السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أعينهم. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعلْه حجة علينا يا رب العالمين.
أيها الأحبه في الله، وصلنا بحمد الله إلى آخر أربع حلقات في المستوى الأول من مادة العقيدة في أكاديمية زاد، وهذه الأربع حلقات قد خصصت لقضية الإلحاد؛ الحلقة الأولى منها في الكلام في مراجعة أدلة وجود الله، والكلام عن أنواع الإلحاد وأسبابه، ثم بعد ذلك نستكمل بعض القضايا المتعلقة بقضية الإلحاد في الحلقات القادمة بمشيئة الله.
أيها الأحبه في الله، لو دخل علينا شخص، وقال هذا الشخص -ونحن في غرفة مجتمعين-: هذه الغرفة لم يبنها بانٍ. فنحن أمام هذا الشخص على أحد أمرين: إما أن نعتبره مجنوناً وتنتهي القضية؛ لأنه لا يمكن لإنسان وصل مرحلة الإدراك والتمييز أن يقول عن غرفة مبنية إنها لم يبنها بانٍ، بل بنت نفسها بنفسها، لا يمكن أن يقول عاقل هذا الأمر، لذلك نحن لا يمكن أن نناقش مثل هذا؛ لأن هذا مجنون فاقد الأهلية، هذا يحتاج إلى رعاية، يحتاج إلى مستشفى، يحتاج إلى كذا مدافعة، لكنه مجنون.
طيب، تبين لنا أن هذا الشخص ليس به جنون، بل إنسان عاقل ومُتعلم، إذا تبين لنا أنه إنسان عاقل ومُتعلم وليس به أي جنون، نحن نقول: هذا الشخص هو أحد أمرين: إما أن يكون لديه مشكلة مع صاحب الغرفة، فهو لا يريد أن يعترف به أصلاً، أو عندهم مشكلة أخرى تتعلق بالقوانين المنظمة لمن يكون بداخل الغرفة، عنده مشكلة مع هذه القوانين المنظمة لا يريد أن يلتزم بها، ما هو أسهل طريق عنده حتى يتفلت من الالتزام بهذه الأنظمه؟ أن ينكر أن لهذه الغرفة بانياً، حتى ينكر -يعني حتى يجحد حق بانِ الغرفة- أن يضع نظاماً لغرفته.
إذاً المشكلة، إذا وجدنا هذا الشخص عاقلاً متعلماً، فهو إما أن يكون لديه مشكلة مع باني الغرفة، أو مع أنظمه الغرفة؛ فهو لا يريد أن يعترف بوجود هذا الباني، والذي عنده مشكلة مع الأنظمه قد لا يكون لديه مشكلة مع الباني لها، قد يقول: أنا أعرف أن هناك بانياً، لكن هذا الباني لا علاقة له بالنظام داخل الغرفة.
أيها الأحبه في الله، من خلال هذا المثل، نقول: هذا الذي ينكر أن يكون لهذا الكون خالق، هذا مجنون، فإذا تبين لنا أنه ليس بمجنون، فهو أحد أمرين: إما أن يكون لديه مشكلة مع خالق هذا الكون، لم يفهم -يعني- حقيقة هذا الخالق، لا يعرف -يعني لا يعرف- أن ذاته مخالفة لجميع الذوات، أنه مخالف في أسمائه وصفاته للمخلوقات، هو لا يتصور هذا، عنده مشكلة في تصور هذا الخالق لهذا الكون؛ لأنه يراه أنه يكون من جنس هذا الكون، فلا بد له من خالق، فلذلك هو عنده مشكلة في تصور أن يكون هناك خالق مخالف للكون في ذاته، في أسمائه، في صفاته، وقد قُدم له خالق من جنس هذه المخلوقات، فلذلك هو ينكره، ينكر الخالق الذي هو من جنس هذه المخلوقات، وهو لا يظن أن هناك خالقاً آخر غير ما تعلمه في ديانته ونحو ذلك، فتكون عنده مشكلة مع قضية الخالق، أو تكون عنده مشكلة مع الدين الذي يقال له إن هذا الخالق لهذا الكون هو الذي وضع نظاماً للحياة، هو لا يريد أن يلتزم بهذا النظام، إما لعدم قناعته بهذا النظام وهذا النظام فيه أشياء مخالفة لعقله، أو هو طلباً لشهواته ونزواته لا يريد أن يلتزم بأي نظام يفرض عليه من خارج نفسه.
هذه حقيقة -يعني- موضوع الإلحاد، قبل أن ندخل في أسباب الإلحاد ونذكرها بالتفصيل، نريد أن نراجع ما تحدثنا -يعني- ذكرناه من قبل عن أدلة وجود الله سبحانه وتعالى. قلنا أيها الأحبه في الله إن أدلة وجود الله أنواع كثيرة، وكل نوع في داخله -يعني- مئات الأدلة، وذكرنا سبعة أنواع من أدلة وجود الله سبحانه وتعالى أخذناها بالتفصيل، الآن سنمر عليها بمراجعة سريعة.
