تسجيل الدخول

المحاضرة 3 - العقيدة - المستوى الثالث - د. أبو زيد مكي - الإيمان بالكتب المنزلة

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكرا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.

أيها الأحبة في الله، أرحب بكم في المحاضرة الثالثة، والتي موضوعها: الإيمان بالكتب. درَسنا في المحاضرتين الماضيتين الإيمان بالملائكة، وبمشيئة الله المحاضرة الثالثة والمحاضرة الرابعة نتحدث فيهما عن موضوع الإيمان بالكتب. اليوم سنتحدث عن: المراد بالكتب، الواجب الإيمان بها، الحكمة من وجوب الإيمان بالكتب السابقة، أدلة وجوب الإيمان بالكتب، المقارنة في كيفية الإيمان بالكتب السابقة وبين الإيمان بالقرآن العظيم.

يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 136]. ينادينا الله سبحانه وتعالى بأعظم نعمة أنعم الله بها على الإنسان، وهي نعمة الهداية للإسلام والإيمان، وأمرنا الله سبحانه وتعالى أن نتعاهد إيماننا. هذا تفسير من تفاسير هذه الآية: يا أيها الذين آمنوا، أي اثبتوا على الإيمان وجددوه في قلوبكم، وتعاهدوا: آمِنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله والكتاب الذي أنزل من قبل.

أيها الأحبة في الله، ينبغي لنا أن نتعاهد الإيمان بهذه الأمور الثلاثة يومياً؛ الإيمان بالله، الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم، الإيمان بالقرآن والدين الإسلامي. ينبغي أن نتعاهد هذه الأركان الثلاثة يومياً.

الإيمان بالله نتعاهده بالنظر إلى آيات الله الشرعية. نحن نكرر في كل صلاة خمس مرات يومياً، عندنا خمس صلوات يومياً، نكرر في كل ركعة من ركعات الصلاة سورة الفاتحة. أريد أيها الأحبة في الله، ونحن نقرا سورة الفاتحة، أن نجدد قضية الإيمان بالله في نفوسنا؛ الحمد لله الذي نؤمن به بأنه الحمد لله رب العالمين: الربوبية، الرحمن الرحيم: أسماء وصفات، مالك يوم الدين: الذي إليه الحساب والجزاء في يوم القيامة، إياك نعبد وإياك نستعين: توحيد الألوهية. نتعاهد الإيمان بالله في ربوبيته، في أسمائه وصفاته، في ألوهيته، في كل ركعة من ركعات صلاتنا في كل يوم.

إذا انتهينا من الصلاة، بعد كل صلاة، يقرا الإنسان سورة الإخلاص، يكررها بعد الفجر وبعد المغرب ثلاث مرات: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]. من هو الله الذي نؤمن به؟ الله أحد، الواحد سبحانه وتعالى في ربوبيته. الصمد، المقصود بالعبودية وحده لا شريك له المعبود وحده. لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوا أحد: الذي لم يسبق بعدم ولا يلحق فناء، الغني عن الوالد والولد سبحانه وتعالى، الذي لا مثيل له في أسمائه ولا في صفاته. هذا الإيمان بالله نتعاهده يومياً في كل صلاة نصليها يا إخوان.

ثم أيها الأحبة في الله، الإنسان في كل يوم يحاول أن ينظر في آيات الله الكونية. كل يوم مرة تنظر إلى يديك، مرة تنظر إلى عينك، مرة تنظر... انظر إلى هذه اليد طالما أنها كانت مسبوقة بعدم ويلحقها فناء وهي وجدت بعد عدم، فلا بد لها من موجد، إذاً نحن لا بد لنا من موجد، إذاً هذا الكون لابد له من موجد. ثم انظر إلى هذه اليد كيف الله سبحانه وتعالى أبدع خلقها وجعلها بهذا الشكل نحسن قبض الأشياء، ثم انظر هذه المفاصل العجيبة، هذا الابداع، وهذه التسويَة، وهذا التخصيص، وهذا التقدير، وهذه المسافات في الأطوال، هذه كلها تملا قلبك إيماناً بوجود الله سبحانه وتعالى الحكيم المبدع القادر سبحانه وتعالى. هذه الآيات، آيات الله الكونية، في كل يوم انظر لك إلى آية من آيات الله الكونية لتجدد الإيمان بالله في نفسك.

