السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.
أيها الأحبة في الله، أهلاً وسهلاً بكم في الدرس الثالث من دروس مادة العقيدة بأكاديمية زاد. يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 1]. في هذه الآية أيها الأحبة في الله بيان مصادر التلقي، ما هي المصادر التي نتلقى منها ديننا ونتلقى منها عقيدتنا؟ في هذه الآية بيان منهج التلقي، كيف نتلقى عقيدتنا من هذه المصادر؟ في هذه الآية كذلك بيان كيفية تنفيذ هذه الأوامر وهذه النواهي وكيفية العمل بهذا الدين. وفي هذه الآية منهج التزكية، كيف تزكي قلوبنا ونصلح ونهذب جوارحنا؟
انظروا لهذه الآية العظيمة، ينادينا الله سبحانه وتعالى في هذه الآية باعظم نعمة انعم الله عز وجل بها على الإنسان. أعظم نعمة هي نعمة الهداية للإسلام والإيمان، فقال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، بهذه النعمة نقلنا الله عز وجل من الموت إلى الحياة، وبهذه النعمة أخرجنا الله من الظلمات إلى النور. قال الله عز وجل: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 122].
الكافر في ظلمة وإن كان يعيش بين الأنوار، الكافر ميت وإن كان قلبه ينبض بالحياة، فإذا كان في قلب الإنسان الإيمان كان هذا الإنسان حياً مستنيراً. ينادينا الله سبحانه وتعالى بأعظم نعمة أنعم الله بها علينا وهي نعمة الهداية للإسلام والإيمان، أن يكون طريق تلقينا من مصادر العقيدة بدون تقدم مصادر التلقي. من هذه الآية تعال نلاحظها، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، إذاً مصادر التلقي عندنا نتلقى أمور ديننا من الله جل جلاله ومن رسوله صلى الله عليه وسلم، هذه مصادر التلقي من القرآن ومن السنة.
القرآن نحن نعتقد ولا نشك في ذلك أن هذا القرآن هو كلام الله عز وجل، تكلم به سبحانه وتعالى، وسمع جبريل عليه السلام كلام الله سبحانه وتعالى من الله وأنزله على محمد صلى الله عليه وسلم. جبريل أتى بهذا الكلام من الله سمعه من الله، ثم بلغه رسولنا صلى الله عليه وسلم، ورسولنا صلى الله عليه وسلم بلغ إلينا كلام الله جل جلاله، هذا هو القرآن. هذا القرآن أمرنا باتباعه، وأمرنا الله عز وجل أن نتبع ما فيه، نتلقى منه أمور العقيدة، أمور الخبر نؤمن بها من غير شك، وأمر الطلب نمتثل بلا شرك. قال الله عز وجل: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 3].
نحن نعتقد أن كل ما في هذا القرآن حق، وكل ما فيه حق وصدق، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾ [النساء: 87]، ومن أصدق من الله قيلاً. وبالتالي نحن نعتقد أن كل ما في هذا القرآن لكونه كلام الله كل ما فيه حق وصدق وعدل، ونعتقد أن هذا القرآن قد حفظه الله سبحانه وتعالى تكفل بحفظه، فلا زيادة فيه حرف ولا فيه نقصان حرف. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9].
هذا القرآن نعتقد أنه الحكم الفصل في جميع أمورنا، كما قال الله عز وجل: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [الأنعام: 114]. أفغير الله أبتغي حكماً؟ لا، لا نبتغي غير الله عز وجل حكماً، فهذا القرآن هو الحكم. هذا القرآن فرقان، فرق الله به بين الحق والباطل، كما قال الله عز وجل: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 1].
هذا القرآن هو المرجع عند حصول النزاع وعند حصول الاختلاف، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 10]. هذا القرآن نعتقد أنه قول فصل ليس بالهزل، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ * وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾ [الطارق: 13-14]. هذا مصدر نتلقى منه ديننا كلام الله عز وجل.
ونتلقى كذلك أمور ديننا من سنة النبي صلى الله عليه وسلم، فكل ما ثبت عن نبينا صلى الله عليه وسلم من قول أو فعل أو تقرير فإن هذا الأمر يعتبر من سنة نبينا صلى الله عليه وسلم. والله عز وجل قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: 7]. والله عز وجل قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: 44]. فالنبي صلى الله عليه وسلم قد بين لنا كلام الله عز وجل، وقد فصل لنا في سنته صلى الله عليه وسلم أمور القرآن. قال صلى الله عليه وسلم: «عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي، تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ».
