تسجيل الدخول

المحاضرة 8 - العقيدة - المستوى الثالث - د. أبو زيد مكي - دلائل البعث ومشاهد القيامة

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أمين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.

حياكم الله أيها الأحبة في الله في المحاضرة الثامنة من محاضرات مادة العقيدة. توقفنا في المحاضره السابقة عند الكلام عن أن البعث والنشور ثابت عقلاً يحكم به العقل، وثابت شرعاً وهو من مقتضيات عدل الله سبحانه وتعالى. اليوم بمشيئة الله نأخذ بعض الأدلة على إمكانية البعث.

أول دليل، وهو يعتبر نوعاً من الأدلة على البعث لأن فيه مفردات كثيرة جداً، الوجود والعيان؛ يعني وجد من مات ثم بعثه الله سبحانه وتعالى وعاد حياً. هل يوجد دليل على البعث أكبر من هذا؟ ما يوجد. أكبر دليل على أن البعث ممكن، أن هناك أناساً قد ماتوا وبقوا ميتين إلى ثلاثمائة سنة وهم أموات، ثم يبعثهم الله سبحانه وتعالى ويحييهم الله مرة أخرى؛ هذا اعظم دليل.

ناخذ بعض المفردات لهذا الدليل والأدلة عليه. قال الله عز وجل: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَىٰ لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ طلبوا أن يروا الله أمام أعينهم ﴿فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ﴾ خلاص، ماتوا، أماتهم الله ثم بعثناكم من بعد موتكم لعلكم تشكرون. فحدث البعث هذا في عهد موسى عليه السلام.

أيضاً قال الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِن دِيارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾ إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون. أو كالذي مر على قرية وهي خاوية على عروشها قال أَنَّىٰ يُحيي هَٰذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا قرية ميتة تماماً، الناس أموات، قرية كل أهلها ماتوا، فجاء هذا الرجل فرأى هذه القرية وإذا بأهله أموات، قال: أَنَّىٰ يُحيي هذه الله بعد موتها، يتساءل كيف؟ فأماته الله، أماته الله كم سنة؟ مئ عام. ثم بعثه، قال: كم لبثت؟ قال: لبثت يوماً أو بعض يوم. قال: بل لبثت مِئَة عام فانظر إلى طعامك وشرابك لم يتسنه حفظ الله الطعام والشراب لم يتعفن ولم يتغير مئة سنة، هذه خاصية البرودة الله سبحانه وتعالى حفظ ذلك لم يتسنه، وانظر إلى حمارك، نظر إلى حماره وإذا به ميت رميم، وانظر إلى حمارك فاحياه الله ولنجعلك آية للناس فالله عز وجل أمر هذا، قال: وانظر العظام كيف منشرتها ثم نكسوها لحماً فلما تبين له قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير. هذا أمام عينه وهو مات مئة عام، ونظر إلى حماره، واضح أن هذا الحمار ميت من سنين، مئة سنة، وأحياه الله أمام عينهم.

وننظر إلى إليه السلام أراد أن يرى هذا البعث بعينه، يرى هذا البعث كيف يكون بعينه، فأعطاه الله عز وجل شيئاً من يعني من ذلك، قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَىٰ ۖ قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِن ۖ قَالَ بَلَىٰ وَلَٰكِن ليطمئن قلبي﴾ يعني يقصد بالاطمئنان القلبي أن يرى ذلك عين اليقين بعينه. ﴿قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَىٰ كُلِّ جَبَلٍ مِّنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا ۚ وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ شوفوا كيف هذه أدلة وجود وعيان.

قال الله عز وجل عن أهل الكهف: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ بعد مضي ثلاثمائة سنة إلا قليلاً. المقصود يا إخوان ها من أعظم الأدلة على إمكانية البعث، وأن البعث حق، وأن الناس يبعثون من قبورهم، الوجود والعيان.

