السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.
أيها الأحبة في الله، أرحب بكم في الدرس السادس من مادة العقيدة. استفتح هذا الدرس بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 1]. أريد أيها الأحبة في الله من خلال هذه الآية أن نراجع الدروس السابقة أو معظم الدروس السابقة.
فمن قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، نتذكر دائماً هذه النعمة التي انعم الله عز وجل بها علينا، وهي نعمة الهداية للإسلام والإيمان. هذه النعمة التي ينادينا الله سبحانه وتعالى بها هي أعظم نعمة أنعم الله بها على الإنسان. هذه النعمة نعمة الإيمان نحن نعقد عليها قلوبنا وضمائرنا، فسمى هذا الأمر عقيدة بهذه النعمة، بنعمة الهداية للإسلام والإيمان. أخرجنا الله من الظلمات إلى النور بهذه النعمة، نقلنا الله عز وجل من الموات إلى الحياة. قال الله عز وجل: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 122].
الكافر في ظلمة وإن كان يعيش بين الأنوار. الكافر ميت وإن كان قلبه ينبض بالحياة. فإذا أنعم الله عز وجل على الإنسان بالإيمان، صار حياً وصار في نور. لذلك أيها الأحبة في الله، هذه النعمة لكونها كبيرة، نحن بنهاية شهر رمضان نكبر: الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله، الله أكبر، الله أكبر، ولله الحمد. تكبيرنا على نعمة الهداية للإسلام والإيمان: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ [البقرة: 185]. فلنستشعر يا إخوان دائماً نعمة أن جعلنا الله عز وجل من المؤمنين به، وبملائكته، وبكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والمؤمنين بالقدر خيره وشره، المؤمنين بهذا الدين الإسلامي، أنه دين حق، وأن به صلاح الدنيا والآخرة، وصلاح الفرد والمجتمع، وأن به سعادة الروح والبدن.
هذا الإيمان أعظم نعمة، هذا الإيمان، هذا الدين، هذاسلام؛ ما هي المصادر التي نتلقى منها هذا الدين؟ بينته هذه الآية: قال الله ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. مصادر التلقي، تلقي هذا الدين، تلقي الإيمان، تلقي العقيدة، تلقي الشريعة: الله ورسوله. هذه مصادرنا؛ مصادرنا الوحي الإلهي، كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم.
هل هناك مصادر أخرى؟ لا. ديننا متوقف على الوحي الإلهي، ناخذ ديننا من كتاب الله وسنه نبيه. هذا طيب، والعقل؟ نقول: العقل ليس مصدراً مستقلاً، وإن كان العقل يدرك كثيراً من أمور العقيدة ويدرك كثيراً من أمور الشريعة على وجه الإجمال، أما التفصيل فهذا للوحي. فلا نتلقى ذلك، لا ثواب ولا عقاب، ولا أخبار حق وصدق نؤمن بها ونتعبد لله عز وجل من خلاله بها، إلا الوحي الإلهي، ونعتقد أن هذا الوحي الإلهي لا يعارض العقول السليمه.
طيب والفطرة؟ نعم، الفطرة أيها الأحبة، ما يجده الإنسان في قلبه، وما هو مناسب لصاحب الفطرة المستقيمه. كثير من أمور شريعتنا وكثير من أمور العقيدة يمكن أن ندلل عليها بالفطرة، أو تكون ليست مخالفة لفطرة الإنسان المستقيمة، لكن ليست الفطرة أيضاً مستقله؛ لا يأتي شخص ويقول الذوق، لا يقول: ما أجده الوجد، وياخذ من ذلك التشريع. لا أيضاً يا إخوان، ما يذكره العلماء أهل اصول الفقه واصحاب القواعد الفقهية من مصادر أخرى أو يذكرون اشياء أخرى، نقول: لا، تلك الأمور هي مستنبطة من الوحي الإلهي، ياخذون قواعد من خلال كلام الله وكلام رسوله، وياخذون اصول ما استجد من الامور الحادثه، يستطيعون من خلال تلك القواعد التي هي مستقاة من الوحي الإلهي أن يجدوا أحكاماً للأمور الحادثة والامور الجديدة، الأمور التي لم ينص عليها الشرع. فليس هناك مصدر نتلقى منه امور ديننا الا الوحي الإلهي.