الدليل الأول: قلنا هو دليل الفطرة، ودليل الفطرة معناها الخلقة التي خلق الله عز وجل الإنسان عليها، جعل في أصل خلقته، جعله مزوداً -كما زوده بالبصر وبالسمع وباللسان وباليد وبالقلب- زوده الله سبحانه وتعالى، زوده بقوتين: قوة تسمى قوة علمية، وقوة تسمى قوة إرادية؛ فجعل قوته العلمية تقتضي بذاتها -بذاتها- كما أنك الآن ببصرك يقتضي بصرك أن ترى الأشياء التي أمامك بمجرد أن -يعني- يصبح الإنسان لديه قدرة البصر، يعني ينظر، خلاص ينظر ما أمامه، مقتضى أن لديه البصر أن يرى ما أمامه، كذلك الله سبحانه وتعالى زودنا بقوة، بالقوة العلمية التي مقتضاها -مقتضاها- بمجرد أن تتحرك فيك القوة العلمية، يصبح الإنسان مميزاً، يصبح الإنسان لديه عقل، مقتضى هذه القوة العلمية تقول: بأن لهذا الكون خالقاً، وأن هذا الكون خالقُه واحد، هذه مقتضى القوة العلمية ومقتضى القوة الإرادية التي فيه، مثل قوة السمع التي فيه بمجرد أن تنمو قوة السمع يبدأ يسمع، يسمع الأذان، يسمع الأصوات، يسمع هكذا، القوة الإرادية التي خلقه الله عز وجل -خلقها الله عز وجل فيه- بمجرد أن -يعني- تتحرك تقتضي الميل لهذا الخالق، محبة هذا الخالق، الشعور بفضل هذا الخالق، وأن هذا الخالق يجب أن يشكر ويتوجه إليه بالشكر وحده.
هذه الله سبحانه وتعالى جعلها فطرة فينا، هذه الفطرة القوة العلمية والقوة الإرادية يحصل لها إفساد، أو يحدث لها تنمية من ناحية البيئة التي يعيش الإنسان فيها؛ فإذا ولد الإنسان في بيئة مسلمة، فإن هذه الفطرة تنمو، ويكون الإنسان مسلماً، مسلماً لكونه، لكون هذه القوة العلمية والقوه الإرادية قوة إسلامية، فتحصل لها التنمية، التنمية، التربية، يبدأ يتعلم الإنسان أمور دينه، الأمور التفصيلية، هذه الأمور التفصيلية يجدها الإنسان موافقة لفطرته للقوة العلمية والإرادية.
وإذا ولد الإنسان في بيئة الحادية، فإن هذه الفطرة يحصل لها الإفساد والتغيير، كذلك الآن في عصرنا الحاضر فإن هذه الفطرة يحصل لها الإفساد والتغيير، فإذا حصل لها الإفساد والتغيير تحتاج إلى إرجاع، تحتاج إلى نظر وإلى استدلال، أما إذا لم يحصل لها شيء من الإفساد، فإن مقتضى القوة العلمية والقوة الإرادية الإقرار بوجود الخالق وتوحيده.
كيف تصيغ دليل الفطرة؟ تقول: الإقرار بوجود الله أمر مفروض على ذهني فرضاً، الإقرار بأن هناك خالقاً لهذا الكون لا أحتتاج فيه إلى استدلال ولا إلى نظر؛ لأنه نابع من داخل ذاته من القوة العلمية والإرادية التي خلقني الله عليها، هذا دليل الفطرة، ولا يحتاج إلى نظر. هذا كيفية الاستدلال بدليل الفطرة، وأخذنا بعض التفصيلات فيه لا نحتاجها الآن، الآن فقط كيف تذكر أدله وجود الله على وجه الإجمال؟
هناك دليل الخلق والإيجاد، هذا دليل الخلق والإيجاد بعض الناس يحب -يعني- فيه شيء من التصعيب وهو سهل يسير، لكن أحياناً قد نصوغ بشكل -يعني- مطول؛ لأن بعض الناس يحب التطويل، يحب -يعني- شيئاً يفكر فيه، ولا هو أيضاً حتى دليل الخلق والإيجاد دليل سهل. تقول: رقم واحد -طبعاً- وعدد أفراد هذا الدليل بعدد مخلوقات الله، الدليل هذا معناه بشكل عام: أن الله سبحانه وتعالى جعل وجود كل مخلوق من مخلوقاته جعله دليلاً على وجوده، كل مخلوق من مخلوقات الله بعدد مخلوقات الله تكون أدلة وجود الله.
فتقول هذا العالم، تصيغه بالشكل التالي: العالم مخلوق، سيقول: وما الدليل؟ تقول: الدليل المشاهدة، دليل الإدراك الحسي. ناتي للإنسان، شهدنا أن هذا الانسان يموت، وشهدت أن هذا الإنسان يولد، يولد -يعني- مسبوق بعدم، يموت -يعني- يلحقه فناء، إذاً وكل الناس كذلك، إذاً فالناس مخلوق، المخلوق معناه ما سبق بعدم ويلحقه فناء. كل هذه المخلوقات -يعني- التي لم نشهد ولادتها، لم نشهد بدايتها، فإننا نشهد نهايتها، والتي لا يمكن أن نشهد نهايتها، العلوم الحديثة كلها تدل على أن هناك تناقضاً في طاقتها الحرارية، وأنها سيكون لها عمر وتُنتهي.
فكل هذه المخلوقات من الإنسان، من الحيوان، من الشجر، من حجر، كلها مخلوقة، والسماء كذلك. لو سلطنا النظر على جزء من السماء لوجدنا أن هذا الجزء فيه أشياء كانت معدومة ثم وجدت، ثم بعد وجودها تعدم. إذاً، فكل السماء كذلك، فالسماء والأرض والشمس والقمر والنجوم والكواكب والأفلاك كلها مخلوقة.
