تسجيل الدخول

المحاضرة 5 - مقارنة بين أهل السنة والجماعة وغيرهم

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

يا راغبا في كل علم نافع، ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته ومعه نطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية زاد، زاد أكاديمية ينبوعها صافٍ ليروي غلة الظمآن. هذه عقيدتنا الصحيحة فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهان. بشرى لنازح أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.

وبعد؛ أيها الإخوان في الله، درس اليوم وهو الدرس الخامس من مادة العقيدة في أكاديمية زاد عن أبرز صفات أهل السنة والجماعة المتعلقة بالنصوص الشرعية، مقارنة مع صفات أهل البدعة والضلال.

أيها الأحبة في الله، اليوم سنأخذ المقارنة من ناحية الموقف من النصوص الشرعية في أربعة أمور: الأمر الأول من ناحية التعظيم والتسليم، الأمر الثاني من ناحية العمل بجميع النصوص، الأمر الثالث من ناحية الأحكام والتشابه، وهذه الأمور بمشيئة الله سنأخذها، وأيضاً موقف العقل والنصوص الشرعية.

إذاً سنأخذ بمشيئة الله من ناحية تعظيم النصوص، من ناحية العمل بجميع النصوص، من ناحية الأحكام والتشابه، من ناحية العقل والنصوص الشرعية.

نبدأ بالتعظيم للنصوص الشرعية: أهل السنة والجماعة ينطلقون في موقفهم من النصوص الشرعية أنها كلام الله سبحانه وتعالى، وأحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وحي من الله، لذلك عندهم هذا الوحي كلام الله كلام رسوله صلى الله عليه وسلم عظيم، فيعظم ذلك في نفوسهم.

فإذا جاءهم الخبر عن الله وعن رسوله آمنوا وسلموا، إذا جاءهم الطلب عن الله وعن رسوله امتثلوا، فلديهم التعظيم والتسليم للنصوص الشرعية. بخلاف أهل البدعة والضلال، عندهم ضعف في هذا الجانب، بل عندهم استهانة -عياذاً بالله- بالنصوص الشرعية، بل قد يصل بهم الامر إلى ردها، وردها ردا صريحا.

فإذا كانت النصوص الشرعية تتعلق بحديث آحاد ردوها إذا كانت تخالف معتقداتهم، ولا يعظمون النصوص الشرعية في أخذ العقيدة منها، وهي لا تعتبر عندهم مصدراً من مصادر تلقي العقيدة، إنما يستأنس بها في أمور العقيدة، وبعضهم يجعلها في الأمور المتعلقة اليوم الآخر أو ما يسمونه بالسمعيات وهكذا.

عندهم بالنسبة للنصوص الشرعية للأسف الشديد الاستهانة بهذه النصوص الشرعية، فيردون ما استطاعوا رده إذا كان من حديث الآحاد. أما إذا كان قرآناً أو كان متواتراً وكان هذا الامر مخالفا لما عندهم من الأصول التي بنوا عليها عقيدتهم، فإنهم يتسلطون على النصوص الشرعية بالتحريف، ويسمون هذا التحريف تأويلاً، وهو في الحقيقة إلحاد في كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم.

أيها الأحبة في الله، كان سلفنا الصالح إذا سمعوا كلام الله وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم في باب العقائد في باب الأخبار قالوا آمنا. جاءت أحاديث عن الإسراء عن المعراج، أن النبي صلى الله عليه وسلم أُسري به من البلد الحرام إلى بيت المقدس، من جوار الكعبة إلى بيت المقدس، أُسري به في ليلة واحدة وفي نفس الليلة عُرِج به إلى السماء.

لما أخبر المشركون بهذا الامر استعظموا وكذبوا، فأخبروا أباک الصديق رضي الله تعالى عنه فقال: هو قد قال؟ قالوا: نعم، قال: إن كان قال فقد صدق، فآمنت به.

هكذا نحن أيها الأحبة في الله؛ من تعظيم للنصوص الشرعية أن الأمور العقدية إذا حارت عقولنا فيها، فإننا نعظم هذه النصوص ونسلم بما فيها. جاءتنا الأخبار تتعلق بما يكون في القبر، وأن القبر يكون فيه إقعاد للإنسان في قبره، ويكون فيه أسئلة، وفيه منكر وفيه نكير، ثم بعد ذلك يتحول القبر إلى روضة من رياض الجنة أو إلى حفرة من حفر النار، نحن عندنا نعظم هذه النصوص ونؤمن بما فيها ونعتقد اعتقاداً جازماً أن هذا الأمر حق وواقع.

ما يكون في اليوم الآخر: قصرك أيها المؤمن في اليوم الآخر مُبدَع على أن تحته أربعة أنهار: نهر من لبن، ونهر من ماء، ونهر من خمر، ونهر من عسل، قصر عجيب نؤمن بذلك. نؤمن بأن الإنسان يخلد في اليوم الآخر خلوداً فلا موت، يبقى شاباً لا يكبر سنه، لا تبلى ثيابه ولا يفنى شبابه، ولا يصيبه المرض ولا ضجر ولا ملل، يتكئ اتكاء سبعين سنة ولا يتاثر، يأكل أنواع المأكولات، ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين، يأكل ثم الإخراج إنما هو جشاء ورشح كَرْشح المسك، نؤمن بذلك وتشتاق نفوسنا له.