وكان من أيضاً يعني من آيات عيسى عليه السلام أنه مرسل من عند الله أنه كان ياتي للميت في قبره قد مات له ثلاث أيام، له اربع أيام، يقول لهم: تؤمنون باني رسول الله حقاً وصدقاً؟ قالوا: ما دليلك؟ قال: هذا ميت، الاطباء قالوا ميت، إذا كان مريض ما زال مريض اسف إذا ما كان مازال لم يدفن، الاطباء حكم بموته، قالوا حكم موته، قال: لو قلت له قم حيا باذن الله تؤمن ب؟ قال: نؤمن بك، قال: قم حيا باذن الله، وياتي للقبر ويقول لصاحبي: اخرج حيا باذن الله، فيخرج حيا باذن الله. هذه أدلة على إمكانية البعث.

أيضاً من الأدلة، هناك نوع من أدلة إمكانية البعث سمى قياس الأولى. مثال: أيهما أولى ابتداء خلق الانسان أم إعادة خلق الإنسان؟ أيهما أولى؟ فالذي ابتدا خلق الانسان وأنْشَأه من لا شيء، خلقه الله سبحانه وتعالى من لا شيء ثم جعله هكذا بشراً، ثم أماته، الإعادة أيسر وأسهل، وكله في حق الله سهل يسير. لكن الاستدلال خلق الانسان والنشأة الأولى على النشأة الآخرة هذه من الأدلة عندنا في القرآن. أيضاً الاستدلال بمعرفة الله لتفاصيل خلق الإنسان وجزئياته، أنه خلق من نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظام، ثم العظام لحم، وهكذا، هذا الاستدلال بهذه المعرفة التفصيلية دليل على قدرة الله سبحانه وتعالى على إحياء الإنسان. الاستدلال بخلق النبات، توجد الأرض قاحلة ميتة، الأرض ميتة تماماً، فينزل الله سبحانه وتعالى المطر فتخرج الأرض ما فيها من يعني من نبات، فيخرج النبات لوجود بذر موجودة في باطن الأرض بذره النبات، فعندما ينزل الله سبحانه وتعالى المطر على الأرض يخرج النبات قال الله: ﴿وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. الاستدلال بالأعظم والاجل على هذا، أيهما أعظم وأجل خلق السماوات والارض أم خلق الإنسان إعادة خلق الإنسان مرة أخرى؟ لا شك أن الأعظم والأجل هو يعني خلق السماوات والأرض، أمر عظيم جليل كبير، فخلق الإنسان أسهل بكثير، إعادة خلق الإنسان مرة أخرى، إعادة الإنسان مرة أخرى وبعثه من قبره أسهل بكثير من خلق السماوات والأرض.

هذا هذا أيضاً نوع من أنواع أدلة البعث. قال الله عز وجل، ناخذ بعض النصوص واستخرج منها هذه الأيام قال الله عز وجل: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ ۖ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ * قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ هذا الاستدلال بالخلق الأول، وهو بكل خلق عليم. هذا الاستدلال بتفاصيل الخلقة: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِّنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنتُم مِّنْهُ تُوقِدُونَ * أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ﴾ هذا الاستدلال بالأعظم والأجل. ناخذ فاصل ثم نعود إليكم مرة أخرى بمشيئة الله.

حياكم الله أيها الأحبة، اخذنا قبل الفاصل آية، ثم قلنا يعني استخرجوا من خلال هذه الآية أدلة البعث، خذوا هذه الآية الثانية وتاملوا فيها واستخرجوا منها كذلك أدلة البعث. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِن مُّضْغَةٍ مَّخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مَخَلَّقَةٍ لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ ۚ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَىٰ أَجَلٍ مَّسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ۖ وَمِنكُم مَّن يُتَوَفَّىٰ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰ أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِن بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا ۚ وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنبَتتْ مِن كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾ تاملوا في هذه الآية واستخرجوا منها أدلة البعث.

قال: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ﴾ هذا الاستدلال بمعرفة تفاصيل النشأة الأولى أولاً، الاستدلال بالنشأة الأولى على أن النشأة الثانية أسهل وأيسر. الأمر الثاني: الاستدلال بمعرفة تفاصيل الخلقة، هذه كيف خلقك الله.

أمر ثالث قال: انظر إلى الأرض وترى الأرض هامدة فاذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت فكذلك يكون خلق بعث الإنسان.