الدليل: المشاهدة والإدراك الحسي. أهل البدع دخلوا هنا في قضية: ما الدليل على أنها مخلوقة؟ دخلوا في قضايا واستخدموا مصطلحات، هذه المصطلحات يونانية أثرت عليهم بعد ذلك في باب الأسماء والصفات، وباب الربوبية، والقضاء والقدر، وغير ذلك. لكن نحن نستخدم هذا الدليل: العالم مخلوق، ما الدليل؟ الإدراك الحسي والمشاهدة، ورقم اثنين، ورقم أ، هذا نحتاجه أحياناً وقد لا نحتاجه.
المخلوق لابد له من خالق. طبعا تستطيع أن تقفز هذه، تقول: العالم مخلوق فلا بد له من خالق، هذا الإنسان الطبيعي. لكن أحياناً قد نحتاج إلى أن نذكرها من باب أن العالم مخلوق والمخلوق لابد له من خالق، سيقول: ما الدليل؟ تقول: الدليل ضرورة عقلية، هذه ضربة والضربة لابد لها من ضارب. تقول: هذه ضرورة عقلية، لابد أن نحتكم مع هذا الشخص الذي نحاور أن نحتكم إلى الضرورة العقلية. ناخذ فاصل أيها الأحبه ثم نكمل معكم بمشيئة الله.
هذا الدليل لم يكن العرب أهل علم بالحساب، ففي التقويم الشهري كانوا يعتمدون سير القمر ومنازله لحساب الأشهر، فجاء الإسلام وأقره لوضوحه وسهولة الأخذ به، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: 5]. فهو المعتبر في توقيت الفرائض من صيام وزكاة وحج، وبه تحسب الأعياد، وهو المعتمد في عدد النساء كثلاثة أشهر وأربعة أشهر وعشراً، والكفارات كشهرين متتابعين، وحول زكاة المال، كلها بالأشهر القمرية. قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ [البقرة: 189]. قال ابن تيمية: فالذي جاءت به شريعتنا أكمل الأمور، لأنه وقت الشهر بأمر طبيعي ظاهر عام يدرك بالأبصار. قال عليه الصلاة والسلام: «صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غمي عليكم الشهر فعدوا ثلاثين».
وأما التقويم السنوي فلم يكن للعرب قبل الإسلام تقويم خاص بهم يجمعهم كما عند الأمم الأخرى، فكانوا يؤرخون بالحوادث الفريدة والوقائع المشهورة عندهم كحادث الفيل وبعد مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، وفي عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه اعتمد التقويم بالأشهر القمرية المعهودة لدى العرب، على أن تكون بداية التاريخ من السنة التي هاجر فيها النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة، لأن الهجرة بداية عز الإسلام وقوته، فكان اختياراً مسدداً. فعن سهل بن سعد قال: ما عدوا من مبعث النبي ولا من وفاته، ما عدوا إلا من مقدمه المدينة. واستقر الرأي على أن يكون أول السنة شهر الله المحرم بعد أن ينتهي الناس من موسم الحج ويستريحوا من عناء السفر بعده، وابتدأ العمل بالتقويم الهجري عام سبعة عشر هجرية. فالعمل بالتقويم الهجري تمسك بالشرع واعتزاز بالهويه وتميز واستقلال.
حياكم الله أيها الأحبة، وصلنا في دليل الخلق، قلنا: العالم مخلوق، الدليل الإدراك الحسي، المخلوق لابد له من خالق ضرورة عقلية. إذا وقف هنا، هو سلم أن العالم مخلوق؛ أما إذا لم يسلم أن العالم مخلوق، هنا نبدأ في مناقشة إثبات البداية والنهاية لآحاد المخلوقات. فإذا أصبح ينكر الإدراك الحسي أن آحاد المخلوقات ليس لها بداية وليس لها نهاية، هذا مجنون لا نناقشه. أما إذا أقر بأن آحاد المخلوقات لها بداية ولها نهاية، إذاً فهي مخلوقة، ننتقل معه للأشياء الثانية.
المخلوق لابد له من خالق لأنه شيء كان معدوماً ثم وجد. شيء معدوم ثم موجد، طالما كان معدوماً ثم وجد فلابد له من موجد، هذه ضرورة عقلية. إذا لم يسلم بهذه الضرورة العقلية، نقول: ما نستطيع نكمل معك النقاش، لماذا؟ لأنك أصبحت تنكر الضروريات، والذي ينكر الضروريات يحتاج إلى أن ينمو عقله ويصبح إنسان يفهم، بعد ذلك نحن نستطيع أن نستمر معه. أما من أنكر الضروريات فهو مجنون، الفعل الحادث لابد له من محدث، هذا حتى الصبيان يعرفونها، حتى الأطفال الصغار يعرفونها. وتذكرون ضربنا مثالاً بالطفل الذي إذا صفعه شخص من الخلف والتفت سيسال: من ضرب؟ لو قيل له: هذه صفعة تكونت في الهواء ثم نزلت عليك، لا يقبلها، وهذه ضرورة عقلية.