وهكذا أيها الأحبة ما يتعلق بالملائكة، ما يتعلق بالكتب، ما يتعلق بالرسل، ما يتعلق بالقضاء والقدر، أهل السنة والجماعة يعظمون تلك النصوص الوارده في هذا الباب. وكذلك حتى في امور الطلب لأن عقيدة فيها نؤمن بها ونمتثلها دون أن نعترض عليها.

يا إخوان، إذا وصل الأمر إلى هذه الدرجة أنظر إلى درجة التنفيذ بعد ذلك فيها: هذا عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه تاتيه قافلة موقرة بأنواع البضائع والحمولات في وقت تكون المدينة في أمس الحاجة لتلك البضائع، ثم ياتيه التجار من كل مكان وهو يقول: هناك من أعطاني أكثر، هناك من أعطاني أكثر، ثم قالوا له، صاحوا به: نحن تجار المدينة من هذا الذي أعطاك أكثر؟ قال: الله، ففرق كلها في سبيل الله. هذا هو الإيمان يا إخوان.

أحد الصحابه في يده بضع تمرات ثم يسمع النبي صلى الله عليه وسلم يرغب في الجنة فقال: يا رسول الله، ليس بيني وبين الجنة إلا أن آكل هذه التمرات؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، قال: بخ بخ! فقيل له يعني لماذا تبخبخ بخ بخ؟ قال: إذا كان ما بيني وبين الجنة أن آكل هذه التمرات إنها لحياة طويلة، ثم ألقى بتلك التمرات وقذف بنفسه في أرض المعركة. إيمان يا إخوان، إيمان، هذا هو الإيمان الذي نتحدث عنه.

أحد الصحابة يضربه الكافر -بعد ذلك أسلم ويحكي هذا الخبر- يضربه الكافر ضربة بالسيف على هام رأسه ففلق هام رأسه فلقين، فيمسح الدم عن وجهه ثم يقول: فزت ورب الكعبة. هذا إيمان يا إخوان.

الصحابة كانوا في إحدى الغزوات وكانت لحوم الحمر الأهلية حلالاً فأكلوها، ثم جاء عمر بن الخطاب يخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن الظهر قد قل، أن الرواحل بدأ الناس يأكلونها في غزوة تبوك، فانزل الله سبحانه وتعالى على رسوله تحريم لحوم الحمر الأهلية، فارسل منادياً ينادي يقول أنس: والله لقد أكفئت القدور وإنها لتفور باللحم. هذه الاستجابة الاستجابة للطلب والقبول بالخبر، هذا كان منهج سلفنا الصالح مع النصوص الشرعية، انطلاقا من قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ۗ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب: 36].

ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا ۚ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: 51].

قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 1]. هذه شرحناها بالتفصيل.

قال الله عز وجل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].

أما أهل البدعة والضلال يا إخوان، يستهينون بالنصوص الشرعية ويسموننا حشوية، يعني أننا لا نفقه هذه النصوص ونؤمن بما فيها وإن كانت مخالفة لأصولهم العقلية.

الفرق الكلامية -وسيأتيك كلام عنهم بالتفصيل- يجعلون أصول هذه الأصول فيها ألفاظ من ألفاظ اليونان: الجوهر، العرض، الجسم، ونحو ذلك. ياتون لهذه النصوص ويجعلونها هي القواعد ثم يضعون الوحي فيها، فما قبلتها تلك القواعد العقلية قبلوه، وما رفضتها تلك القواعد العقلية رفضوه.

كذلك يا إخوان الفرق الصوفية يجعلون الكشف والوجد وكلام الشيوخ هو الأساس، ويعرضون الوحي عليه، فما وافقه قبلوه وما خالفه رفضوه. وكذلك الفرق الفلسفية، الفرق الباطنية تجعل الأصول الفلسفية هي الأساس ثم تضع كلام الله وكلام رسوله عليها.

هذه أمور يعني تحتاج إلى تفصيل، لكن هنا يعني تنبيه اريد أن أبين يا إخوان ما سر يعني تعظيم السلف الصالح للنصوص الشرعية ويسلمون لها؟ ناخذ مثلا في مسألة العقيدة، ناخذ الأسماء والصفات أولاً الكلام.

في باب الأسماء والصفات هو من باب الخبر، فهو خبر داير بين النفي والإثبات. إذن الخبر ينتقلون إليه جاءهم من أين؟ من الله سبحانه وتعالى، خبر من الله، الخبر من الله سبحانه وتعالى من الله، من رسوله، وهو خبر يدور بين النفي والإثبات. هذا الخبر يكون على ظاهره؛ ظاهره ماذا؟ ظاهره الذي أراده الله عز وجل وأراده رسوله صلى الله عليه وسلم، فهو خبر من الله، والله عز وجل ورسوله صلى الله عليه وسلم هم الذين يخبرون، يخبر الله عز وجل عن نفسه، ورسوله صلى الله عليه وسلم يخبر عن الله، فلا شك أن أخبارهم سيكون بأوضح بيان وأعظم بيان.

