الدين حق، وأن الله حق؟ فيقول: قرات كتاب الله فآمنت به وصدقت.
هنا ملحوظة يا إخوان: قرأت كتاب الله. كثير من الناس يقول: لا تستدل علي، لا تستدل علي بالقران، وهو يزعم يقول: أنا لا مؤمن بالله ولا مؤمن بالرسول ولا مؤمن بالدين، كيف تستدل علي بالقران؟ هذا منهج خاطئ. القرآن مشتمل على الأدلة، الأدلة موجودة على وجود الله، وعلى أن الله حق، وأن محمد صلى الله عليه وسلم حق، وأن الدين حق؛ الأدلة موجودة في القرآن. فلو أن الإنسان يقرا القرآن وينظر للأدلة ويتأتمر فيها، فهذا هو؛ فمن آمن بهذه الأدلة سيعرف من خلال القرآن أن هذا القرآن هو كلام الله، فهذا منهج -بعض الناس فهم خاطئ، فهم غير صحيح نظرتُه للقران أنها خبر، أن القرآن مجرد أخبار لا أدلة عقلية فيه، وهذا فهم خاطئ ونظرة قاصرة عن القرآن.
النظر في القبر إجابة المؤمن قال: قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت. قال صلى الله عليه وسلم: «فذلك قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ [إبراهيم: 27]». فينادي مناد من السماء -النتيجة ظهرت الآن- أنْ صدق عبدي، فأفرشوه من الجنة، والبسوه من الجنة، وافتحوا له باباً إلى الجنة. فيفتح -قال- فيأتيه من روحها وطيبها، ويفسح له في الجنة مد بصره. انظروا يا إخوان هذه النتيجة، فيتحول القبر إلى روضة من رياض الجنة. هذا القبر الذي نحن نراه لا يزيد عن عرض الإنسان، وهذا اللحد ويوضع هذا الإنسان فيه؛ يتحول هذا القبر إلى روضة من رياض الجنة بالنسبة للمؤمن.
ننظر للكافر العياذ بالله، بعد أن ذكر موته وما يحدث له قال: ويعاد روحه في جسده -تعاد الروح في الجسد- وياتيه ملكان فيجلسانه، فيقولان: من ربك؟ فيقول: ها ها لا أدري. فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ها ها لا أدري. فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: ها ها لا أدري. ما عرف يجاوب؛ لماذا؟ لم يؤمن بالله ولا بالرسول ولا بالدين الإسلامي ولا باليوم الآخر، فكانت هذه إجابة تراس النتيجة. فينادي مناد من السماء: أنْ كذب عبدي، فأفرشوه من النار، والبسوه من النار، وافتحوا له باباً إلى النار. قال: فيأتيه من حرها وسمومها، ويضيق عليه قبره حتى يختلف فيه أضلاعُه. ثم يقيض له أعمى أصم معه مرزبة من حديد، لو ضرب بها جبل لصار تراباً، فيضربه ضربة فيسمعها ما بين المشرق والمغرب إلا الثقلين، فيصير تراباً ثم يعاد فيه الروح. هذا حال الكافر والعياذ بالله.
إذاً هذه الأسئلة يا إخوان مكشوفة، معروفة: عن الله، وعن الدين، وعن الرسول صلى الله عليه وسلم. هذه الأصول الثلاثة ينبغي للإنسان أن يهتم بها، ويدخل في الإيمان بالله الملائكة الكتب الرسل، ويدخل أيضاً الإيمان بخبر الله اليوم الآخر وبقضائه وقدره لأنه يدخل في الإيمان بالله الايمان بربوبيته لهذا الكون. وهكذا تندرج أركان الإيمان الستة ضمن هذه الأصول الثلاثة: الإيمان بالله، وبمحمد صلى الله عليه وسلم، وبالدين الإسلامي وما فيه من عقيدة وشريعة. هذه الأصول الثلاثة يجب على الإنسان أن يتقنها، لأنه سيسأل عنها في قبره، والقبر أول منزلة من منازل اليوم الآخر.
