السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.
حياكم الله أيها الأحبة في الله في المحاضرة الرابعة من مادة العقيدة في أكاديمية زاد في الفصل الثالث من الفصول الدراسية. نستكمل يا إخوان في هذه المحاضرة الرابعة الركن الثالث من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالكتب.
واليوم بمشيئة الله سنأخذ عقيدتنا في القرآن، والواجب علينا تجاه القرآن، ونأخذ نبذة موجزة عن التوراة، ونبذة موجزة عن الإنجيل، ثم نبين مواطن الاتفاق ومواطن الاختلاف بين هذه الكتب السابقة.
ما عقيدتنا في القرآن؟ أريد منكم أن تشتركوا معي في الإجابة على هذه الأسئلة؛ سجلوا هذا عندكم. عقيدتنا في القرآن أن القرآن كلام الله، وأصله: القرآن كلام الله أضافه الله إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم.
هل هذه العبارة صحيحة أم خاطئة؟ ثانياً: القرآن كلام الله، وهو تعبير من جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم عن كلام الله، فهو كلام الله، لكنه كلام في النفس، فهذا القرآن الذي بين أيدينا هو عبارة عن كلام الله.
ثالثاً: القرآن كلام الله، وهذا القرآن الذي بين أيدينا حكاية عن كلام الله. أي هذه العبارات هي العبارة الصحيحة؟ القرآن كلام الله أضافه إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم، أم القرآن الذي بين أيدينا عبارة عن كلام الله، أم القرآن الذي بين أيدينا حكاية عن كلام الله؟ أي هذه العبارات هي العبارة الصحيحة؟
هذه العبارات الثلاثة يا إخوان كلها عبارات منحرفة خاطئة. أما العبارة الأولى فهي للجهمية والمعتزلة، يعتقدون أن القرآن ليس هو كلام الله تكلم به حقيقة، لأنهم ينفون عن الله صفة الكلام أصلاً، ويقولون هذا القرآن مخلوق مثل الكعبة، مثل الناقة، ومثل عيسى عليه السلام، أضافه الله إلى نفسه إضافة تشريف وتكريم له مخلوق، فقال: ناقة الله، وقال: بيت الله، وقال هكذا.
ويكون هذا القرآن قال الله عنه: كلام الله، إضافة تشريف وتكريم ولا هو مخلوق، هذا كلام الجهمية والمعتزلة. هذا كلام كفر عياذاً بالله، وهو إنكار أن يكون هذا القرآن كلام الله.
العبارة الثانية: أن القرآن عبارة عن كلام الله. معنى العبارة يعني تعبير، أما في النفس فيقولون: الكلام كلام نفسي، فالله لم يتكلم بحرف وصوت مسموع، إنما هناك كلام في نفسه فهمه جبريل، فقام جبريل بالتعبير عما في نفس الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وهو كلام الله لكنه تعبير عنه، وهذا أيضاً كلام باطل غير صحيح.
إذاً، الكلام أصبح لجبريل؛ هذا فهم ماذا في نفس الله فيعبر عنه، فالكلام أصبح مصدره من جبريل، وهذه مشكلة! يعني اللفظ أصبح اللفظ من جبريل وليس من الله، إنما جبريل فهم معنى هذا الكلام فعبر عنه، وهذه مصيبة أن يقول الإنسان بهذه العقيدة، وهذا مذهب منحرف.
بعضهم قال: لا، هو حكاية عن كلام الله، أيضاً نفس القضية، يعني عندهم أن الله لم يتكلم بكلام مسموع بحرف وصوت كلام حقيقي، إنما جبريل فهم ثم حكى، حكى هذا الكلام عن الله، ولا هو كلام الله يعني تكلم به بحرف وصوت مسموع.
فهذه الاقوال الثلاثة كلها أقوال باطلة. ما هو القول الحق؟ أن القرآن كلام الله حقيقة، تكلم به حقيقة بحرف وصوت، فنجزم بنسبته إلى الله لفظاً ومعنىً. هذه عقيدتنا، وأن جبريل سمع كلام الله وبلغ كلام الله إلى النبي صلى الله عليه وسلم، والنبي صلى الله عليه وسلم أسمعنا كلام الله، تلاه على صحابته، وصحابة رسول الله نقلوا إلى التابعين كلام الله.
