السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حج لنا ولا تجعله حج علينا يا رب العالمين.
حياكم الله في المحاضرة الثانية والعشرين من محاضرات مادة العقيدة في الفصل الثالث من أكاديمية زاد. وقفنا في المحاضرة الماضية عند موضوع التشريع، وقلنا التشريع هذا غير منقسم لأكبر وأصغر، وهو الذي يأتي فيضع قوانين يستبدل بها شريعة الله، ثم يطلب من الحكام أن يحكم بهذه القوانين، ثم يطلب من الشعب أن يتحاكموا إلى تلك القوانين. قلنا هذه صورة قبيحة، هذه صورة من الشرك الأكبر الصريح.
حتى لو قال هذا الشخص إنه غير مستحل لهذا الأمر، فالتشريع بهذه الطريقة غير منقسم لأكبر وأصغر، وإنما كله كفر أكبر. لكن قلنا هناك فرق بين الحكم على الأفعال وبين الحكم على الأعيان، وإنما الأعيان لابد من إقامة الحجة، ومن توافر الشروط، ومن انتفاء الموانع، فلا ندخل في مسألة تكفير الأعيان، وإنما الكلام عن نفس الفعل بهذا الشكل.
الأمر الثاني قلنا مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، فقلنا الحكم بغير ما أنزل الله له صورتان. الصورة الأولى: أن يأتي إلى تشريعات وضعية -طبعا من غير أن تكون قوانين- لكنه يأتي فيحكم بها بدلا عن شرع الله، وهو يعلم أنه حكم بذلك القانون الوضعي، ثم يجعله قانون عنده، دستور عنده يحكم به، ويعلنه ويبين أنه لا يحكم بشريعة الله في هذه المسائل، وإنما يحكم بهذه القوانين الوضعية عنده. جانب آخر يحكم فيه بشريعة الله، لكن هذه المسائل صريح أنه يحكم بالقانون الفرنسي، أنه يحكم بالقانون البريطاني، أنه في أمور مضادة ومخالفة لشرع الله سبحانه وتعالى، ويحكم فيها مثلاً يقول الحدود ما نريد الحدود، فيحكم بدلا عن الحدود، بديلا عن الحدود بأحكام مستمدة من القوانين الوضعية، يحكم بشكل صريح. فهذا الحكم بغير ما أنزل الله هذا أيضا غير منقسم إلى أكبر وأصغر، حتى لو لم يستحل ذلك؛ لأنه وإن قلنا إنه يعني حتى لو صرح وغير مستحل، لكن هذا الفعل منه يرى أن ذلك القانون أفضل، مثله يجوز الحكم به، فلا شك أن هذا والعياذ بالله هذا الفعل بهذه الطريقة الصريحة هذا كفر أكبر.
أما إذا كان هو يحكم بشريعة الإسلام في جميع أموره، لكن في مسألة ما حكم فيها بغير ما أنزل الله دون أن يضعها قانونا له وتشريعا بالنسبة له عنده، وإنما حكم في هذه المسألة بغير ما أنزل الله؛ إن كان حكم في هذه المسألة هنا نقول: هذا الحكم منقسم إلى أكبر وأصغر. إن كان حكم بغير ما أنزل الله مستحلا ذلك فهذا كفر أكبر، وإن كان لا يستحل ذلك ويرى أن فعله معصية، ويظهر للناس أنه يحكم بشريعة الله وهو يحكم هوى أو ظلماً أو شهوة، فإن هذا كفر أصغر. انتهينا من هذه المساله في اللقاء الماضي.