طيب، العالم مخلوق والمخلوق لابد له من خالق. سلم بواحد وسلم باثنين، ما النتيجه يا إخوان؟ العالم مخلوق، وكل مخلوق لابد له من خالق. ما القضية الوسطى؟ مخلوق مع مشترك، هذا نحذفه، يصبح العالم لابد له من خالق. العالم لابد له من خالق، هذه تستطيع أن تصل إليها مباشرة: العالم مخلوق فلا بد له من خالق. وتستطيع أن تصوغها بالصيغة الكلية هذه: العالم مخلوق، المخلوق لابد له من خالق، العالم لابد له من خالق. سيقول: نعم، العالم لابد له من خالق، لكن من هذا الخالق؟
سيكون لدينا خيارات عدة. الخيار الأول: أن الخالق لا وجود له، بمعنى من غير خالق، بمعنى الذي خلق المخلوقات لا خالق له، من هو هذا الخالق؟ هو العدم من غير خالق! لابد له من خالق، طيب من الخالق؟ العدم! هذا مستحيل، مستحيل يعني شيء غير موجود ويوجد الموجودات! هو بحاجه إلى من يوجده أصلاً حتى يوجد غيره. إذا كان العدم من غير خالق، هذا لا يمكن، وهذه أيضاً قضية مستحيلة عقلياً ضرورة عقلية: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾ [الطور: 35]. من غير شيء، يعني من غير خالق، من غير خالق خلقهم، العدم هو الذي خلقهم، هذا لا يمكن.
طيب، الاحتمال الثاني، قالوا: نحن لا نقول الخالق هو طبيعة الأشياء، بمعنى أن الأشياء هي خلقت نفسها بنفسها! خلقت نفسها بنفسها، كيف؟ قالوا: هذه العناصر الموجودة في الكون: الهواء، الماء، التراب، النار، كذا، بعضهم يضيف غير هذه الأربعة، يضيف خامساً المعدن، بعضهم يقف على الأربعة، هذه العناصر حركتها الطبيعة التي فيها، ثم حدث لها اصطدام قوي جداً مع بعضها البعض فخلقت هذا العالم. قالوا: يوجد في الأشياء سنن وقوانين موجودة في ذاتها، هذه السنن والقوانين التي في ذاتها هي التي أوجدت العالم.
طبعا هذه أقوى شيء عندهم، وهذه حتى تعرفوا الملاحدة في هذه القضية، قد يظن الظان أنهم وصلوا إليها من خلال العلم التجريبي. انتبهوا لهذه القضية! هذه القضية: أن العناصر اصطدمت مع بعضها البعض فأوجدت العالم، هذه فلسفة ما قبل أرسطو، هذه فلسفة قديمة لم يثبتها المنهج الحسي التجريبي، لم يثبتها العلم الحديث، هذا غير صحيح. هذا المتخصص في الطب، هذا المتخصص في الفيزياء، هذا المتخصص في الفلك، عنده دراسات معينة بحس والتجربة وكذا، يظن الظان أنه وصل إلى هذه القضية أن هذه العناصر بطبيعتها أوجدت نفسها بنفسها، يظن أن هذا مقتضى العلم الحسي التجريبي!
هذا غير صحيح، هو ترك العلم الحسي التجريبي وبدأ يتفلسف. لما بدأ يذكر الفلسفة ويتحدث عن ما وراء الطبيعة، رجع إلى فلسفة ما قبل أرسطو، فلسفة مالتس، فلسفة فلاسفة ما قبل اليونان، هؤلاء كانوا ملاحدة، كانوا ملاحدة ينكرون وجود الله. لذلك عندما جاء من بعدهم قالوا: مستحيل هذه العناصر تصطدم يصطدم بعضها ببعضها من غير تدخل خارجي، ما الذي جعلها تصطدم الآن؟ ما الذي جعلها تتحرك؟ لابد أن يكون لها محرك.
فلذلك جاءت الفلسفات الأخرى قالت: المحرك هي قوة غيبية، هذه القوة الغيبية منبثة في داخل هذه العناصر. فكانوا الملاحدة أصحاب القول بوحدة الوجود، يعني يقولون: هناك إله، لكن هذا الإله أينه؟ أين وجوده؟ هو منبث في كل ذرة من ذرات هذه العناصر. فهذه القوة الغيبية المنبثقة هي التي أوجدت هذا العالم. وهذه فلسفة أيضاً قضية قديمة.
جاء أرسطو قال: مستحيل أن تكون هذه القوة الإلهية في داخلها، فستكون مخلوقة مثلها، لابد أن تكون خارج عنها حتى تكون مخالفة لها في وجودها في ذاتها في أسفائه وصفاته، هذا المنطق. فجاء بقضية المحرك الأول، وجاء بقضية الإله المنفصل، هذا الإله هو الذي حركه. طبعا ماذا حركه وكذا؟ الذي أريد أن أثيره هنا أن القول بأن الخالق هو
الطبيعة وأن عناصر الأشياء هي التي تحركت بنفسها، ثم اصطدمت فجأة، ثم كونت هذا العالم، وتكون هذا النظام في هذا العالم وهذا الإتقان في هذا العالم؛ هذا الكلام الذي قاله ملاحدة العصر الحديث وهم دكاترة في الطب، في الهندسة، في الفيزياء، في كذا. قد يظن الإنسان أنهم توصلوا إليه عن طريق المنهج الحسي التجريبي، وهذا هو الذي أريد أن أنبه إليه أن هذه فلسفة قديمة. فهم عندما جاؤوا يتحدثون عن الآلان رجعوا إلى آخر ما يمكن أن يتصوره الإنسان من الزمان، فعادوا إلى فلسفة ما قبل أرسطو وقالوا بها. هل هذا تقدم، هل هذه حضارة، هل هذا يعني إنما هم يوهمون الناس عندما يتحدثون عن بعض السنن والقوانين التي أثبتها الحس المنهج الحسي التجريبي، أنهم بمعرفتهم لهذه الأسباب ولهذه القوانين أنهم قد اكتشفوا الخالق، وهذا هو الخطأ.