هذه عقيدتنا في القرآن، وأن هذا القرآن محفوظ كله من الزيادة أو النقصان. إذاً، نأخذ مراجعة سريعة؛ ما عقيدتنا في كلام الله تعالى؟ نعتقد أن الله سبحانه وتعالى موصوف بصفة الكلام، وأن صفة الكلام صفة حقيقية ثابتة لله جل جلاله، والله يتكلم بحرف وصوت كيف يشاء متى يشاء.
ونعتقد أن الله موصوف بالكلام، جنس الكلام أزلي قديم، فالله موصوف بالكلام أزلاً وأبداً، فصفة الكلام قديمة النوع، والله يتكلم متى شاء كيف شاء، فآحاد كلامه حادث، نؤمن بذلك ولا نخاف من شيء، هذا كلام الله، هذه عقيدتنا في كلام الله.
ونعتقد أن من الكلام الذي تكلم الله عز وجل به تكلم بهذا القرآن؛ القرآن كلام الله تكلم به حقيقة، وسمعه منه جبريل، وبلغه رسوله صلى الله عليه وسلم، فالقرآن من الله بدأ وإليه يعود، فهو الذي تكلم به ابتداء، وفي آخر الزمان يرفع هذا القرآن من الصدور والسطور ويعود إلى الله، فهو كلام الله غير مخلوق، منه بدأ وإليه يعود.
أيها الأحبة في الله، بالله عليكم، عندما يكون الإنسان هذا إيمانه بالقرآن فيأخذ القرآن بين يديه، وهو يعتقد أن هذا القرآن هو كلام الله، بالله كيف يكون شعور الإنسان؟ وكيف يكون تعامل الإنسان مع هذا القرآن وفي قلبه اليقين أن هذا القرآن هو كلام الله حقيقة تكلم بحرف وصوت؟ فعندما يقرأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، عنده يقين أن هذا الكلام قاله الله سبحانه وتعالى، وأن هذا المكتوب هو كلام الله.
الله أكبر، كيف يكون؟ أنت عندما تريد أن يكلمك الله اقرأ القرآن، تريد أن تسمع كلام الله اقرأ هذا القرآن، القرآن كلام الله. تختلف عقيدة الإنسان في القرآن إذا كان يعتقد أنه عبارة أو حكاية، أو أنه كلام الله حقيقة في تعامله مع هذا القرآن.
نأخذ فاصل، ثم نتحدث عن فضائل القرآن وفضل حفظه، ثم الواجب علينا في هذا القرآن بمشيئة الله.
حياكم الله أيها الأحبة، وقفنا عند كيفية تعاملنا مع هذا القرآن؛ عندما يأخذ الانسان المصحف بين يديه، يملأ قلبه يقيناً أن هذا القرآن هو كلام الله حتى يسمع كلام الله. إذاً، هذا القرآن الذي نحن نتلوه، هذا القرآن الذي نحن نسمع، هذا القرآن الذي نحفظه في الصدور، هذا القرآن مكتوب في السطور، هذا القرآن الذي يتردد في الحناجر، هذا القرآن الذي تتلوه الألسنة، هو كلام الله سبحانه وتعالى.
أي فخر وأي عظمة أن الانسان يقرأ في كلام الله، يقرأ كلام الله سبحانه وتعالى! ونعتقد أن هذا القرآن إنما أنزل للهداية، لهدايتنا؛ يهدينا الله عز وجل به إلى سبل السلام، يهدينا الله عز وجل به إلى الصراط المستقيم، يهدينا الله عز وجل به إلى صلاح ديننا ودنيانا، إلى صلاح دنيانا وأخرانا، إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم.
نتعامل أيها الأحبة في الله مع هذا القرآن أنه فرقان يفرق الله عز وجل به بين الحق والباطل، نتعامل مع هذا القرآن أنه نور ينير لنا هذه الحياة، ينير لنا الظلمات. هذا القرآن نور، من أخذ بهذا القرآن هو المستنير على الحقيقة؛ نحن مستنيرون، نحن تنويريون، لكن التنويري بالمعنى الصحيح المستنير بالوحي الإلهي، وليس المستنير بظلام الغرب من يمكن أن نأتي بظلمة لينير بها الطريق! فهو الظلام على الحقيقة، لكنه زين له سوء عمله فظن أنه يستنير.
من يستنير بالظلام؟ هذه من الأعاجيب! إذا كان هناك ظلمة تأتي بها وتريد أن تنير بها ظلمة هذا ما يمكن، فالذي يسمي نفسه تنويري ويقصد الاستنارة بالفكر الغربي ويريد اصلاح نفسه واصلاح مجتمعه واصلاح أمته بالفكر الغربي هذا ظلامي، لأنه يأتي بالظلام يرى طريق مظلم.