ثم انظر وأنت تستيقظ من نومك وأنت ترى أن الله قد عافاك في بدنك، قد عافاك في سمعك، قد عافاك في بصرك، أنك سليم، هذه الأعضاء قل الحمد لله. انظر إلى نعم الله سبحانه وتعالى عليك في كل يوم لتتعاهد هذا الإيمان بالله في نفسك.

آمنوا بالله ورسوله؛ جدد دائماً إيمانك بالرسول صلى الله عليه وسلم. في كل يوم استغل الأذان؛ عندما تسمع الأذان (أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله) ردد خلف المؤذن: وأشهد أن محمدا رسول الله. إذا انتهى المؤذن من أذانه، أعلن رضاك برسالة محمد صلى الله عليه وسلم وبأن الله أرسله: رضيت بالله ربا، وبالاسلام دينا، وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا. أعلن هذا الرضا، جدد هذا الرضا في نفسك. بعد صلاة الفجر، بعد صلاة المغرب، صلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم عشر مرات: اللهم صل على محمد، اللهم صل على محمد، اللهم صل على محمد. هذا يتعاهد قضية الإيمان بالرسول صلى الله عليه وسلم في نفسك.

في كل يوم لابد أن يكون لك ورد، لابد أن يكون لك نظر في هذا القرآن. وأنت تنظر في هذا القرآن، تعاهد إيمانك بهذا القرآن وبهذا الدين، وأن هذا القرآن كلام الله، وأن هذا القرآن هو منهج الحياة بالنسبة لك. ﴿يا أيها الذين آمنوا آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله﴾ هذا القرآن، ﴿والكتاب الذي أنزل من قبل﴾ التوراة والإنجيل وصحف إراهيم وزبور داوود. وهكذا تتعاهد... وأن الله سبحانه وتعالى ما من رسول إلا وقد أرسل الله سبحانه وتعالى معه رسالة يبلغها إلى قومه. فتثبت هذه الأمور وتجددها في نفسك، هذا الإيمان.

نعود إلى موضوعنا الآن؛ هذا الإيمان بالكتب السابقة ركن، وبالقرآن ركن من أركان الإيمان، لا يتم إيمان الإنسان إلا بالإيمان بالكتب السابقة والإيمان بالقرآن. سؤال إليكم يا إخوان، اريد أن تفكروا فيه قبل أن ناخذ فاصل: فكروا ما الحكمة؟ الإيمان بالقرآن واضح، لابد أن نؤمن بالقرآن، لكن ما الحكمة من الإيمان بكتب مضت؟ بل إن بعض الكتب قد اصابها التحريف، وبعض الكتب ما نسمع عنها لكن لابد أن نؤمن بها إيمانا إجمالياً، ما الحكمة من الإيمان بالكتب السابقة؟ فكروا في الجواب وكل يكتب جوابه أمامهم ونتحدث عنه بمشيئة الله بعد الفاصل.

للايمان أركان لا يتم الا بها، فاذا سقط منها ركن لم يكن الانسان مؤمنا، وهي سته: الايمان بالله، ويشمل الايمان بربوبيته أي بانه الخالق المالك المدبر، وبالوهيته فلا معبود بحق إلا الله وكل معبود سواه باطل، وبأسمائه وصفاته فله الاسماء الحسنى والصفات العليا. ونؤمن بالملائكة وانهم مخلوقون من النور، وأنهم عابدون لله مطيعون ومن عنده لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون، يسبحون الليل والنهار لا يفترون، ولهم أعمال كلفوا بها، فجبريل موكل بالوحي وميكائيل بالمطر والنبات واسرافيل بالنفخ في الصور. ونؤمن بالكتب انزلها الله على رسله حجة على العالمين، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]، ومنها التوراه والانجيل والزبور وصحف إبراهيم وموسى، وأعظمها وخاتمها القرآن العظيم: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾ [المائدة: 48]. ونؤمن باليوم الآخر، وهو يوم القيامة، ونؤمن بما فيه من البعث والحشر وصحائف الأعمال والميزان والحساب والصراط والحوض والشفاعة والجنة والنار. ونؤمن بالقدر خيره وشره، وهو تقدير الله تعالى للكائنات حسب ما سبق به علمه واقتضت حكمته، وله أربع مراتب: العلم، والكتابة، والمشيئة، والخلق. فثبت إيمانك بالعلم والعمل، واحذر من شبهات المشككين: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ﴾ [آل عمران: 53].