الطبيعة يا إخوان تنقسم ما يذكرونه من قوانين تنقسم إلى قسمين: القسم الأول ما هو صحيح ومثبت علميا، وكثير منه قد جاء به القرآن، مثل خلق الإنسان كيف خلق الإنسان كيف وهكذا. فما يذكرونهم من قوانين منها ما هو صحيح ومنها ما هو باطل. فمنها ما هو باطل، هذا لا علاقة لنا به. ومنها ما هو صحيح، هو يتحدث عن كيفية سير هذه الأشياء كيف تسير، مثلا يقول الشمس والارض؛ الأرض عندما تكون بين الشمس والقمر تتوسط، تدخل درجة واحدة عن مسار يحدث الخسوف، يحدث الكسوف. لما يتحدث عن الخسوف والكسوف بهذه الطريقة، هو يظن أنه الآن هذه الطريقة هي التي بنفسها بذاتها هي التي خلقت الشمس والقمر والأرض، وهي التي جعلت الشمس والقمر والأرض تتحرك بهذه الطريقة.
المستمع الذي لأول مرة في حياته يسمع كيفية حدوث الخسوف والكسوف، فيسمع هذه القوانين، ويأتي ذاك الفيزيائي أو الفلكي فيقول: هذه القوانين هي التي أوجد الشمس والقمر والأرض، وهكذا يحدث الخسوف والكسوف؛ تحدث المغالطة فيظن أن كلامه كلاماً علمياً، وكلامه في الحقيقه إنما هي حيدة عن الجواب، إتيان بإجابة في غير محل السؤال. نحن لا نتحدث عن طبيعة الكون، نحن لا نتحدث عن كيفية حدوث الخسوف والكسوف، نحن نتحدث من خلق الشمس، من خلق القمر، من خلق الأرض؟ فياتي فيذكر لنا السنن القوانين، وقلنا: هؤلاء مثلهم مثل ذلك الأعرابي الذي كان يعيش في الصحراء، وليس له طريقة في الحصول على الماء إلا البئر، فلما جاء إلى المدينة فوجد الماء يخرج من الجدار، فقال، ثم تتبع المواسير فاكتشف أنها مرتبطة مثلا بتحليه مياه كان في مكان بهذا الشكل على البحر، فقال: أنا عرفت من أحضر الماء من البحر إلى داخل المنزل، أن الذي أحضر الماء هو المواسير.
الإجابة في بداية الأمر قد تبدو أنها صحيحة وهي ليست صحيحة، مغالطة؛ الذي أحضر الماء إلى داخل المنزل هو الإنسان، سواء الحكومة، صاحب المنزل، شركة المياه، السباك؛ الإنسان هو الذي أحضر الماء، الكيفية التي يحضر بها الماء هي عن طريق المواسير ولها دفع ولها أشياء معينة، وهكذا. المقصود الذين يتحدثون عن الطبيعة هم يتحدثون عن القوانين والسنن التي خلق الله سبحانه وتعالى بها الأشياء أو جعلها تسير وفق ذلك، خلق الانسان، كيف خلق الانسان؟ كيف خلق الله الانسان من التقاء النطفة بالبويضة يحدث التلقيح ثم تحدث العلقة المضغة الكذا الكذا الكذا. هم عندما عرفوا كيف يخلق الإنسان قالوا: من خلق الإنسان هذه الكيفية؟ هذا غير صحيح، هذه مغالطة. وهذا أقوى دليل عندهم وهو مضحك جداً؛ هذا أقوى شبهة عند هؤلاء الملاحدة في العصر الحاضر هو القول بالطبيعة ويظنون أنهم بهذا حلوا الإشكالية كلها وهم يتحدثون عن الكيفية.
ننتبه يا إخوان أعيد وأكرر هذه القضية، عندما يتحدثون عن السرعة والزمن والأشياء هذه، عندما يتحدثون عن كيفية عمل الثلاجة، كيفية عمل المكيف، كيفية عمل الأشياء المحسوسة التجريبية، هم يتميزون في هذا لأنها قائمة على الحس والتجربة، ويعيد الإنسان التجربة حتى يكون قوله بناء على استقراء، وهكذا، هذا شيء جميل ولا أشكال فيه. عندما يراهم أتقن الإنسان، يراهم أتقنوا هذا المجال، يظن عندما يتحدثون عما وراء الطبيعة أنه بناء على ما في هذا المجال، هذا خطأ. عندما يتحدثون عما وراء الطبيعة هم يرجعون إلى كلام الفلاسفة، إلى كلام الفلاسفة القدماء، فلذلك ننتبه إليهم.