لكن نحن المستنيرون على الحقيقة لأننا نستنير بالوحي الإلهي، نبصر من خلال الوحي الإلهي كيف نصلح أنفسنا، كيف نصلح مجتمعنا، كيف نصلح أمتنا. هذا القرآن يا إخوان ننظر إليه بأنه رفعة لنا؛ رفعة في الدرجات وكثرة في الحسنات، وأن من أراد أن يكون خير الناس فعليه بهذا القرآن: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه».
ننظر إلى هذا القرآن بأنه شفاعة؛ يشفع لنا في قبورنا، يشفع لنا عند الله سبحانه وتعالى في اليوم الآخر. ننظر يا إخوان ونحن نتلو هذا القرآن أن هذا القرآن يا إخوان إذا قرأته فهو من ذكر الله، وأن الله سبحانه وتعالى يذكره؛ من تلا القرآن فذكر الله بالقرآن ذكره الله سبحانه وتعالى.
أيها الأحبة في الله، حافظ القرآن والذي يتلو هذا القرآن مؤمن يتلو القرآن، ومؤمن قليل التلاوة للقرآن قليل حفظ القرآن، ما الفرق بينهما؟ نأخذ هذا الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه بسنده عن أبي موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن مثل الأترجة؛ المؤمن الذي يقرأ القرآن مثله مثل الأترجة»، الأترجة نوع من أنواع الفاكهة ريحها طيب وطعمها طيب، هي مثل البرتقال هكذا، عندما تشمها تشم لها رائحة طيبة، تأكلها طعمها طيب. هذا مثل المؤمن؛ المؤمن ما في جوفه من القرآن طيب، وما يخرج منه وما يسمع منه وما يتعامل الناس معه مع هذا المؤمن الذي يقرأ القرآن يجدون هذا الريح الطيب وهذا الطعم الطيب.
ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن مثل التمرة؛ لا ريح لها وطعمها طيب، طعمها حلو لوجود الإيمان، لكن لا ريح لها، لا يوجد هذا القرآن المؤثر على أخلاق الإنسان وعلى سلوك الإنسان وعلى تعامل الإنسان وهكذا.
ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن مثل الريحانة؛ ريحها طيب، لأن هذا القرآن يخرج منه هذا الريح ويسمع الناس هذا القرآن، لكن طعمها مر، لأنه عياذاً بالله داخله الخبث ولذلك هو مر، لكن يخرج منه هذا القرآن فريح القرآن طيب.
ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة؛ ليس لها ريح وطعمها مر. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلنا جميعاً مثل الأترجة؛ المؤمن الذي يقرأ القرآن الذي رائحته طيبة لوجود هذا القرآن الذي يخرج منه، وطعمه طيب لوجود هذا الإيمان الذي في داخله.
أيها الأحبة في الله، ما الواجب علينا تجاه القرآن؟ هذا الكلام دائماً نكرره، لكن أمر في غاية الأهمية؛ القرآن هو كلام الله، والكلام ينقسم إلى خبر وطلب، والخبر يدور بين النفي والإثبات، والطلب أمر ونهي. وأمور العقيدة هي من باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات.
نأخذ مثلاً آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ﴾ نفي، ﴿إِلَّا هُوَ﴾ إثبات، ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ إثبات، ﴿لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾ نفي، ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ إثبات، ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ﴾ نفي، ﴿إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ إثبات، ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ إثبات، ﴿وَلَا يُحيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ﴾ نفي، ﴿إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ إثبات، ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ إثبات، ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾ نفي، ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾ إثبات.
هكذا الأخبار الواردة عن الله سبحانه وتعالى هي تدور بين النفي والإثبات. ما الواجب علينا تجاه الأخبار الواردة في القرآن؟ الواجب علينا أن نفهمها الفهم الصحيح، وأن ننظر إليها النظرة الصحيحة؛ افهم الفهم الصحيح، ولا كيف نعرف أن فهمنا لها فهم صحيح؟ نعرض فهمنا على ما فهمه سلفنا الصالح، فلا نأتي بفهم يضاد فهم السلف الصالح، فهم الصحابة وأئمة القرون الثلاثة المفضلة، يجب أن يكون فهمنا للقرآن في ضوء ما فهمه سلفنا الصالح هذا الفهم الصحيح.