وصلنا يا إخوان لمسألة تسمى التحكيم. التحكيم هي أن تحكيم تولية الخصمين بينهما نزاع برضاهما حاكماً يحكم بينهم دون اللجوء إلى القضاء المختص. ما هو أهم شرط في هذه المساله التي يجوز التحكيم فيها؟ هي المسألة التي يجوز الصلح فيها؛ من أمور مالية، من يعني مسائل تتعلق بالخصام، بالسباب، أشياء تتعلق بحقوق العباد، وأيضا حق الشخص في ذاته لا يدخل فيه حقوق آخرين معه، إنما حق شخصي، مال، سب، أشياء من هذا القبيل. فقال هذا الخصم مع هذا الخصم: تعال نحتكم. فاحتكموا إلى شخص خبير، إلى شخص يعرف هذه الأمور، ويعرف هذه، فهذا التحكيم في هذه المسائل التي يكون الحق فيها خالصاً للمحكم؛ من أمور مالية، من بيع وشراء وكفاله ونحو ذلك، هذا التحكيم جائز.
تحكيم العرف والعادة؛ يعني نرجع يعني أقولها المتحاكمين في هذه القضية عادوا إلى حكم العرف والعادة القبلية في هذا الأمر الذي يجوز الصلح فيه، هذا التحكيم وفقاً للعرف في القضايا التي يتنازعوا فيها بهذا الشكل في هذه الحدود، هذا أمر جائز، وهو يدخل في الشريعة في الحقيقة، هو يدخل؛ لأن المعروف عرفاً كالمشروط شرطاً، فتفسير العقود بينهم على وفق العرف التجاري السائد. فيحكم بينهم مثلاً يقال إن السمسار يأخذ كذا ويأخذ كذا، فحكم بينهم على حسب عادات البلد، على حسب عادات المنطقة، فهذا الأمر جائز.
فإذا حكم المحكم بين طرفي نزاع برضاهما في الأمور التي يجوز الصلح فيها، بحكم فيه إصلاح بينهما وقطع للخصومة، فإن فعله هذا عبادة من العبادات التي يتقرب بها إلى الله. ما هو المحذور؟ المحذور لو جعل هذا المصلح حكمه هذا قانوناً عاماً؛ مثلاً ضربة كف، فقال: الكف فيه خمسة من الغنم، خمس رؤس من الغنم. هو هنا الآن جاء وأصلح بينهم، قال: أعطيه خمسة رؤس من الغنم. أصلح بينهم في هذا الأمر وانتهت، وتألفت القلوب، وانتهت القضية. لكن لو سجل هذا وقال: الكف له خمسة من الغنم، المرأة إذا ضربت أو سبها زوجها فحتى تعود إليه عليه أن يدفع خمسة آلاف ريال، وثم وضع هذا قانوناً! لا، هذا أصبح الآن هذا الشخص المصلح يجعل مثل هذه الأعراف يجعلها قانوناً، ثم يطلب من الشعب من أفراد القبيلة أن يتحاكموا لهذه القوانين التي وضعها لهم هذا المصلح، وتسجل هذه ثم يتفقوا على أن يحتكموا إليها ويتركوا تحاكم إلى المحاكم الشرعية؛ لا، هذا أصبح تشريعاً، وإن كان يعني ظاهره الناس يستغربون مثل هذه الصورة، هذا مثله مثل التشريع الغربي، هو مثله مثل أن يجلس أناس يضعون قوانين مثل ما ذكرنا، ويأتون إلى شريعة الله يتركونهم، ثم هم يجعلون آراءهم ما هو العدل في هذه المسألة، ما هو العدل في هذه المسألة، فقد يوافقون الشرع وقد لا يوافقونه، وقد يخالفونه، لكن ما يرونه عدلاً سجلونه، ثم أمروا الحكام والمصلحين والمحكمين يحكم بين ذلك، وأمروا الشعب أن يتحاكم إلى تلك القوانين، هذا أصبح والعياذ بالله مثله مثل الصور القبيحة الصريحة التي فيها تبديل شريعة الله، فيها تشريع، فهذا لا يجوز البتة، لا يصلح هذا الأمر أن يقوم الناس به وأن يتعاملون به.
ايها الاحبه في الله، كذلك في هذه المحاضرة نود أن نتحدث عن شرك الألفاظ. شرك الألفاظ يا إخوان أن يتلفظ الإنسان بكلمة من الكلمات والتي من شأنها أن يعني ليس فيها عقيدة يعتقدها الإنسان فيها تعظيم لهذا يصل إلى تعظيم الله، إنما هي من قبيل سبق اللسان، فهذه الألفاظ تسمى يعني تسمى شرك الألفاظ، وسياتي التفصيل في حكمها بعد الفاصل بمشيئة الله.