هذه الآية بينت لنا المصادر التي نتلقى منها الدين. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. هذا منهج التلقي، نتلقى امور ديننا من الله ومن رسوله، من الكتاب ومن السنة، من الوحي الإلهي. كيف نتلقى ذلك؟ نتلقاه بدون تقدم، لا نقدم أنفسنا ولا نقدم غيرنا على كلام الله وعلى كلام رسوله. الوحي الإلهي أما أن يكون خبراً، وأما أن يكون طلباً. الخبر أما أن يكون إثباتاً أو يكون نفياً. نحن كيف نتلقى الأخبار الواردة عن الله الواردة من الله عن الله أو ملائكته أو كتبه أو رسله؟ الأخبار التي في الوحي الإلهي كيف نتلقاها؟ نتلقاها إيماناً بالصحيح في السنة، السبب أن هناك أحاديث موضوعة، أحاديث مكذوبة على النبي صلى الله عليه وسلم، ولذلك نحن نتاكد من صحة الحديث، نتاكد منه سنداً ومتناً، فنؤمن بالصحيح بفهم صحيح، فنعرض فهمنا على ما فهم الصحابه الكرام، على كلام الله وكلام رسوله، ماذا فهموا من رسوله صلى الله عليه وسلم؟ نعرض افهامنا على ما فهمه ائمة القرون الثلاثة المفضلة، حتى لا ناتي بفهم يضاد فهمهم يناقض فهمهم، لابد من ذلك. نستضير بفهم سلفنا الصالح في فهم لنتاكد من فهمنا لهذا الوحي الإلهي، الخبر الإلهي.
إذا قلنا: إيمان بالصحيح بفهم صحيح بنظر صحيح أنه لا يخالف العقول السليمة ولا الفطر المستقيمة، وأن المسائل العقدية التي هي بحاجة إلى ادلة عقلية قد جاء في الوحي، قد جاءت مقرونة تلك المسائل العقدية مقرونة بأدلتها العقلية، فيكون هذا نظر صحيح في امور الخبر، نؤمن بذلك بلا شك، نؤمن بذلك بلا تقدم، لا نقدم آرائنا وأهوائنا وعقولنا، ولا نقدم كذلك الفلسفات العلوم: علم الكلام، علم الفلسفة، الحضارة الغربية؛ لا نقدم شيئاً على كلام الله وعلى كلام رسوله صلى الله عليه وسلم ونؤمن به بلا إلحاد، لا نتسلط عليه بتحريف، لا بتكييف ولا تمثيل ولا تعطيل المتعلقة بصفات الله جل جلاله، لا نحرف كلام الله. هذا الخبر الإلهي.
كيف نتلقى الطلب الإلهي؟ نمتثل الصحيح بفهم صحيح، بنظر صحيح. بنظر صحيح، بمعنى أن ما جاءنا من اوامر أو نواهي عندنا يكون عقيدة أنها جاءت لتحقيق المصالح للناس في الدنيا، كما هي جاءت لأسعادهم في الآخرة، وأن في هذه الشريعة كما فيها إسعاد للروح فيها إسعاد للبدن أيضاً، كما فيها إسعاد للفرد فيها إسعاد للمجتمع أيضاً. فعندنا نظر صحيح لهذا الطلب الإلهي، بلا اعتراف نؤمن بذلك بلا شرك، نتوجه بما امرنا الله عز وجل به قولا أو فعلا، نتوجه به إلى الله خالصاً له سبحانه وتعالى، لا نشرك معه غيرهم، لا شرك أكبر ولا شرك أصغر. ولا اعتراض، لا نعترض على هذا الطلب الإلهي، لا نعترض عليه بالعادات ولا بالآراء ولا بالأموال ولا بالمساكن ولا بالسياسة ولا بالذوق ولا بالوجد ولا بأي شيء، لا نعترض على ذلك. ولا ابتداع، ولا نبتدع في هذا الطلب الإلهي، ناخذه كما هو امرنا الله عز وجل به: العدد كذا، الزمن كذا، المكان كذا، الجنس كذا، المقدار كذا، الكيفية كذا، فناخذه كما جاءنا في الشرع، لا نبتدع في ذلك، لا نغلو ولا نفرط، إنما: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ﴾ [هود: 112]، كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، نحن نفعل. هذا كيفية التلقي، كيفية التنفيذ.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾، فنتقي الله جل جلاله، ما امرنا الله عز وجل به نأتيه، وما نهانا عنه ننتهي: «ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم». نتلقى ذلك متقين لله جل جلاله، فنتعبد لله جل جلاله وحده لا شريك له بالاقوال والاعمال الظاهرة والباطنة التي جاءنا بها محمد صلى الله عليه وسلم في جميع مناحي الحياة. هذا تقوى الله سبحانه وتعالى، نكون متقين.
قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 281]. سميع عليم، هذا منهج التزكية. منهج التزكية نستشعر أن الله سبحانه وتعالى يسمع كلامنا، وأن الله عز وجل يعلم أحوالنا. فالله مطلع على كلامنا ومطلع على سكناتنا وحركاتنا، فما نعتقده داخل قلوبنا من الإيمان -عندنا إيمان جازم بأن الله مطلع عليه سبحانه وتعالى- وما نقوم به من أعمال عندنا إيمان جازم أن الله سبحانه وتعالى مطلع عليه.