مصادرنا الوحي الإلهي كتاب الله وسنة النبي صلى الله عليه وسلم، وإجماع الصحابة وإجماع أئمة القرون الثلاثة المفضلة. نحن نعتقد أن هذا الاجماع لا يخلو من نص، فالإجماع كذلك مصدر من مصادر التلقي، نتلقى من هذه المصادر أمور ديننا أيها الأحبة في الله. نحن نعظم هذا الأمر تعظيماً كبيراً، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، إذاً المصادر عندنا هو الله سبحانه وتعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم. سنكمل بعد هذا الفاصل كيفية تلقي أمور عقيدتنا من خلال كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، فاصل ثم نعود إليكم مرة أخرى.
كلمات قصيرة تحمل بين طياتها تنبيهاً وتحذيراً خطيراً، وتوجه حواسنا ومداركنا إلى دورنا الحقيقي الذي سنحاسب عليه، كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. فمن أهم أدوارنا الجديرة باهتمامنا في هذه الحياة التركيز على مسؤوليتنا تجاه رعيتنا. فالآباء والأمهات لهم الأثر الأعظم بعد الله في مستقبل الأبناء والاجيال، لذلك خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر فقال: «والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها».
إن الأبناء زهرة الحياة وقرة أعين الآباء والأمهات، وبصلاحهم ودعائهم ترفع الدرجات في الآخرة. ولكن يجب أن ندرك أن ذلك مرهون بحسن تربيتهم وصلاح نشأتهم، فهنا كان لزاما علينا البحث عن أبرع الطرقات وأفضل الأساليب في التربية والتوجيه، ليكون أبناؤنا في قابل أيامهم مصدر بر وسعادة لنا، وسواعد خير وبناء للمجتمع والإنسانية.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أيها الأحبة في الله، عدنا لكم بعد الفاصل، وقد توقفنا عند كلامنا عن قول الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، فمصادر التلقي عندنا لامور الدين من الوحي الإلهي، من كلام الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
لاستطلاع مجال المعرفة، عندنا مجالات كثيرة؛ هناك مجال يتعلق بامور الغيب، بالامور المتعلقة بالله بملائكته بكتبه برسله باليوم الآخر بالقضاء والقدر، هذه أمور عقدية. أيضاً أمور تتعلق بالشريعه، كيف نصلي؟ كيف نصوم؟ كيف نزكي؟ كيف نحتكم فيما بيننا؟ كيف نتعامل مع أنفسنا، مع المسلمين، مع غير المسلمين؟ كيف نقيم دولة؟ هذه أمور تسمى شريعة.
أمور الدين موقوفه على كتاب الله وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم، هذا المجال من مجالات المعرفة هو أمر توقيفي نحن نعتمد فيه على كتاب الله وعلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم. سنبين أنه يمكن بالفطره ويمكن بالعقل نصل إلى هذه الامور، لكننا نصل لها على وجه الإجمال لا على وجه التفصيل. أما هناك مجالات لمعرفة تتعلق بأمور الدنيا، هذه نعتمد فيها كذلك على الحس، على التجربة، على العقل، على الوجدان، هذه أمور وسائل الوصول إلى معرفتها.
فننحن في ديننا الإسلامي بحمد الله، مجال معرفتنا مجال الغيب ومجال الشهادة، ولنا طرق. مجال الدين نعرف به مجال الغيب ومجال ما أمرنا الله عز وجل به، ومجال الشهادة نعرفه من الوحي؛ الوحي جعل لنا ضوابط فيه، ونعرفه كذلك بالحس والتجربة وبالعقل ونحو ذلك.