بنظر صحيح، أن هذه الأخبار التي تحتاج إلى أدلة عقلية جاءت هذه الأخبار مشتملة على أدلتها العقلية، وأنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون الخبر يتعارض مع العقل الصحيح، لا يمكن أبداً بنظر صحيح، فنؤمن بتلك الأخبار بلا شك، نؤمن بأخبار الله الواردة في القرآن وفي السنة الصحيحة كذلك بلا شك، ولا نقدم الآراء والاهواء والعلوم والحضارات على كلام الله وعلى كلام رسوله، ولا نزن كلام الله وكلام رسوله بخزانة العلوم والحضارات، بل نجعل علوم الحضارات موزونة بهذا الوحي الإلهي ولا إلحاد في ذلك، هذا الواجب علينا تجاه الخبر.
ما الواجب علينا تجاه الطلب الوارد في القرآن؟ هذا الطلب إما أن يكون أمر أو نهي. ما الواجب علينا تجاهه؟ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُم﴾ هذا أمر، ثم قال في ختام الآية: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾ هذا نهي. ما الواجب علينا تجاه الطلب الوارد في الكتاب والسنة كذلك؟ ما الواجب علينا تجاهه أن نمتثل بفهم صحيح بنظر صحيح، بنظر صحيح أن هذه الشريعة إنما جاءت لإسعاد البشرية وجاءت بالمصالح بنظر صحيح.
وإنه لا يمكن أن يكون في شريعتنا ما يسبب للناس التعاسة والضيق والكرب، إنما جاء من أجل إسعادهم وإصلاح دنياهم وأخراهم بنظر صحيح بلا شرك، لا نشرك مع الله سبحانه وتعالى أحداً في امتثالنا لهذه الشريعة.
ولا اعتراض، لا نعترض على شرع الله لا بسياسة ولا باقتصاد ولا بأي شيء آخر، ولا اعتراض ولا ابتداع، لا نبتدع فَنُغَيِّر في هذه العبادات، نغير في مواقيتها، نغير في صفاتها، نغير في جنسها، نغير في عددها، لا نبتدع في ذلك.
هذا هو الواجب علينا تجاه هذا القرآن: أن نأخذ هذا القرآن بقوة، أن نأخذ هذا القرآن منهاجاً لنا في الحياة، أن نأخذ هذا القرآن من أجل أن نعتقد ما فيه من أخبار، أن نمتثل ما فيه من طلب، أن نتأدب بما فيه من أخلاق.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد.
نأخذ فاصل ثم نعود إليكم بمشيئة الله.
بشرى جنازة أكاديمية بالعلم كالأزهار في البستان. الحلف تعظيم للمحلوف به لذا لا يجوز إلا بالله وأسمائه وصفاته، وفي الحديث: «من كان حالفاً فليحلف بالله أو ليصمت»، والحلف بغير الله شرك، وهو شرك أكبر إذا قصد تعظيمه كتعظيم الله وإلا فهو أصغر. ومن حلف على ترك شيء ثم رأى فيه الخير فليفعله وليكفر عن يمينه. قال تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: 224]، أي لا تجعلوا أيمانكم مانعة من فعل الخير. ومن حلف بغير قصد فلا كفارة عليه، قال تعالى: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الْأَيْمَانَ﴾ [المائدة: 89]، واليمين على نية الحالف إلا أن يخشى ظالماً فله أن يتأول. ومن فعل ما حلف على تركه ناسياً أو مخطئاً أو مكْرَهاً فلا شيء عليه. والكذب في اليمين من صفات المنافقين، وغصب المال به من الكبائر، قال صلى الله عليه وسلم: «من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة». والنذر عبادة وابتدائه مكروه والوفاء به واجب، ومن نذر لغير الله كقبر أو ولي فقد أشرك شركاً أكبر، ونذر الغضب والمباح يخير بين فعله وبين كفارة اليمين، ونذر المعصية يحرم فعله وتجب الكفارة، ونذر الطاعة المطلق يجب فعله، وكذا المعلق إذا حصل الشرط، فاحرص على الوفاء لتكون ممن قال الله فيهم...
بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان. حياكم الله أيها الأحبة بعد هذا الفاصل.