حياكم الله ايها الاحبه. قلنا شرك الألفاظ المقصود بها ألفاظ تصدر من الإنسان عن غير عقيدة، عن غير انتباه مما تحتويه هذه اللفظة من سوء، وهي هذه اللفظة لها معنى يضاد التوحيد، ويضاد تعظيم الله سبحانه وتعالى، فتخرج منه، هذه تسمى ألفاظ شركية، مثل مثال الحلف بغير الله، يحلف مثلاً بالنبي، بالأمانة، يحلف بالطعام، يقول والنعمة هذه التي نأكلها والنبي، وبعضهم يحلف بالطلاق، فهذا الحلف بغير الله هذا من شرك الألفاظ، وهو من الشرك الأصغر.
أيضاً اسناد نعم الله إلى غيره، مثلاً نقول: مطرنا بنوء كذا، وهذا يسمى الاستسقاء بالأنواع؛ نسبة نزول السقيا ونزول المطر إلى النجوم، وإلى الكواكب، وإلى منازل القمر، فينسب نعم الله إلى المخلوقين إلى المخلوقات، فهذا من شرك الألفاظ وهو من الشرك الأصغر، إذا كان يقصد أنها سبب.
أو يقول الإنسان: هذا مالي ورثته كابراً عن كابر، أو يقول: هذا أنا هذا المال أنا استحقه، هذا بعملي وأنا محقوق به، أو يقول: هذا بشفاعة آلهتنا، أو يقول: لولا فلان لم يكن كذا، أو لولا كليبة فلان في الدار لأثان اللصوص، هذا إسناد نعم الله إلى غيره.
أو هناك من شرك الألفاظ إسناد نعم الله إلى الله ومعه غيره بحرف يقتضي التسوية، فيقول: لولا الله وفلان، يقول: ما شاء الله وشاء محمد، أو ما شاء الله وشاء فلان، هذا من أمثلة شرك الألفاظ.
أيضا هناك سب الدهر، يعني يلعن الإنسان الزمان، يلعن اليوم، يلعن الليلة، هذا أيضا من سب الدهر، سب الزمان، وهذا من شرك الألفاظ، إذا كان يقصد يظن يعني يسب المكان الظرف الذي أصابه فيه هذا المكروه، فيسب الزمان، يسب اليوم، يسب الليلة، هذا يعتبر من شرك الألفاظ، يسب الريح، يسب الحر، يسب الأحوال الجوية، هذا أيضا من شرك الألفاظ.
أو يقوم بتعبيد الأسماء لغير الله: عبد الحارث، عبد الحسين، وهكذا، هذا يعتبر من شرك الألفاظ.
إذا كان يا إخوان يعتقد التسوية بين الله وبين غيره فهذا يعتبر شرك أكبر، لكن إذا كان لا يعتقد التسوية وهذا الغالب على الناس لا يعتقدون التسوية، فهذا يعتبر من شرك الألفاظ وهو من الشرك الأصغر.
ايها الاحبه في الله، إضافة النعم إلى الله سبحانه وتعالى قولاً واعترافاً هذا من تمام التوحيد، من تمام توحيد الإنسان أن يشكر الله على نعمه ويضيف تلك النعم إليه وحده سبحانه وتعالى، ويقول: هذا من فضل الله، هذا من نعمة الله، هذا من رحمة الله، ويضيف ما أنعم الله عز وجل به عليه من عافية، من رزق، من مسكن، من أولاد، يضيف هذه النعم إلى الله سبحانه وتعالى، فلا شك أن هذا من تمام توحيد الإنسان.