وأن الله سبحانه وتعالى لكونه سميع عليم مطلع على أعمالنا، مطلع على عقائدنا: ﴿قُلْ إِن تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 29]، ﴿سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ﴾ [الرعد: 10]، ﴿وَمَا أَنفَقْتُم مِّن نَّفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُم مِّن نَّذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [البقرة: 270]. نستشعر رقابة الله سبحانه وتعالى علينا، هذا الاستشعار يرفعنا إلى درجة الإاحسان، وهذا هو منهج التزكية في ديننا الإسلامي.
هذه الآية -أيها الأحبة- فيها تذكير بنعمة الإيمان، فيها بيان لمصادر التلقي، فيها بيان لكيفية التلقي، فيها بيان لكيفية التنفيذ، فيها بيان لمنهج التزكية. فما أحرانا أن نستشعر هذه الآية دائماً: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 1]. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياكم من المتقين.
ناخذ فاصل ثم نعود إليكم بمشيئة الله. أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم إذ لا تصح العبادة إلا به، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19]. وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه، بأن لا تُريد به إلا وجه الله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾ [الزُمَر: 11]. وبالإخلاص ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط، قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين».
وبالإخلاص يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد. قال الذهبي: علامة المخلص أنه إذا عُتِب لا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي. ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف، قال أبو داود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين، لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف. فأخلص النية واحذر من فسادها؛ كطلب العلم لأجل المال والثروة، أو الجاه والشهرة، أو المراء والجدل، فإن ذلك يفسد العمل. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
حياكم الله يا إخوان، عدنا لكم بعد هذا الفاصل. تذكرون في الدرس الماضي بينا وعقدنا مقارنة بين أهل السنة والجماعة وبين أهل البدعة والضلالة في الموقف من النصوص الشرعية. أخذنا المقارنة الأولى في جانب التعظيم والتسليم للنصوص الشرعية، بينا أن أهل السنة والجماعة أمام النصوص الشرعية يعظمونها وليس لهم خيار في ذلك، منطلقين من أوامر الله عز وجل لهم: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36].
أما أهل البدعة والضلالة فانظروا إلى حالهم. ناخذ مثالاً مما روي عن أحد المبتدعة وهو عمرو بن عبيد، عندما سمع حديث النبي صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق: «إن أحدكم يُجمع خلقه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة...» الحديث. يقول عمرو بن عبيد لما سمع هذا الحديث -يتحدث عن رجال الإسناد-: لو سمعت هذا الحديث من الأعمش لكذبته، ولو سمعته من زيد بن وهب -هذا رجل في الإسناد أيضاً الأعمش عن زيد بن وهب- قال: لما صدقته، ولو سمعته من ابن مسعود -وهو راوي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم- ما قبلته! ولو سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم سمعت رسول الله يقول هذا لرددته! ولو سمعت الله يقول هذا لقلت: ليس على هذا اخذت ميثاقنا! هو يرى أن حديث الصادق المصدوق فيه الجبر، ولذلك يعني هذا الموقف العنيف هذه استهانه بالنصوص الشرعية ورد لها، إذا كان هذا النص الشرعي عندهم ليس آية من كتاب الله إنما هو من الأحاديث، فاستطاعوا أن يأتوا بمخرج أنه حديث آحاد أو كذا فالأحاديث آحاد يرفضونها ويردونها ولا يقبلونها.
وإذا كان هذا الحديث متواتراً وهذا نص شرعي تسلطوا عليه بالتحريف أيضاً. يا إخوان، نأخذ مجالاً آخر في مجال المقارنة، وهذا أيضاً أخذناه لنراجع مراجعه سريعة ونريد أن نؤكد على بعض القضايا لذلك راجعتناه، أنهم أهل السنة والجماعة بالنسبة للنصوص الشرعية يعملون بجميعها، يجمعون بين النصوص الشرعية ويعملون بها. أما أهل البدعة والضلالة فيعملون بالبعض ويتركون البعض الآخر لا يعملون بجميع النصوص.
نأخذ نماذج في ذلك: نأخذ مثلاً في باب القضاء والقدر؛ الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]. إذاً الإيمان والكفر بين الله سبحانه وتعالى أن للعبد مشيئة واختيار، فهم القدرية أنه فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر أن مشيئة العبد مستقلة، وأن الكافر يفعل شيئاً لا يريده الله سبحانه وتعالى ولا يشاؤه، وأن الإنسان هو الذي يخلق فعله، الإنسان هو الذي يوجد فعله ومعاصيه، وهكذا. فالقدرية عملوا بهذا النص: ﴿فَمَن شَاءَ فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ فعملوا به، والنصوص التي فيها أن هذه الامور تحت مشيئة الله لم يعملوا بها.