في مسألة يا إخوان هنا تأملوها: هل البعث يكون بجمع ما تفرق من الإنسان؟ فيجمع الله سبحانه وتعالى ما تفرق من الإنسان. فلو كان الإنسان مثلاً مات في الجو في طائرة ثم احترق ثم انتثر في الجو وصار يعني في كل مكان، انتشرت أعضاء، انتشر أعضاء جسمه. أو انسان مات في البحر فأكلته الحيتان. أو انسان مات مثلاً في البر ولم يدفن، طيب، مثلاً في حادث فتقطع قطع عظيمة، كيف يكون البعث؟ هل البعث يجمع الله عز وجل ما تفرق منه؟ أو أنه نشأة أخرى؟ أو أنه ينشأ نشأة أخرى، لكن يبدا طفل صغير ثم وسط ثم كبير وهكذا. كيف يكون البعث؟

البعث أيها الأحبة في الله نشأة أخرى، لكنها ليست متدرجة كالنشوء الأول، إنما يبعث الإنسان نشأة أخرى، ويكون طوله وعرضه مختلف تماماً عما مات عليه، عما مات عليه، وبعث غرلاً (غير مختون)، يعني يبعث كامل في كل أجزائه التي يعني هي له، يبعث كامل في كل أجزائه لكن طوله ستون ذراعاً كطول آدم عليه السلام وهكذا مختلف الحجم، لكن الشكل والخصائص واليد هي اليد والجلد هو الجلد هو اللسان والبصر هو البصر، لكن يكون هذه خلقه أخرى والله أعلم أن يكون في عجب الذنب الذي يكون في الإنسان هذا يبقى، يعني الإنسان يتحلل كل ما فيه ما عدا هذا عجب الذنب يبقى محتفظاً بخصائص الإنسان. فيوم القيامة ينزل الله عز وجل مطراً من السماء كمني الرجال، فينزل على الأرض. طيب، وأحنا أين ذهبنا؟ هذا الذي مات في الجو، هذا الذي مات في البحر، أين مصيره؟ مصيرها للأرض، منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى. فأخيراً يكون من الأرض لأننا عدنا إلى باطن الأرض، سواء هذا الذي مات في الجو، هذا الذي مات في البحر، المصير إلى الأرض.

ويوم القيامة ينزل الله عز وجل مطراً من السماء كمني الرجال، فينزل على الأرض، فتكون هذه عجب الذنب هذه المحتفظ بخصائص الإنسان بمجرد أن يؤمر بأن يخرج فينزل عليه هذا الماء يخرج انسان كامل يبعث من قبره، فيبعث من قبره ويعرف الناس أن هذا فلان بن فلان، ويده تشهد عليه ولسانه وبصره وسمعه، كل هذه الأعضاء هي لفلان بن فلان، وهكذا يكون البعث، هكذا يكون البعث.

فاذا بعث الناس من قبورهم تدنو منهم الشمس وتلجمهم العرق، الآن نبدأ في قضايا الحشر وحال الناس يعني بعد الحشر. قال الله عز وجل: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ * لِيَوْمٍ عَظِيمٍ * يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ حتى يغيب أحدهم في رشحه إلى أنصاف أذنيه، طبعا منهم من يلجمه العرق الجم، منهم من يكون لثدييه، منهم من يكون لحقويه، منهم من يكون لساق، وهكذا على حسب أعمال الإنسان. فتدنو الشمس يوم القيامة من الخلق حتى تكون منهم مقدار ميل، فيكون الناس على قدر أعمالهم في العرق؛ فمنهم من يكون إلى كعبيه، ومنهم من يكون إلى ركبتيه، ومنهم من يكون إلى حقويه، ومنهم من يلجمه العرق إلجاما، وأشار رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى فيه.

وهناك في هذا الوقت هناك من يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، وهم سبعة أنواع من البشر؛ هؤلاء يظلهم الله في ظله فلا ياتيهم هذا الشمس وهذا العرق وهذا الخوف في هذا اليوم، منهم إمام عادل، وشاب نشأ في عبادة الله، ورجل قلبه معلق بالمساجد، ورجلان تحابا في الله اجتمعا عليه وافترقا عليه، ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال: إني أخاف الله، ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه.

الذي يؤمن بهذا الأمر وبحال الناس في أرض المحشر، ويؤمن بأن هناك يوم القيامة الناس يكونون في ظل عرش الله سبحانه وتعالى يوم لا ظل إلا ظله، يكونون في ظل الله، الذي يؤمن بذلك فانه يسعى سعياً جاداً أن يكون من هؤلاء السبعة. هذا الإيمان له أثر على سلوك الإنسان.

