تسجيل الدخول

المحاضرة 21 - العقيدة - المستوى الثالث - د. أبو زيد مكي - بعض صور الشرك

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.

أيها الأحبه في الله، سنأخذ في هذه الحلقة ما يتعلق بشرك التوكل، وشرك الرياء، وإرادة الدنيا بالأعمال الصالحة. وإن شاء الله، إن كان في الحلقة متسع، سندخل في الكلام عن شرك الطاعة، وشرك التحاكم، وشرك الحكم، وشرك التحكيم. سنأخذ هذه الأمور كذلك بمشيئة الله.

أيها الأحبة في الله، الذي يعتقد أن الله سبحانه وتعالى هو خالق هذا الكون، هو مالكه سبحانه وتعالى، هو مدبره جل جلاله، ما من ذرة في هذا الكون تتحرك إلا بإذنه، وما من ذرة في هذا الكون تسكن إلا بإذنه؛ الأمور كلها بيد الله، والأسباب، وأفعال العباد، وكل ما يقوم به الإنسان كله بيد الله. فالأسباب من عند الله ونتائجها من عند الله، لكن الاسباب من حكمه الله جعلها الله سبحانه وتعالى تؤدي إلى نتائجها. أما ما يترتب على هذه الاسباب من أمور، من ثواب، من عقاب، من ثمرات؛ فالله سبحانه وتعالى هو الذي يقدرها وهو الذي يعطي على تلك الاسباب ما شاء من الثواب، وهو الله سبحانه وتعالى الذي يعطي وينزل تلك العقوبات التي يشاؤها جل جلاله على تلك الاسباب. فنتائج تلك الاسباب هي من عند الله سبحانه وتعالى، أما الاسباب فلا شك أن الععبد يفعلها، لكن الله سبحانه وتعالى أيضا هو الذي يعطيه تلك القوة على الفعل، هو الذي يعطيه الإرادة على الفعل، هو الذي يعطيه سبحانه وتعالى الجوارح الممكنة، هو الذي يعطيه العقل، هو الذي يعطيه الشرع، وهكذا. فكل الأمور بيد الله.

إذا اعتقد الإنسان ذلك وكانت ربوبية الله جل جلاله واضحة في ذهنه، هذا الإنسان هو اعظم الناس توكلاً على الله سبحانه وتعالى. فالتوكل هو صدق الاعتماد القلبي على الله جل جلاله، وتفويض الأمور إليه، هذا هو التوكل. والتوكل عبادة، وهو من الإيمان. قال الله عز وجل: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلوا إِن كُنتُم مُؤمِنينَ﴾ [المائدة: 23]. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الأنفال: 2].

فالتوكل عبادة عظيمة، عمل قلبي يتقرب الإنسان به إلى الله سبحانه وتعالى. هذا هو التوكل. وبعض الناس يخلط بين التوكل والتواكل، فيظن ان التوكل على الله وصدق الاعتماد القلبي على الله يكون بترك الاسباب، وهذا تواكل. فالتوكل الحقيقي هو أن تأتي بالاسباب التي شرعها الله سبحانه وتعالى للاثيان بنتائجها، فتتعامل مع هذه الاسباب بيدك وقلبك معلق بالله سبحانه وتعالى. أما أن تريد أن تعلق قلبك بالله، ثم هذه الاسباب لا تريد أن تفعلها ولا تقوم بها، هذا يسمى في ديننا تواكل وليس توكل، وهذا الأمر مذموم في ديننا الإسلامي. والذي يرى أن التوكل على الله سبحانه وتعالى يكون بترك الاسباب، فقد أخطأ على الدين، وقد أخطأ في الفهم، وظن بدين الاسلام ظناً غير صحيح.

فيا أيها الأحبة في الله، التوكل وصدق التوكل على الله سبحانه وتعالى إنما يكون مع الاتيان بالاسباب. أستحضر قصة سمعتها قديماً؛ أن طالب علم كان في جلسة مع شيخه ومع زملائه يطلب العلم، فجاءت تجارة إلى بلد آخر، فيذهب هو بتلك التجاره إلى ذلك البلد فيبيعه ثم يعود. فذهب أخ جاء إلى أصحاب واستودعهم الله، واستودع شيخه ثم انطلق في تجارته. في اثناء الطريق مر بقرية خربة، ثم ذهب ليقضي حاجته في ذلك المكان الخرب، فوجد غرآباً أعمى كسيحاً، فلا يستطيع الطيران ولا يبصر ولا يستطيع المشي؛ لكون رجله مكسورة وهو أعمى، فجالس في ذلك المكان. فلاحظ أن هناك غراباً آخر مبصراً وصحيحاً يأتي له بالحب ثم يعطيه إياه ويعطيه ذلك الطعام.