نأخذ مثل الجبرية؛ الجبرية جاءوا إلى قول الله عز وجل: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَن فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّىٰ يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ * وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس: 99-100]. عملوا بهذه الآية: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَن تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ﴾. إذاً قالوا: العبد ليس له مشيئة واختيار، إنما هذا الإيمان وهذا الكفر كله بمشيئة الله، والعبد في هذه الأمور كالريشة في مهب الريح. فانظروا، عملوا بالآيات التي قد يفهم منها أن العبد مشيئته تحت مشيئة الله فقالوا بالجبر، وأولئك عملوا بالآيات والأحاديث التي تدل على أن للعبد مشيئة واختيار.
أهل السنة والجماعة يعملون بجميع النصوص، وهناك نصوص جاء فيها وورد فيها الجمع بين ذلك؛ قال الله عز وجل: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * لِمَن شَاءَ مِنكُمْ أَن يَسْتَقِيمَ﴾ [التكوير: 27-28] أثبت المشيئة لنا، ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29]. إذاً أثبت أن مشيئة العبد تحت مشيئة الله سبحانه وتعالى، فالله عز وجل له إرادتان سبحانه وتعالى: إرادة كونية قدرية هذه لا يخرج منها أحد، وإرادة شرعيه دينية، فالذي يطيع الله سبحانه وتعالى دخل تحت الإرادة الشرعية كما هو داخل تحت الإرادة الكونية، والعاصي لله خارج عن المطلوب منه شرعاً لكنه داخل تحت إرادة الله الكونية، فالمعاصي أرادها الله أن تكون في كونه لكن لم يردها شريعة للناس.
هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلاً، ثم قال: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا * يُدْخِلُ مَن يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ﴾ [الإنسان: 30-31]، فمشيئة العبد تحت مشيئة الله. المقصود هو مثال، وقد نأخذ إن شاء الله بالتفصيل في موضوع القضاء والقدر، لكن هنا نحن فقط نريد أن نبين منهج أهل السنة والجماعة في الموقف من النصوص الشرعية، أن أهل السنة والجماعة لا يفرقون بينها، لا يفرقون نصوص الشرعية فيأخذون ببعضها ويتركون البعض، إنما أهل السنة والجماعة يعملون بجميع النصوص.
نأخذ مثالاً آخر في باب الإيمان؛ قال الله عز وجل: ﴿بَلَىٰ مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: 81]. جاءت الخوارج وقالت: من ارتكب سيئة ومات على هذه السيئة على هذه الكبيرة إذا هو من أصحاب النار وخالد فيها، ومن دخل النار لم يخرج منها، فقالوا: أصحاب الكبائر كفرة. المعتزلة قالوا: ما نسميهم في الدنيا كفرة، لا نسميهم كفاراً، لكن نسميهم لا مؤمن ولا فاسق في منزلة بين منزلتين، وقالوا: لكن نتفق مع الخوارج أنهم من اصحاب النار خالدين فيها، وأن أصحاب الكبائر يحكمون عليهم بالخلود في النار وينفون الشفاعة عن أصحاب الكبائر. ما السبب؟ عملوا ببعض.
أن الله لا يغفر أن يشرك به. خلونا قبل أن نأخذ هذه، شوف المرجئة: المرجئة أتوا بنصوص الوعد، من مات لا يشرك بالله شيئاً دخل الجنة، من قال لا إله إلا الله دخل الجنة، أخذوا هذا النص وتركوا النصوص الموجبة للعمل، وتركوا النصوص التي فيها الوعيد، وعيد للزناة ليسترق، ومن يفعل ذلك يلق أثاماً يضاعف له العذاب يوم القيامة ويخلد فيه مهاناً إلا من تاب وآمن. فالمرجئة أخذوا بنصوص الوعد، والخوارج والمعتزلة أخذوا بنصوص الوعيد، وأهل السنة والجماعة يعملون بالجميع: إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك الكبائر، يغفر ما دون ذلك لمن يشاء. فأصحاب الكبائر يوم القيامة تحت مشيئة الله، إن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم، أما من لقي الله بالشرك فهذا هو الذي يكون في النار ولا يخرج منها، والذين دخلوا النار من أصحاب الكبائر عاقبهم الله فإنهم لا يخلدون فيها.
هو فقط الآن إشارة إلى منهج أهل السنة والجماعة في التعامل والموقف من النصوص الشرعية وموقف أهل البدع من النصوص الشرعية. أهل السنة والجماعة يعملون بجميع النصوص، وأهل البدعة والضلالة يعملون ببعضها دون البعض الآخر.