حياكم الله ايها الأحبة، وقفنا عند البحث في الحكمة التي من أجلها أمرنا بالإيمان بالكتب السابقة إضافة إلى الإيمان بالقرآن. قلنا: الكتب السابقة التي ورد ذكرها في القران هي صحف إبراهيم، زبور داوود، التوراة وقد تسمى التوراة صحف موسى وسنأتي الكلام عنها بشيء من التفصيل، الألواح، الإنجيل، القرآن. هذه الكتب نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى أنزل كتباً على رسله، وأن هذه الكتب مشتمله على الهدى والحق والنور، أنزلها الله من أجل اسعاد الناس في الدنيا وفي الآخرة. هذا معنى هذه الكتب، نؤمن بها ونؤمن بهذه الكتب السابقة.

وقفنا عند الحكمة؛ ما الحكمة يا إخوان؟ الحكمة أن نعلم، والله أعلم، من هذه الحكم: أولاً، أن نعلم أن دين الله واحد. الدين الإسلامي هو دين واحد، كل نبي جاء يدعو إلى هذا الدين، دين الإسلام، وهو عبادة الله وحده لا شريك له بما جاء به ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم في جميع مناحي الحياة. هذا هو الدين الإسلامي، وكل الأنبياء إنما جاؤوا بهذا الدين الإسلامي، والخلاف إنما هو في الشريعة، في بعض الأمور المتعلقة بالعبادات، بعض الأمور التفصيلية المناسبة لذلك الزمن وذلك المكان. واما أصل الدين فهو دين واحد، فالحكمة من الإيمان بالكتب السابقة أننا نؤمن بأن الدين دين الله سبحانه وتعالى واحد، هذه واحدة.

الأمر الثاني؛ أنه في أن تلك الكتب نستطيع من خلالها أن نستدل على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. كيف ذلك؟ حاولوا تفكروا كيف أن تلك الكتب السابقة إيماننا بها إيمان بالقرآن وإيمان بنبوه محمد صلى الله عليه وسلم، كيف ذلك من ثلاث نواحي؟

الناحية الأولى؛ من ناحية نوع من الأدلة، الأدلة الداله على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم نوع ما جاء به، وأنه ما كان بدعاً من الرسل، وأنه قد جاء بالدعوة إلى ما جاءت به إلى ما جاءت الرسل بالدعوة إليه، فكلهم جاؤوا يدعون إلى دين الإسلام، إلى عبادة الله وحده لا شريك له. فإذا كان ما في الكتب السابقة نستدل بنوع ما جاءنا في القرآن وأنه مثل ما جاء في التوراة، في الإنجيل، في الكتب السابقة، كلها جاءت بشيء واحد وهو عبادة الله وحده لا شريك له، هذا المسلك يدل على أن النبي صلى الله عليه وسلم هو رسول الله. كيف عرفنا ذلك؟ بالنظر إلى نوع ما جاء به فإذا هو من جنس ما جاءت به الرسل، هذا يسمى المسلك النوعي في الإيمان برسولنا صلى الله عليه وسلم.

أمر ثانٍ؛ أنه ورد في تلك الكتب السابقة التبشير بالنبي صلى الله عليه وسلم، يبشرون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم. وفي تلك الكتب السابقة لا سيما الإنجيل فيه وصف للنبي صلى الله عليه وسلم، وفيه ذكر علامة ختم النبوة الذي بين كتفي النبي صلى الله عليه وسلم، وفيه وصف لأخلاق النبي صلى الله عليه وسلم. هذه ناحية أخرى، إذاً الناحية الثانية المبشرات التي وردت في الكتب السابقة وهي تدل على نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، فلذلك نحن نؤمن بها لأنها أيضاً من أدلة نبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.

أمر ثالث؛ أن فيها ذكر لصفات النبي صلى الله عليه وسلم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم يقول: قد ذكر في الكتب السابقة كذا وكذا. وكان نبينا صلى الله عليه وسلم هو الأمي الذي لا يقرا ولا يكتب، بل بلغ في الأمية مبلغاً عظيماً أنه حتى الحروف، حروف اسمه، لا يعرف كيف رسمتها صلى الله عليه وسلم، ومع هذا يخبرهم أنه قد ورد في التوراة كذا وورد في الإنجيل كذا، وانظر إليه في المكان الفلاني كذا، وهذا حكم الله عندكم كذا وكذا، كان يبين لهم ذلك. فهذا نوع من أدلة نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، وهو صدقه صلى الله عليه وسلم وأخلاقه، وهذا يسمى المسلك الشخصي في إثبات نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم.