فقال هذا الرجل، هذا الشاب، عندما راى هذا الامر قال: سبحان الله! كيف رزق الله سبحانه وتعالى هذا الغراب الأعمى الكسيح في هذا المكان الخرب؟ كيف رزقه الله سبحانه وتعالى؟ فان الله قادر على أن يرزقني من غير سفر وأنا في بلدي. ثم قرر العودة وترك المواصلة في السفر، وعاد إلى زملائه وإلى أستاذه. فتفاجأوا به وهو يدخل عليهم وهو متبسم فرح، فسألوه: لماذا تركت التجارة وعدت؟ فقال لهم القصة.

فعلق الأستاذ، فقال له: يعني، صحيح، الله سبحانه وتعالى قادر على أن يرزقك وأنت في هذا المكان، لكن لماذا ترضى لنفسك أن تكون بمنزلة الغراب الأعمى الكسيح؟ ولا ترضى لنفسك أن تكون بمنزلة الغراب الصحيح المبصر؟

فايها الأحبة، الانسان الذي هو ما يستطيع أن يفعل الاسباب، ما يستطيع أن يقوم بالاسباب، فالله سبحانه وتعالى من كمال قدرته جل جلاله أن يأتي بالشيء من غير سببه، سبحانه وتعالى أن الله سبحانه وتعالى يبطل مفعول السبب، هذا من كمال قدرة الله. أما يكون الإنسان يعيش يريد الكرامات، يريد خوارق العادات، يريد الرزق من غير سعي منه ولا حركة، يريد الولد من غير زواج، يريد العلم من غير طلب، يريد هكذا علم لدنيا يأتي إليه، هذا ليس من دين الإسلام، هذا ليس من دين الإسلام. التوكل على الله سبحانه وتعالى، صدق الاعتماد القلبي على الله، يكون مع فعل الاسباب.

بقي لنا في التوكل؛ التوكل على غير الله في أمر لا يقدر عليه إلا الله، ما حكمه؟ هذا شرك أكبر. التوكل على غير الله في أمر لا يقدر عليه إلا الله، هذا شرك أكبر؛ كالتوكل في أن يرزقك، أن يغفر ذنبك، أن يعافيك من مرضك، فتتوكل عليه، هذا شرك أكبر.

بقي التوكل على غير الله في أمر يقدر عليه المخلوق، يقدر عليه، مثل أن تتوكل عليه مثلاً في أن يوظفك في شركة معينة، ما حكم هذا التوكل؟ هذا التوكل يا إخوان شرك أصغر. لا يجوز، لا يجوز أن تعلق قلبك وتعتمد بقلبك على هذا المخلوق، وإن كان هذا الامر يقدر عليه.

إن بقيت، ماذا تقول؟ لا، هناك وكالة، وكلتك في هذا الامر، إذا وكلت المخلوق في أمر يقدر عليه، فوضت الأمر إليه أن ينفذه، وقلبك معلق بالله جل جلاله، هذا جائز. إذاً، التوكل لفظاً ومعنى لا يصح أن يصرف للمخلوق؛ فإذا كان الأمر يقدر عليه المخلوق، فهذا شرك أصغر، إذا كان لا يقدر عليه المخلوق، فهذا شرك أكبر. والمطلوب منا لا نتعامل مع هذه الاسباب، نوكل الشخص في أن يقوم بهذه المهمة، نفوضه إليه هذه المهمة، لكن قلوبنا معلقة بالله سبحانه وتعالى. ناخذ فاصل ثم نعود إليكم بمشيئة الله.