فهذا بحمد الله عز وجل، إذاً مصادر التلقي عندنا لأمور ديننا وأمور عقيدتنا: الكتاب والسنة. كيف نتلقى ذلك؟ قال الله عز وجل: ﴿لَا تُقَدِّمُوا﴾، نحن نجعلهم بشكل أوسع، هذا كلام الله، هذه تحدثنا عنها في المرة الماضية نعود إليها باختصار. قلنا هذا الوحي الإلهي هو كلام الله؛ إما أن يكون خبراً وإما أن يكون طلباً. الله عز وجل أخبرنا بأمور ثبوتية وأمور منفية كما ذكرنا في المرة الماضية، قل هو الله أحد إبات، الله الصمد إبات، لم يلد ولم يولد نفي، ولم يكن له كفواً أحد نفي.
نحن نستمع إلى خبر الله لا يسعنا إلا التصديق، كلمة أعظم من التصديق نقول الإيمان. كيف نتلقى كلام الله الخبري؟ نتلقاه بالإيمان، فنؤمن بكل ما أخبرنا الله عز وجل به في كتابه أو في سنة نبيه صلى الله عليه وسلم من أمور العقيدة نفياً أو إثباتاً، نؤمن بذلك بلا شك، هذه طريقتنا في ماذا؟ في تلقي أمور العقيدة. في تلقي أمور الشريعة: قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُم﴾، قال الله عز وجل: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً﴾، طلب الله عز وجل منا فعلاً أو تركاً، فنحن ونحن نستمع إلى ما طلبه الله عز وجل منا فعلاً أو تركاً فلا يسعنا إلا الامتثال، نمتثل لكل ما طلبه الله عز وجل منا فعلاً أو تركاً من غير شرك في ذلك.
هذا الموقف بشكل إجمالي في المرة الماضية أيضاً دخلنا في شيء من التفصيل، لكن عند آخر الأشياء كنا أسرعنا فيها قليلاً، نعود إليها مرة أخرى. ما هو الموقف؟ كيف نتلقى أمور عقيدتنا من كتاب الله ومن سنة نبيه صلى الله عليه وسلم؟ ما يتعلق بالإيمان بالله، بالملائكة، بالكتب، بالرسل، اليوم الآخر، بالقدر، ما يتعلق بأعمال القلوب من الإخلاص، والمحبة، والخوف، والرجاء، والتوكل، والرضا، واليقين، والصبر، وغير ذلك من أمور العقيدة، كيف نتلقاها؟ نؤمن بالصحيح. أذكر مرة أخرى: القرآن كله حق، وكله صدق، وكله ثابت بحمد لله.
السنة النبوية نحن نؤمن بما صح عن رسولنا صلى الله عليه وسلم. كيف نبحث في صحة الحديث؟ نبحث فيه من ناحية السند ومن ناحية المتن، ليس من ناحية السند فحسب بل من ناحية المتن أيضاً، فنبحث في صحة الحديث، فإذا صح الحديث عندنا والقران ثابت عندنا، إذا كان هذا النص في القرآن أو السنة فإننا نؤمن به. نؤمن به بفهم صحيح، لا نفهمه فهماً خاطئاً ثم نؤمن به، لا يكون الاشكال عندنا في الفهم.
وقلنا طريقتنا في فهم القرآن والسنة: نفهم القرآن بالقرآن، نفهم القرآن بالسنة، نفهم السنة بالقران، نفهم السنة بالسنة، نفهم القرآن والسنة بلغة العرب. كيف نعرف أن فهمنا لكلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم فهماً صحيحاً؟ ما هو الضابط؟ ألا يعارض فهمنا فهم سلفنا الصالح. السلف الصالح: من المراد بهم؟ المراد بهم الصحابة وأئمة القرون الثلاثة المفضلة ممن لم يعرفوا بدعة.
هؤلاء نحن لا ناتي بفهم للقران والسنة يضاد فهمهم، يضاد فهمهم، فعندنا ضابط: إذا كان سلفنا الصالح جميعاً، الصحابة وأئمة القرون الثلاثة المفضلة، فهموا الملائكة أنها مخلوقة لله عز وجل، مخلوقة من النور، وأنها وجودها وجود حقيقي، لكن الله سبحانه وتعالى غيبهم عنا، ما يأتي شخص ويقول: الملائكة إذاً هي رمز مثلاً للخير وليست حقيقية، هذا ما يجوز، هذا الفهم هذا كفر عياذاً بالله، أو ياتي شخص يقول: الجن جراثيم، لا. نحن نفهم أمور عقيدتنا الفهم الصحيح، ونضبط فهمنا لأمور العقيدة بفهم سلفنا الصالح، لنعلم يا إخوان أن أي فهم لامور الدين يضاد ما فهمه سلفنا الصالح من الدين، فآتينا بفهم مضاد لهم، فلنعلم أن هذا الفهم وأن هذا الامر الذي نريد أن نعتقده ليس من دين الاسلام، قاعدة يجب أن تكون لدينا واضحة: ما لم يكن في عهد الصحابة وفي عهد أئمة القرون الثلاثة المفضلة ما لم يكن من الدين فهو اليوم ليس من الدين، يكون هذا عندنا قاعدة ولا نخاف من ذلك.