أما إذا كان لا لا يضيف هذه النعم إلى الله ويضيفها إلى المخلوقين وإلى نفسه، وهو داخلياً يرى أن هذا الأمر يعني فعلاً هو الذي أتى به أو ذلك الشخص الذي أتى به دون أن يكون لله سبحانه وتعالى قدرة على ذلك، فهذا كفر والعياذ بالله، هذا كفر أكبر؛ لأن هذا كفر بنعمة الله الكفر الأكبر. أما إذا كان يعتقد أن هذه النعم من الله وأن هؤلاء الأسباب، أن هؤلاء هذه التي أضافها وأشرك في اللفظ إنما هي أسباب، لكن سار على لسانه أن يقول لولا الله وفلان، ما شاء الله فلان، فهذا يعتبر من شرك الألفاظ، هذا يعتبر من شرك الألفاظ.
الواجب على الإنسان أيها الأحبه أن يشكر نعم الله سبحانه وتعالى عليه، فيعترف بقلبه بنعم الله كلها عليه وعلى غيره، اعتراف القلب، وأن يتحدث بنعمه الله سبحانه وتعالى عليه بالثناء عليها بالثناء عليه بها سبحانه وتعالى، ويستعين بهذه النعمة التي أنعم الله عز وجل بها عليه يستعين بها في طاعه الله جل جلاله.
ناخذ نماذج لشرك الألفاظ؛ مثلاً الحلف. الحلف بالنسبة للحلف بالله بأسمائه، مثل تقول: والله، والرحمن، والعظيم سبحانه وتعالى، أو بصفاته: بعزة الله، بقدرة الله، برحمه الله؛ فهذا الحلف بالله سواء بأسمائه أو بصفاته هذا حلف جائز.
أما الحلف بغير الله، مثل يحلف بالنبي أو بجاه النبي، أو يحلف بالأولياء أو بجاههم، أو يحلف بحياة الآباء أو غيرهم، أو يحلف بالأمانة وبشرف، يحلف بالطلاق، هذه أمثلة للحكم بغير ما أنزل الله.
فإذا كان يساوي بين هذه الأشياء التي أقسم بها، يساوي بينها وبين الله في التعظيم فهذا شرك أكبر، أما إذا كان لا يصل في تعظيمه لهذه الأمور إلى حد تعظيم الله سبحانه وتعالى لكن يراها أشياء فاضلة وهكذا فأقسم بها، فهذا شرك أصغر.
قال صلى الله عليه وسلم: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك». والكفارة أن يقول الإنسان بعد أن أقسم بغير الله أن يقول: لا إله إلا الله. كما قال صلى الله عليه وسلم: «من حلف فقال في حلفه واللات والعزى فليقل لا إله إلا الله».
هذا موضوع الحلف. أيضا يا إخوان من الأشي التي فيها تعظيم لله سبحانه وتعالى قضية قبول اليمين. من أقسم، لو جاء شخص وأقسم بالله أنه فعل كذا، من تعظيمك لله سبحانه وتعالى أن تقبل منه هذا اليمين. وهذا الشخص الذي أقسم له حالتان: الحالة الأولى أن يكون معروف بالصدق أو ظاهره الخير والعدالة، فأقسم لك بالله، فانت من تعظيمك لله ترضى بهذا القسم، ترضى وتقتنع بهذا القسم ولا تطالب بشيء آخر، خلاص حلف لك بالله. أو في مسألة أخرى، أن تكون هذه عند القاضي وأنت مدعي ليس لديك بينة وهو المدعي عليه، الآن يطالب.
باليمين، فهو حلف لك بالله، فحلف بالله أنه لم يأخذ هذا المال، فأنْتَ هذا الشخص لم يرضَ بهذا اليمين، رغم أنه عند القاضي الآن، وهذا حكم الله، وهذا يمين. قال: أرضى أن يضيف في اليمين أن زوجته تطلق طالق إن كان كاذباً، أريد أن يضيف في اليمين أن يقول عليه كذا وكذا من العقوبات، أن يهلك الله نسله، أن يفعل به كذا وكذا. هذا الأمر فيه استدراك على الشريعة، وفيه عدم تعظيم الله سبحانه وتعالى، وفيه عدم الاكتفاء بما أمرنا الله سبحانه وتعالى أن نكتفي به، وهذا دال على نقص تعظيم الله في قلب هذا الإنسان. فالواجب في أمور المحكمة قبول هذا اليمين ممن أنكر هذا الأمر.