المقصود؛ نحن نؤمن بالكتب السابقة رغم أن بعضها ضاع، بعضها ضاع تماماً وبعضها اصابه التحريف والتغيير والتبديل، لكن نؤمن بها لأن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم جاءت ناسخة لتلك الرسائل، جاءت مشتمله على ما فيها من الهدى والنور، وأن خير ما في تلك الكتب السابقة من الهدى والحق والنور كله قد تضمنه القرآن وتضمنته رسالة محمد صلى الله عليه وسلم. لذلك نحن نهتم بالإيمان بالكتب السابقة لهذه الأسسباب.

أمر ثالث؛ أن هذا يثمر لنا الشعور والإيمان برحمة الله سبحانه وتعالى وأنه ما من أمة إلا خلا فيها نذير، وأن تلك الأمم قد ارسل الله عز وجل معها الكتب بالحق والهدى والنور، وهكذا. إذاً هذه بعض الحكم.

أيضاً نستغل الإيمان بالكتب السابقة في دعوة أهل الكتاب، نقول لهم: إذا آمنتم بالقرآن لم تخسروا الإيمان بالإنجيل ولم تخسروا الإيمان بالتوراه بل يضاف إليكم إيمان آخر، فإذا آمنتم بالقرآن كسبتم إيمانكم بالتوراه والإنجيل، فكان لكم الأجر مرتين، يعطيكم الله سبحانه وتعالى الأجر مرتين. لن تخسروا شيئاً يا من تؤمنون بأن موسى عليه السلام، موسى صلى الله عليه وسلم، أنه رسول الله، يا من تؤمنون أن عيسى هو رسول الله، نقول لهم: وتؤمنون بالتوراة وتؤمنون بالإنجيل، إن إيمانكم بالنبي صلى الله عليه وسلم هو إيمان إضافي تضيفونه إلى إيمانكم بنبينا محمد صلى الله عليه وسلم، إيمان بعيسى وإيمان بموسى، إيمانكم بالقرآن لن يجعلكم تخسرون إيمانكم بالتوراه أو إيمانكم بالإنجيل، لأن إيمانكم بالقرآن هو إيمان كذلك بالتوراه والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وهكذا. إذاً نحن أيها الأحبة في الله إيماننا بهذا القرآن وإيماننا بمحمد صلى الله عليه وسلم جعلنا نؤمن بدين الله على مر الزمن وهو واحد، وبرسالة الله وبرسل الله، فما أعظم نعمة الله عز وجل علينا بهذا الإسلام. كذلك أيها الأحبة في الله من...

الأدلة على وجوب الإيمان بالكتب: قال الله عز وجل: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 136]، وهذا يدل على أن الإيمان بالله لابد فيه من القول؛ لا يصلح أن يقول إنسان: أنا أؤمن بالله بقلبي، نقول: يشترط في الإيمان كما يشترط فيه قول القلب وعمل القلب؛ قول القلب: تصديقه وإقراره، وعمل القلب: هو إخلاصه ومحبته وخوفه ورجاؤه وتوكله إلى غير ذلك من أعمال القلوب.

كذلك يجب أن يكون فيه قول اللسان، فتقول: آمنا بالله، لابد من قول اللسان ما لم يكن هناك مانع من خرس أو إكراه أو نحو ذلك، لكن يشترط في الإيمان الحقيقي قول اللسان، وأن تعمل بمقتضى ما أعلنتَه أنك تقول: آمنت بالله، أن تلتزم بمقتضى ذلك فتترك الشرك وتعبد الله وحده لا شريك له. ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَىٰ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَىٰ وَعِيسَىٰ وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: 136]؛ لأنهم كلهم قد جاؤوا بالإسلام، فنحن نتبع جميع الرسل ونؤمن بجميع الكتب، وسيأتي إن شاء الله بعد ذلك كيفية الإيمان والمقارنة بين كيفية الإيمان بالكتب السابقة وبين الإيمان بالقرآن.