ثم تبدا يبدأ الآن الحساب، فتنصب الموازين فتوزع بها الأعمال.

نؤمن بالميزان ونثبت هذا الميزان كما ورد، وأنه ميزان حسي له كفتان، وأن الوزن يكون بالراجح والمرجوح. لكن هذا الميزان الآن نحن نتصوره، نتصور حجمه وتفاصيله؛ الله أعلم، لكن نؤمن بذلك. هل هو ميزان واحد أو عدة موازين؟ كل ذلك جائز، ونضع الموازين والميزان؛ فكل ذلك جائز؛ لأن النصوص جاءت تارة على صيغة الجمع وتارة على صيغة الإفراد. فإما أن يكون ميزاناً واحداً لجميع الأفراد والأمم، وإما أن يكون الميزان متعدداً بحسب الأمم والأفراد، والله أعلم.

الوزن يكون لماذا؟ الوزن يكون للعمل. الله سبحانه وتعالى يجعل لأعمالنا أجساماً يوم القيامة توزن في هذا الميزان، توضع في هذا الميزان، فيوضع الصلاة، يوضع الصوم، يوضع كذا، وتوضع المعاصي والمنكرات أيضاً في الكفة الأخرى الكفة اليسرى، وهنا توضع الحسنات. قال الله عز وجل: ﴿فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: 102-103]. ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِن كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِّنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَىٰ بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47].

فالميزان يكون للأعمال، وتارة يكون للصحائف التي فيها هذه الأعمال كما في حديث البطاقة، وتارة يكون الوزن للعامل؛ يعني هذا لبيان شأن هذا الإنسان، لقوله صلى الله عليه وسلم عن ساقي ابن مسعود: «لهما في الميزان أثقل من أحد».

وأيضاً يا إخوان، عندما يؤمن الإنسان بالميزان وأن هناك وزناً يوم القيامة، فإن الإنسان المؤمن إيماناً يقينياً يبحث عن الأعمال التي بها تثقل موازين حسناته. ومن تلك الأعمال التي يحرص الإنسان عليها: حسن الخلق؛ قال صلى الله عليه وسلم: «ما من شيء أثقل في ميزان العبد يوم القيامة من حسن الخلق». وأيضاً: «سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم» كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن. فالذي يؤمن بالميزان تجده كثيراً ما يقول: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم. وأيضاً يكون حسن الخلق مع الناس لإيمانه بهذا الميزان. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يثقل موازيننا جميعاً، موازين حسناتنا.

القرآن الكريم هو أصل الأصول، فمن علم أحكامه ووفق للعمل بها فاز بالفضيلة في دينه ودنياه، ونورت في قلبه الحكمة وصار إماماً في الدين. وقد كان العلماء سلفاً وخلفاً يبدؤون طلب العلم بحفظ القرآن. قال ابن عبد البر: ولا أقول إن حفظه كله فرض، ولكن ذلك شرط لازم لمن أحب أن يكون عالماً فقيهاً.

وطالب العلم يحرص على فهم القرآن وتعلم معانيه. قال سعيد بن جبير: من قرأ القرآن ثم لم يفسره كان كالأعمى أو الأعرابي. وبالتدقيق وتطبيق القرآن على الواقع بشكل صحيح، وبه يحصل الخشية والخشوع. قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 29].

لذا ينبغي أن نهتم بمدارسة القرآن في المساجد والمدارس والدور المتخصصة في تحفيظ القرآن وتعليمه. وينبغي أن نستخدم التكنولوجيا الحديثة في تعلم القرآن من خلال الإنترنت والفضائيات. فاعلم يا طالب العلم أن القرآن الكريم هو رأس مالك وهو أربح التجارات. قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ [فاطر: 29].

حياكم الله أيها الأحبه في الله. تحدثنا عن الميزان، ثم بعد الميزان تنشر الدواوين؛ الآن استلم الناس الشهادات، والدواوين هي صحائف الأعمال، فأخذ كتابه بيمينه وأخذ كتابه بشماله أو من وراء ظهره، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ ۖ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: 13-14].