أما إذا كان هذا الشخص معروفاً بالفجور والكذب، فهذا لو قال له الإنسان: أنت لو حلفت لي من اليوم إلى أن يتوفاه الله وأنت تحلف ما قبلت منك هذا اليمين؛ هذا لكونه لا لكونه عدم غير معظم لله سبحانه وتعالى، وإنما لكونه يعرف حقيقة هذا الشخص أن هذا الشخص معروف بالفجور وبالكذب، فهذا لا يدخل في تكذيب هذا الشخص، لا يدخل صاحبه في الوعيد. هذه مسألة اليمين، وهذا أيضاً يعتبر من الأشياء المتعلقة بعدم تعظيم الله سبحانه وتعالى.
كذلك يا إخوان، سب الدهر، وما المقصود بسب الدهر؟ أن يشتم الإنسان ويذم ويقبح الزمان والوقت. إذا كان مقصوده خبر محض بدون لوم، مثلاً يقول: تعبنا من شدة الحر، يقول: اليوم هذا يوم عصيب؛ هذا جائز. إذا كان الإنسان يخبر عن الزمان؛ اليوم الحرارة شديدة جداً، اليوم برد برد برد كذا، ويتحدث عن الأحوال، وهذه السنة سنة حقيقة فيها قحط، سنة جدب، هذه السنة سنة عسيرة، هذا الأمر جائز.
أما إذا كان يسب ويذم ويقبح مع اعتقاد أن الدهر هو الفاعل، وهذا ما يكون إلا من طائفة الدهرية، فهذا شرك أكبر. أما إذا كان يعتقد أنها سبب ومحل، فسب الدهر فهذا مذموم، وهذا الأمر محرم، وهذا من شرك الألفاظ. ناخذ فاصل ثم نعود إليكم بمشيئة الله.
العلم مراتب، فمنه فرض عين؛ وهو تعلم ما لا يدى الواجب إلا به، كتعلم صفة الوضوء والصلاة. ومنه فرض كفاية؛ كعلوم الحديث. ومنه نفل؛ كالتبرع في أصول الأدلة. فلا بد من التدرج فيه خطوة خطوة، فإن من رام أخذه جملة ذهب عنه جملة، ولكن الشيء بعد الشيء مع الليالي والأيام. ونراعي الأولويات في التعلم، فنبدأ بالعلوم الأصلية كالتفسير والفقه قبل علوم الآلة كمصطلح الحديث وأصول الفقه، ونبدأ بتعلم الفروض قبل النوافل، وفي الحديث القدسي: «ما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضت عليه». وقد قيل: من شغله الفرض عن النفل فهو معذور، ومن شغله النفل عن الفرض فهو مغرور.
ونبدأ بالأسهل قبل الاصعب، وبالمختصر والرباني الذي يربي الناس بصغار العلم قبل كباره. ونبدأ بتعلم ما يترتب عليه ثمره قبل المسائل النظرية البحتة. ونبدأ بالتعلم قبل التصدر للتعليم، فإن فاقد الشيء لا يعطيه. ونهتم بالفهم والتدبر ولا نقتصر على الحفظ والتلقين. فتدرج في طلب العلم حتى تكون من الراسخين، قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين».
حياكم الله أيها الأحبه في الله. سنأخذ في نهاية هذه المحاضرة ما يتعلق بالتمائم، والتطير، والاستسقاء، والنجوم، والكهانة، لكن نمر عليها مرورا سريعاً، والسبب أننا هذه أخذناه في الفصل الماضي، لكن وضعت في ضمن المفردات، فنمر عليها مرورا سريعاً ونكتفي بالشرح السابق لها.