نؤمن بالصحيح بفهم صحيح بنظر صحيح. ما هو النظر الصحيح؟ يعني ننظر للنصوص، انتبهوا معي المسائل العقدية التي أمرنا بالايمان بها وباعتقادها التي تحتاج إلى أدلة عقلية، جاءت تلك المسائل مقرونة بأدلتها العقلية؛ وجود الله، نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، امور البعث، كثير من امور القضاء والقدر، هذه الامور قد جاءت بأدلتها العقلية بأجمل الطرق وأوعاها وأيسرها وأبسطها. فننظر إلى الوحي الإلهي نظرة صحيحة أنه فيها أدلة عقلية، ونؤمن وهذا سنفصل فيه في لقاء مهم، نؤمن أنه لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون في عقيدتنا ما يخالف العقل السليم أبداً، لا نشك في ذلك، لا يأتي شخص ويقول لنا يوجد في عقيدتنا ما يخالف العقل السليم لكن أمرنا به لكونه من الأمور الغيبية، لا، ليس ديننا كدين النصارى عياذاً بالله يقولون: الإله واحد لا شريك له وهو الأب والابن وروح القدس، والأب له وظائف والابن له وظائف وروح القدس له وظائف، وكل منهم منفصل عن الآخر إله واحد لا شريك له، فيقولون: دع عقلك واتبعنا.
نحن ليس عندنا في الدين الإسلامي هكذا دع عقلك واتبعنا، يوجد في عقيدتنا ما يحار فيه العقل السليم لكونه من الأمور الغيبيات، وسنفصل ذلك بإذن الله جل جلاله، وهناك فرق بين يحار فيه وبين يقول عنه مستحيل. إذاً ننظر إلى هذا الوحي الإلهي بنظرة صحيحة: إذا كان هذا الخبر صحيحاً فهمناه فهماً صحيحاً، نظرنا له نظرة صحيحة، نؤمن به بلا شك، وهنالك هذه الآية: ﴿وَلَا تُقَدِّمُوا﴾، لا تقدموا أنفسكم، آراءكم، أهواءكم، يعني لا تتقدموا أنتم بأنفسكم بأرائكم بأهوائكم ولا تقدموا غيركم، الشيوخ مع العلوم والحضارات على كلام الله وعلى كلام رسوله صلى الله عليه وسلم.
وضحنا في المرة الماضية أننا نحن إذا كان ثبت عندنا هذا الخبر ووصلنا هنا: لا تقدم، خلاص أمر النبي بلا شك، ثم بعد ذلك يصبح هو الميزان، فيأتي علم الكلام، تأتي الفلسفة، تأتي الحضارة الغربية، تأتي الآراء، تأتي الاذواق، تأتي المواجيد، يأتي كلام الشيوخ، يأتي كل شيء نضعه في الوحي الإلهي، طالما هذا الأمر يتعلق بالدين فضعه في الوحي الإلهي، فما قبله الوحي الإلهي تجاوز ذلك ووضع عليه علامة صح قبلناه، ما رفضه الوحي الإلهي رفضناه.
لكن غيرنا من أهل البدع، أصحاب المنهج المخالف لهذا المنهج الذي تكلمنا عنه، يجعلون علم الكلام هو الفرشة ويضعون كلام الله وكلام رسوله فيه، فما قبله علم الكلام قبله، وما رفضه علم الكلام نظروا إليه، إن كان قرآناً أولوه أو فوضوه، إن كان حديث آحاد رفضوه، وإن كان حديثاً متواتراً أولوه أو فوضوه، إذاً أصبح تقدم ولا ما تقدم؟ وكذلك أصحاب علم الكشف، كذلك أصحاب علم الفلسفة، كذلك أصحاب الحضارة الغربية، يجعلون الوحي الإلهي موزوناً لا ميزاناً، وهذا هو الفارق، هذا الفارق بيننا وبين غيرنا من أهل البدع في منهج التلقي، نحن لا نتقدم على كلام الله.