الآن نريد أن نأخذ نبذة موجزة عن التوراة والإنجيل، بالنسبة للتوراة نحن نعتقد أن التوراة هو الكتاب الذي أنزله الله عز وجل على موسى عليه السلام نُوراً وهدىً لبني إسرائيل، نعتقد هذا. هم يسمون هذه التوراة -من أسماء التوراة عندهم- يسمونها البنتاتوك، والبنت يعني خمسة، يعني صِفْر آآ خمسة أسفار، وهذي الأسفار الخمسة هي: سفر التكوين، وطبعا سفر التكوين هذا فيه الكلام عن خلق السماوات والأرض والكلام عن الأنبياء إلى موت يوسف عليه السلام.
ثم سفر الخروج، وهذا سفر الخروج يعني يتحدثون فيه بعد موت يوسف عليه السلام والخروج خروج موسى من مصر إلى ما حدث بعد الخروج، يسمى سفر آآ سفر اللاويين هذا الذي فيه أحكام الشريعة والمسؤول عنها الشعائر الدينية آآ سبط آآ بني لاوي بن يعقوب، سفر العدد في عدد بني إسرائيل، وطبعا الاثني عشر الذين يعني كانوا بعد الخروج، وسفر التثنية هذا السفر الخامس وهو المقصود به تكرير الشريعة، تثنية يعني تكرر الشريعة مرة أخرى، أعادت الأوامر والنواهي وهكذا، وذكر موت موسى عليه السلام وقبره، هذه الأسفار الخمسة عند اليهود هذه تسمى التوراة.
بالنسبة للإنجيل، الإنجيل معناه الخبر السار الخبر الطيب هذا معناه عندهم. نحن نعتقد أن الله سبحانه وتعالى قد أنزل هذا الإنجيل على عيسى عليه السلام، لكن لم يتعهد الله بحفظه ثم نسخ بالقرآن. هم الإنجيل الذي عندهم الآن أناجيل وليس إنجيل واحد، عندهم آآ المشهورة لأنكيل أربعة، وهناك إنجيل يسمى إنجيل برنابا، الأناجيل الأربعة: إنجيل متى، إنجيل يوحنا، إنجيل مرقس، إنجيل لوقا، متى ويوحنا هؤلاء حواريين، مرقس ولوقا هؤلاء تلاميذ الحواريين، هذه الأناجيل الأربعة.
بالنسبة لإنجيل برنابا هذا كثير من النصارى لا يعترفون به والسبب مع أن الذي يعني ينسب إلى هذا من الحواريين، لكن لأنه إنجيل فيه مسائل فيه ظهور التبشير بنبوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وأوصاف النبي صلى الله عليه وسلم بدقة، بل بأوصاف حتى الصحابة فيه، أن عيسى عليه السلام بشر أنه بشر، وفيه أن عيسى عليه السلام رُفع ولم يُصلَب، التصريح فيه عدم صلب عيسى عليه السلام، وهكذا إنجيل برنابا فيه أشياء عجيبة فيها أن الذبيح هو إسماعيل وليس بإسحاق في الأناجيل الأخرى أن الذبيح هو إسحاق، أما في برنابا أن الذبيح هو إسماعيل. المقصود أن إنجيل برنابا هذا يحاربونه ولا يظهرونه.
بالنسبة للكتاب المقدس عند النصارى، يسموه الكتاب المقدس، النصارى يؤمنون بالعهد القديم وهو التوراة والكتب الملحقة بها يسمى العهد القديم، ويؤمنون بالعهد الجديد، العهد الجديد عندهم هو الأناجيل الأربعة هذه والرسائل بها عادي. نحن نؤمن أنها يعني أصابها التحريف والتغيير والتبديل وهكذا.
ما مواطن الاتفاق بين هذه الكتب السماوية بين القرآن والكتب السابقة؟ مواطن الاتفاق أولاً: أن مصدرها واحد وهو الله، لذلك أنا أعجب من بعض الطلاب الذين يسافرون للخارج للدراسة فيأتي الشخص ويقول لهم: انظروا مثلاً الوصايا العشرة التي عندكم، قال تعالى: ﴿قُل تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡ أَلاَّ تُشۡرِكُواْ بِهِ شَيۡئٗا وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَانًا﴾ [الأنعام: 151]، يأتي يقول: أصلاً موجودة في التوراة فرسولكم استنسخها. هذا كلام باطل، هذه حجة عليهم، هذه حجة عليهم هم، إذا كان الوصايا العشر الموجودة في القرآن قد جاءت موجودة عندكم في التوراة فهذه حجة أن مصدر هذا التوراة ومصدر الإنجيل ومصدر القرآن واحد وهو الله سبحانه وتعالى.