الحلف تعظيم للمحلّ به، لذا لا يجوز إلا بالله وأسمائه وصفاته، وفي الحديث: «من كان حالفا فليحلف بالله أو ليصمت»، والحلف بغير الله شرك، وهو شرك أكبر إذا قصد تعظيمه كتعظيم الله، وإلا فهو أصغر، ومن حلف على ترك شيء ثم رأى فيه الخير فليفعل وليكفر عن يمينه. قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ [البقرة: 224]، أي لا تجعلوا أيمانكم مانعة من فعل الخير، ومن حلف بغير قصد فلا كفارة عليه. قال تعالى: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89]، واليمين على نية الحالف إلا أن يخشى ظالماً فله أن تأول، ومن فعل ما حلف على تركه ناسياً أو مخطئاً أو مكْرهاً فلا شيء عليه.

والكذب في اليمين من صفات المنافقين، وغصب المال به من الكبائر، قال صلى الله عليه وسلم: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة»، والنذر عبادة وابتدائه مكروه والوفاء به واجب، ومن نذر لغير الله كقبر ولي فقد أشرك شركاً أكبر، ونذر الغضب والمباح يُخير بين فعله وبين كفارة اليمين، ونذر المعصية يحرم فعله وتجب الكفارة، ونذر الطاعة المطلق يجب فعله، وكذا المعلق إذا حصل الشرط، فاحرص على الوفاء لتكون ممن قال الله فيهم: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الإنسان: 7].

حيَّاكم الله أيها الأحبة في الله، ما زلنا نستعرض أدلة الإيمان بالكتب السابقة، قال الله عز وجل: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [البقرة: 213]، يعني كانوا جميعاً على التوحيد فاختلفوا، واختلفوا هذه كلمة مقدرة يعني معناها بعد ذلك حدث الشرك، فلما حدث الشرك فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. متى بعث الله النبيين مبشرين ومنذرين؟ عندما تركوا التوحيد ووقعوا في الشرك وانتشر الشرك فيما بينهم، أرسل الله عز وجل رسوله نوحاً عليه السلام، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين، وأنزل معهم الكتاب.

هذا الكتاب من أجل ماذا؟ بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم، فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم، ونحن نسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدينا لما اختلف فيه من الحق بإذنه، إنه سبحانه وتعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

إذاً نقول: كان واجب علينا أن نؤمن أن الله أنزل مع أولئك الأنبياء، أنزل معهم الكتاب بالحق، وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ [الشورى: 15]، يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ من كِتَابٍ﴾ [الشورى: 15] يعني كل الكتب، ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ﴾ [الشورى: 15].

قال الله عز وجل: ﴿لَّيْسَ الْبِرُّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: 177] إلى آخر الآية، وفي حديث جبريل المشهور المعروف عندما سأل رسولنا صلى الله عليه وسلم عن الإيمان قال رسولنا صلى الله عليه وسلم: «الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره». فالايمان بالكتب هو الركن الثالث من أركان الإيمان، لا يتم إيمان الإنسان إلا بالإيمان بالكتب.

كيف نؤمن بالكتب يا إخوان؟ كيفية الإيمان بالكتب: أولاً؛ نؤمن بأن هذه الكتب قد اشتملت على كلام الله، ما في هذه الكتب هو كلام الله سبحانه وتعالى، فكل كتاب أنزله الله على رسوله فإن الله تكلم به حقيقة وأوحى به إلى رسوله، سواء من وراء حجاب بلا واسطة أو عن طريق جبريل عليه السلام، فهذه الكتب كلها كلام الله كلام الله حقيقة.

ونؤمن هذا على وجه الإجمال، ونؤمن على وجه التفصيل بأسماء الكتب التي سماها الله عز وجل لنا في القرآن وهي خمسة كتب: صحف إبراهيم، والتوراة، والزبور، والإنجيل، والقرآن؛ فنؤمن بهذه الخمسة، ونؤمن بان كل الكتب السابقة جاءت لأقوام محددين في فترة زمنية، لذا لم يتعهد الله بحفظها من الضياع أو التحريف لأنها جاءت لفترة محددة لأقوام مخصوصين. هذه حكمه الله سبحانه وتعالى أن يكون هذا دينه الإسلامي يتدرج بهذا الشكل حتى كان في عهد نبينا صلى الله عليه وسلم، فكانت رسالته عامة لجميع البشر بل وللجن، فكانت عامة لكل الأزمنة.

ونؤمن بأن القرآن جاء للناس كافة إلى قيام الساعة، لذلك فقد تضمن خلاصة الشرائع السابقة فجاء ناسخاً للكتب السابقة ومهيمناً عليها، وقد تكفل الله بحفظه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].

