السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعلْه حجة علينا يا رب العالمين.
حياكم الله أيها الأحبة في الله في المحاضرة السادسة من محاضرات مادة العقيدة في أكاديمية زاد. في هذه المحاضرة، المحاضرة السادسة، بمشيئة الله سناخذ دلائل نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وسناخذ هذه الدلائل من ثلاثة نصوص، أريد منكم أن تنظروا في هذه النصوص وتستخرجوا منها دلائل نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
النص الأول: آيات من كتاب الله، من سورة الأعراف، من آية 155 فما بعدها. نعم، أنظروا في هذه الآيات وتأملوا فيها واستخرجوا من خلالها الأدلة التي تدل على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
تذكرون في المحاضرة السابقة قلنا: دلائل النبوة كثيرة، وأخذنا منها عدة أنواع. النوع الأول من دلائل نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم: النظر في شخصيته، فشخصيته صلى الله عليه وسلم تدل على أنه نبي، أن أخلاقه صلى الله عليه وسلم وشمائله وصفاته كلها تدل على كونه نبياً.
وقلنا: نوع ما جاء به يدل على أنه نبي، فهو لم يأتِ بشيء لم يأتِ به الأنبياء من قبله، المبشرات في الكتب السابقة، الآيات التي أعطاه الله سبحانه وتعالى إياها كلها تدل على نبوته، إجابة دعوته، نصره على الأعداء، وهكذا.
الآن أريد منكم هذه المعلومات التي تعلمناها في المحاضرة الخامسة أن نطبقها في هذه المحاضرة، ننظر في هذه النصوص ثم نستخرج منها الأدلة على نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم. يقول الله عز وجل: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَىٰ قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِّمِيقَاتِنَا ۖ فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُم مِّن قَبْلُ وَإِيَّايَ ۖ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا ۖ إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَن تَشَاءُ وَتَهْدِي مَن تَشَاءُ ۖ أَنتَ وَلِيُّنَا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا ۖ وَأَنتَ خَيْرُ الْغَافِرِينَ * وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ ۚ قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ ۖ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأعراف: 155-156].
الآن ينتقل الخطاب من الكلام عن قصة موسى وعن أصحاب موسى إلى اليهود المعاصرين الآن في عهد النبي صلى الله عليه وسلم. يقول الله عز وجل: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ والزكاة من معنيها التوحيد ﴿وَالَّذِينَ هُم بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ * الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ﴾ هنا الآن يعني بعد بعثة نبينا صلى الله عليه وسلم هناك شرط لا بد منه مع التقوى والتوحيد والإيمان بآيات الله. هناك بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم رحمة الله التي وسعت كل شيء مكتوبة لمن يضيف هذا الأمر بعد بعثة النبي صلى الله عليه وسلم وهو متابعة رسولنا؟
تعالوا نتامل في الآيات، قال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ﴾ تذكرون هذه أول مسألة مثلاً من المسائل التي أخذناها في الإيمان بالرسل: الفرق بين النبي والرسول؟ وقلنا إن كل رسول فهو نبي، لأن النبي هو الذي يُنبأ ويُوحى إليه من الله، ثم هو يخبر بما أخبره الله به، فهذا هو النبي، فكل رسول نبي. لكن ما الإضافَة عند الرسول؟ الإضافة عند الرسول أن النبي يُبعث في قوم يكونون موافقين له، فهو مجدد لهم، وقد يُبعث بشريعة جديدة وقد لا يُبعث بشريعة جديدة، هذا النبي.
أما الرسول فيُبعث في قوم قد تركوا التوحيد ووقعوا في الشرك والكفر، فيُبعث في قوم مخالفين له، هذا هو الرسول. ولذلك عدد الرسل أقل بكثير من عدد الأنبياء، الأنبياء كثر لكن الرسل قلة بالنسبة للأنبياء. فنبينا صلى الله عليه وسلم رسول نبي، نبي رسول، بالاضافة إلى كونه نبي فهو رسول. الذين يتبعون الرسول الذي أنبأه الله عز وجل وأخبره، الذين يتبعون الرسول النبي الأمي.