ثم بعد ذلك نحن آمنا بالصحيح بفهم صحيح بنظر صحيح بلا شك ولا تقدم، ثم نؤمن به على ظاهره الذي أراده الله سبحانه وتعالى وأراده رسوله صلى الله عليه وسلم، لا نلحد في هذا الخبر الإلهي، لا نلحد يعني نأتي بمعنى غير المطلوب منه، فنتسلط عليه إن كان في باب الأسماء والصفات بالتحريف، بالتكييف، بالتمثيل، بالتعطيل، لا يصلح هذا. أولئك الذين خالفوا في هذا المنهج تسلطوا على هذا الوحي الإلهي عندما لم يوافق علم الكلام، عندما لم يوافق علم الكشف والذوق، عندما لم يوافق الحضارة الغربية، تسلطوا على هذا الوحي الإلهي بأنواع من التحريف، بأنواع من التكييف والتمثيل والتعطيل.
أيها الأحبه في الله، هذا المنهج يجب أن يكون واضحاً عندنا. من أعجب الأمور أن بعض الناس مثلاً يأتي بمصطلحات: مصطلح جوهر، مصطلح عرض، مصطلح جسم، هذه مصطلحات.
يونانية، ثم يقول: نحن أثبتنا وجود الله سبحانه وتعالى عن طريق هذه المصطلحات، فقلنا: العالم مكون من جواهر وأعراض، فلا بد أن يكون خالق هذا العالم لا جوهر ولا عرض. وأثبتنا أن الأعراض حادثة لكونها يحدث لها تغير، وأن الجواهر لا تخلو من الأعراض، والأعراض حادثة، وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، إذا الجواهر حادثة. إذا الجواهر والأعراض حادثة، فلا بد لها من محدث، ومحدث العالم لا تحل به، ليس بجوهر ولا عرض ولا جسم ولا تحل به.
هذا الكلام يضعه بعد ذلك ميزان: ﴿وَٱلرَّحۡمَٰنُ عَلَى ٱلۡعَرۡشِ ٱسۡتَوَىٰ﴾ [طه: 5]، فيقول: صفة الاستواء على العرش هذه، ثم استوى على العرش، إذا صفة حادثة! هل يجوز نقول الله سبحانه وتعالى مستوٍ على عرشه؟ قال: استغفر الله، استغفر الله، لا يجوز ذلك! لماذا؟ قال: لأن علم الكلام يمنع ذلك، علم الكلام يمنع ذلك! الله سبحانه وتعالى في سبعة مواضع يصف نفسه بأنه استوى على العرش، ولا يوجد موضع منها أنه فسر الاستواء بالاستيلاء. الله عز وجل ينسب إلى نفسه الاستواء على عرشه، وأنت تقول: لا نصف الله بالاستواء على العرش، نقوم بتأويل ذلك! أنت أعلم بالله سبحانه وتعالى منه؟! أنت أفصح من رسولنا صلى الله عليه وسلم عندما عبر عن الله بأنه مستوٍ على عرشه؟! لا يجوز مثل هذا الكلام.
فلا يجوز بسبب هذه المصطلحات المجملة المحتملة للحق والباطل أن نحرف كلام الله وكلام رسوله، نعكس نقول: الاستواء على العرش، ماذا يقصد بالاستواء على العرش؟ ماذا تقصد بالحوادث؟ إن كان تقصد بالحوادث المخلوقات، فالله لا تحل بالمخلوقات. وإن كان تقصد بالحوادث صفات الله الفعلية، فالله تقوم به صفاته الفعلية، ويقوم به صفة الاستواء على العرش، ولا يكون هذا الأمر فيه أثر على الخالق سبحانه وتعالى من ناحية أنه هو الأول الذي ليس قبله شيء، وأنه لا تحل به المخلوقات سبحانه وتعالى.