العدم مستحيل، من غير خالق مستحيل أن يكون الخالق هو الشيء بذاته مستحيل. وكما ذكرنا يا إخوان في قضية الغرفة، مضحك يعني من يقول إن الغرفة بنت نفسها بنفسها! نضحك على هذا؛ فهو إما أن يصف كيف بنيت الغرفة فيقول: وضع أساس. طيب، من الذي وضع الأساس؟ وضعت البلوك في الأرض ثم بنيت ثم بعد ذلك وضع الأسمنت، ثم بعد ذلك وضع البوية، ثم بعد ذلك وضع. طيب، من الذي وضعها؟ قال: هكذا، أنا وصفت لك الكيفية، الكيفية هكذا هي التي خلقت الغرفة. هذا أمر مضحك، بل مضحك جداً.
ناخذ فاصل أيها الأحبه ثم نعود إليكم مرة أخرى بمشيئة الله.
القران كنز عامر بالفضائل والخيرات، وللوصول إلى فوائد هذا الكنز لابد من استعمال مفاتيحه، وهي آداب تلاوة القران. فمنها إخلاص النية لله تعالى، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أوائل من تسعر بهم النار يوم القيامة قارئ للقران يقال له: قرأت القران ليقال هو قارئ. ومنها التسوك والتطهر من الحدث الأصغر واستقبال القبلة، وعند البدء بالتلاوة يستعيذ بالله من الشيطان: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98]. ويرتل القران بتمهل وتبيين للحروف، وكان ابن عباس يقول: لإن أقرأ سورة أرتل أحب إلي من أن أقرأ القران كله.
ويستحب تحسين الصوت بالقران، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «زينوا القران بأصواتكم». وإذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ بالله من العذاب. ويستحب الاجتماع على تلاوة القران وتدبره وتدارسه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ودارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده».
حياكم الله أيها الأحبة، وصلنا أن القول بالطبيعة أمر مضحك، ويجب أن نعلم هذا، أن الطبيعة هي التي أوجدت العالم كمن يصف كيفية بناء الغرفة ثم يقول: هذه الكيفية هي التي بنت الغرفة. يبقى عندنا احتمال ثالث: أن يكون مخلوق يخلق مخلوقاً، مخلوق يخلق مخلوقاً، فمثلاً نحن خلقنا السماء والأرض، والأرض خلقت الحيوان، وهكذا؛ مخلوق يخلق مخلوقاً. أم خلق من غير شيء؟ أم هم الخالقون؛ يعني خلقوا أنفسهم بأنفسهم، الطبيعة؟ وهذا مستحيل. أم خلقوا السماوات والأرض؟ مخلوق يخلق مخلوقاً هذا غير ممكن، لماذا؟ عندما نقول هذا المخلوق خلق هذا، طيب، هذا المخلوق من خلقه؟ مخلوق سيخلق مخلوقاً، طيب هذا المخلوق من خلقه؟ فالتسلسل باطل ممنوع، يجب أن نصل إلى فاعل هو الذي بدأ خلق هذا العالم.
إذاً، العدم مستحيل، الطبيعة مستحيل، المخلوق الآخر مستحيل؛ ما بقي عندنا إلا أن يكون هذا العالم له خالق. هذا الخالق لهذا العالم يجب أن يكون مختلفاً في ذاته عن سائر المخلوقات، فذاته ليست كسائر الذوات، ووجوده لم يسبق بعدم ولا يلحقه فناء، وفي أسمائه وصفاته لا ند له فيها ولا نظير ولا مثيل من مخلوقاته، لا هو مثل شيء من مخلوقاته، ولا هناك شيء من مخلوقاته مثله. من هذا الذي لم يسبق بعدم؟ الأول الذي ليس قبله شيء. من هذا الآخر الذي لا يلحقه فناء؟ الآخر الذي ليس بعده شيء. من هذا الذي ليس كمثله شيء وهو السميع بصير عليم قدير حيي؟ من هذا؟ هو الله سبحانه وتعالى، وهذا الإله هو الذي يستحق أن يعبد وحده لا شريك له.
هذا الدليل يسمى دليل الخلق، الدليل الثالث يسمى دليل الأحكام والإتقان، ودليل الأحكام والإتقان يا إخوان مبني على مقدمتين. المقدمة الأولى: وجود الأحكام والإتقان في كل مخلوق من مخلوقات الله، انظر إلى أي مخلوق من مخلوقات الله سترى فيه آثار الأحكام، يعني مخلوق بشكل محكم متقن.
وذكرنا أمثلة كثيرة منها هذه اليد؛ حتى يكون الأمر سهلًا. انظر هذا الأحكام والإتقان في خلق هذه الأصابع، وكيف يجعل لها أنامل، وكيف يبعد الابهام عن الأربع الأصابع؛ هذا أحكام وإتقان حتى نستطيع أن نقبض على الأشياء ونمسكها. انظر إلى أي مخلوق من مخلوقات الله، أي مخلوق من مخلوقات الله، سترى فيه آثار الأحكام والإتقان.
هذا الأحكام والإتقان ما الدليل عليه؟ نقول: الإدراك الحسي. الإدراك الحسي يدل على وجود الأحكام والإتقان في كل مخلوق من مخلوقات الله. هذا الأحكام والإتقان، المقدمة الثانية، هذا الأحكام والإتقان في هذا المخلوق لا يمكن أن يكون من غير سبب أو يكون وجد لها لذاتها، لا يمكن، هذه ضرورة عقلية. هذا الأحكام وهذه الأربع الأصابع وتكون مختلفة في الطول ويبعد هذا، هذا أحكام وإتقان؛ هذا الأحكام والإتقان لا يمكن أن يكون من غير سبب، ولا يمكن أن يكون وجد لها لذاتها، ضرورة عقلية.