وبالتالي هذا الإخبار هو على ظاهره، لا يحتاج منا نحن أن نأتي بشيء غير الظاهر، لا، ما يظهر منه هو الذي أراده الله وأراده رسوله. ما هو هذا الظاهر؟ هذا الظاهر يكون من غير تمثيل؛ عندما يخبر الله عز وجل عن نفسه أنه سميع بصير عليم قدير حكيم، وأن له وجه، وأن له يدان، وأن له ساق سبحانه وتعالى، فالخبر على ظاهره بلا تمثيل؛ لأن الله ليس كمثله شيء، وننزه الله سبحانه وتعالى عن أن يكون مماثلاً للمخلوقات بتنزيه، وننزه الله سبحانه وتعالى عن النقص وعن العيب. ومعناه؛ له معنى، هذا المعنى نعلمه، هذا المعنى هو الذي نتربى من خلاله، أن الله سبحانه وتعالى سميع يسمع كلامنا، أنه بصير يبصر أعمالنا.

ونعلم أن كثيراً من هذا الخبر الذي جاء عن الله وعن رسوله صلى الله عليه وسلم أن العقل يدل عليه كذلك، لذلك هذا هو طريقتنا مع النصوص الشرعية في أمور العقيدة؛ خبر من الله فنحن نعظم ذلك ونسلم به، ونعلم أن هذا الخبر من الله على ظاهره، لكن ظاهره اللائق بالله جل جلاله بلا تمثيل، وننزه الله سبحانه وتعالى عن النقص وعن العيب، ونعلم معاني هذه الأسماء والصفات ونتربى من خلالها، ونعلم أن كثيراً مما ورد في القرآن والسنة من صفات الله سبحانه وتعالى يمكن إثباتها بالعقل أيضاً.

حياكم الله إايها الأحبة في الله، وعدنا إليكم بعد هذا الفاصل. وقفنا في اللقاء ما قبل الفاصل أن السلف الصالح يعظمون النصوص ويسلمون لها، فيؤمنون بما فيها من أخبار، ويمتثلون لما فيها من طلب، وأما أهل البدعة والضلال فإنهم يستهينون بالنصوص الشرعية.

ننتقل الآن إلى أمر ثاني يتعلق بالنصوص الشرعية؛ أن أهل السنة والجماعة يعملون بجميع النصوص الشرعية، فيجمعون بينها. يجمعون بين النصوص الشرعية؛ مثال: النصوص التي جاءت في الوعيد يعملون بها، والنصوص التي جاءت في الوعد يعملون بها. نصوص الوعيد بمعنى أن الله سبحانه وتعالى توعد أصحاب الكبائر بالنار فيعملون بذلك، ونصوص الوعد أن الله وعد من أاتي بالتوحيد أنه يغفر له ما دون الشرك، يغفر له تلك الكبائر، هذه نصوص الوعد، فيعملون بنصوص الوعيد ويعملون بنصوص الوعد، وأن أصحاب الكبائر متوعدون بالنار، ويوم القيامة يكونون تحت مشيئة الله؛ إن شاء عفا عنهم (هذه نصوص الوعد) وإن شاء عذبهم (هذه نصوص الوعيد) لكن أنهم لا يخلدون في النار؛ لأن الله عز وجل قد وعدهم بالجنة، لكنهم ليسوا محرمين على النار، بل قد يعذبون بحسب كبائرهم في نار جهنم، فعملوا بالنصوص جميعاً بنصوص الوعد ونصوص الوعيد.

أما أهل البدعة والضلال فلا يؤمنون ببعض النصوص، فيؤمنون بنصوص الوعيد كالخوارج والمعتزلة، أو يعملون بنصوص الوعد كالمرجئة، المرجئة تعمل بنصوص الوعد وتهمل نصوص الوعيد، والخوارج والمعتزلة تعمل بنصوص الوعيد وتهمل نصوص الوعد.

وأهل السنة والجماعة يعملون بجميع النصوص؛ مثلاً النصوص الواردة في القضاء والقدر؛ هناك نصوص تثبت أن للعبد مشيئة واختيار، وهناك نصوص تثبت أن كل ما يكون في هذا الكون بميئة الله سبحانه وتعالى وإرادته، فأهل السنة والجماعة يعملون بالأمرين، وأن الله عز وجل قد جعل للعبد مشيئة واختيار وقدرة وأن أفعال العبد مؤثرة، لكن كل ذلك تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى وباذنه وقدرته، ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: 30]. إذاً للعبد مشيئة، لكن مشيئة العبد تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى.

يعملون بالنصوص التي تدل على أن للعبد قدرة وإرادة واختيار، ويعملون بالنصوص التي تدل على أن كل ذلك بإرادة الله وبمشيئته وقدرته سبحانه وتعالى. أما القدرية فيعملون بالنصوص التي تدل على أن للعبد قدرة وإرادة واختيار، ويغلبون تلك النصوص على النصوص التي تثبت أن قدرة العبد تحت مشيئة الله، وبالتالي يقولون إن العبد يشاء أعمال الشر وأن الله سبحانه وتعالى لا قدرة له على تلك الأعمال، فعظموا قدرة العبد وعظموا الشرع، لكنهم قصروا في قدرة الله وأخرجوا بعض الأعمال من أن تكون تحت إرادة الله سبحانه وتعالى وتحت مشيئته.