هذا هو منهجنا أيها الأحبه أمام خبر الله، أمام خبر الله هذا هو منهج التلقي في ديننا. سناخذ منهج التنفيذ إن شاء الله بعد هذا الفاصل، وسنجعلكم تستريحوا قليلا، ثم نواصل بعد هذا الفاصل، جزاكم الله خيرا.
كيف عاملهم صلى الله عليه وسلم؟ كيف عامل زوجاته، أقاربه، جيرانه، المسلمين الجدد، الفقراء، كبار السن؟ إذا اردت أن تعرف كيف عامل هؤلاء صلى الله عليه وسلم، ستجد هذا وأكثر في مجلد واحد، عرض جديد للسيرة من جوانب التعاملات النبوية الشريفة، أبيات شعرية تلخص كل باب من إصدارات مجموعة زاد، كتاب: كيف عاملهم صلى الله عليه وسلم للشيخ محمد صالح المنجد، قناة زاد العلمية.
أشهد أن لا إله إلا هو وحده لا شريك له في كل وقت. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته أيها الأحبة في الله، عدنا لكم بعد هذا الفاصل القصير، ونعود مرة أخرى إلى ما ابتدأنا به هذا الدرس، قول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 1].
قلنا: بين يدي الله ورسوله هذه مصادر التلقي، لا تقدموا هذا منهج التلقي، واتقوا الله هذا منهج التنفيذ سنتحدث عنه في هذا القسم الأخير من هذا الدرس، إن الله سميع عليم هذا منهج التزكيه.
أيها الأحبة في الله، منهج التزكيه درجة الإحسان، درجة إصلاح القلوب وتهذيب السلوك. الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 181]. استشعروا رقابة الله سبحانه وتعالى عليكم، اعبدوا الله كأنكم ترون الله أمامكم، فإن لم تستطيعوا فاستشعروا أن الله سبحانه وتعالى سميع لكلامكم، إن الله عليم بسلوككم، مطلع على حركاتكم وسكناتكم. قال الله عز وجل: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ [يونس: 61].
بالله إذا استشعر الإنسان هذا الأمر، كل عمل يقوم به: قراءة للقرآن، حديث مع شخص، صلاة، صدقة، كل عمل يقوم به وهو مستشعر أن الله عز وجل مطلع عليه. يا إخوان، إذا كان الله سبحانه وتعالى مطلع على تساقط الورقة من على الشجرة في فصل الخريف تسقط الورقة على الأرض والله ما تسقط إلا في علم الله، ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا﴾ [الأنعام: 59]. يا إخوان، إذا كانت النملة التي تأخذ حبة السكر من مكان وتنقله إلى مكان، لا تفعل ذلك إلا والله عز وجل مطلع على حركتها، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا﴾ [هود: 6]. إذا كانت الأوراق الساقطة الله عز وجل يعلم سقوطها، وإذا كانت الدواب السارحة الله عز وجل مطلع على تنقلاتها وهي ليست مكلفة، فكيف بعلم الله سبحانه وتعالى بالمكلف؟! ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ * الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ * إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الش شعراء: 217-220].
يا إخوان، ما وقع من وقع في المعاصي والمنكرات إلا بسبب غفلته عن استشعار رقابة الله عز وجل عليه، يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطا. لما نسوا نسبوا وهو معهم ونسوا وكان الله بما يعملون محيطا كادوا للإسلام وأهله، ﴿وَلَا يَزْنِي الزَّانِي حِينَ يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَسْرِقُ السَّارِقُ حِينَ يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾. في هذه اللحظة يرتفع عنه الإيمان كالظل، يغفل عن رقابة الله سبحانه وتعالى فيقع فيما يقع فيه من المعاصي والمنكرات. قال الله عز وجل: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].
القرآن الوحي الإلهي أتى لنا بمنهج في تزكية نفوسنا، في تزكية القلوب: إخلاء القلب من جميع النيات الخبيثة، من الشرك، من النفاق، من الرياء، من إرادة الدنيا بالأعمال الصالحة، من الكبر، من الحسد، من الحقد، من البغضاء. عندنا منهج واضح في تطهير القلب من هذه النيات الخبيثة.