الآن أيها الأحبة سننتقل إلى قضية نحن تحدثنا عنها في اللقاء الماضي في الدرس الماضي، لكن كان الحديث عنها مقتضباً سريعاً، نريد أن نؤكد على هذه القضية: أهل السنة والجماعة ما موقفهم من النصوص الشرعية؟ أهل السنة والجماعة يأتون للنصوص الشرعية التي تشتبه عليهم، بمعنى يكون لها أكثر من معنى، ماذا يصنعون؟ يفسرون هذه النصوص الشرعية في ضوء المحكم. تحدثنا في اللقاء الماضي أن القرآن وصف كله بأنه محكم، قال الله عز وجل: ﴿الَر ۚ كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمُّ فُصِّلَتْ مِن لَّدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: 1]. والله سبحانه وتعالى وصف القرآن بأن كله متشابه: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَاباً مُتَشَابِهاً﴾ [الزمر: 23]. فالإحكام وصف القرآن بأنه كله محكم، ووصف القرآن بأنه كله متشابه هو معناه واحد: محكم متقن، ومن إتقانه أنه يشبه بعضه بعضاً فلا يتضاد وليس فيه أي اختلاف، فهذا معنى الإحكام العام والتشابه العام.
وأما قول الله عز وجل: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: 7]، محكمات هن أم الكتاب، يعني معناها واضح بين لا تحتمل إلا شيئاً واحداً، أم الكتاب معظم الكتاب، فالقرآن معظمه محكم بين واضح، وأخر متشابهات. هذه المتشابهات إما في الأمور الغيبية وإما في الأمور الشرعية.
الأمر الغيبية بمعنى الكلام عن صفات الله سبحانه وتعالى، أن الله سميع بصير عليم قدير، والعبد سميع بصير عليم قدير، فهنا مشتبه فيها تشابه، نعود للمحكم، ما هو المحكم؟ المحكم أن الله ليس كمثله شيء، فنفسر هذا المتشابه في ضوء هذا المحكم، أن هذا سمع الله وبصر الله، هذا لا يشبهه شيء سبحانه وتعالى، لا يماثله شيء من سمع وبصر المخلوق، إنما هو سمع وبصر يليق بالله جل جلاله، فنفسر الامور المشتبهه هذه في ضوء المحكم.
وأيضاً شيء آخر يكون هنا مشتبه بمعنى لا نعرف حقيقته، لا نعرف الحقيقة، حقيقة صفات الله، لأن الله سبحانه وتعالى ابتلنا بذلك، فغاب عنا سبحانه وتعالى بذاته، فكيفية صفاته من الأمور المشتبهة التي نوكل علمها إلى الله سبحانه وتعالى. واضح يا إخوان؟ إذا نظرنا إلى الصفة، صفات الله من ناحية الكيفيات فهي مشتبهة، ولا يعلم تأويلها لا يعلم حقيقتها إلا الله جل جلاله، والراسخون في العلم يقولون آمنا به، لماذا؟ لأنه من عند ربنا سبحانه وتعالى، فنؤمن به على ما يليق بجلال الله، ونفوض كيفية صفات الله إلى الله جل جلاله.
المعنى الثاني أننا نفسر هذا المتشابه في ضوء المحكم، كما أن المحكم أن ذات الله ليس كسائر الذوات، فكذلك صفاته جل جلاله ليست كسائر الصفات، فنفسر هذه المعاني بأنها على ما يليق بالله جل جلاله. هذا، هذه طريقة أهل السنة والجماعة.
الأمور التي يكون فيها اشتباه في أمور الشريعة، فيها اشتباه لها أكثر من قول وعندنا أمور محكمة، فنختار التفسير الذي يوافق المحكم. هذا منهج أهل السنة والجماعة، يفسرون ما اشتبه عليهم من النصوص في ضوء المحكمات. والمحكمات محكمات الدين العقائد والشرائع واضحة بينة فليس عندنا إشكال في ذلك، أما أهل البدعة والضلالة فإنهم يختارون الأمر المشتبه ويجعلونه قاعداً ثم يأتون للمحكمات ويفسرونها في ضوء هذه المتشابهات. سناخذ فاصل ثم نعود نفصل بالأمثلة في هذا الموضوع لخطورته.
هل تحمل هم نفقات تطاردك ولا تستطيع تلبيتها؟ هل فكرت في أي حلول لسد هذه النفقات؟ أم أن أول ما تفكر فيه هو الاستدانه؟ فلتسال نفسك: هل ساقترض لامر ضروري؟ هل وقت الاقتراض مناسب؟ هل المبلغ الذي ساقترضه سيؤثر على ميزانية الأسرة؟ كيف سيسدد الدين وكم سيستغرق من الوقت؟
واعلم أن الدين وإن كان جائزاً إلا أن أمره خطير، ولذلك استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم». كما أنه صلى الله عليه وسلم لم يصلي على من مات وعليه دين. فلا ينبغي لعاقل أن يورط نفسه في الدين لأمور ترفيهية أو تكميلية، لأن الدين يصيب بالهم والغم، وقد يوقع في الكذب وإخلاف الوعد والمشكلات الأسرية.