إذاً، لابد من وجود خالق عليم بهذه الخلقه، حكيم. خالق عليم حكيم، خلق المخلوقات بهذا الأحكام والإتقان، وهو الله سبحانه وتعالى، وهذا هو المطلوب إثباته. نصيغ بشكل آخر أسهل: وجود الأحكام والإتقان في كل مخلوق من مخلوقات الله، هذا الوجود، هذا الأحكام وهذا الإتقان، لابد أن يكون وراءه محكم متقن. يعني نستطيع أن نتجاوز المقدمة الثانية لكونها ضرورة عقلية، دائماً نستطيع أن نقفز وأحياناً من باب التطويل؛ لأن بعض الناس ما يحب التطويل، وإلا مفترض تقول: الأحكام الموجود في مخلوقات الله لا بد له من محكم متقن، وهو الله سبحانه وتعالى.
لكن نحن نستخدم مثل هذه لأن بعض الناس لا يحب هذا، تقول: وجود الأحكام والإتقان وهو ضرورة إدراك حسي، وتتحدث عن مظاهر الأحكام والإتقان في مخلوقات الله الكثيرة، ويكون هذا مجال واسع للنقاش. الأمر الثاني: أن هذا الأحكام والإتقان لا يمكن يكون هكذا من غير سبب، ولا يمكن أن يوجد له لذاته، فلا بد أن يكون هناك محكم متقن من خارجها، هذا المحكم المتقن عليم حكيم حي، وهو الله سبحانه وتعالى.
هناك دليل يسمى أيضاً دليل التخصيص، ودليل التخصيص قريب من دليل الأحكام والإتقان. دليل التخصيص يقوم على مقدمتين: المقدمة الأولى: وجود خواص مميزة لكل مخلوق من مخلوقات الله، وله هيئة مخصوصة بحيث لو لم يكن بهذه الخواص وبهذه الصفة وبهذه الهيئة لفسد. الدليل، نقول: الإدراك الحسي المشاهدة، مثال الآن في الإنسان: ماء الأذن ما طعمه؟ مر. وماء الفم عذب. وماء العين مالح. هذه من ناحية ايش التخصيص، تخصيص المياه، لماذا هذه مر وهذا عذب وهذا مالح؟ هذه مظاهر تخصيص وجود الخواص هذه ووجود الهيئة.
انظر هيئة العين كيف، أين مكانها؟ انظر هيئة الأذن وكيف تستقبل الصوت وهكذا الفم، وانظر للفم كم يكون مغلق، هذا تخصيص، هذا تخصيص لو لم يكن بهذه الخواص لكان فاسداً. لو كان ماء العين لم يكن ماء العين مالحاً إنما كان مثلاً عذب، ما الذي سيحدث لشحمة العين هذه اللحمة، اللحمة هذه تفسد، ما الذي يجعلها الآن محفوظة وما تفسد عبر هذا العمر؟ أن الماء مالح، من خواص الماء المالح يحفظ الأشياء التي فيه أن تتعفن، ولذلك كانت مياه البحار مالحة حتى تحفظ ما بداخلها من أسماك ومن حيوانات وهكذا ما تتعفن، والا لو كان كل شيء يموت فيها وكان ما استطعنا أن نعيش على الأرض من روائحها وهكذا، وماء الأذن مر ويبعث رائحة عجيبة طاردة للحشرات، لو كان هذا لو لم يكن مر إنما كان طعمه حلو ونام الإنسان على الأرض لدخلت الحشرات.
وماء الفم لو كان مالحاً أو كان مرّاً ما استطعنا أن نأكل ونتذوق الأشياء ونجد لها طعماً، يعني الذي ذا المقصود هذه ما نفصل؛ لأنه فصلنا فيها من قبل وهي واضحة جداً. وجود خواص مميزة لكل مخلوق من مخلوقات الله وله هيئة مخصوصة، لو لم يكن بهذه الخواص وبهذه الهيئة لفسد، هذه المقدمة الأولى. المقدمة الثانية: هذا التخصيص المدرك حسّاً لا يمكن أن يكون من غير سبب أو يوجد لها لذاتها، مثل ما ذكرنا في المقدمة، وهذه ضرورة عقلية. النتيجة: وجود خالق عليم حكيم، خلق المخلوقات بهذه الخواص ليتحقق في الكون النظام وينتفي عنه الاضطراب والتناقض، وهو الله سبحانه وتعالى. نستطيع أن نقفز المقدمة الثانية فنقول: وجود خواص مميزة في كل مخلوق من مخلوقات الله، هذه الخواص المميزة لا بد أن يكون لها مخصص، وهو الله سبحانه وتعالى.
هناك أيضاً دليل يسمى دليل التقدير. دليل التقدير: أننا نجد في مخلوقات الله مظاهر التقدير واضحة بدون زياده أو نقصان في أي مخلوق من مخلوقات الله، كما قال الله عز وجل: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: 8]، ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: 2]، ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾ [المؤمنون: 18]، ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]. يعني في الطول وفي الوزن، وهو قريب من دليل التخصيص.