الآن الخطاب لناس مخالفين للنبي صلى الله عليه وسلم، يدلل لهم الله جل جلاله أن محمد بن عبد الله مرسل من عنده وأنه رسول النبي حقاً. أول آية أو أول دليل على كون نبينا صلى الله عليه وسلم مرسلاً من عند الله: ﴿الْأُمِّيَّ﴾. الأمي، من يستنبط منكم من هذه الكلمة دليل على نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم؟ الأمي يعني الذي لا يعرف يقرأ ولا يكتب، فكيف يكون هذا الوصف في حق نبينا صلى الله عليه وسلم دليل على النبوة؟
قوته: الأمي النبي صلى الله عليه وسلم بلغ في الأمية مبلغاً عظيماً حتى أحرف اسمه لا يعرفها، الميم والحاء والدال لا يعرفها صلى الله عليه وسلم. ومع هذا الوصف في حق غير نبينا صلى الله عليه وسلم وصف نقص، في حق نبينا آية تدل على أنه رسول الله، أنه رسول النبي. كيف ذلك؟ كيف ذلك أنه أتى بهذا القرآن العظيم؟ فالأمي إشارة إلى هذا القرآن، وأن هذا الأمي أتى بهذا القرآن، فهذا القرآن لكون نبينا صلى الله عليه وسلم أمياً دليل على أن محمد بن عبد الله رسول الله.
لو كان النبي صلى الله عليه وسلم ليس بأمي، ممكن أن يققال إنه قرأ في الكتب السابقة، وقرأ في كتب الفلاسفه، وقرأ في التاريخ القديم، ثم استطاع بعد ذلك أن يعطي خلاصات. لكن نبينا صلى الله عليه وسلم لا يعرف يقرأ ولا يكتب، ثم يأتي بأخبار من مضى، ويأتي بتلك الأخبار على وجه الدقة والاتقان والاحكام والاختصار، شيء عجيب لا يمكن أن يكون ذلك من إنسان أمي. ثم في هذا القرآن ما سياتي إلى يوم القيامة، إلى أحداث الجنة والنار، ما يمكن أن يكون هذا أمياً يعني قرأ في كتب ما مضى ولا في الفلاسفة، ما يمكن أن يكون ذلك. ثم يأتي هذا التشريع، ثم يأتي تأتي هذه البلاغة، ثم تأتي هذه العقائد، ما يمكن لا يمكن أبداً ولا يتصور عقل عاقل أن يكون هذا القرآن إلا من عند الله سبحانه وتعالى.
ولذلك هذا أول دليل على نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو أعظم دليل، وهذا الدليل نحن نراه في عصرنا الحاضر. هناك آيات النبي صلى الله عليه وسلم أعطيها من عند الله تدل على صدقه؛ آية انشقاق القمر، آية تكلم الأحجار، آية تكثير الطعام، تكثير الماء، آيات كثيرة، لكن هذه قد لا نراها نحن، أما الأمي القرآن فهي هذه المعجزه بين أيدينا نحن اليوم ونراها. فهذه أول آية تدل على نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم.
حياكم الله أيها الأحبة في الله، قلنا الآية هذه ناخذ من كلمة الأم دليل على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وانه مرسل من عند الله، أنه أمي ثم أتى بهذا القرآن العظيم المعجز. هذا نوع من الأدلة.
الدليل الثاني قال: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنجِيلِ﴾ [الأعراف: 157]. هذا النوع ماذا نسميه يا إخوان؟ نسميه المبشرات في الكتب السابقة. الكتب السابقه بشرت بنبوه نبينا صلى الله عليه وسلم، ولهذا نحن عندنا الإيمان بالكتب السابقة ركن من أركان الإيمان، لا يصح إيمان الإنسان إلا بالإيمان بالكتب السابقة، الإيمان بالله والملائكة والكتب والرسل.