نجري مقارنة سريعة يا إخوان بين إيماننا بالقرآن وبين إيماننا بالكتب السابقة، نحن نؤمن بجميع الكتب ونؤمن بالقرآن، كيفية إيماننا بالقرآن وبالكتب من ناحية الحفظ: نؤمن بأن القرآن الذي بين أيدينا الآن نؤمن بأنه هو كلام الله حقيقة، تكلم به سبحانه وتعالى وسمع منه جبريل عليه السلام، وبلغه جبريل إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، فهذا القرآن هو كلام الله سبحانه وتعالى حقيقة بلفظه ومعناه، هو كلام الله، تكلم الله عز وجل به بصوت مسموع سمعه منه جبريل، ونقله جبريل إلى نبينا صلى الله عليه وسلم، ورسولنا بلغه لنا.

ونؤمن بأن هذا القرآن محفوظ كله محفوظ، لا زيادة فيه ولا نقصان، قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، أما الكتب السابقة فنؤمن بها على الإجمال، لكن نؤمن بأن الكتب السابقة غير محفوظة؛ فبعضها ضاع مثل صحف إبراهيم والزبور، وبعضها تعرض للتحريف والتغيير والتبديل مثل التوراة والإنجيل، والتحريف والتبديل يشمل سواء معانيها أو أفاظها بالزيادة والنقصان والكتمان، والله سبحانه وتعالى قد أخبرنا بذلك، فنحن نؤمن أنه أصاب هذا التحريف وهذا التبديل وهذا التغيير بالنسبة للمادة والمحتوى.

نؤمن بان هذا القرآن مثل ما ذكرنا هو كلام الله حقيقة، كله كلام الله، أما الكتب السابقة فلا نستطيع الجزم، يعني التوراة والإنجيل الآن نتحدث إذا ذكرنا الكتب السابقة الآن ما نعرف التوراة والإنجيل لا نستطيع الآن الجزم بأنها كلها كلام الله لأن أصابها التغيير والتبديل، بل يعني بعضها أشبه بالقصص والسيرة وهكذا، لذلك الواجب علينا بالنسبة تجاه الكتب السابقة تركها، نؤمن بها لكن لا نبحث عنها ولا نقرا فيها.

لماذا لا نقرا فيها؟ نبحث عن آداب فيها؟ نبحث عن شرائع فيها؟ نبحث عن عقيدة فيها؟ ما في العقيدة والشريعة والآداب التي في التوراة وفي الإنجيل قد تم نسخها والهيمنة عليها والبدل بها في القرآن، ما في التوراة وما في الإنجيل من عقيدة وشريعة وآداب العقيدة والآداب هذه اشتمل عليها القرآن، والشريعة جاء الاسلام بشريعة ناسخة لتلك الشرائع، وإن كان في أشياء كثيرة هي متفق بينهم اتفاق، لكن كيفية أداء الصلاة، كيفية أداء الصيام هذه الأمور جاءنا بها محمد صلى الله عليه وسلم.

لذلك لسنا بحاجة إليها البتة، لسنا بحاجة للتوراة والإنجيل حتى لو لم تصب حتى لو بعض النصوص تأكدنا أنها ما أصابها التحريف والتغيير والتبديل، فقد جاء القرآن بها. هناك يا إخوان يعني بعض الدارسين للتوراه والإنجيل أثبتوا يعني أن هناك بعض النصوص ما زالت جاء القرآن مصدقاً لها وما زالت كما هي، فمثل هذه النصوص ما نحتاجها، لماذا؟ كيف عرفنا أنها صحيحة؟ لان القرآن قد صدقها وجاء بها.

إذاً نحن ناخذ بما في القرآن من ناحية وجوب العمل، واجب علينا بالنسبة للقرآن واجب علينا اعتقاد اخباره نفيا أو إثباتا، وواجب علينا امتثال طلبه فعلاً أو تركاً، واتخاذه منهاجاً للحياة، أما الكتب السابقة فنحن نعتقد أنه نسخ العمل بما فيها بدين الاسلام وبالقران، فما نعمل إلا بما جاء في القرآن، هذا هو الواجب علينا وتجاه أو هذا الفرق بين كيفية الإيمان بالكتب السابقة وبين كيفية الإيمان بالقران.

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقه، وإن شاء الله في المحاضرة الرابعة نستكمل الكلام عن عقيدتنا في القرآن بمشيئة الله إلى هذا الحد، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا العلم النافع والعمل الصالح، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.