المقصود بنشر الدواوين؛ نشر وتوزيع صحائف الأعمال التي كتبت على الإنسان، ويكون استلامها بحسب نتيجتها. فالمؤمن يستلمها بيمينه مستبشراً فرحاً ويرفعه متباهيا بها: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ * إِنِّي ظَنَنتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ﴾ [الحاقة: 19-20]؛ ظننت هنا بمعنى أيقنت. وأما الكافر فيستلم بشماله ويستلم من وراء ظهره كئيباً حزيناً يدعو على نفسه بالويل والثبور: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ * فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا * وَيَنقَلِبُ إِلَىٰ أَهْلِهِ مَسْرُورًا * وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ * فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا * وَيَصْلَى سَعِيرًا﴾ [الانشقاق: 7-12]. قال الله عز وجل: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَا لَيْتني لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ * وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ * يَا لَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ﴾ [الحاقة: 25-27].

ويحاسب الله عز وجل الخلائق، وإن كان الحساب الراجح أنه يكون قبل الميزان والصراط، ثم بعد ذلك يكون الميزان والصراط. ويخلو الله عز وجل بعبده المؤمن فيقرره بذنوبه كما وصف ذلك في الكتاب والسنة، وأما الكفار فلا يحاسبون محاسبة من توزن حسناته وسيئاته؛ فانه لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم فتصى فيوقف عليها ويقررون بها.

فالحساب هو محاسبه الله لعباده على أعمالهم. الكيفية تختلف من شخص لأخر، فمنهم من يكون حسابه عرضاً، يعرض عليه، وهذا يسمى الحساب اليسير وهذا للمؤمن؛ يخلو الله به ويقرره بذنوبه ثم يقول له: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم. وهناك من يناقش الحساب، وهذا هو المعذب من أصحاب الكبائر والعياذ بالله. وأما الكافر فيقرر بكفره وشركه ويوقف على ذلك ثم يجزى به.

ومن الناس -نسأل الله عز وجل أن نكون نحن منهم جميعاً- من يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب، وهؤلاء الذين جاء وصفهم في الحديث بأنهم لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون.

من عرصات القيامة من الأحداث التي تكون في ذلك اليوم الحوض المورود، حوض النبي صلى الله عليه وسلم. جاء وصفه في بعض الأحاديث أن ماءه أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، آنيته بعدد نجوم السماء، طوله شهر وعرضه شهر، من يشرب منه شربة لا يظما بعدها أبدا. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ [الكوثر: 1]. فقال صلى الله عليه وسلم: «حوضي الكوثر هذا حوضي مسيرة شهر، ماؤه أبيض من اللبن، وريحه أطيب من المسك، وكيزانه -يعني الكاسات- كيزانه عدد نجوم السماء، من شرب منه فلا يظما أبدا» متفق عليه ولا مسلم، وفي رواية: «عرضه مثل طوله».

الصراط أيضاً من أحداث هذا اليوم؛ الصراط. والصراط يا إخوان ينصب على ظهري جهنم، فعندنا أرض المحشر، ثم بعد أرض المحشر النار والعياذ بالله، ثم بعدها الجنة، ولذلك: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا واردُهَا﴾ [مريم: 71]. هذا كيف تدخل الجنة؟ إلا بالمرور على النار عياذاً بالله. فالصراط منصوب على متن جهنم وهو الجسر بين الجنة والنار، يمر الناس عليه على قدر أعمالهم. فمنهم من يمر كلمح البصر، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كالفرس والجواد، ومنهم من يمر كركاب الإبل، ومنهم من يعدو عدواً، ومنهم من يمشي مشياً، ومنهم من يزحف زحفاً، ومنهم من يخطف خطفاً ويلقى في جهنم؛ فإن الجسر عليه كلاليب تخطف الناس بأعمالهم، فمن مر على الصراط دخل الجنة.