وسبب تعظيمنا للإيمان بالكتب السابقة أنها تدل على نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم من نواحي عديدة؛ منها أنها جاءت تبشر بهذا النبي بهذا الرسول النبي الأمي، جاء وصفه في التوراه وجاء وصفه في الإنجيل. ويا أيها الأحبة في الله، مهما امتدت أيدي التحريف للتوراه والإنجيل إلا أنهم لم يستطيعوا إخفاء هذه المبشرات في التوراه وفي الإنجيل إلى عصرنا الحاضر. ما زلت عندما تبحث في التوراه في الإنجيل تجد بعض الإشارات إلى محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، مبشرات فيها وصف دقيق للنبي صلى الله عليه وسلم، فيها وصف لصحابته صلى الله عليه وسلم، فيها وصف لأمته صلى الله عليه وسلم. فهذا الذي يجدونه مكتوباً عندهم في التوراه والإنجيل، هذه المبشرات هذه من أدلة نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم: المبشرات في الكتب السابقة.
والمبشرات في الكتب السابقة أيضاً فيها دليل آخر في ضمن هذا الدليل، وهو أنه في الكتب السابقة ذكر أخلاقه صلى الله عليه وسلم. وأخلاقه صلى الله عليه وسلم أيضاً من أدلة نبوته صلى الله عليه وسلم، الذي يعرف بالصادق الأمين ويصل عمره 40 سنة ولا يكذب على البشر البتة، مستحيل أن يأتي بعد أن وصل عمره 40 سنة أن يأتي ويكذب على الله مباشرة فيقول: قال الله، وهو كاذب هو ما قال فلان من البشر وهو كاذب. يأتي بعد أن يصل عمره 40 سنة ويقول: قال الله وهو كاذب، لا يمكن ذلك. فأخلاقه صلى الله عليه وسلم أيضاً من أدلة نبوة نبينا، وهذه الأخلاق مسجلة في التوراه وفي الإنجيل أيضاً.
لاحظوا قول الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: 157]. أعطوني من هذا الجزء كيف نستدل بأن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بالمعروف ينهى عن المنكر يحل الطيبات يحرم الخبائث، كيف نستدل بهذا الجزء على نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم؟
هذا يسمى نوع ما جاء به، أن ينظر الإنسان إلى المضمون الذي جاء به صلى الله عليه وسلم؛ جاء يدعو إلى ماذا؟ جاء يدعو إلى التوحيد، جاء يدعو إلى بر الوالدين، إلى صلاة الأرحام، إلى إطعام الطعام، جاء يدعو إلى الأخلاق الفاضلة، وجاء ينهى عن الشرك وعن الكذب وعن عقوق الوالدين وعن الأخلاق السيئة، جاء يدعو إلى صلاح الدنيا وينهى عن فسادها. هذا النوع هو ما جاءت به الرسل جميعاً، فيسمى هذا المسلك في فحص يعني رسولنا صلى الله عليه وسلم هل هو مرسل من عند الله؟ يسمى المسلك النوعي، فنوع ما جاء به أيضاً هو يدل على كونه رسول الله.
فالله عز وجل قال لهؤلاء: حتى تعرفوا أن محمد بن عبد الله رسول الله؛ يأمرهم بالمعروف ينهاهم عن المنكر يحل لهم الطيبات يحرم عليهم الخبائث، هذا الذي جاء به، وهذا هو الذي جاء به موسى عيسى موسى إبراهيم نوح كل الأنبياء الذين سبقوا إنما جاؤوا بهذا. فهذا يسمى مسلك نوعي. ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ هذا يدل على نسخ شريعة محمد صلى الله عليه وسلم للشرائع السابقة.