كذلك الجبرية عملوا بالنصوص التي تدل على قدرة الله جل جلاله وعلى إرادته، حتى أضعفوا قضية أن للعبد قدرة وإرادة واختيار، وقالوا العبد لا قدرة له ولا إرادة، حتى قال بعضهم: العبد كالريشة في مهب الريح. انظروا يا إخوان عندما يعمل الإنسان ببعض النصوص ويهمل البعض الآخر، هذا التفريق للنصوص الشرعية سبب للانحراف والضلال، أما أهل السنة والجماعة فمن صفاتهم مع النصوص الشرعية أنهم يعملون بجميع النصوص.

السبب، خلونا ناخذ هذا الدليل الموجود عندكم في المذكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل على الصحابه وهم يتحدثون في القضاء والقدر، فهذا يأتي بآيات القدر وهذا يأتي بآيات يفهم منها الجبر، وهذا يأتي بآيات يفهم منها أن للإنسان قدرة على أفعاله، فهذا يضرب آية بآية، فالنبي صلى الله عليه وسلم غضب منهم غضباً شديداً حتى كأن حب الرمان تفقع في وجهه، ثم قال صلى الله عليه وسلم: «مهلاً يا قوم، بهذا أهلكت الأمم من قبلكم باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتب بعضها ببعض، إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضاً، بل يصدق بعضه بعضاً، فما عرفتم منه فاعملوا به وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه».

أيها الأحبة في الله، كذلك من صفات أهل السنة والجماعة بالنسبة للنصوص؛ النصوص يا إخوان النصوص الشرعية فيها بعض النصوص فيها شيء من التشابه، بمعنى يكون هذا اللفظ مجمل يحتمل أكثر من قول. أهل السنة والجماعة من خصائصهم أن ما تشابه عليهم فسروه في ضوء المحكم. من صفات أهل السنة والجماعة مع النصوص الشرعية أن النصوص المتشابهة يفسرونها في ضوء المحكم، أما أهل البدعة والضلال فيجعلون النصوص المتشابهة يأخذون جزءاً منها، هذا الجزء قد يوافق بدعتهم فيأخذون هذا الجزء الموافق للبدعة ويجعلونه أصلاً، ثم يأتون للنصوص الشرعية المحكمة في الكتاب والسنة -نصوص محكمة واضحة بينة فصلت في الموضوع- ثم يفسرون المحكم في ضوء ذلك المتشابه الموافق لأصولهم.

ناخذ مثالاً؛ الله سبحانه وتعالى أخبر أن الجنة يدخلها الإنسان بعمله، ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [الزخرف: 72]، والعمل إذا أطلق يدخل فيه العمل القلبي وهو الإيمان، ويدخل فيه عمل الجوارح، فالإنسان يدخل الجنة بالقول والعمل، وأن الإيمان قول وعمل، هذا الأمر محكم عندنا، وعمل الجوارح ركن من أركان حقيقة الإيمان الذي يستحق به الإنسان دخول الجنان، هذا الأمر محكم.

يأتي إنسان فيجد نصاً متشابهاً، هذا النص قد يكون شاذاً، مثال: في حديث جهنم هناك لفظة شاذة، وهي أنه يخرج من النار أناس لم يعملوا خيراً قط. أهل السنة والجماعة هذا النص المتشابه -إذا تجاوزنا القول بأنه نص شاذ- أهل السنة والجماعة يفسرونه في ضوء المحكم؛ المحكم أنه لابد من العمل لدخول الجنة هذا أمر محكم، فياتون لهذا النص المتشابه ويقولون: يعني لم يعمل خيراً قط، العمل المعروف من كثرة الصلاة والصيام، لكنه قد يكون أنه أسلم ثم دخل أرض المعركة فقتل ولم يكن له عمل.

نصيب من الصلاة والصيام كغيره. فقال: دخل الجنة ولم يعمل خيراً قط. قد يكون مثل حديث قاتل المئة نفس عندما هاجر إلى القرية التي فيها أناس يعملون الخير، فمات في منتصف الطريق. بعض الروايات أنه كان أقرب إلى الأرض التي أراد الهجرة إليها بشبر، فأخذته ملائكة الرحمة. بعض الروايات أنه دخل الجنة ولم يعمل خيراً قط، وهو تاب وهاجر، لكنه يقصد به لم يعمل الخير المعروف في آخر الزمان. بعض الناس لا يعرف من الدين إلا الله الله، فعمل ترك الشرك وقال الله الله، فلم يعمل خيراً قط العمل المعروف. فيفسر هذا النص المتشابه في ضوء المحكم من دين الإسلام، وهو أن الدين قول وعمل، وأن الإيمان المنجي عند الله ما كان مكوناً من قول وعمل.

يأتي هؤلاء المبتدعة يأخذون هذا النص المتشابه، وقد تكون هذه الرواية شاذة كما قلنا، ويجعلونها هي المحكم ويفسرون حقيقة الإيمان في ضوء هذا المتشابه، ويخرجون العمل بالكلية من عمل القلوب وعمل الجوارح. يخرجونه من الإيمان، أو يأتون فيخرجون عمل الجوارح من الإيمان، ويجعلون الإيمان مجرد قول أو عمل قلبي فحسب، قول وعمل قلبي لكن لا يستلزم الصلاة والصوم والزكاة والحج. هذه طريقة أهل البدعة والضلالات.