هذا التقدير الموجود في، ما يزيد عن كذا، لو زاد عن كذا، نسبة المياه عن كذا لغرق العالم. مثال الشمس لو اقتربت قليلاً عما هي عليه الآن لاحترقت الأرض، الشمس لو كانت أبعد قليلاً عما هي عليه الآن لتجمدت البحار وما نعيش على الأرض، القمر لو كان أقرب قليلاً عما هو عليه الآن لما في يابسة، القمر لو كان أبعد قليلاً عما هو عليه الآن لجفت البحار، نسبة الأكسجين لو زادت قليلاً عما هو عليه الآن ما استطيع أن نشعل الثقاب، نسبة الأكسجين لو قلت قليلاً عما هي عليه ما نستطيع أن نتنفس. اه، إذاً كل شيء في هذا الكون له تقدير، هذا التقدير المتقن المحكم المدرك حسّاً لا يمكن أن يكون غير سبب أو يوجد لها لذاتها. النتيجة: وجود خالق عليم حكيم، خلق المخلوقات بهذا التقدير المتقن المحكم، وهو الله سبحانه وتعالى.
أيضاً يا إخوان من أدلة وجود الله دليل يسمى دلائل النبوة، كل دليل يدل على نبوة النبي، نبي معين أو جميع الأنبياء، كل دليل يدل على نبوة النبي فهو يدل على وجود الله؛ لأنه يقول: أرسلني الله، والدليل على أن الله أرسلني كذا وكذا، فاذا صح هذا الدليل فهو يدل على وجود الله. فكل الآيات والبراهين التي جاء بها الأنبياء للدلالة على أنهم رسل الله كلها تدل على وجود الله، نبينا صلى الله عليه وسلم هذا القرآن الذي أتانا به، تكثيره للطعام، تكثيره للماء صلى الله عليه وسلم، انشقاق القمر وغير ذلك من الآيات والبراهين التي جاء بها، إجابة الدعوات، النصر على الأعداء، نوع ما جاء به، الدين الذي جاء به، شخصيته وأخلاقه، وكل دليل دل على صدق الرسول فهو دل على وجوده.
أخيراً يا إخوان من الأدلة التي نذكرها وهي من الأدلة المعاصرة: دليل مكارم الأخلاق. وهم أنفسهم يقولون به، يقولون: الحياة لا تنتظم، حياة الناس لا تنتظم إلا بالاخلاق الاجتماعية. جيد، لابد أن، إذن لا بد أن نلتزم بالأخلاق الاجتماعية، هذه العقلانية تقول بهذا، الفطرة تقول إن الإنسان لابد أن يتحلى بالخلق والعقلانية تقول هذا. هذه الأخلاق التي يمارسها الإنسان مع مجتمعه لابد أن يثاب عليها إن أتى بها، وإن تركها لابد أن يعاقب عليها، هذه العقلانية. أسف، نعيد تلخيص دليل مكارم الأخلاق.
دليل مكارم الأخلاق يقوم على مقدمتين: مقدمة فطرة ومقدمة عقلانية. الفطرة: الأخلاق من الخير الذي فطر الله عليه عباده، كل انسان فيه وازع داخلي في فطرة داخلية على أنه يكون صادقاً، يكون أميناً، يكون حسن الخلق مع الآخرين، هذه فطرة، هذه فطرة، نازع فطري موجود في كل انسان يسلم به، هذا مسلم به. يعني هناك أخلاق فطرية أخلاق انسانية مشتركة عن جميع البشر، هذه تسمى نوازع فطرية.
الأمر الثاني: أن هذا الذي يلتزم بهذه الأخلاق لا بد أن يثاب، والذي يتركها لا بد أن يعاقب، هذه عقلانية. وجدنا في الواقع في حياة الناس أن هناك من يلتزمون بالأخلاق ولا يثابون، وأن هناك ناس يسيئون أخلاقهم ولا يعاقبون، فدل ذلك على أن هناك داراً، لابد دار أخرى غير هذه الدار التي نعيش فيها، هذه الدار يثاب فيها صاحب
الخلق الحسن، ويعاقب فيها صاحب الخلق السيئ. هذا مقتضى القول بالامر. حتى يحاسب الناس لابد أن يكون في هذا العالم إله مطلع على أعمال الناس؛ أن هذا الإنسان حسن الخلق وهذا الإنسان سيء الخلق، فلذلك يجازيهم في اليوم الآخر.
فهذه مكارم الأخلاق والتزامها، مكارم الأخلاق ووجودها فطرة والتزامها عقلاني يقتضي أن يكون هناك دار أخرى يثاب الناس على أعمالهم. مقتضى هذا الأمر أن يكون في هذه الدنيا، أن يكون هناك خالق عالم حكيم مطلع على أحوال الناس وهو الذي يجازيهم يوم القيامة.
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، وهو الله سبحانه وتعالى. نكتفي أيها الأحبة في الله بهذا القدر في هذه الحلقة، وفي الحلقة القادمة بمشيئة الله نبدأ في الحديث عن معنى الإلحاد وأنواع الإلحاد وأسباب الإلحاد. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.
يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً زياد الإيمان وتريد سهلاً النوال ميسراً يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد أكاديمية ينبوعها صاف ليروي غلة الظمآن. هذه عقيدتنا الصحيحة فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهان. بشرى لنازح أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.
د. أبو زيد مكي القبي