ثم يقول الله عز وجل: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ﴾ وعزروه يعني عظموه ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾ يعني هذا الواجب علينا تجاه النبي صلى الله عليه وسلم؛ الإيمان به، التعظيم له، النصْرَة له ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الأعراف: 157]. والمتابعة لهذا الوحي الإهيي والمتابعة لشريعته، ما النتيجة؟ أولئك هم المفلحون.
أيضاً يا إخوان هذا فيه نوع من أدلة نبوة نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم؛ كيف أن كيف تعرف أن هذا هو رسول الله؟ أنك إذا آمنت به ونصرته وعظمته واتبعت ما جاء به ستجد الفلاح في الدنيا قبل الآخرة. فالعاقبة، حسن العاقبة، إجابة الدعاء، النصر على الأعداء، التمكين في الأرض، كل هذه دلالة على نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم.
طبعاً وهذه الآية فيها بيان الواجب علينا؛ ما الواجب علينا تجاه النبي صلى الله عليه وسلم؟ الإيمان به ومن الإيمان به الإيمان بجميع ما أخبر، والتعظيم له صلى الله عليه وسلم، ولا يكون دعاؤنا له كدعاء أحد من البشر، كدعاء غيره من الآخرين، إنما بأنه رسول الله ونبي الله، وهكذا. ونصروه، النصْرة له، ومن النصْرة له الآن النصْرة لسُنته ولدينه، والمتابعة، نتبع النبي صلى الله عليه وسلم، هذا الواجب علينا ومتابعتنا.
للنبي صلى الله عليه وسلم تكون باتباع هذا الشرع الذي جاء به نبينا صلى الله عليه وسلم، هذا الواجب علينا. ثم يقول الله عز وجل لنبيه: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾. هذا يدل على عموم رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، وأنها ليست مقصورة على أقوام معينين، بل هي لجميع الناس، بل هي شاملة حتى للجن. لكن هنا في هذه الآية يعني خص الناس: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، عموم رسالته صلى الله عليه وسلم وأنها مستمره لكونها هي آخر الرسالات، مستمرة إلى قيام الساعة. فهذه رسالة محمد صلى الله عليه وسلم، من الذي أرسله؟ الله الذي له ملك السماوات والأرض لا إله إلا هو يحيي ويميت، يعني سيكون له الجزاء جزاء الناس على أعمالهم.
ثم يقول الله عز وجل: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، من هو؟ محمد صلى الله عليه وسلم النبي الأمي، النبي الأمي هذا محمد صلى الله عليه وسلم. ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، ثم يقرن الله عز وجل الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم بالإيمان به، فيدل ذلك على أن من لم يؤمن بمحمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم لم يؤمن بالله، وإن آمن بموسى وإن آمن بعيسى. كل من كان بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن بالنبي الأمي لا ينفعه الإيمان بالله، كل من بلغته رسالة محمد صلى الله عليه وسلم ولم يؤمن برسول الله فهو لم يؤمن بالله، لأن الله عز وجل أمره بالإيمان برسول الله: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾، يؤمن بالله وبأمره سبحانه وتعالى وبشريعته وبوحيه: ﴿وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾ يعني تهتدون فإذا أنتم اتبعتم هذا الرسول النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته، فلكم الاهتداء في الدنيا وفي الآخرة.
حياكم الله إيَا أحبه في الله، نود أن نأخذ نصا ثانياً وهو في صحيح البخاري لننظر، وهذا النص الذي قام بالتاكد من كون محمد بن عبد الله رسول الله هو هرقل عظيم الروم. لننظر في هذا النص، وما هي المسالك التي سلكها هرقل حتى أيقن هرقل عظيم الروم أيقنا يقينا لا شك فيه أن محمد بن عبد الله هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. لننظر في هذا النص ونتأمل فيه.