حياكم الله ايها الأحبة في الله. الذي يعلم أن الله سبحانه وتعالى يسمع كلامه، والذي يعلم أن الله سبحانه وتعالى يبصر فعله، والذي عنده يقين أن الله مطلع على مكنونات صدره وعلى نيته، والذي عنده يقين أن الله سبحانه وتعالى مطلع على جميع أحواله، فيؤمن بالله الذي هذه صفته، ويؤمن باليوم الآخر أن الله سبحانه وتعالى يجازي عبده هناك، واليوم الآخر هو الجزاء العظيم، لكن يعلم أن الله سبحانه وتعالى يعطيه حسنة الدنيا؛ الذي عنده يقين بهذا يا إخوان فيلتزم بالشريعه، هل يطلب بعد ذلك الأجر والثواب من المخلوقين؟

فاذا كان يعمل العمل الصالح يريد به وجه الله، ثم هو في الوقت ذاته يريد أن يراه الناس وهو يعمل هذا العمل الصالح لأنهم إذا راوه مدحوه، أثنوا عليه، هذا يسمى رياء. الرياء هو العمل الذي يظهره الإنسان العباده لقصد رؤية الناس لها فيحمدونه عليها، هذا يسمى رياء، أو يعمل العمل ويريد أن يسمع الناس بهذا العمل من أجل أن يحمدوه عليه، هذا يسمى الرياء ويسمى السمعة. هذا الرياء والسمعة فيه نقص لإيمان الإنسان، وهذا مؤثر على طاعة الإنسان، وما يفعل هذا الأمر إلا من قل نصيبه من استشعار رقابة الله سبحانه وتعالى عليه.

ولا يتعب الإنسان، يتعب الإنسان في طلب العلم، يتعب الإنسان في حفظ القرآن، يتعب الإنسان في قيام الليل، يتعب الإنسان في عمل صالح يقوم به، ثم بعد ذلك يريد به وجه الله ويريد به كذلك الرياء والسمعة، ما النتيجة؟ الله سبحانه وتعالى أخبر عن نفسه في الحديث القدسي أنه أغنى الشركاء عن الشرك. طالما المسألة فيها شراكة فالله سبحانه وتعالى غني عن هذه الشركه فيتركها لذلك الشريك: «أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه». فذلك العمل يذهب على الإنسان هباء منثوراً، وخذ أجرك ممن طلبت، فيقال عنك محسن، يقال عنك حافظ القرآن، يقال عنك طالب علم، يقال عنك عابد، يقال عنك عالم، وهكذا، هذا إن أعطاك الله هذا الأمر في الدنيا، وقد لا تأخذه أيضاً، يعني لا دنيا ولا آخرة عياذاً بالله. لكن الله سبحانه وتعالى لا يعطيك على هذا الأمر الثواب، إنما يجعلك تأخذ ثوابك ممن أنت أشركتهم مع الله سبحانه وتعالى في ذلك العمل. هذا يسمى رياء، وهذا يسمى سمعة.

هناك شيء آخر يسمى إرادة الدنيا بالعمل الصالح. ما معناه؟ يعني الإنسان يعمل العمل الصالح، يريد به من الناس مالاً، يريد به من الناس إكراماً، يريد به من الناس منصباً، يريد به من الناس جاهاً، وهكذا. يعني مثلاً يحفظ القرآن؛ يحفظ القرآن لأنه يعلم أنه مثلاً في هذا البلد حافظ القرآن مثلاً يمكن أن يكون إمام مسجد، فيكون له مثلاً سكن ويكون له كذا، يعلم مثلاً حفظة القرآن في هذا المجتمع يكرمون، يقدرون، يأخذون جوائز، وهكذا. فيكون هذا همه، فهو يريد وجه الله ويريد كذلك يريد منصباً، يريد جاهاً، يريد بهذا العمل الصالح. هذا التشريك في الإرادة هذا يبطل على الإنسان عمله ذلك الصالح.

وهذه مصيبة يا إخوان، وجب أن يكون قصد الإنسان بأعماله الصالحه وجه الله جل جلاله. هل إذا أنت نويت وجه الله بذلك العمل الصالح هل تخسر شيئاً من الدنيا؟ بعض الناس يظن أنه ممكن يخسر شيئاً من الدنيا، وهذا غير صحيح، لا يخسر أي شيء من هذه الدنيا. فمثلاً طلبت العلم، هل لو طلبت العلم ما تأخذ شهادة؟ ما تأخذ منصباً؟ ما تأخذ وظيفة؟ هذا غير صحيح، تأخذها، لكن أنت نويت بهذا العمل وجه الله سبحانه وتعالى، وطلبت من الله جل جلاله ثواب هذا العمل في الدنيا وفي الآخرة، هذا ما في شيء، لكن يكون مقصدك ومحركك المال والمنصب والجاه، والدليل على ذلك أنك لو اخذت هذا الأمر من المخلوقين اكتفيت بهذا الأمر وخلاص وقفت.