ناتي نقف هنا قليلاً عند المحكم والمتشابه حتى نفهمها. ورد في القرآن وصف القرآن بأنه كله محكم: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: 1]. معنى كله محكم، أي كله متقن. هذا شيء. وورد وصف القرآن بأنه كله متشابه من ثانية أنه متشابه، كله متشابه، القرآن كله متشابه. ما معنى كله متشابه؟ يعني كله متماثل متناسب يصدق بعضه بعضاً، ليس فيه أي تناقض. فوصف القرآن بأنه كله محكم يعني متقن، ووصف القرآن بأنه كله متشابه يعني متماثل يصدق بعضه بعضاً، فالمعنى واحد. فالتشابه العام لا ينفي الإحكام العام، بل هو مصدق له؛ فإن الكلام المحكم المتقن يصدق بعضه بعضاً لا يناقض بعضه بعضاً.

وورد في القرآن وصفه بأن بعضه محكم وبعضه متشابه. بعضه محكم، يعني فصل بين لا يشتبه على أحد، مثل: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾ [البقرة: 196]. عشرة هذا أمر محكم. فصيام ثلاثة أيام أمر محكم. وبعضه متشابه، التشابه الخاص، يعني يشبه غيره من وجه مع مخالفته له من وجه آخر.

هنا يا إخوان نأتي لموضوع العقيدة في الأسماء والصفات. الله سبحانه وتعالى وصف نفسه بصفات، ووصف عباده بصفات. هنا يقع هذا النص هنا، أنه قد يفهم منه أنه تشابه. متشابه هنا هو متشابه من ناحية الكيفيات، أما من ناحية المعنى فهو ليس متشابه، هو فصل. نفهم من معاني السمع، من معاني البصر، من معاني الحكمة والقدرة ما يليق بالله سبحانه وتعالى، لكن كيفية الصفات، كيفية صفات الله، من المتشابه.

وهنا ما تشابه علينا نرده إلى الله سبحانه وتعالى، عملاً بقوله جل جلاله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تأويله وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 7]. ما هنا في موضوع الأسماء والصفات: وما يعلم تأويل الأسماء والصفات لله جل جلاله، معنى حقيقتها وكيفيتها إلا الله جل جلاله، لذلك الراسخون في العلم يقولون: آمنا به، كل من عند ربنا.

فلأن الله سبحانه وتعالى ليس له مثيل، ولأن الله سبحانه وتعالى لم نرى ذاته، ولأن الله عز وجل ليس له مثيل فيقاس عليه، ولانه لم يردنا الخبر الصادق الموضح لكيفية صفات الله، فصارت كيفية صفات الله من المتشابه الذي نرد علمه إلى الله جل جلاله، أما المعاني فنعرفها. فالمقصود في باب الأسماء والصفات قد يقال بأن كيفية صفات الله من المتشابه الذي لا يعلمه إلا الله، لذلك نحن التأويل بمعنى معرفة كيفيته لا ندخل في هذا الأمر ونكل أمره إلى الله سبحانه وتعالى.

من أراد أن يبحث ويريد أن يعرف معاني كيفية صفات الله، فهذا يدخل في المتشابه، أو يريد أن يحرج الآخرين فيقول: كيف هذه الصفة؟ من أجل أن يوقعهم إما في التفويض أو يوقعهم في التعطيل، هذا كذلك من أهل البدع. فأهل البدع أيها الأحبه يتتبعون المتشابه ويجعلونه محكماً ويفسرون المحكم في ضوء المتشابه. أما أهل السنة والجماعة، ما تشابه عليهم فسروه في ضوء المحكم. المحكم عندنا في مواضيع الأسماء والصفات أن الله ليس كمثله شيء: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11].

إذاً نحن نثبت السمع والبصر، لكن ما كيفية سمع الله؟ ما كيفية بصر الله؟ ليس كمثله شيء. فنفسر المحكم في باب الأسماء والصفات؛ المحكم هو أن الله ليس كمثله شيء، المتشابه كيفية صفات الله سبحانه وتعالى، كيفية سمعه، كيفية بصره، كيفية يده، كيفية وجهه، هذه نكلها إلى الله مع اعتقادنا بأن الله عز وجل ليس كمثله شيء، هذا هو المحكم. فلا نقع كالممثلة، ولا نقع في المفوضة في طريق المفوضة، ولا نقع في طريق التعطيل، بل نفسر هذه المتشابهات في ضوء المحكم، وهذا منهج أهل السنة والجماعة.

فاصل قصير ونعود إليكم بمشيئة الله.