ويستحب للدائن أن يخفف عن المدين، وقد وعد الله المقرض أجراً عظيماً على تفريجه كربة مسلم. ولا يجوز للمدين أن يماطل في رد الحقوق مع القدرة، ولتعلم أن النية الصالحة سبب في قضاء الدين، ففي الحديث: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله».
حياكم الله يا إخوان، كما وقفنا أنه سنذكر أمثلة لأهل البدع في موضوع المتشابه والمحكم لخطورة هذا الأمر. عرفنا منهج أهل السنة والجماعة يفسرون المشتبه في ضوء المحكم، انظروا إلى أهل البدعة والضلالة ماذا يصنعون.
مثال: قال الله عز وجل: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29]. ماذا يصنع أهل البدعة والضلالة؟ قالوا: الله سبحانه وتعالى جعل للإنسان الاختيار، فإذاً يكون لابد أن نجعل للناس حرية الكفر -عياذاً بالله- فمن أراد أن يكفر فله ذلك ولا يعاقب على اختياره للكفر بدليل هذه الآية. تركوا الآيات الكثيرة التي تنص، الآيات الكثيرة التي يتوعد الله عز وجل فيها الكفرة بالنار، يبين أنه ليس للإنسان أن يختار الكفر، وأن الله لا يرضى لذلك لعباده الكفر. وهذه الآية لو أكملوها، قال الله عز وجل: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: 29]. إذاً تكفر ومن شاء فليكفر ومن كفر فله العذاب الأليم، فليس هذا معناه أن الإنسان يدخل في الإسلام ثم له حرية الارتداد عن دين الإسلام، وأن ثم ناتي للنصوص التي تأمر أن من بدل دينه فاقتلوه، ناتي للنصوص الشرعية الواضحة في قتال هؤلاء المرتدين وغير ذلك ثم يلغيها، والسبب: أخذ نص متشابه.
خذ مثالاً آخر وهو أيضاً أخطر وهناك من يقول به، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: 62]. نص، أخذ هذا النص: فيه والذين هادوا، فيه النصارى، فيهم الصابئين، أنه من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً هذا الإنسان إلى الجنة، إذاً جميع الأديان توصل إلى مرضات الله، أنتم لماذا تقولون لابد من دخول الدين الإسلامي والايه عندنا كل الديانات صحيحة، كل الديانات توصل إلى الله وإلى مرضات الله، ويدعون إلى وحدة الأديان، يدعون إلى مثل هذه الأمور.
المحكم في ديننا ما هو؟ المحكم: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]. المحكم أنه بعد بعثة محمد صلى الله عليه وسلم لا يقبل الله التدين له بغير دين الإسلام الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، الشريعة المحمدية، لا يقبل الله سبحانه وتعالى ذلك. يترك هذه النصوص التي فيها يعني كثيرة جداً أمر الناس بالدخول في الدين الإسلامي والإيمان بالله وبرسول محمد صلى الله عليه وسلم وبأداء فريضة.
الحج يترك هذه النصوص كلها، ويتمسك بشيء مشتبه، وهذا المشتبه واضح بالنسبة لنا؛ المقصود به: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾ [البقرة: 62] قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، من كان منهم متمسك بدينه قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم فإن له أجره عند الله. واضح النص، لكن يشتبه ويأخذ هذا النص، ويجعله محكما، ثم يأتي للنصوص الشرعية الأخرى يقول: يجب أن نعيد فهمها لتوافق هذا النص، يجب أن نؤولها، يجب، وهكذا، فيفسرون المحكمات من النصوص في ضوء هذا المشتبه.
مثال آخر وهو خطير أيضا: عيسى عليه السلام من دلائل نبوته، كان يأتي للإنسان، يأتي للشخص الذي يكون أكمه، الأكمه يعني ولد أعمى، يأتي إليه ثم يأتي بشيء من الطين ويجعله في يده هكذا، ثم يضعه على عين، ثم يقول للناس: هذا الرجل ما رايكم فيه؟ قالوا: هذا أكمه، هذا لا يبصر، ولا يمكن أن يبصر، والطب يقول: لا يمكن أن يبصر. فيقول: أتشهدون أني رسول الله، لو يعني قلت: أشفى بإذن الله، لو دعوت الله عز وجل أن يشفيه تؤمن باني رسول الله؟ قالوا: نتحداك. فيأخذ هذه القبضة من الطين فيضعها على عين هذا الأكمه ثم يقول: بسم الله، اللهم اشفه. فما ينزع هذه القبضة من الطين إلا وقد شفاه الله سبحانه وتعالى.