مثلاً، هناك شخص يقول يزعم أنه مصاب بالعين، فقلنا له: ما مشكلتك؟ قال: كنت أقرأ في اليوم ثمان ساعات، عشر ساعات، إلى اثنتي عشرة ساعة، ثم يقول: جلست في مجلس وأخبرت الشباب أني أقرأ في اليوم إلى ما يصل إلى اثنتي عشرة ساعة في بعض الأحيان. يقول: بعدها ما استطعت أن أقرأ! فيقول: أصبت بعين.

ما السبب يا إخوان أنه بعدها ما استطاع أن يقرأ؟ السبب أنه وصل لما أراد، وصل لما أراد من كلام الناس ومن مدح الشباب؛ مدحوه، أثنوا عليه. فبالتالي بعد ذلك عن حفظ القرآن، عن الحفظ، عن القراءة، كسل عن الحفظ والقراءة. لماذا؟ لأنه كان في نيته أن يصل إلى مدح الناس، فمدحوه وأثابوه على ذلك، كرموه، قبلوا رأسه، بعد ذلك انتهى توقف عن العمل، وهكذا.

إذا توقف الإنسان عن طاعة الله بسبب مدح الناس وثناء الناس له، ثم توقف لأنه قد وصل إلى ما أراد، أو حصل على تلك حصل على ذلك المنصب، حصل على تلك الوظيفه ثم توقف عن طاعة الله، عن التعليم، عن... آها، هذه مشكلة ينبغي للإنسان أن يتنبه لنفسه من ذلك.

ناخذ يا إخوان حالات الرياء مع العبادة. الرياء مع العبادة له حالات. الحالة الأولى: أن تشترك تشترك نية الرياء مع نية وجه الله سبحانه وتعالى في أصل العبادة من بدايتها. الله

أكبر كبر وهو يرجو في صلاته وجه الله، وعنده شخص الآن سيختبره مثلاً لوظيفة معينة، أو يعلم أن هناك أناساً من أهل الجاه وراءه، فبدأ يزين صوته لما يعلم من سماع الناس لقراءته وأنهم يقيمونه وهكذا، فيحسن قراءته من أجل الناس. من البداية هذه نيتهم وجه الله والرياء والسمعة وهكذا، هذا عمله باطل وصلاته تلك باطله ولا يقبلها الله سبحانه وتعالى وله أجره يأخذه من الناس يمدحوا يثنوا عليه وهكذا.

أما إذا كانت نية الرياء طارئة، يعني بدأ العمل لوجه الله ثم طرأت عليه نية الرياء فمباشرة دفعها عن نفسه واستعاذ بالله سبحانه وتعالى من هذه النية وواصل عمله، هذا مأجور على تلك المجاهدة لتلك النية وعمله مقبول.

الحالة الثالثة: أنه جاءته هذه النية واسترسل معها، يعني أعجبته، وفي الركعة الثانية مثلاً في القراءة بدأ يقرأ وأعجبته قراءته واسترسل مع ذلك، فينظر إلى هذا العمل؛ إن كان العمل متصلاً أوله بآخره فالعمل باطل كالصلاة، وإذا كان هذا العمل ليس متصلاً أوله بآخره، مثلاً قراءة القرآن قرأ عشر صفحات مخلصاً لوجه الله، الصفحة الحادية عشرة جاء جلس بجواره أحد فبدأ يزين صوته من أجل مدح هذا الشخص لا من أجل أن يخشع، لا، من أجل أن يدعوه، إنما فقط من أجل أن يثني عليه، ثم بعد ذلك استرسل في الخمس الصفحات أو العشر الصفحات التالية، هذه أجرها ذهب عليه، واجره في العشر صفحات الأولى باق له بمشيئة الله.

ناخذ فاصل ثم نعود إليكم إن شاء الله.

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما العلم بالتعلم وإنما الحلم بالتحلم، ومن يتحرى الخير يعطى ومن يتق الشر يوقى».

حياكم الله أيها الأحبه.

الآن سننتقل للكلام عن شرك الطاعة، وناخذ حكم التشريع، حكم التحاكم إلى غير ما أنزل الله، التحكيم، ناخذ هذه المسائل بشكل سريع.

عن عدي بن حاتم رضي الله تعالى عنه يقول: أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقرا هذه الآية: ﴿اتَّخَذُو أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ﴾ [التوبة: 31]. قال: يا رسول الله، إنا لم نكن نعبدهم، ما كنا نعبد الأحبار والرهبان، يعني يقصد ما كنا نصلي لهم ونصوم لهم، كنا نعبد الله سبحانه وتعالى، إنا لسنا نعبدهم. فقال صلى الله عليه وسلم: «أليس يحرمون ما أحل الله فتحرمونه، ويحلون ما حرم الله فتحلونه؟» قال: قلت: بلى. قال: «فتلك عبادتهم».