حرص الإسلام على زرع المحبة والأخوة بين المسلمين، وعلى اقتلاع أسباب التباغض والشحناء من بينهم. ومن المعاملات التي تورث التباغض بين المسلمين بيع المسلم على بيع أخيه أو شراؤه على شراء أخيه، لذلك نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «لا يبع بعضكم على بيع أخيه». والشراء مثل البيع، فيحرم شراء المسلم على شراء أخيه. ومثال البيع على البيع: اشترى زيد من عمر سيارة بعشرة آلاف، فذهب رجل إلى زيد وقال له: أنا أعطيك مثلها بتسعة، أو أعطيك أحسن منها بعشرة، أو أبيعك مثلها بعشره. فهذا بيع على بيع المسلم لا يحل. ومثال الشراء على الشراء: باع زيد لعمر سلعة بتسعة، فجاء آخر وقال للبائع: بعتها على فلان بتسعة؟ قال: نعم. قال: أنا أعطيك فيها عشرة أو بعها لي أنا بتسعة ودعك منه. والراجح أن البيع على البيع حرام، سواء كان ذلك في زمن الخيار أو بعد تمام البيع، لأنه مما يورث الشحناء والبغضاء بين المسلمين.

حياكم الله أيها الأحبة في الله، وعدنا إليكم بعد الفاصل. وخرجنا أن من صفات أهل السنة والجماعة مع النصوص الشرعية أن ما اشتبه عليهم من النصوص كان مجملاً يحتمل أكثر من معنى، يفسرونه في ضوء المحكم. لكن أهل البدعة والضلالات يأتون إلى المتشابه فيجعلونه أصلاً ويفسرون المحكم في ضوئه.

مثال، مثلاً عند الصوفية، المحكم عندنا في ديننا أن العبادة نتووجه بها إلى الله سبحانه وتعالى؛ الدعاء والخوف والذبح والنذر. يأتون إلى نصوص متشابهة، قد تكون موضوعة، حديث موضوع: إذا عييتم الأمور فعليكم بأصحاب القبور، يجعلونه أصلاً ويفسرون أن الدعاء والاستعاذة والاستغاثة، هذه العبادات في الأمور التي لا يقدر عليها إلا الله لا تصرف إلا لله، هذه أمور محكمة، فيفسرون المحكم في ضوء هذا المتشابه، ويتوجهون بتلك العبادات إلى أولئك الأموات، ثم يقولون يفسرون المحكم في ضوئه أنه إذا لم تعتقد أنه خالق مالك مدبر فإنه يجوز، وهذا هو الضلال عياذاً بالله. هذا هو صرف الشرك الأكبر، صرف العبادات التي تصرف خالصة لوجه الله تصرف إلى هؤلاء الأموات بناءً على هذا النص المتشابه.

كذلك أيها الأحبة في الله من صفات أهل السنة والجماعة وموقفهم مع النصوص الشرعية أنهم يعتصمون بها، كما قال الله عز وجل: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]. حبل الله دين الله، حبل الله الوحي. فهم يعتصمون يعني يلتفون حول النصوص الشرعية كما تلتف الأسوار حول المعصم، كما تلف الساعة حول معصمك. هم يعتصمون ويلتفون حول النصوص الشرعية ويتمسكون بها تمسكاً عظيماً.

والنبي صلى الله عليه وسلم قد وصانا بهذا، وبين أن الله سبحانه وتعالى يرضى عنا إذا نحن اعتصمنا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا، لم نفرق، هذا الكتاب وهذه السنة ولا تفرقوا: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103]. والنبي صلى الله عليه وسلم أيضاً وصى بهذا، وهذا نص في القرآن.

فماذا يصنع أهل السنة والجماعة؟ يتمسكون بالكتاب والسنة، ثم ما خالف الكتاب والسنة اتهموا هذا المخالف أن هذا المخالف ضال، أن هذا المخالف عاجز، أن هذا المخالف محتار، لكنهم لا يقدمون شيئاً على كتاب الله وعلى سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.

أما أهل البدعة والضلالات، إذا اردت ان تعرف ان هذا الشخص من اهل السنة والجماعه او من اهل البدعة والضلال، اطرح النص الشرعي امامهم، فاذا وجدته يعتصم بالنص الشرعي، يتمسك به، ويقدمه على آرائه، يققدمه على أهوائه، يقدمه على أذواقه، يقدمه على كل شيء، اعلم ان هذا من اهل السنة والجماعة.

واذا رايت الشخص تطرح له قال الله قال رسوله، ثم هو مباشرة يقدم رأيه وهواه ويقول: يجب أن نفسر النص الشرعي موافقا للرأي وللهوى، اعلم انه من اهل البدعة والضلالات. هنا سنأخذ موضوع العقل والنقل كما أخبرناكم، والموقف بينهما في النصوص الشرعيه.

انتبهوا لقضية العقل والنقل عند اهل السنة والجماعة وعند اهل البدعة والضلال. أحيانا تسمع، هل هناك تعارض بين العقل والنقل؟ هل هناك تعارض بين العقل والنقل؟ أنت يتبادر إلى ذهنك العقل، المقصود به في الشرع، لا انتبه، أنت على حق، لكن هم يقصدون بالعقل شيئا آخر، فانتبه لا تدخل معهم في حوار حتى تعرف ماذا يقصدون بالعقل.

فالعقل عندنا نحن هي الغريزة المدركة؛ غريزة مدركة خلقها الله سبحانه وتعالى فينا ندرك بها الضار من النافع، بمجرد أن يبدأ عند الطفل هذه الغريزة تنمو، يعرف أن هذا الأمر حار، أن هذا الأمر بارد، أن هذه تمرة، أن هذه جمرة، هذا نقول بدأ يميز، هذا أصبح مميز، يميز بين الجمرة والتمرة، هذه الغريزة هذا العقل.