هذا الصراط قال الله عز وجل فيه: ﴿وَإِن مِّنكُمْ إِلَّا واردُهَا ۚ كَانَ عَلَىٰ رَبِّكَ حَتْمًا مَّقْضِيًّا﴾ [مريم: 71]. قال صلى الله عليه وسلم: «ويضرب جسر جهنم، هذا الصراط، فأكون أول من يجيز، ودعاء الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم. يقول صلى الله عليه وسلم: وبه كلاليب مثل شوك السعدان، أما رأيتم شوك السعدان؟ قالوا: بلى يا رسول الله. قال: فإنها الكلاليب مثل شوك السعدان، غير أنه لا يعلم عظمها إلا الله». ورد بعض صفات هذا الصراط أنه حاد دقيق جداً، وأن عليه كلاليب وخطاطيف، وأن الأمانة والرحم تقفان على جنبتيه، وأن هناك من يهلك من أول وهلة وهؤلاء الكفار يتساقطون في نار جهنم، وأن هناك من يصاب ثم ينجو، وهناك من يحبو على وجهه ويديه ورجليه، ويجر بيد ويعلق بيد، ويجر برجل ويعلق برجل وتضرب جوانبه النار حتى يخلص.

فإذا عبروا، عبروا الصراط، عبروا عليه، وقفوا على قنطره بين الجنة والنار. هذه القنطره؛ هناك من يتاخر الذي تكون عليه، يقتص بعضهم لبعض في هذه القنطرة، فاذا هبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة. فالقنطرة هذه موضع نهاية الصراط بين الجنة والنار.

عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: «ويخلص المؤمنون من النار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا، حتى إذا هبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة». ثم إذا أذن لهم في دخول الجنة قال صلى الله عليه وسلم: «فوالذي نفس محمد بيده، لأحدهم أهدى بمنزله في الجنة -يعني يعرف منزله في الجنة- من منزله كان في الدنيا» أو كما قال صلى الله عليه وسلم.

هذه القنطرة؛ من يقف فيها؟ الذي لا يقف فيها الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب مباشرة، ولا يقف فيها من سقط في نار جهنم لأنه قد طهر، إنما يقف فيها من نجا من السقوط في نار جهنم ولكن عليه مظالم أو لديه أحقاد مع مؤمنين، فتهذب النفوس وتتصالح ثم تدخل، كما قال الله عز وجل: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُّتَقَابِلِينَ﴾ [الحجر: 47]. وعلى الراجح أيضاً أن أهل الأعراف يكونون في تلك القنطرة، فينظرون إلى الجنة ينظرون إلى النار.

من هو اول من يستفتح باب الجنة؟ انه نبينا صلى الله عليه وسلم، هو اول المجتازين للصراط ومعه، وأول من يذهب إلى باب الجنة وياخذ -يعني- ببابها ويطرق الباب ويستأذن بدخولها، وهو أول من يدخل الجنة، وأول من يدخل من الجنة أمته صلى الله عليه وسلم.

هنا أيضاً مما من أحداث هذا اليوم الشفاعة، وله صلى الله عليه وسلم في القيامة ثلاث شفاعات. أما الشفاعة الأولى؛ فيشفع في أهل الموقف حتى يقضى بينهم، وحديث الشفاعة الطويل معروف، الذي يتراجع فيه الأنبياء آدم ونوح وإبراهيم وموسى وعيسى بن مريم عن الشفاعة حتى تنتهي إلى نبينا صلى الله عليه وسلم فيشفع. أما الشفاعة الثانية؛ فيشفع صلى الله عليه وسلم في أهل الجنة يدخل الجنة، هذا عندما يقف عند باب الجنة، وهاتان الشفاعتان خاصتان له صلى الله عليه وسلم.

أما الشفاعة الثالثة؛ فهذه الشفاعة مشتركة؛ يشفع في من استحق النار، وهذه الشفاعة له ولسائر النبيين والصديقين وغيرهم، فيشفع في من استحق النار ألا يدخلها، ويشفع في من دخلها أن يخرج منها. ويخرج الله من النار أقواماً بغير شفاعة بل بفضله ورحمته. ويبقى في الجنة فضل عمن دخلها من أهل الدنيا، فينشئ الله لها أقواماً فيدخلهم الجنة.

أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياكم من أهل الجنة. أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يملا قلوبنا جميعاً يقيناً باليوم الآخر، وأن نؤمن باليوم الآخر كما نؤمن بوجودنا الآن، كما يؤمن الإنسان بمسكه ليده وأنه يرى يده، وأن يجعل يقيننا باليوم الآخر كيقيننا بالأمور المحسوسة. استودعكم الله، والى لقاء في محاضره قادمة، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.