فتلك عبادة، فشرك الطاعة ضابطه: أن تطيع غير الله في معصية الله معتقداً حل ذلك. لكن لو أطاع إنسان صديقه في معصية الله أو محبوبه، أطاعه في معصية الله لكن لا يعتقد أن لهذا طاعة في معصية الله ويعلم أنها معصية، فأطاعه فهو عاصٍ، لكن أطاعه ويقول له: الحلال ما أحللته والحرام ما حرمته، فهذا شرك الطاعة.

فالذي يعتقد أن للعلماء الأحقية في تحليل الحرام وتحريم الحلال أو العباد، فهذا قد اتخذهم شركاء لله سبحانه وتعالى. فالطاعة يا إخوان في تحليل ما حرم الله أو العكس؛ إذا كان الإنسان يطيع وهو يعلم أنهم بدلوا دين الله فيتبعهم وهو يعلم هذا التبديل ويعتقد تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعاً لهؤلاء الرؤساء، فهذا شرك وكفر أكبر مخرج من ملة الإسلام عياذاً بالله.

أما إذا أطاعهم في معصية الله كما يفعل أصحاب المعاصي، فيفعل ذلك العاصي مع اعتقادها أنها معاصٍ، فهذا الأمر معصية.

وبالنسبة للتشريع؛ التشريع يا إخوان يأتي إلى شريعة الله وإلى أحكام الله ثم يزيلها، ويكون هناك أناس يضعون هذه القوانين بديلاً عن شرع الله، فياتي القانونيون ويضعون شريعة يأخذونها من القوانين الفرنسية، البريطانية، كذا من هذه الأمم، ثم يأتون بشرائع وضعية أو من عقول بشر أو من المختصين عندهم، وياتون فيضعون لهم القوانين ويستبدلون بهذه القوانين شريعة الله، ثم يطالبون السلطة الحاكمة الحكام بأن يحكموا بتلك القوانين ويتركوا شريعة الله، ثم تاتي الأمة فتقبل هذه القوانين وتحاكم إليها، وتحاكم إلى هذه السلطة الحاكمة التي تحكم بينهم بتشريعات وضعية لم يشرعها الله ولم يشرعها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

هذا التشريع قمه الكفر بالله سبحانه وتعالى، فواضع القانون طاغوت، والسلطة الحاكمة التي تحكم بذلك القانون طواغيت، والأمة التي تقبل بهذا الحكم هؤلاء أيضاً رضوا بحكم الطاغوت، فهذه صورة سيئة سوداء عياذاً بالله.

وهذا التشريع غير منقسم، يعني ما يأتي شخص ويقول: التشريع كفر أكبر وكفر أصغر؛ لا، هذا التشريع وهو تبديل شريعة الله، يأتي إلى شريعة الله ويدفعها بالكلية ويقول: غير صالحة لهذا الزمان ولهذا العصر، ثم يأتي بهذه التشريعات، ثم يطلب من السلطة الحاكمة أن تحكم بهذه التشريعات، ويطلب من الأمة ومن الأفراد والشعب أن يحتكم إلى تلك التشريعات، هذا كله مخالف لدين الاسلام وهذا الفعل فعل كفري، ولا يشترط فيه استحلال القلب، لا، هذا فعل كفري.

يبقى مسألة: إذا كان هذه الدولة أصلاً دولة اسلامية وكان ثم حصل مثل هذا الأمر، قد يكون لابد أن نفرق بين الأعيان بين المعين وبين الفعل، فالفعل كفر أكبر وغير منقسم، لكن المعين يجب أن تقام عليه الحجة من قبل العلماء ويبين له، ويزيل الشبهات التي في ذهنه، قد يظن أن هذا الأمر مصلحة مرسلة وأنه ليس بشرط أن يحكم بتلك الشريعة، وهكذا امور قد تقع، فانزال الأحكام على الأعيان مسألة، وانزال الحكم على هذا الفعل وأن هذا الفعل بهذه الطريقة هذا كفر أكبر مخرج من ملة الإسلام، يجب أن يكون هذا الأمر واضحاً عند الجميع.