وعندنا منهج واضح في ملء القلب بالنيات الطيبة، ملء القلب جل جلاله، ملء القلب بالإيمان بالله جل جلاله، ملء القلب بحب الله والخوف من الله من وعيد الله، الرجاء فيما عند الله، ملء القلب بالرضا واليقين والصبر والتوكل، ملء القلب بأعمال القلوب الواجبه، ملء القلب بمحبه المؤمنين والتواضع لهم، ملء القلب بمثل هذه النيات الطيبة. هذا منهج عندنا واضح.
وعندنا منهج واضح في تعديل السلوك، كف هذه الجوارح عن الشرك بالله وعن الكبائر، والعمل بهذه الجوارح في توحيد الله وفي طاعة الله وفي المستحبات وفيما يعود علينا بالنفع من أمور الدنيا. لدينا منهج واضح في التزكية وتزكيتها لأنفسنا من خلال الوحي الإلهي، تزكية لا غلو فيها ولا تفريط فيها، إنما هو منهج واضح.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [البقرة: 189]، هذا يبين لنا ما هو المنهج الذي ينبغي لنا أن نقوم به في تنفيذ ما طلبه الله سبحانه وتعالى منا فعلا أو تركا. أولا: نحن نمتثل الصحيح، أيضا هذا الكلام مهم، الصحيح ما كان في كلام الله وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلا ناتي للأحاديث الموضوعة المكذوبة ثم نقوم ونتسلط لا، لا نمتثل إلا ما صح كلام الله وما صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. فنمتثل الصحيح بفهم صحيح، وهذا الأمر مهم، ونجتهد في فهم كلام الله، ما طلبه الله عز وجل منا فعلا أو تركا، نجتهد أن نفهمه الفهم الصحيح، وكما ذكرنا في أمور العقيدة كذلك في أمور الشريعة.
أن نفهم كلام الله عز وجل وكلام رسوله، الأوامر أن نفهمه بفهم لا يعارض ما فهمه سلفنا الصالح، فلا نخالف الإجماع: ﴿وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا﴾ [النساء: 115]. نحن نهتم بأن يكون فهمنا مستنيرا بفهم سلفنا الصالح، بنظر صحيح، بنظر صحيح، أن هذه الشريعة.
انتبهوا، هل يمكن يا إخوان أن يكون في شريعتنا ما أمرنا الله عز وجل به أو نهانا الله عز وجل عنه، هل يمكن أن نجد في شريعتنا ما يخالف مصالح الناس؟ هل يمكن أن يكون في شريعتنا ما
يخالف ما يخالف العقول السليمة، يكون هناك أمر تستقبح العقول السليمة، يكون هناك نهي تستحسنه العقول السليمة؟ أبداً يا إخوان، لا يمكن بأي حال من الأحوال ﴿مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: 2]. هنا عقيدة يا إخوان، عقيدتنا في شريعتنا أنها جاءت لتحقيق المصالح للناس، لتحقيق مصالحهم في الدنيا روحاً وبدناً، لتحقيق مصالحهم فرداً وجماعات، هذا الأمر لا شك عندنا فيه، ويجب أن يكون عندنا عقيدة في أمر شريعتنا أنها جاءت لتحقيق مصالح الناس، وأن ما في شريعتنا موافق لما في الفطر المستقيمة، وموافق لما تأتي به العقول السليمة.
قد يقول قائل: علي رضي الله عنه قال: لو كان الدين بالرأي لكان مسح الخف من أسفله أولى من أعلاه. فيقول: يعني لا يوجد أشياء تخالف العقل السليم، لكن نحن أمرنا بها من باب الامتثال؟ لا يمكن البته. وعلي رضي الله عنه يمكنهم يفهم كلامه كالتالي: لو ترك الناس وآرائهم لكلف أنفسهم ما يشق عليهم، فالإسلام جاء مسح الخف من أعلاه، لو ترك الناس وآرائهم لرأوا أن الأولى بالمسح الأسفل، ومسح الخف من أسفل أشق، فلو ترك الناس وآرائهم لكلف أنفسهم بما لا يشق. انتبهوا يا إخوان، شريعتنا على ثلاثة أقسام: القسم الأول من الشريعة ما هو واضح الحسن عقلا فجاء الشرع فأمر به، وما هو واضح القبح عقلا فجاء الشرع فنهى عنه. مثال الأول: التوحيد وبر الوالدين والصدق والأمانة، ومثاله الثاني: الشرك بالله وعقوق الوالدين ونحو ذلك. وأغلب الشريعة بهذا الشكل واضحة تماماً حسنها، وواضح تماماً ما نهى عنه الشرع قبحها.