ثم يبدأ ينمو فيصبح يعرف العلوم الضرورية؛ مثلا الطفل تأتي له بحبة البسكوت تعال اكسرها يغضب، لماذا؟ لأنه يريد حبة البسكوت كاملة، لانه يعرف أن النصف أصغر من الكل، هذه تسمى العلوم الضرورية، الشمس مشرقة، النار محرقة، الماء يروي، الأكل الطعام يشبع، هذه علوم ضرورية.

وعلوم نظرية يقينية، كلما استزاد الإنسان من العلوم النظرية اليقينية كلما نمى عقله، وكذلك العمل بمقتضى العلم هذا يسمى عقلا عندنا، هذا العقل. والنقل عندنا هو الوحي الإلهي، كتاب الله وسنة رسوله، والسنة جميعها عندنا ما صح عن النبي صلى الله عليه وسلم كله، سواء كان متواترا أم آحادا، هذا يسمى عندنا النقل.

لكن انتبهوا يا إخوان لهذه القضية الخطيرة، أن العقل عند اهل البدعة والضلال كل يفسره بمقتضى الأشياء التي يؤمن بها، فالعقل عند الفرق الكلامية ماذا يقصدون به؟ العقل هو الأصول والقواعد التي في علم الكلام، وليس العقل الذي عندنا نحن الذي يعرفه الإنسان الذي ذكرناه، لا.

العقل عندهم كالتالي: هذه الطاولة جوهر، وهذا اللون عرض، هذه مثلا نظارة جوهر، الآن دفيت النظارة تحركت هذه الحركة عرض ثم تسكن هذا السكون عرض، هذا العالم مكون من جوهر وأعراض، وأن الأعراض حادثة لأن العرض لا يبقى زمانين، وان الجواهر لا تخلو من الأعراض، اذا الجواهر حادثة، فلما كانت الجواهر حادثة والأعراض حادثة والعالم كله مكون من جوهر وأعراض اذا العالم حادث، وكل حادث لابد له من محدث، اذا العالم لابد له من محدث.

هذا المحدث لا يمكن أن يكون كالعالم، لا يمكن أن يكون جوهرا وعرضا، الجوهر إذا تكوّن من جوهرين سمي جسم، إذا هذا الخالق ليس بجسم، ليس بجوهر، ليس بعرض، لا تحل به الحوادث، هذا الكلام يسمونه عقل. انتبهوا، هذا الكلام وهو مصطلحات يونانية وأغلب هذه المصطلحات اليونانية مجملة تحتمل حقا وباطلا، يسمون هذا هو العقل، وبالتالي ماذا يصنعون؟ يأتون بالنصوص الشرعية ويضعونها فيها.

فمثلاً الذين يقولون إن الله لا تقوم به الصفات الفعلية كفرقة الكلابية الأشعرية الماتريدية، يقولون الله لا تقوم به الصفات الفعلية، فأي صفة فعلية وصف الله عز وجل بها نفسه عرضوها في علم الكلام، قالوا هذا العقل، فالله لا تقوم به الحوادث، والصفات الفعلية حادثة، إذا الله لا تقوم به الصفات الفعلية.

فيقومون بتأويل هذا، إذا كانت هذه الأحاديث آحاد ردوها، إذا كان من القرآن أو من السنة المتواترة أولوه أو فوضوه وقالوا هذا هو المنهج الصحيح، وهذا خطأ، هذا ليس اعتصام بالكتاب والسنة.

ثم بالنسبة لإمكانية التعارض، هل أهل السنة والجماعة يمكن أن يتعارض العقل والنقل عندهم؟ العقل الغريزة المدركة التي أعطانا الله سبحانه وتعالى إياها، والوحي من الله والله أمرنا أن نعمل عقولنا في الوحي نتأمل نتدبر، فكيف يكلفنا الله سبحانه وتعالى بتدبر ما لا يقبله العقل؟ هذا مستحيل.

وبالتالي عندنا نحن أهل السنة والجماعة لا يمكن أن يكون هناك تعارض البتة بين العقل وبين النقل، لأن كلاهما من عند الله عز وجل، والله أمرنا أن نعمل عقولنا في هذه النصوص الشرعية فهما وتدبرا وحفظا، وبالتالي هذه الامور كلها يعقلها الإنسان.

أما عند المتكلمين لا يمكن، التعارض وهو واقع عندهم مثل ما قدمنا. طيب ما الحل عند أهل السنة والجماعة إذا كان هناك توهم تعارض؟ توهم تعارض، ماذا يصنع أهل السنة والجماعة؟ يعتصمون بهذا الوحي الإلهي فيتمسك به، ويتهمون عقولهم، يتهمون آراءهم ويقولون هي التي لم ترقى إلى فهم كلام الله وكلام رسوله، فيقولون يجب الإيمان به وإن لم يفهم الإنسان معناه لأنه كلام الله.

ويقولون قد يأتي في الشرع ما تحار فيه العقول، ما تحار فيه العقول لكن لا تحيله العقول، يقولون قد يكون في شرعنا في ديننا ما يحار فيه العقل، مثل ما يكون في القبر، لأن أمور القبر من أمور اليوم الآخر فهي ليست من جنس أمور الدنيا، وبالتالي قد يحار العقل في كيفية ما يكون في القبر، قد يحار العقل في كيفية ما يتعلق بصفات الله، قد يحار العقل فيما يتعلق بكيفية خلق الملائكة، فهذه الأمور نحن نؤمن بها ونسلم بها، لكننا نعلم يقينا أن هذه الأمور مقبولة عقلا لكن العقل يحار فيها.