ما صفة هذين الملكين؟ وردت في بعض الأحاديث صفتهما وأسماؤهما، قال صلى الله
إذا قبر الميت، أتاه ملكان أسودان أزرقان، يقال لأحدهما: المنكر، وللآخر: النكير. سؤال يا إخوان: لو فتحنا القبر، هل سنرى وبقي الإنسان؟ دفنا الميت ثم يعني القبر مفتوح وجلسنا، هل سنرى إقعاداً؟ هل سنسمع أسئلة وأجوبة؟ هل سنسمع إذا كان قبره كافر، هذه الضربة من حديد، مرزبة من حديد؟ هل سنرى هذا القبر يخرج منه هواء بارد بالنسبة للمؤمن؟
طيب، هل هذا الأمر بالنسبة للعقل مرفوض عقلاً أم يحار فيه العقل؟ السؤال إليكم؛ خذوا هذه العبارة اكتبوها عندكم، العبارة تقول: هذا الأمر مرفوض عقلاً، ونؤمن به لوروده سمعاً. يعني لوروده في النقل نؤمن به، وإن كان العقل يرفضه. العبارة تقول: هذا الأمر مرفوض عقلاً، مقبول شرعاً. هذه العبارة الأولى، فنحن نؤمن به لوروده في الشرع، وإلا فإن العقل يرفضه. عبارة صح أم خطأ؟
العبارة الثانية تقول: هذا الأمر يحار فيه العقل، وورد في الشرع، فنؤمن به لكونه ورد في الشرع، والعقل يحار فيه، لكن لا يرفضه. أي العبارتين أصح؟ لا شك أن العبارة الثانية هي العبارة الصواب. أما العبارة الأولى -انتبهوا إياكم وإياها- هذه العبارة من عبارات المتكلمين، يرون أن هذا الأمر مرفوض عقلاً. هذا ليس بمرفوض عقلاً، فبعضهم لكونه مرفوض عقلاً والعقل عنده هو الميزان للوحي، رفض عقيدة القبر، ما يكون في القبر من نعيم ومن عذاب، رفض هذه العقيدة وأنكرها. بعضهم أنكرها لأنه يرى أن هذا مرفوض عقلاً، وهو يزن الدين الإسلامي بالعقل، وهذا الأمر غير صحيح.
هذا وأن يقول الشخص: مرفوض عقلاً وأنا أقبله لكونه شرعاً، هذا معناه أن في ديننا الإسلام أشياء من الأشياء التي ترفضها العقيدة، فدع عقلك واتبعنا الإسلام كالنصارى! إذاً الصحيح أن هذا الأمر يحار العقل في كيفيته، لكون هذه الكيفية تتعلق بأاحداث اليوم الآخر وليست بأحداث الدنيا، فيحار فيه في كيفيته، لكنه ليس بمرفوض. لماذا؟ لأننا نجد -يعني أمامنا، يعني- نجد شخصين نائمين؛ أحدهما يعيش في حلم رائع جداً، ويغضب ممن أوقظه، ويدخل جنة وهو نائم. والآخر قد يعيش في ألم وعذاب، ويدخل جهنم وهو نائم، وهذا يطلب من يوقظه، ويفرح بمن أوقظه، ويستيقظ! أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
فهذا الأمر يوجد في الحياة ما يقابله، ما يماثله، ما يقربه، فهو ليس بمستحيل عقلاً، لكنه مما يحار فيه العقل؛ لكون هذه الأحداث تتعلق بأحداث اليوم الآخر. فنحن نؤمن به شرعاً، ونقول: هو مقبول عقلاً، لكن يحار العقل في كيفيته. ناخذ فاصل ثم نعود إليكم بمشيئة الله.