بالنسبة للتمائم يا إخوان؛ التمائم هي أشياء يعلقها الإنسان، إما يعلقها في رقبته أو في عضده أو في وسطه أو في رجله، أو يعلقها في دابته، أو يعلقها في منزله، يعلق هذه الأشياء من أجل أن يتم الله له مقصوده. ما هو مقصوده؟ أن يدفع الله عز وجل عنه الضرر أو يجلب له النفع. فالتمائم امور تعلق من أجل أن يتم الله سبحانه وتعالى للإنسان الشفاء، أو أن يدفع عنه البلاء، هذه تسمى تمائم.
ما حكم هذه التمائم؟ هذه التمائم تمائم شركية. هذه التمائم قال صلى الله عليه وسلم: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك». فهذه التمائم من الشرك بالله. هل هي شرك أكبر أم شرك أصغر؟ إذا كان يعتقد الإنسان أن هذه التمائم تجلب النفع وتدفع الضر بذاتها، فهذا شرك أكبر. وإن يعتقد أنها سبب، فهذا شرك أصغر، فهذا شرك أصغر.
طيب، ما حكم التمائم التي تكون من القرآن؟ التمائم التي تكون من القرآن الراجح فيهم التحريم. الراجح في التمائم التي تكون من القرآن التحريم. والسبب أن هذا النص: «إن الرقى والتمائم والتولة شرك» هذا نص عام، ولم يأت للتمائم التي لم يأت في التمائم التي من القرآن مخصص يخصصها من التمائم ما ما وجد، بخلاف الرقى؛ أن الرقى شرك، لكن جاء: اعرضوا علي رقاكم، لا باس بالرقى ما لم تكن شركاً. فلما لم يأت نص يستخرج يخرج التمائم التي من القرآن من هذا النص فيبقى التحريم على يعني في بابه.
أمر ثاني؛ أن هذه التمائم أن منع التمائم التي من القرآن يكون من باب سد الذريعة، لأنه غالباً هذه التمائم تكون ملفوفه وتكون غير واضحة وتكون صغيرة جداً، فيمكن أن يدخل فيها ما ليس من القرآن، من نجمات، من تقديم كلمة على كلمة، من أشياء لا يعرفها الإنسان لأنها أصلاً حروز هي توضع، سورة يس، يوضع المصحف كامل ويطبق بشكل عجيب ما يستطيع الإنسان يقرأ فيه. فهذه التمائم التي من القرآن تمنع سداً للذريعة وليس بما يحتويه من كلام الله، فيصبح لو نسي مرة من المرات هذه التميمة وصار له شيء ظن السبب هو في تلك الأوراق، فسداً للذريعة يمنع هذا الأمر.
الأمر الثالث؛ أنه منعاً للامتهان، تمتهن هذه الأمور، يلبسها الإنسان قد يدخل بها دورات مياه، يدخل بها في أماكن يعني نجاسات ونحو ذلك، ويكون هو معلق لها أو في عضده أو في وسطه أو كذا، فتمنع مثل هذه الأشياء. فالراجح في التمائم التي من القرآن التحريم.
أيضاً هناك مسألة تتعلق بالتطير. والتطير هو التشاؤم بالطيور، ثم صار التطير يطلق على التشاؤم بالطيور وغيرها، التشاؤم بكل مرئ أو مسموع، صار التطير لقب عام بمعنى التشاؤم، وكان أصله بالطير، في تطير الطير، فمن خلال النظر في ذهاب الطير يمين يسار هكذا، كانوا يبنون على ذلك العمل، يقوم بعمله أو لا يقوم.
فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبرنا أن هذه الطيرة شرك، الطيرة شرك، الطيرة شرك، فالتطير شرك. فإن كان يعتقد أن هذه الأشياء المتشائم بها هي تجلب النفع تدفع الضر بذاتها، فهذا شرك أكبر. وإن اعتقد أنها سبب في جلب المنافع أو دفع المضار، فهذا شرك أصغر. وإن اعتقد أن هذه الطيور وهذه الأشياء يمكن أن يستدل بها على معرفة الغيب، والغيب المطلق، فهذا والعياذ بالله من الكفر بالقرآن، وهذا يصبح يدخل في باب الكهانة، يدخل في باب الكهانة وهي ادعاء معرفة الغيب بتطيير الطير ونحو ذلك، هذا لا لا يجوز هذا الأمر.