أخرج الإام البخاري بسنده عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن أبا سفيان أخبره من فيه إلى فيه يعني مباشرة قال: انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم يقصد صلح الحديبية. قال: فبينا أنا بالشام إذ جيء بكتاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل يعني عظيم الروم، وكان دحِيَة الكُلبي هو الذي جاء به فدفعه إلى عظيم بصرى فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل. وصلت الرسالة إلى هرقل، الآن ننظر إلى هرقل ماذا صنع؟ قال هرقل: هل هاهنا يعني في الشام من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قالوا: نعم. يقول أبو سفيان: فدعيت في نفر من قريش فدخلنا على هرقل فأجلسنا بين يديه، قال: أجلسوني، فقال: أيكم أقرب نسبا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي؟ قال أبو سفيان: فقلت أنا، فأجلسوني بين يديه وأجلسوا أصحابي خلفي حتى لا يراهم أبو سفيان جعلهم خلفهم ثم دعا بترجمانه، أتى ترجمان قال له: قل لهم إني سائل هذا يعني أبا سفيان عن الرجل الذي يزعم أنه نبي، فإن كذبني أعطى معلومات فيها كذب فكذبوه أنتم خلفه، لن تخافوا منه، لا تخشون منه بأسا بس أشروا إشارة أنه كذب في هذه القضية. يقول أبو سفيان: وأيم الله لولا مخافة أن يؤثر علي الكذب لكذبت، لأنه كان في تلك الفترة بينه وبين النبي صلى الله عليه وسلم عداوة.
ثم قال هرقل لترجمانه: سل هذا. السؤال الأول: كيف نسبه فيكم؟ قال أبو سفيان: قلت هو فينا ذو حسب. قال: فهل كان من آبائه ملك؟ قال أبو سفيان: قلت لا. قال: فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت لا. قال: ومن يتبعه أشراف الناس أم ضعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤهم. قال: أيزيدون أم ينقصون؟ فقلت: بل يزيدون. قال: هل يرتد أحد منهم سخطه عن دينه بعد أن يدخل فيه؟ قال: قلت لا. قال: فهل قاتلتموه؟ قلت نعم. قال: فكيف كان قتاركم إياه؟ قلت: تكون الحرب بيننا وبينه سجالا يصيب منا ونصيب منه. قال: فهل يغدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها. يقول أبو سفيان: فوالله ما أمكني من كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه. قال: فهل قال هذا القول أحد قبله؟ قلت لا.
ثم هذا الآن انتهى من الأسئلة، هذا سلك ماذا؟ سلك المسلك الشخصي. فبدا يبين لماذا هو سلك هذا المسلك الشخصي؟ وكيف عرف من خلال هذا المسلك الشخصي أن محمد بن عبد الله رسول الله؟ قال لترجمانه: قل له: إني سألتك عن حسبه فزعمت أنه فيكم ذو حسب. يقول هرقل: وكذلك الرسل إنما تبعث في أحساب قومهم، لو كان إنسان ما له حسب، ما له نسب شريف، هو سيصنع مثل هذه الأمور حتى يكون له شرف ويكون له مكانة، لكن هذا هو صاحب شرف وصاحب حسب ونسب.
ثم قال: وسالتك هل كان في آبائه ملك فقلت رجل يطلب ملك أبيه يريد أن يسترد ملك أبيه. وسالتك عن اتباعه أضعفاؤهم هم أم أشرافهم؟ فقلت: بل ضعفاؤهم. قال: فكذلك اتباع الرسل، من الذي يتبع الرسل؟ ضعفاء الناس، لكن لو لم يكن رسول سيتبعه مالك، يبحث عن ملك، يبحث عن أشياء، الناس الذين يريدون هذه الدنيا يريدون الجاه أعطاهم الخطة أعطاهم الأشياء، عنده أموال عنده أشياء سيأتيها الأشراف، لكن رسالته ما فيها شيء في الدنيا، ولا يعد النبي صلى الله عليه وسلم بالدنيا، إنما وعده صلى الله عليه وسلم بالجنة، إذاً هذا هو، فمن الذي يتبعه؟ ضعفاء الناس.