قال الله تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31]. فلنتدبر قبل أن يؤول بنا الحال إلى مصير المسرفين، فثم دول معاصرة اشتهرت بشدة النعيم والإسراف ثم دارت الأيام جرت بالمجاهد. فلنحرص جميعاً على الاقتصاد في الطعام، وأن نأتي به على قدر الاحتياج، وإذا تبقى منه شيء فلنحتفظ به للوجبة التالية، أو لنعطيه للمحتاجين بعد أن نغلفه. وإذا كان الطعام لا يصلح للإنسان فلنجعله في صندوق، ولنجعله غذاء للطيور والحيوان؛ ففي كل كبد رطبة أجر. ولنتذكر دوماً قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8].
حياكم الله أيها الأحبة، ما زلنا نتحدث عما يكون في أول منزلة من منازل اليوم الآخر، وهو ما يكون في القبر، فعذاب القبر ونعيمه حق. عن عائشة رضي الله تعالى عنها: أن يهودية دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت عذاب القبر، فقالت لها عائشة -أعاذك الله، أسف قالت اليهودية-: أعاذك الله من عذاب القبر. فسألت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم -يعني اليهودية تذكر أن هناك عذاب في القبر- فذكرت، سالت عائشة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «نعم، عذاب القبر حق». قالت عائشة: فما رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد صلى صلاة إلا تعوذ بالله من عذاب القبر. متفق عليه.
هنا تنبيه يا إخوان؛ أن التوراة الموجودة حالياً في أيدي اليهود نادر أن تجد فيها الكلام عن اليوم الآخر، إنما الوعد فيها بصلاح الدنيا؛ يعني إن فعلتم كذا أنزل الله لكم المطر. وحرفوا كل ما يتعلق بنعيم الجنة وعذاب النار وما يكون في القبر، مع أنه انظر، هذه اليهودية كانت تؤمن بعذاب القبر، كانت تؤمن وهي في عصر النبي صلى الله عليه وسلم كانت تؤمن بعذاب القبر.
الله عز وجل يقول: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ * النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 45-46]. هذه الآية فسرها كثير من السلف بعذاب القبر، كيف؟ ما اين وجه الدلالة؟ قال: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، هذا متى يعرضون عليها غدواً وعشياً؟ هذا في القبر، بدلالة قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ﴾ إذاً هنا مسألة أخرى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، يدخلون النار متى؟ في يوم تقوم وفي القبر يعرضون على هذه النار، هذا ما يكون من عذاب القبر.
طيب، بالنسبة لعذاب القبر؛ للكافر مستمر، ثابت عندنا أن هذا العذاب بالنسبة للكافر مستمر. أما بالنسبة للعاصي -مثل الذي يعني ما كان يتنزه عن البول- قال النبي صلى الله عليه وسلم: «أما إنهما ليعذبان وما يعذبان في كبير، أما أحدهما فكان يمشي بالنميمة، أما الآخر فكان لا يستتر من بوله». هل هؤلاء العذاب يستمر إلى يوم القيامة أم بحسب ذنوبه؟ والله أعلم أن العذاب يكون بحسب الذنوب، لما نعرفه أن هذا المؤمن في هذا الإنسان العاصي في يوم القيامة إن دخل النار عذب بحسب ذنوبه، فقد يكون هذا يعني يكون في القبر بحسب ذنوبه، لكن لا يوجد نص على هذا.
وبالنسبة لنعيم القبر للمؤمن مستمر، نعيم القبر بالنسبة للمؤمن مستمر، أما بالنسبة للعاصي فلم يرد فيه شيء؛ يعني هل بعد أن يعذب مثلاً بحسب ذنوبه يبقى ينعم؟ هذه الأمور دائماً نجد في النصوص في القرآن في السنة الكلام عن المؤمن والكافر. أصحاب الكباير لا يذكرون في قضية نعيم لا يذكرون بالتفصيل في موضوع نعيم القبر وعذاب القبر، لا يذكرون بالتفصيل في مثلاً عذاب النار وهكذا.
وبالنسبة للأرواح؛ الروح يا إخوان نؤمن بها بأنها من عالم الغيب، وهذه الروح التي فينا لا نعرف كيفيتها، ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85]. لكن نعلم أنها إذا كانت في الإنسان فهي تسري في أعضاء بدنه فيحيا بها، فإذا فارقت هذه الروح بدن الإنسان كانت وفاته، فان ردت إليه كانت وفاة في النوم فقط، وموت، وإن لم ترد إليه فإنه هذه انتهى هذا الإنسان ويدفن في القبر، ولا ترد إليه هذه الروح إلا في اليوم الآخر.