يأتي لرجل أبرص الطب قال: لا أمل في شفائه، يأتي فيمسح عليه وإذا به سليم معافى. يأتي إلى رجل خلاص الطب قالوا: هذا انتهى ميت، قالوا: ميت، قالوا: ميت يا أيها الناس يا بني إسرائيل تشهدون أني رسول الله آيتك؟ قال: آيتي أني اقول يا الله إن كنت رسولك اشفي هذا الإنسان، فيقول: قم حيا بإذن الله، فيقوم حي بإذن الله. له آيات آيات عظيمة، يأخذ القبضة من الطين هكذا يصنعها فيصنع منها طير، صناعة الطير من القبضة من الطين في ذاتها شيء عجيب، هو شيء آخر ماذا يصنع بعد أن يصنع منه هيئة الطير؟ يقول: تشهدون أني رسول الله؟ ما علامته؟ قال: أني أطير لكم هذا الطير، هذا الذي هو معجون من الطين أقول له: طير بإذن الله، فيطير.
فأتى بآيات آيات عظيمة، ماذا يصنع مع أهل البدع هذه؟ هذه الآيات إنما هي لإثبات أنه رسول الله، قالوا: طالما أنه يحيي الموتى، وأنه يخبر عن بعض المغيبات، إذا هذا هو إله، إذا عيسى عليه السلام إله، فيدعونه من دون الله. والله عز وجل بين في نصوص كثيرة أن عيسى عليه السلام بشر، وأنه مخلوق مثل سائر البشر، لكن الفرق جعل الله عز وجل خلقه خلقته آية، أن خلقه من أم بلا أب، كما أن خلق آدم عليه السلام آية خلقه لا أب ولا أم، فالله سبحانه وتعالى خلق عيسى عليه السلام من أم بلا أب، ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59].
المقصود يأتون للايات المتشابهات: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، قالوا: إنا صيغة جمع إذا هذا دليل على التثليث. نقول: ما هذا؟ ما هذا اللعب؟ هذا لعب بالله عز وجل. يعني قال: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: 73]، ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: 72] الله عز وجل كفر من يقول إن له ولد، وهكذا.
فالمقصود ماذا يصنع أهل البدع؟ يأتون لمثل هذه النصوص المشتبهات فيجعلونها أصلا، وثم يأتون للمحكمات ويفسرونها في ضوء هذه المشتبهات، أما أهل السنة والجماعة فهم بضد ذلك. هذه قاعدة يا إخوان انتبهوا لها، مثلا نحن عندنا في ديننا أن الإيمان قول وعمل، هذا أصل لا شك فيه، أن الإيمان قول وعمل، وأن العمل عمل القلب وعمل الجوارح، وأن الإنسان لابد حتى يدخل الجنة أن يأتي بهذه الأركان الأربعة: أن يؤمن بقلبه، وأن يعمل أن يصدق بقلبه، وأن يعمل بقلبه، وأن ينطق بلسانه، وأن يعمل بجوارحه، هذا الدين عندما تقول أشهد أن لا إله إلا الله، تقول: أنا أعتقد أن الله سبحانه وتعالى هو المستحق للعبادة جل جلاله، وأقوم بعبادته وحده لا شريك له، لأنه معنى لا إله إلا الله هذا هو، أنا لا أعبد إلا الله جل جلاله، وأرى أن عبادة من سواه عبادة باطلة.
هذا هذا قوة يا إخوان، ماذا يصنع أهل البدع؟ يأتون إلى نص من هذا من هذه النصوص أنه مثلا يخرج الله عز وجل، يخرج الله عز وجل من النار أناسا لم يعملوا خيرا قط. هذا نص متشابه، هذا نص متشابه وهو على يعني هذا بالتسليمة أن هذا النص صحيح ولا هذا المتن هذا النص يعني فيه شذوذ، هذه الزيادة فيها شذوذ، لكن على التسليم هذا نص متشابه يجب أن تفهمه في ضوء المحكم. ما هو المحكم؟ المحكم هو لابد من العمل، وعمل الجوارح لابد منه لا سيما الصلاة، لابد الإنسان يعمل بجوارحه يلتزم العمل بمقتضى هذا الدين فيعبد الله جل جلاله، أما يترك عباده الله بالكلية لا يتعلم هذا الدين ولا يعمل به هذا ليس بدين الإسلام.
المقصود يجب أن نعرف هذا الأمر عن أهل البدع. بقي لنا قضية نريد أن نذكر بها أيضا أشرنا لها في المرة الماضية: أن أهل السنة والجماعة من تعظيمهم للنصوص الشرعية يرون أنها لا يمكن البته أن تخالف العقل. في المرة الماضية تحدثنا عن أن المتكلمين للاسف الشديد فرق الكلامية يقدمون المنهج الكلام على كلام الله وكلام رسوله، ذكرنا بعض المصطلحات، قال بعض الاخوه قد لا تكون يعني واضحه عندهم: العالم مكون من جوهر وعرض، جوهر وعرض هذه مصطلحات يونانية، وقال بالاستقراء وجدنا أن العالم إما أن يكون جوهر. الجوهر هو القائم بذاته ومثل يعني هذا الجسم مثل هذه النظارة، هذا قائم بذاته هذا يسمى جوهر. واللون الذي على هذا النظارة، هذا اللون يسمى عرض. العرض هو القائم بغيره ولا يقوم بذاته، الحركة والسكون يسمى عرض.