ثم أيها الأحبة في الله، هناك الكلمة الطيبة تخرج عن يعني التشاؤم، يسمع الإنسان كلمة طيبة وهو منطلق في طريقه، فهذه الكلمة الطيبة تكون سببا لزيادة التحفيز والتفاؤل بالخير، فهذا إن شاء الله لا باس به. لكن إذا كانت كان الإنسان قد انصرف عن الذهاب فسمع كلمة طيبة فتحرك من أجل تلك الكلمة الطيبة، فهذا يدخل في التطير؛ فالطير ما أمضاك أو ردك، ما أمضيت وذهبت إلا من أجل تلك الكلمة الطيبة، أو ردك فما جلست إلا بسبب سمعك لتلك الكلمة السيئة، هذا تطير.
بقي مسألة تتعلق بالاستسقاء بالنجوم، هذه ذكرناها، الاستسقاء بالنجوم نسب نزول المطر إلى النجوم، فيقول: مطرنا بنوء كذا، بنجم كذا، ونجم كذا. فإذا كان نسبة نزول المطر إلى النجوم معتقداً أن النجوم بذاتها هي التي أنزلت المطر، فهذا شرك أكبر والعياذ بالله. وإذا كان اعتقد أنها سبب لنزول المطر، فهذا شرك أصغر. وإن اعتقد أنها علامة يعني هو فلاح أصلاً وهو مزارع ويعلم أن النجم الفلاني إذا ظهر في المكان الفلاني هذا موسم الأمطار، فإذا راه وقال استبشروا خيراً بإذن الله يرزقنا الله سبحانه وتعالى بالمطر، فجعل تلك النجوم علامة لحصول لنزول المطر، فهذا ما فيه شيء، هذا جائز.
بقي آخر شيء نختم به ما يتعلق بالكهانة، الكاهن هو يتكهن فيدعي أنه يمكن أن يخبر بما في الغد. وبالنسبة لإتيان الكهان والعرافين إذا اتاهم الإنسان يسألهم دون تصديق، لكن يسال يريد كمعرفة، إذا أتى هؤلاء ويسألهم حتى لو لم يصدقهم، لكن يسألهم من أجل أن يعرف، فهذا لا تقبل له صلاة أربعين يوماً. فإن أتاهم فصدقهم بما يقولون، فصدقهم فقد كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
ما الذي أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم؟ ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ [النمل: 65]، هذا نص في القرآن، فهذا الذي يصدق هؤلاء الكهان في أخبارهم بالمغيبات المطلقة، فهذا والعياذ بالله هذا كفر بما أنزل على محمد صلى الله عليه وسلم.
ولنعلم أيها الأحبة أن الكهان والعرافين لديهم أساليب يجعلون الناس يثقون في كلامهم وهم يستخدمون الجن، فعندما تاتيهم أنت فيقول: أنت اسمك فلان ابن فلان وقضيتك كذا وكذا. وعندما يخبره بهذا الأمر يتعجب هذا الإنسان، طبعا هو يستخدم الجن، وأنت عندك جن، وفي المجلس عرف القضية. وقد يخبرك أيضا بمكان المفقود ومكان المسروق عن طريق الجن، هذه العرافة. أما بالنسبة للغيب فهذا حدس وتخمين وأشياء يقولونه، فقد يصدقون فيها بسبب الحدس والتخمين بناء على المعلومات التي استقاها منك، فهذا ليس هو أنه يعرف يعني الغيب، إنما هذا من الحدس والتخمين والعياذ بالله.
أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرسخ التوحيد في قلوبنا، وأن يجعلنا من الموحدين أصحاب التوحيد التام، أن نوحد الله صدقا من قلوبنا، وأن نلقى الله سبحانه وتعالى على الإيمان الصادق وعلى التوحيد الخالص. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.
د. أبو زيد مكي القبي