هذه الروح مخلوق من مخلوقات الله، مدبرة مربوبة لله، أضافتها إلى الله إضافة تشريف وتكريم. هذه الروح تموت؟ نعم، تموت الروح، تموت بمفارقتها للبدن، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ [آل عمران: 185]. ولكن الفرق بينها وبين البدن أن البدن يفنى وهي لا تفنى، بل يكون لها شأن آخر ومستقر مختلف.
بالنسبة لأرواح الأنبياء تكون في أعلى عليين. وبالنسبة لأرواح الشهداء فإن الله سبحانه وتعالى يجزيهم بسبب عملهم هذا ونيلهم الشهادة في سبيل الله، أن تجعل أرواحهم في أجواف طير، فيجعل لأرواحهم هذا البدن من خلال الطير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت، فتتنوع.
وبالنسبة لأرواح بقية المؤمنين تكون في الجنة على الراجح، وإن حبس بعضها بالدين ونحوه. ما الفرق بين أرواح الشهداء وأرواح بقية المؤمنين؟ أن أرواح الشهداء يخلق لها أجساداً وهي الطير تكون في حواصل، ليكمل بذلك نعيمها والله أعلم. أما أرواح الكفار فهي في النار عياذاً بالله.
بالنسبة للدنيا؛ التعلق بين الروح والبدن في الدنيا الروح تابعة للبدن، لا نعرف إلا بدن الإنسان هيكل الإنسان وروحه تابعة لبدنه، فالنعيم والعذاب في الدنيا أكثره يقع على البدن؛ ففي الدنيا الحياة بدنية والروح تابع لها.
في البرزخ؛ الحياة روحية والبدن تابع للروح. فمثلا إذا هذا البدن فني مثلاً أحرق، هل لا يذوق الإنسان ما يكون في القبر؟ لا، يذوقه؛ لأن القضية للروح، البدن قد يكون معها وقد يتفتت هذا البدن، قد يحترق هذا البدن، فأمور البرزخ الحياة روحية، الحياة روحية والبدن تابع للروح.
وأما بالنسبة للآخرة فالحياة بالنسبة للإنسان لبدنه وروحه، والنعيم للاثنين والحياة للاثنين. نعيد نلخص هذه: بالنسبة للدنيا الحياة للبدن والروح تابع لها، بالنسبة للبرزخ الحياة للروح والبدن تابع لها، بالنسبة للآخرة الحياة للبدن مع الروح.
بعد القبر ما هي المرحلة الثانية؟ يأتي البعث والنشور، فيقوم الناس من قبورهم لرب العالمين حفاه عراه غرلاً. أيها الأحبة في الله، بالنسبة للبعث؛ البعث عندنا يعني ثابت شرعاً، وثابت عقلاً، وثابت حتى بالعيان بالحس. قال الله عز وجل عقلاً الآن الأدلة على وجوب البعث عقلاً وأن هناك بعث، قال الله عز وجل: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ [المؤمنون: 115]. قال الله عز وجل: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنسَانُ أَن يُتْرَكَ سُدًى﴾ [القيامة: 36]. يعني هكذا تخلق أنت عبث؟ أنت خلقت عبث في هذه الدنيا، تعيش ثم تموت عبث سدى مهمل هكذا؟ لا، فالبعث عدل الله وحكمته، ويحكم به العقل وتطمئن إليه الفطرة، قال تعالى: ﴿قُل بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [التغابن: 7].
بمشيئة الله في المحاضرة القادمة سنتناول أدلة البعث والنشور بشيء من التفصيل، فالى تلك الحلقة استودعكم الله، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يزيد إيماننا وأن يسدد جوارحنا في فعل الطاعات وترك المعاصي والمنكرات، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.
د. أبو زيد مكي القبي