فالعالم بالاستقراء وجدناه إما أن يكون جوهرا وإما أن يكون عرضا. ثم هذا العرض لو سلطنا عليه الشمس زال، يعني بالمشاهده طبعا نختصر، طبعا لهم خلافات في اثبات يعني أن العرض حادث، لكن خذوا بالمشاهده مثلا الأعراض تزول، يعني هذه الحركة تزول ويأتي السكون، السكون بالدف تذهب، إذا فالأعراض حادثة. والجواهر الجوهر إذا كان مكون من أكثر من واحد يسمى جسم، فالجسم هو المركب من جواهر، والجوهر الجوهر الفرد هو يقولون: هذا الذي لا يمكن أن يقبل الانقسام. طبعا حتى هذا الكلام باطل، لكن نحن المهم أنا أريد أن أصل لقضية معينة الآن.
يقول: العالم مكون من جواهر وأعراض، الأعراض حادثة، والجواهر لا تخلو من الأعراض، إذا الجواهر حادثة، إذا العالم حادث ولابد له من محدث، إلى هنا ماشي لابد له من محدث. المحدث الآن علم الكلام المحدث، هذا لا يمكن أن يكون مثل العالم فلا يمكن أن يكون جوهرا، لا يمكن أن يكون جسما، لا يمكن أن يكون عرضا، لا يمكن أن تحله تحله الأعراض، إذا هذا ماذا سموها؟ سموها قواعد عقلية، هذا ايش هو علم الكلام؟ سموا هذه القواعد العقلية، سموا علم الكلام قواعد عقلية قطعية، ويقولون بها: اثبتنا أن الله سبحانه وتعالى موجود، ثم تدرجنا في اثبات الصفات حتى وصلنا إلى صفات الكلام، وأن الله متكلم، واثبتنا أن هذا القرآن كلام الله.
طيب، ثم ماذا قالوا؟ عندنا الآن الطريق هذا اللي هو الدليل العقلي اثبتنا به كلام الله، فالآن كلام الله يسمونه النقل وهو كذلك، وعندنا العقل، العقل عندهم ليس هو العقل الذي عندنا، يقصدون بالعقل علم الكلام. فعندهم علم الكلام الآن، وعندهم النقل، ماذا يصنعون؟ يأتون بالنقل فيضعونه في علم الكلام، فما قبله علم الكلام قبله، ما رفضوه علم الكلام رفضوه، هذا المنهج منهج منحرف منهج غير صحيح.
أما أهل السنة والجماعة ياتون بعلم الكلام ويضعونه في النقل في الوحي الإلهي، ما قبله من المصطلحات، هذه المصطلحات تسمى مصطلحات مجملة، فيقال: ماذا تقصد بالجوهر؟ القائم بنفسه، فالله قائم بنفسه. إذا تقصد بالجوهر المركب من أجزائه وركبه غيره، فالله عز وجل منزه عن ذلك.
ليس بجوهر بهذا المعنى. ماذا تقصد بالعرض؟ تقصد بالعرض صفات الله جل جلاله، فالله عز وجل بهذا المعنى تحل به الأعراض. أما إذا كنت تقصد بالعرض الأعراض والآفات، فالله عز وجل منزه عن ذلك.
نخلص ونختم هذه الحلقة حتى نأخذ موضوعات أخرى بإذن الله؛ إننا في ديننا عند أهل السنة والجماعة لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون هناك تعارض بين العقل، وهو الصفة الغريزة التي أنعم الله عز وجل بها على الإنسان الغريزة المدركة العلوم الضرورية العلوم النظرية اليقينية، هذه الأمور لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تتعارض مع النقل بل هي متوافقة معها.
أما عند أهل البدعة والضلالة علم الكلام علم الفلسفة علم الكشف، هذه تتعارض ويقدمون تلك الأمور على كلام الله وعلى كلام رسوله صلى الله عليه وسلم. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني واياكم من المؤمنين حقا وصدقا، وأن يملأ قلوبنا ويشرح صدورنا بهذا الدين الإسلامي. واستودعكم الله إلى حلقة قادمة، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيرا.
يا راغبا في كل علم نافع متطلعا لزيادة الإيمان، وتريده سهلا نوال ميسرا ياتيك ميسورا بأي مكان. زاد زاد أكاديمية ينبوعها صاف ليروي غلة الظمآن. هذه عقيدتنا الصحيحة فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهان. بشرى لنا أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
د. أبو زيد مكي القبي