وسالتك هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخله سخطه له؟ فزعمت لا، وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب، لو كان الذي جاء به ليس هو إيمان حق صدق كان ارتد الناس، يدخلون ثم يرتدون، يكتشفون أن هذا خطأ وهذا غير صحيح، لكنهم يزيدون ولا ينقصون ولا يرتدون، دَلَّ ذلك على أن ما جاء به هو حق. قال: وسالتك هل يزيدون أو ينقصون؟ فزعمت أنهم يزيدون، وكذلك الإيمان حتى ينتشر. قال: وسالتك هل قاتلتموه؟ فزعمت أنكم قد قاتلتموه فتكون الحرب بينكم، وكذلك الرسل ثم تكون لهم العاقبة. وسالتك هل يغدر؟ فزعمت أنه لا يغدر، وكذلك الرسل لا تغدر. وسالتك هل قال هذا القول أحد قبله؟ فزعمت أن لا، فقلت: لو كان هذا القول قد قاله أحد قبله فقلت إنه يتم بقول قيل قبله.
إذاً هذا المسلك يسمى المسلك الشخصي؛ هرقل فحص رسولنا صلى الله عليه وسلم من هذه الناحية واستنتج وقطع وجزم بأن محمد بن عبد الله من ناحية النظر الشخصي أنه رسول الله. ثم انتقل يبحث في مسلك آخر، سلك مسلكا آخر يسمى المسلك النوعي. قال: بما يأمركم؟ قلت: يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف. قال: خلاص، الآن وصل لليقين بأن هذا محمد بن عبد الله ورسول الله، سلك مسلك شخصي، سلك مسلك نوعي، يأمر بماذا؟ بالصلاة والزكاة وهذا الذي تأمر به الرسل. قال: إن يكن ما تقول فيه حقا فانه نبي، وقد كنت أعلم أنه خارج الآن، عنده دليل آخر وهو المبشرات في الكتب السابقة التي تحدد حتى الزمن، يقول: عرف أنه خارج في هذه الفترة، لكن يقول: ولم أكن أظنه منكم. انتهى الآن عرف الآن ما عنده من أيضاً مبشرات الكتب السابقة الصفات، الأشياء، المدة، الزمان، فجزم يقيناً أن محمد بن عبد الله رسول الله.
قال: ولو أني أعلم أني أخلص إليه لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي، هذا يعرفه في الكتب السابقة هذا الأمر. قال: ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرا فيه: بسم الله الرحمن الرحيم، من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد فاني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين. لماذا يأخذ أجره مرتين؟ لإيمانه برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وإيمانه برسالة عيسى عليه السلام، وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين، أتباعك هؤلاء الفلاحين كلهم هؤلاء الناس الذين يعظمونك وتركوا اتباع الإسلام واتباع الدين الحق بسببك، عليك إثمهم إن آمنْتَ لك الأجر مرتين وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين بالإضافة إلى إثمه: ﴿وَيَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْفَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 64].
فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عندهم وكثر اللغط وأمر بنا فأخرجنا. قال فقلت يقول أبو سفيان: فقلت لأصحابي حين خرجنا: لقد أمر أمر ابن أبي كبشة، إنه يخافه ملك بني الأصفر. قال أبو سفيان: فما زلت موقنا بامر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيظهر حتى أدخل الله علي الإسلام.
إذا هرقل وهو عظيم الروم فحص رسولنا صلى الله عليه وسلم من الناحية الشخصية، من ناحية المضمون، من ناحية المبشرات في الكتب السابقة، فأيقن بأن محمد بن عبد الله هو رسول الله صلى الله عليه وسلم. نسال الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يملا قلوبنا جميعا يقينا برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يملا قلوبنا بالإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم والتعظيم له، وأن يجعل جوارحنا متابعة لرسولنا صلى الله عليه وسلم متبعة لهذا النور الذي جاء به محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم. والى لقاء في محاضره قادمة بمشيئه الله، استودعكم الله.
د. أبو زيد مكي القبي