ننتقل إلى مسألة تتعلق بالحكم بغير ما أنزل الله. الحكم بغير ما أنزل الله؛ يعني يأتي فيحكم بالتشريعات الوضعية، هذا الحاكم السلطة الحاكمة تأتي إلى التشريعات الوضعية وتحكم بها، سواء بشكل كامل أو تاخذ هذه التشريعات الوضعية فتحكم بها في أشياء ترى عدم صلاحية الشريعة في الحكم بها بين الناس، فتحكم وفق التشريعات الوضعية.

هذا الحكم بغير ما أنزل الله من التشريعات الوضعية وهو يعلم أن هذا التشريع وضعي وأنه مخالف لشرع الله ثم يحكم به، هذا الحكم بغير ما أنزل الله بهذه الطريقة أيضاً هذا غير منقسم وهذا كفر أكبر عياذاً بالله. يأتي فيحكم بتشريعات وضعية يعلم أنها تشريعات وضعية ويحكم بها، هذا الفعل كفر، فعل كفري، ولا يشترط في هذه الحالة أن يقول إنه مستحل، لكنه غالباً أن يكون هذا الأمر ما يفعله الإنسان إلا وهو يرى أن هذا التشريع الوضع افضل وأنه أحسن وأنه يجوز الحكم به، فلذلك هذا الفعل هذا الحكم بغير ما أنزل الله فياتي للتشريعات الوضعية بعينها ويحكم بها في هذه المسالة.

هذه مسألة خطيرة يا إخوان وينبغي ألا يتساهل فيها، وينبغي أن يقال: إن هذا الأمر سهل يسير؛ لا، هذا كفر والعياذ بالله. لكن يكون الحاكم هذا في بلد إسلامي والأصل أنه يحكم بشريعة الله ولا يحكم إلا بالشريعة، لكنه جاء إلى مسائل معينة حكم فيها بغير شرع الله موهماً أنه يحكم بشريعة الله، لكن هو يعلم في ذاته أن ما حكم به مخالف للشرع، لكن ليس كالصورة الأولى يأتي لتشريعات وضعية ويستبدل حكم الله فيها مثل ما ذكرنا، لا، إنما هو يوهم الآن أنه يحكم بشريعة الله لكن أخذ رشوة على هذا الأمر فقال: هذه الأرض لفلان، وهذا بسبب الهوى بسبب الرشوة بسبب الظلم يحكم بغير ما أنزل الله، وهو الأصل أنه يحكم بما أنزل الله، لكن في هذه المسألة وهذه المسائل يحكم فيها بغير ما أنزل الله موهماً أنه يحكم ما أنزل الله، هذا كفر أصغر، هذا كفر أصغر، وهذه المسألة هي التي يكون فيها التفريق، ويقال هنا: الحكم منه ما هو أكبر ومنه ما هو أصغر.

يعني إذا كان هو في ظل الشريعة الإسلامية يحكم بشريعة الإسلام ثم حكم في مسألة بغير ما أنزل الله، هنا نقول: يستحل لذلك مستحلاً لذلك، هذا كفر أكبر. وإذا كان من غير استحلال إنما عن شهوة وهوى وظلم وهو يعلم أنه عاصي لله سبحانه وتعالى ويوهم الناس أنه يحكم بالشريعة، هذا كفر أصغر. هنا يحدث في الحكم بغير ما أنزل الله يكون منقسماً؛ الحكم بغير ما أنزل الله ينقسم إلى أكبر وأصغر، إذا كان الأصل هو يحكم بالشريعة ويحكم بالشريعة ثم بعد ذلك حكم في مسألة بغير ما أنزل الله، فإذا حكم بغير ما أنزل الله في هذه المسألة مستحلاً ذلك هذا كفر أكبر، وإذا حكم شهوة وهوى وظلم هذا كفر أصغر، طبعا وهو يوهم الناس أنه يحكم بشريعة الله.

أما إذا كان لا يوهم الناس إنما هو يقول أنا أحك هو يحكم بتشريع وضعي يحكم بتشريع وضعي بديلاً عن شريعة الله، هذا العمل بهذا الشكل بهذه الصراحة بهذه الوقاحة هذا كفر أكبر، وإن لم يقل هو إنه مستحل لهذا الأمر. هذه قضية خطيرة ينبغي التنبه إليها.

ناكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، وبمشيئة الله في الحلقة الأخرى نراجع هذا الأمر ونتحدث عن مسألة التحكيم، وإلى تلك الحلقة استودعكم الله، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.