قال الله عز وجل: ﴿الم * اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ * نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنجِيلَ مِن قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ [آل عمران: 1-4]، فالمصدر واحد، فإذا وجدنا أشياء متفق تأتي تجد حتى بعض العبارات قريبة، إذن هذا يدل على أن مصدرها واحد وهو الله سبحانه وتعالى.
أيضاً قد تأتي أن هناك مثلاً: لا تزني، لا تسرق، لا يعني تشرب الخمر، لا تنظر إلى حليلة جارك، وأن ارتكابك هذه الجريمة مع الجار أعظم جريمة، الزنا مع الجار أعظم، عندما نجد مثل هذه النصوص موجودة في الإنجيل ونجدها موجودة في القرآن، إذاً الغاية واحدة فالكتب السماوية، أو نأتي مثلاً نجد في الإنجيل وموجود حتى هذا مع هذا موجود أن عيسى عليه السلام يقول لهم: لا تدعوني ادعوا الأب، ادعوا الله سبحانه وتعالى، هذه يعني وانه أنا لا أنفعكم ولا أضركم، هكذا يعني في في بعض النصوص، إذاً غايتها واحدة وهي أنها كلها تدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له وإلى دين الإسلام، فالاسلام هو دين جميع الرسل.
قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36]، قال الله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19].
أيضاً سنجد أن هناك مسائل عقدية موجودة حتى في يعني اليوم وإن كانت غير ظاهرة بشكل كبير لكن فيها مثلاً عقيدة الإيمان بالله، الإيمان بالرسل، البعث والنشور، الإيمان باليوم الآخر، فإذاً اصول العقيدة سنجدها يعني ما زالت مشتركة.
هذه الأمور المتفق عليها: القواعد العامة، قاعدة الثواب والعقاب، وأن الانسان يحاسب بعمله ويعاقب بذنوبه ولا يؤاخذ بجريرة غيره، ويثاب بسعيه وليس له في سعيه سعي غيره.
قال الله عز وجل: ﴿أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا في صُحُفِ مُوسَى * وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: 36-37]، هذه كلها موجودة في صحف موسى وفي صحف إبراهيم: ﴿أَلَّا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى * وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى * وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى * ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾ [النجم: 38-41]. هذه القاعدة العامة كلها موجودة في جميع الكتب.
الحث على تزكية النفس وبيان أن الفلاح الحقيقي لا يتحقق إلا بتزكية النفس بالطاعة لله والعبودية له. قال الله عز وجل: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَن تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى * إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى * صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾ [الأعلى: 14-19].
أيضاً قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِن بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾ [الأنبياء: 105]، هذا مكتوب في الزبور. هذه الأمور كلها جاءت في وحدة الأشياء المتفق عليها بين هذه الكتب.
قال الله عز وجل: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]، فهذه الكتب كلها جاءت من أجل أن تقيم العدل بين الناس.
كذلك نجد الأشياء المتفق عليها بين هذه الكتب: كلها تحارب الفساد وتحارب الانحراف، الفساد العقدي والخلقي والانحراف عن الفطرة أو العدوان عن البشر وهكذا. نجد كل هذه كتب تدعو إلى مكارم الأخلاق: العفو عن المسيء، الصبر على الأذى، القول الحسن، بر الوالدين، الوفاء بالعهد، صلة الأرحام، إكرام الضيف، التواضع، العطف على المساكين، هذه كلها موجودة ومتفقة.
نجد أن هناك كثيراً من العبادات متفق عليها بين هذه الكتب السابقة، نجد الصلاة، نجد الزكاة موجودة في الكتب السابقة، نجد الحج. قال الله عز وجل: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ [الأنبياء: 73]. قال الله سبحانه وتعالى لموسى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14] وهكذا، قال لعيسى: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: 31]. إذاً هذه الأمور متفق عليها.
مواضع الاختلاف: تختلف فقط في مثلاً كيفية الصلاة، عدد الصلوات في عدد الصيام، وهكذا، هذه مواضع الاختلاف.
إذن أيها الأحبة في الله، إيماننا بالكتب السابقة هذا الإيمان يدعونا إلى إفراد الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، وأن دين الإسلام واحد، فواجب علينا أن نؤمن بالكتب السابقة وأن نؤمن بهذا القرآن.
أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يغفر ذنوبنا، وأن يستر عيوبنا، وأن يتجاوز عن خطيئتنا.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.
يأتيك ميسوراً بأي مكان تنفي الشكوك بواضح البرهان.
د. أبو زيد مكي القبي