هناك قسم ثاني يا إخوان يسمى من الشريعة ما حكمته تعبدية، فما يأتي الناس بآرائهم ويقولون: لو كان كذا لكان أفضل. نطوف بالبيت سبع أشواط، طريقة الوضوء كما معروفة، الفجر ركعتين الظهر أربع ركعات العصر أربع ركعات المغرب ثلاث، ما يأتي شخص ويريد أن يغير في هذه الأمر ويقول: كان أفضل كذا، بل هذا العدد في هذا الوقت بهذه الكيفية من هذا الجنس في هذا المكان هو يحقق الطهارة والتزكية ولا نشك في ذلك البته، وهو كذلك يحقق مصلحة الناس ويسعدهم روحا وبدنا. هذا الأمر يجب أن يكون عندنا عقيدة. نعود مرة أخرى يا إخوان، قلنا نمتثل الصحب بفهم صحيح بنظر صحيح، فننظر لشريعتنا بهذه العزة أنها تحقق المصلحة، وأنها موافقة للعقول السليمة الفطر المستقيمة، وهكذا نمتثل ذلك بلا شرك، لا نشرك بالله سبحانه وتعالى.
كل قول انتبهوا، وكل فعل ثبت في الكتاب والسنة أن الله أمر به أو حث على فعله أو مدح فاعله فهو عبادة، فنتقرب به إلى الله جل جلاله بدون شرك في ذلك، وهذا هو التوحيد، وصرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله هذا هو الشرك والتنديد، فنحن نفعل ذلك مخلصين لله سبحانه وتعالى. هذه عقيدة: صلاتنا تكون خالصة لوجه الله، برنا لوالدين خالص لوجه الله، جميع طاعاتنا التي نريد الثواب عليها يجب أن تكون خالصة لله سبحانه وتعالى، ولا اعتراض.
ما ناتي لهذه أمور الشريعة الأوامر والنواهي فنعترض عليها، لا نعترض عليها بالعادات، لا نعترض عليها بالأعراف، لا نعترض عليها بالسياسات، لا نعترض عليها بالأموال، لا نعترض عليها برغبة الأهل والأبناء، لا نعترض على شريعتنا بشيء، لا بكلام عباد ولا بكلام علماء ولا بكلام رؤساء ولا بكلام شيوخ، لا نعترض على شريعتنا طالما تأكدنا من هذه الأمور فلا نعترض عليها، نأخذها بانشراح صدر، ولا غلو في ذلك فنجاوز الحد فنقع في الانحراف، ولا في ذلك بجفاء فنقص تقصيراً كأننا لم نأتي بالأمر فيكون ذلك انحرافاً، بل نأتي بها كما شرعه الله، كما طلبه الله عز وجل منا، وككما امتثله رسولنا صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام. ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَن تابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ [هود: 112].
إذاً هذه الآية نختم بها مرة أخرى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [الحجرات: 1] نادانا الله بالإيمان ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1] الله ورسوله مصادر التلقي، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ [الحجرات: 1] منهج التنفيذ ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 1] منهج التزكية. أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يجعلني وإياكم من المخلصين لله، المتبعين لرسول الله صلى الله عليه وسلم، الملتزمين بمنهج السلف في المصادر، بمنهج السلف في التلقي، بمنهج السلف في التنفيذ، بمنهج السلف في التزكية. واستودعكم الله، وأذكركم لا تنسوا في نهاية كل أسبوع أن يدخل كل واحد منكم إلى ملفه ليجيب عن أسئلة الدرس، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.
يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان وتريد سهلاً نوال ميسراً ياتيك ميسوراً بأي مكان زاد اكاديمية ينبوعها صاف صاف ليروي غلة الظمآن هذه عقيدتنا الصحيحة فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهان بشرى لنا زاد اكاديمية للعلم كالازهار في البستان
د. أبو زيد مكي القبي