فنحن نرى أن يوجد يعني شخصان ينامان بجوار بعضهما البعض أحدهما يعيش في أحلام سعيدة كأنه في جنة، والآخر يعيش في عذاب وكانه في نار عياذا بالله، ثم هذا يفرح أنه استيقظ من نومه وهذا يغضب أنه استيقظ من نومه لأن هذا كان في لذة وهذا كان في ألم، فالأمر عقلا ممكن لكن الكيفية نحار فيها لكونها من جنس كيفيات اليوم الآخر وليس من جنس كيفيات الدنيا، وهكذا ما يتعلق بصفات الله سبحانه وتعالى.

فنحن عند التعارض نقدم الوحي، عند توهم التعارض نقدم الوحي على الآراء ولا نقول على العقل، إنما على الآراء وعلى الأهواء، وهكذا، أما المتكلمون فيقدمون عقولهم -ونقصد بالعقل هنا يقدمون القواعد التي في علم الكلام- على الوحي الإلهي.

والله يا إخوان إني أعجب أعجب أشد العجب من أناس يعتبروا في الذكاء وصلوا درجة عالية، درجة عالية، طريقتهم يا إخوان كالتالي فيها شيء من للاسف الإنسان يحزن من ناحية، لكنه أمر مضحك.

لو جاءنا شخص ودل على طبيب استشاري عظيم، وذهبت أنا مثلا للاستشاري هذا، استشاري في طب الأسنان، فذهبت إليه فكتب لي وصفة وقال: لا أستطيع أن أعمل لك شيء حتى تاخذ هذا المضاد لمده أسبوع ثم تعود إليه، وكتب لي ثلاثة أنواع من الأدوية.

فعدت إلى صديقي الذي دلني على الاستشاري، فقرأ في الوصفة فقال: هذه تأخذها وهذه لا تأخذها وهذه تأخذها، فقلت له: لماذا؟ الطبيب قال خذ الثلاثة، أنت تقول خذ الاثنين، أسمع كلام من؟

فقال لي: لو سمعت كلام الطبيب وقدمت كلام الطبيب على كلامي طعنت فيّ، وإذا طعنت فيّ فقد طعنت في الطبيب، هذا أمر مضحك يا إخوان، بالله هذا الكلام منطقي؟!

أو أركب مع صاحب تاكسي أقول له: أعطيني المفتي أريد أن أصل إلى المفتي لا أعرف مكانه لا أعرف مكتبه، فذهب بي صاحب التاكسي إلى مكتب المفتي، فعندما وصلت للمفتي اردت ان استفتي في مسألة من المسائل، ثم عدت إلى صاحب التاكسي وقلت له: المفتي قال لي حرام، قال: لا، ليس حرام، ليست ليس الحكم حراما.

قلت له: أنت صاحب التاكسي الآن يعني ما علاقتك؟ قال: أنا الذي دللتك على مكتب المفتي وأخبرت أن هذا هو المفتي، فهل يقول: فإذا طعنت في كلامي وأخذت بكلام المفتي فأنت ستطعن بالتالي في المفتي! هذا كلام مضحك يا إخوان، هذا كلام مضحك، فهذه

الصورة يقولون العقل دلنا على وجود الله، وعلى صفات الله، وإن الله متكلم، وأن هذا الوحي كلام الله. فيقولون: إذا قدحت في أصولنا العقلية هذه، أصولنا العقلية قدحت فيها أنت، قدحت في النقل، لأنك بأصولك العقلية عرفت صحة النقل، فاذا قدحت فيها قدحت في النقل أيضاً.

نقول: هذا كلام متهافت، العقل دل على وجود الله ولا شك في ذلك، يدل العقل على وجود الله، وعندنا طرق أخرى نستدل بها على وجود الله ومنها العقل، ثم عرفنا أن هذا الكلام كلام الله.

انتهى دورك أيها العقل الآن، دورك الآن أنك تتأمل، تتدبر، تحفظ، تستنتج، تستنبط، أما أنك تكون أنت الحكم في هذا الموضوع فهذا لا يمكن.

أخيراً يا إخوان، هل العقل مستقل بأمور العقائد؟ عندنا نحن العقل تابع، تابع للنقل، صحيح أن العقل يدرك العقائد على وجه الإجمال، لكنه ليس مصدرا مستقلاً، أما عند أهل البدع والضلال عندهم أن العقل مستقل ومصدر لمعرفة العقائد ومقدم على النقل في ذلك.

نستودعكم الله إلى حلقة أخرى، ولا تنسوا كالعادة في نهاية كل أسبوع أن يدخل سُسَّان إلى ملفه في الموقع ويجيب عن سؤال هذا الأسبوع، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.

يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان وتريد سهلاً النوال ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان.

زاد، زاد أكاديمية ينبوعها صاف، صاف ليروي غلة الظمآني. هذه عقيدتنا الصحيحة فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهان. بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستاني.