تسجيل الدخول

المحاضرة 20 - تعريف الإلحاد وأصوله

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.

أيها الأحبة في الله، في درسنا اليوم سنتذاكر بمشيئة الله تعريف الإلحاد، أنواع الإلحاد، أقسام الملحدين في العصر الحاضر.

تعريف الإلحاد؛ الإلحاد في اللغة هو الميل والعدول والانحراف عن أصل الشيء. يعني أصل الشيء الطريق بهذا الشكل، ثم يميل؛ هذا الميل، هذا العدول، هذا الانحراف يسمى إلحاداً، ومنه سمي اللحد لحداً؛ لأن الإنسان ينحرف، لأن الحافر هذا الذي يحفر اللحد ينحرف عن أصل الحفرة، الحفره هكذا للأرض للداخل وهو ينحرف يمين أو يسار، فسمي هذا الانحراف لحد. فهذا الإلحاد في اللغة هو الميل والعدول والانحراف عن أصل الشيء.

وأما في الاصطلاح هو الميل والعدول والانحراف عن ماذا؟ عن الحق؛ الميل والعدول والانحراف عن الحق الذي يجب اعتقاده أو عمله. إذاً فالإلحاد إلحاد اعتقادي وإلحاد عملي؛ فإذا انحرف الإنسان عن الواجب عليه، عن الحق الذي يجب عليه أن يعتقده، هذا يسمى ملحداً، وإذا انحرف الإنسان عن الحق الذي يجب عليه أن يعمله، يسمى هذا ملحداً. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا ۖ وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ﴾ يميلون عن الحق الواجب في أسماء الله سبحانه وتعالى ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: 180].

في العصر الحاضر إذا أطلق الإلحاد فإن المقصود به إنكار وجود الله سبحانه وتعالى، وهو إلحاد عن الحق الواجب اعتقاده في أمر هذا الكون، وأن هذا الكون لابد له من خالق، وأن هذا الخالق واحد، وأن هذا الخالق هو المستحق للعبادة، هذا كله يسمى إلحاداً. ولذلك هذا قمة الإلحاد؛ قمة الإلحاد إنكار وجود الله سبحانه وتعالى.

أنواع الإلحاد؛ الإلحاد ينقسم إلى قسمين: إلحاد في آيات الله الكونية، وإلحاد في آيات الله الشرعية.

الإلحاد في آيات الله الكونية أن تنكر أن هذه المخلوقات تنكر أن يكون لها خالق، تنكر وجود الله سبحانه وتعالى، وتنسب خلق الكون وتدبير هذا الكون لغير الله. ومنه القول بأن مادة الكون أزلية؛ العناصر الأربعة العناصر الخمسه، وأن هذه المواد هذه العناصر أزلية ليس لها بداية وليس لها موجد، وأن قوانين طبيعة المادة؛ الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوس، قوانين طبيعة المادة هي سبب التغيرات في الكون، وهذه التغيرات في الكون أيضاً هي سبب في تغيرات فكر الإنسان وفي مشاعرهم. هذا إلحاد في آيات الله الكونية.

الله سبحانه وتعالى قد جعل كل مخلوقات كل العالم هذا دليل على وجوده سبحانه وتعالى، حتى قال بعضهم: الحمد لله رب العالمين، العالم ما سمي عالماً إلا لكونه علامة على وجود الله سبحانه وتعالى. فعندما تأتي إلى العالم وتقول هذا العالم أوجد نفسه بنفسه، هذا العالم من غير خالق، طبيعة مادة هذا الكون، هذا العالم مادته أزلية، قوانين طبيعة المادة هي سبب تغيرات في الكون وفي فكر الإنسان ومشاعره، هذا كله إلحاد في آيات الله الكونية.

القسم الثاني: إلحاد في آيات الله الشرعية؛ آيات الله الشرعية الكتاب والسنة، فماذا تأتي؟ تميل وتعدل وتنحرف؛ الميل والعدول والانحراف بالنصوص الشرعية عن الحق الثابت فيها، إما بتحريف سماه الإنسان تأويل، تكييف، تمثيل، تعطيل، وغير ذلك، أو عصيان، لا يمتثل للأوامر والنواهي الواردة في النصوص الشرعية، هذا يسمى عصياناً، أو أنه يأتي إليها فيحرفها، فهذا يسمى إلحاداً. والالحاد تاره يكون في الأخبار في الأمور العقدية، وتاره يكون في الأمور الشرعية في الأوامر والنواهي.

عرفنا معنى الإلحاد في اللغة وفي الاصطلاح، والإلحاد إذا أطلق في العصر الحاضر، وأخذنا أنواع الإلحاد، فما أقسام الملحدين في العصر الحاضر؟

الملحدون الآن سنتحدث عن الملحدين الذين ينكرون وجود الله؛ الملحدون في العصر الحاضر ينقسمون إلى قسمين: أصحاب الإلحاد الإيجابي، وأصحاب الإلحاد السلبي. هذه من مصطلحات الكتاب الذين كتبوا في العصر الحاضر عن الإلحاد فاستخدموا كلمة الإيجابي والسلبي، ومنهم الدكتور صالح سندي حفظه الله عبر وسم الملحدين بهذا التعبير: إلحاد إيجابي، إلحاد سلبي.

ماذا يقصدون بالإلحاد الإيجابي؟ أصحاب الإلحاد الإيجابي يزعمون أن لديهم نظريات تثبت عدم وجود الله، وهم يسيرون في اتجاهين: اتجاه فلسفي قائم على مناقشات فلسفية، واتجاه علمي قائم على مناقشات فيزيائية. كم عدد أصحاب الإلحاد الإيجابي؟ عدد أصحاب الإلحاد الإيجابي الذين يزعمون أن نظرياتهم تثبت عدم وجود الله هؤلاء قلة قليلة جداً، وإن زعموا وإن أظهروا ذلك لكن هم في قراره أنفسهم يرون أن إلحادهم إلحاد سلبي.

ما هو الإلحاد السلبي؟ الإلحاد السلبي هم الذين يقولون بأن الأدلة لا تثبت وجود الله؛ الأدلة التي يقولها المتدينون لا تثبت وجود الله. هؤلاء هم أغلب الملحدين، والذين يزعمون أنهم من أصحاب الإلحاد الإيجابي هم في حقيقتهم إلحادهم إلحاد سلبي؛ لأنك عندما تأتي تحاورهم ترى أن النظريات هذه التي يقولها الفلاسفة أو الأشياء العلمية هي في الحقيقه لا تنكر وجود الله، لكن هو يزعم ذلك حتى يرتقي بنفسه، حتى يكون داعية للإلحاد؛ لأن المتشكك لا يصلح أن يكون داعية؛ اتباع الهوى والشهوات ما يصلح أن يكون دعاة للإلحاد.

فأصحاب الإلحاد السلبي هم الذين يقولون: الأدلة التي يذكرها المتدينون لا تثبت وجود الله، والأدلة التي عندنا من الفيزياء ومن النظريات العلمية ومن النظريات الفلسفية لا تثبت وجود الله؛ هم يزعمون هذا. هؤلاء هم أغلب الملحدين، ويسمون الملحدين اللاأدرية؛ اللاأدرية يعني ما يدرون، ممكن يكون خالق، ممكن ما يكون له خالق، ممكن يكون هناك إله موجود، وممكن وهم اتباع هوى وشهوات مثل ما ذكرنا يا إخوان. مشكلتهم مع أكثر شيء مع الاديان في ذاتها وليس مع وجود الله؛ أصحاب الإلحاد السلبي أكثر مشاكلهم مع الديانات الموجودة، بعضهم أصلاً لا يريد أن يلتزم، وبعضهم يرى أن ما في الديانات لا تصلح، مخالفة للعقل، وهذا لا شك أن الديانات الوضعية والديانات المحرفة ما فيها أحياناً لا يصلح للعصر فيكون سبباً حقيقياً لنفر الناس عن الدين. فهم شكاك أو اتباع هوى وشهوات أو ردود أفعال، أو هم أصحاب ردود أفعال الحالات النفسية، وبعضهم يقر بوجود الله لكن لا يقر، يسمى هؤلاء الملحدين الربوبيين؛ يقر بوجود الخالق لكن يزعم بأنه فني بعد وجوده أو لا علاقة له بخلقه. لذلك هم ضد الديانات الموجودة.

إذاً الملحدون في العصر الحاضر أصحاب إلحاد يقولون بأن لديهم أدلة تثبت عدم وجود الله، وهؤلاء قلة قليلة جداً، وأصحاب إلحاد يقولون الأدلة غير كافية لإثبات وجود الله، هؤلاء يسمون إلحاداً سلبيأ، وهؤلاء يسمون إلحاداً إيجابياً. أصحاب الإلحاد الإيجابي هم أكثر الدعاة، هم أكثر النشاط، هم الذين يظهرون في الساحه ويحركون أصحاب الإلحاد السلبي. أصحاب الإلحاد السلبي ليس لهم دافع إلا مقاومة الأديان، ما في الأديان من موضوعات هم يناقشونه فيها. أصحاب الإلحاد الإيجابي مشكلتهم مع الخالق سبحانه وتعالى لا يقرون بوجوده، ويقولون بأن لديهم نظريات، هذه النظريات فلسفية أو علمية تثبت أن الكون أوجد نفسه بنفسه، ويقولون بالطبيعة.

نريد يا إخوان نلخص المصطلحات التي مرت علينا في هذا المقطع:

معنى الإلحاد في اللغة: هو الميل والعدول والانحراف عن طريق الحق.

الإلحاد اصطلاحاً: هو الميل عن الحق الذي يجب اعتقاده أو عمله.

الإلحاد في الآيات الشرعية: الميل بالنصوص الشرعية عن الحق الثابت فيها إما بتحريف أو عصيان.

الإلحاد في آيات الله الكونية: نسبة خلق الكون وتدبيره لغير الله.

الإلحاد في العصر الحاضر: إنكار وجود الله.

الإلحاد الإيجابي: يزعم أصحابه أن...

لديهم أدلة تثبت عدم وجود الله، الإلحاد السلبي يزعم أصحابه أن الأدلة لا تثبت وجود الله، الملحد الربوبي يقر بوجود خالق لكنه يزعم بأنه لا صلة له بخلقه بعد أن خلقه أو فني بعد أن خلقه. طبعا هم لا يريدون الالتزام بما يقال إنه دين هذا الخالق الذي وضعه ويجب علينا أن نتدين به.

ما أسباب ظهور الإلحاد أيها الأحبة في الله؟ تذكرون في الحلقة الماضية ذكرنا قضية الغرفة وبأن الغرفة ونظام الباني لهذه الغرفة، تذكرون قلنا إما أن يكون هذا الشخص مجنوناً وهذا ننتهي منه أو غير مجنون، فمشكلتي مع باني الغرفة أو مع النظام؟

أغلب أسباب الانحراف هو بسبب التصورات الموجودة في بعض الديانات المنحرفة عن هذا الخالق، وأيضاً عن هذا النظام لهذا الخالق، ثم هذا يوجد في هذه الديانة ما يعارض مصالح الناس وحياة الناس واستمتاع الناس بالطبيعة، ثم وجد من يهيج هذا الخلاف، ثم لم يأتِ الدين الحق الموضح. نوضح هذه حتى تفهمون القضية، في أوروبا الديانة النصرانية ماذا تصورت للناس الخالق؟ الخالق هذا عندهم أنه بشر، وأن هذا الخالق خرج من بطن امرأة، وأن هذا الخالق مكون من ثلاثة آلهة؛ من الابن وروح القدس والأب. الأب له أعمال، الابن له أعمال، روح القدس له أعمال، إله واحد لا شريك له. هذا أمر في التصور عن الخالق لا يقبله العقل، هذه مشكله جعلت بعض الناس ينفرون من هذا الخالق.

ناخذ فاصل ثم نعود إليكم نستكمل الموضوع.

ياخذ بيدك ليرقى بك إلى أعلى المنازل، يقف معك وينافح عنك وقت الضيق والكرب، إنه القرآن. ففي الحديث يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة اقرا واصعد، فيقرأ ويرصع بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شيء معه. وحين تأتي أهوال يوم القيامة وشدائده لا يتخلى القرآن عن أصحابه، يقول عليه الصلاه والسلام: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه». بل إن القرآن ينفع صاحبه بكل حرف منه، إن القرآن يرفعك وينفع في الدنيا والآخرة. وفي الحديث: «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها». لذلك استحق صاحب القرآن أن يغبط عليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين؛ رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار». فكن مع هذا الصاحب الوفي وعش في رحابه، فانت في صفقة رابحة وتجارة لن تبور. ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ [فاطر: 29].

حياكم الله أيها الأحبة، قلنا في الديانة النصرانية فيها تصوير للخالق، هذا التصوير للخالق نفر الناس من هذا الخالق. عندما ياتي شخص ويقول لك هذا الخالق عبارة عن إله واحد لا شريك له ثم هذا الخالق هو أب وهو ابن وهو روح القدس، ثلاثة في الوقت ذاته هو واحد، كيف يقبلها الإنسان؟ قالوا: إذا أردت أن تكون نصرانياً حقاً فدع عقلك هنا واتبعنا؛ لأنه لا يمكن أن تفهم هذه القضية.

ثم يقولون هذا الخالق -شوف كيف التصوير المنفر- هذا الخالق خلق آدم وحواء ثم حرم آدم أن يأكل من شجرة المعرفة، مشكلة هذه! ثم عندما أكل آدم من شجرة المعرفة رغم أنه تاب وندم وتاب الله عليه، أنه بقي محملا بالخطيئة وورثها للأجيال لأبنائه كلهم، فكل مولود يولد محملاً بالخطيئة. العقل يقول: طيب الابن لم يخطئ، الذي أخطأ هو الأب، والأب تاب واستغفر والله قبل توبته، والله سبحانه وتعالى عاقبه فأنزله أرضه، فلماذا تبقى هذه الخطيئة يحمل بها هؤلاء الأولاد؟ هنا العقل لا يقبل مثل هذه الأشياء.

ثم يقولون وهذا الأب، هذا الخالق من رحمته يريد أن يرحم عباده، ومن عدله لابد أن يعاقبهم. يعاقبهم على ماذا؟ يعاقبهم على شيء لم يعملوه، لكن من عدله أن يعاقبهم ومن رحمته أن يعفو عنهم، فماذا صنع؟ أنزل ابنه، ابنه الوحيد -يعني يبدا الانسان ينفر منها- أنزل ابنه الوحيد في الأرض فماذا؟ ليصلب هذا الابن الوحيد، فإذا صلب يتحمل عن كل من تبعه وآمن به، يتحمل هذه الخطايا عنهم، فهذا الصلب لهذا الابن يعتبر كفارة لكل الأبناء الذين آمنوا به، والذي لم يؤمن به يبقى محملاً بالخطيئة وله نار جهنم. فمن عدل الله أن صلب ابنه الوحيد من أجل أن يتحمل خطايا من من آمن به وأتباعهم، ويصبح لهم الخلاص، يخلصون من هذه الخطيئة التي حملوا بها فيدخلون الجنة، والذي لم يؤمن لا خلاص له، لم يؤمن بهذا الابن، ومن رحمته يعفو عنهم بسبب إيمانهم بالمسيح، ومن عدله أن عاقب ابنه الوحيد. هذه الأمور كيف يتصورها الإنسان؟ كيف يقبلها الإنسان؟ كيف يقبل هذا الصلب ويقبل هذا الفداء ويقبل هذا التثليث وهذه العقائد في هذا الإله، ويكون هذا الإله بهذه الصفة خلق هذه السماوات والارض والافلاك والشمس والقمر وهو خرج من بطن امرأة وأمه معروفة؟ هذه القضايا تجعل الإنسان ينفر من هذا الخالق الذي هذه صفاته، هذه عقيدة غير مقبولة عقلاً ولا فطرة.

ثم يا إخوان انظروا لأمور الشريعة، أمور الشريعة يأتون فيجعلون أن الدنيا والآخرة طريقان متوازيان، إما أن تكون مع أهل الدنيا أو تكون مع أهل الآخرة، وأن هذه الدنيا وما فيها من ملذات محرمة عليك، وأمور سيئة، الزواج سيء، الأكل سيء، الشرب سيء، ولو استطعت أن تحارب هذه النوازع الفطرية التي فيك لتنتقل للآخرة فشوهت سيئة وأنه كذا. هذا الإنسان العاقل يقول: لينا بنتمتع بالطبيعة، نتمتع بهذه الخيرات، نتمتع في الأرض من مأکولات من طيبات من شراب من زواج. لذلك يا إخوان نحن ننبه هنا، ولعلنا نستطرد هنا وننبه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد حذر من هذا الفكر أشد التحذير، الانقطاع الكلي عن الدنيا وتحريم طيبات هذه الدنيا هذا مما جاء الشرع بالنهي عنه، ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: 32].

تعلمون قصة الحوار الذي دار بين الأخوين في الله من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، دار الحوار بين سلمان وبين أبي الدرداء، وقد آخى بينهما النبي صلى الله عليه وسلم في بداية الإسلام، الإخوة المعروفة بين المهاجرين والأنصار. فعندما زار سلمان أبا الدرداء في بيته فوجد زوجته متبذلة، حالة الأرمله التي مات زوجها، الأرملة إذا مات زوجها تبدأ تترك الزينة تترك الأشياء، فراها متبذلة فقال: ما شانك؟ قالت: أخوك أبو الدرداء ليس له حاجة في الدنيا، وفي بعض الروايات في نساء الدنيا، خلاص هو يريد يعني ماذا بقي له في هذه الدنيا؟ بقي بدنه، وإلا هو أصلاً في جملة الأموات في اليوم الآخر، فهو يصوم ويقوم الليل ولا يتمتع بالطيبات ولا يأكل ولا يشرب إلا ما يسد رمقه ولا يأتي النساء.

فعندما جاء أبو الدرداء وصنع لسلمان طعاماً قال له: كل فإني صائم، أبو الدرداء يقول له: كل أنت أما أنا فإفصائم فأعذرني لكن كل أنت، قال: لا آكل حتى تاكل، فجعله ياكل فأكل. ثم عندما جاء الليل ذهب أبو الدرداء يريد أن يقوم فقال له: نم، فنام. ثم أراد أن يقوم بعد ذلك منتصف الليل قال له: نم، ثم في آخر الليل قال: أما الآن فقم، وقام وصلى.

ثم قال سلمان رضي الله عنه -سلمان رغم أن فضله ومكانته في الإسلام أقل من مكانة أبي الدرداء، أبو الدرداء بدري، وبل يعني ممن شهد العقبة كذلك وشهد المشاهد بعدها، وأما سلمان فهو يعني شهد الخندق وما بعده- لكن سلمان خبير بالبدع في الأديان، خبير بهذه الانحرافات، فيرى أن هذا ليس من دين الإسلام، فقال له: إن لربك عليك حقاً، وإن لبدنك عليك حقاً، وإن لاهلك عليك حقاً، فأعط كل ذي حق حقاً. هذا دين الإسلام، هذا الدين الذي يجمع بين الروح والبدن، يجمع بين الدنيا والآخرة، يجمع بين الفرد والمجتمع، دين عجيب هذا دين الإسلام. النصرانية وأهل البدع ممن في الإسلام يحاولون النصرانية.

ورهبانية ابتدعوها أتوا بهذه الرهبانية. وممن في من الفرق المنحرفة في الإسلام من يرون أن الانقطاع الكلي عن الدنيا هذا من أفضل الدرجات بالنسبة لمسلم، وهذا انحراف. قد يقول قائل: أراك أو أراكم تشددون في هذه القضية؟ نعم نشدد في هذه القضية لأنها سبب من أسباب الإلحاد، سبب من أسباب انصراف الناس عن التمسك بالدين. فبعضهم يقول: لا هذه قمة الروحانية، بالله عليك لما أنا أخلو وأبقى في غرفة من الغرف متفرغ لعبادة الله، صائم النهار، قائم الليل، لا أتزوج النساء، ليس لدي عمل، اكتفي بحبة التمرة والتمرينة وأعيش هكذا روحانية قمة الروحانية؟ كيف تنكر مثل هذا، هذا إخبات، هذا منزلة عظيمة، هذا كذا؟

يا إخوان، هذا الأمر تشويه للإسلام في عقيدته وفي شريعته، هذا الأمر إضعاف للمسلمين في قوتهم المادية. النصرانية عندما اتجهت هذا الاتجاه كانت سبباً في انصراف الناس عن التمسك، يعني هو دينهم منحرف فانصرفوا عن ذلك وكرهوا الأديان، حتى الدين الحق الدين الإسلامي كرهوه معهم. كيف؟ وعندهم أسرار وعندهم أشياء لا يقبلها الإنسان؛ مثلاً: انسان أخطأ أذنب، نحن الإنسان أخطأ أذنب يتجه إلى الله سبحانه وتعالى، يصلي ركعتين، يدعو الله سبحانه وتعالى أن يغفر له ذنوبه.

هم عندهم: إذا أردت أن تتوب لابد أن تعترف، تذهب إلى قسيس يجلس هكذا -يعني إذا كان الأمر سري أنت لا تريد أن يراك- فانت تكون في غرفة، وفي غرفة ويكون هناك فتحة هو يجلس هكذا يضع أذنه هنا، تأتي أنت باتجاه الأذن ثم تقوم بالاعتراف، ثم هو يقيم ذنبك فيقول: ادفع عشرة آلاف، ادفع عشرين آلاف، ادفع ثلاثة آلاف، ثم يقول لك: غفر ذنبك. هذا الأمر الإنسان العاقل لا يقبل مثل هذه الأشياء، من بدع دل ذلك على أن هذا الدين باطل، وأن الأديان كلها باطله وأنها من وضع الناس، فيكون هذا الأمر سبب لانصراف الناس عن التمسك بالدين الحق.

يرون مثلاً أنه التعميد طفل مولود، هذا الذي يولد يولد ما عليه خطيئة، لماذا هذا التعميد؟ يأتي فيغمس في الماء، يقولون: حتى يطهر من الذنوب ليؤمن بعيسى عليه السلام، فيكون الخلاص له من طفولته أربعين يوم ويعمد. ولو مات هذا الطفل قبل تعميده -يعني مثلاً عدت الأربعين وأبوه ما عمده فمات- اختلفوا حتى قال بعضهم: هذا لا يكون له خلاص، هذا يكون كافر ويعاقب الابوان، وبعضهم قال: هؤلاء من أصحاب الأعراف. وهكذا، ذكروا أشياء عجيبة في هذا الأمر.

أيضاً يعني عندهم شيء، سر الزيت المقدس هذا العجيب، يعني أن يعمد به الإنسان وخاصة المرأة وهي كبيرة، ومن المواطن التي يمسح بها زيت الميرون هذا يعني الفرج، ومن الذي يقوم به؟ يقوم به رجل، هذه أشياء لا يقبلها الإنسان، لا يقبلها وقد يكون معها زوجة وقد تكون من غير زوجها، ويكون في مكان ثم يأتي يعمدها في خمسة وثلاثين موضع أو كذا يمسح عليها، هذه كلها أشياء لا يقبلها العقل.

كيف نشرب الخمر وناكل الطعام فكأنما شربنا دم المسيح؟ كأنما أكلنا لحمه، فاختلط اللحم والخمر بدماِئنا فكأنما اختلط عيسى بدمائنا؟ وهكذا، هذه أمور كثيرة لا يقبلها سر التعميد، سر العشاء الرباني، سر الاعتراف، سر الزيت المقدس. أيضاً انسان عند وفاته ياتي فيصلي له، هذه صلاة المحتضر وتكون هذه الصلاة يعني مغفرة لذنوبه فيها عبادة صور وتماثيل وهكذا. هذه الأشياء جعلت الناس ينفرون من هذا الدين النصراني فنفروا من الأديان وأنكروا وجود الخالق، هذه من الأسباب التي تذكر، فاصل ثم نعود إليكم ونكمل هذه الأسباب.

من أعظم الأخطار التي تهدد المجتمع وتجعل بناءه هشاً ضعيفاً، جهل المرأة بما تحتاج إليه من أمور دينها ودنياها وشؤون حياتها. فهي الساعد الآخر لبناء المجتمع، فالمراه الجاهلة لا يمكنها القيام بتربية صحيحة أو إعانة لأبنائها على التعلم والرقي، بل ربما أنشأته على أفكار خاطئة أو معتقدات فاسدة. فبالجهل تتبرج المرأة فتفتن نفسها وغيرها، وبالجهل تضيع المرأة حق زوجها وتنفر من البيت فيتفرق شمل الأسرة.

وبجهل وقعت كثير من النساء في الخرافات والسحر والشعوذه. فالواجب على المرأة أن تحرص على طلب العلم وألا يمنعها الحياء من ذلك، فانه لا حياء في طلب العلم، كما قالت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: نعم النساء نساء الأنصار لم يكن يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين.

مجموعة زاد تقدم لكم نخبة مميزة من إصداراتها: كتاب كيف عاملهم صلى الله عليه وسلم للشيخ محمد صالح منجد، أربعون نصيحة لإصلاح البيوت، أدرك أهلك قبل أن يحترقوا، المجمعات التجارية، زاد الحج، زاد الصائم، طوب للشام، كيف تقرا كتاباً، معاني الأذكار. لمزيد من المعلومات يرجى زيارة المواقع التالية.

حياكم الله أيها الأحبة في الله. هذا يعني ما ذكرناه من الأسباب يتعلق بالديانة النصرانية في ذاتها، هذه الديانة النصرانية كانت منفرة للناس من الدين ومن الأديان وجعلتهم ينكرون، إذا كان هذا الدين من وضع الخالق نحن ننكر وجود خالق.

أيضاً يا إخوان رجال الكنيسة كان لهم يعني دور في تنفير الناس من الدين ودفعهم إلى الالحاد عياذاً بالله. رجال الكنيسة أول شيء جعلوا أنفسهم وسطاً بينهم وبين الله وهذا الذي نحذر منه، نحذر منه أن يكون في دين الإسلام، فبعض الناس يرى أنك انسان مذنب مقصر مخطئ لا يمكن أن تاتي إلى الله مباشرة فتقول: يا الله اغفر لي. طيب ماذا تصنع؟ تذهب إلى الأولياء في قبورهم ثم تذبح لهم، تنذر لهم، تستعيذ بهم، تستغيث بهم حتى يكونوا وسطاء بينك وبين الله سبحانه وتعالى.

هذا دين الكنيسة، هذا دين الكنيسة هذا ليس من دين الإسلام، هذا الشرك، هذه الوثنية، هذا مما ينفر الناس عن الدين الإسلامي. فياتي شخص ويقول: هذا من تعظيم الله. هذا ليس من تعظيم الله، فبعض الناس للاسف الشديد يرى أن الله سبحانه وتعالى ملك الملك جل جلاله يراه أنه مثل ملوك الدنيا، فملوك الدنيا يحتاجون إلى من يبين لهم حاجات الناس فيكون هناك بينك وبينها ملك الدنيا وسطاء وشفعاء، فيظن أنه كذلك حال الله جل جلاله يحتاج إلى وسطاء وشفعاء. هكذا فعلوا رجال الكنيسة وجعلوا أنفسهم وسطاء وشفعاء بين الناس وبين الله سبحانه وتعالى.

أمر ثانی، عندما يسمعون عن نظرية ما، نظرية مثلاً في الشمس، يكون هذا الشخص الذي يتحدث عن هذه النظرية يكون من رجال الكنيسة، فقال مثلاً: أن الشمس تدور وتلف حول جبل معين تذهب هناك وتلف، إذا اختفت خلف الجبل يحدث الليل ثم إذا أكملت الدورة حدث النهار. فقاموا ماذا صنعوا؟ يأخذون هذه النظرية ويدخلونها ضمن الدين الكنسي، يدخلونها ضمن الإنجيل، ثم يأمرون الناس بعد ذلك باعتقادهم أن الأرض مسطحة، أن الأرض هي مركز هذا الكون مثلاً، وأن الأرض مثلاً ثابتة أو أشياء كثيرة يعني مثلاً يذكرونها ثم يدخلونها ضمن العقائد، هذه الأشياء العلمية يدخلونها في العقائد ثم يتبين بعد ذلك أن هذه الأمور باطلة، إذا هذا الدين يكون باطل.

أيضاً فرضت عليهم العشور، فرضت عليهم السخرة، فرضت عليهم الخضوع المذل لرجال الدين. العشور يعني عشر مالك تدفع للكنيسة، طيب من ياخذه؟ ياخذه رجال الكنيسة الذين لا عمل لديهم إلا أنهم متفرغون لهذا، وأخذوا هذه العشور فصاروا من الأغنياء مثل كأنهم أصحاب كأنهم يعني مثل رجال الإقطاع. فصار رجال كنيسة أغنياء مثل أصحاب الإقطاع، لكن أصحاب الإقطاع غناهم بسبب عملهم، ورجال الكنيسة غناهم بسبب ماذا؟ ما يأخذونه من عشور يأخذونه لأنفسهم لا للمساكين ولا لله.

ولا أيضاً السخرة، تفرض عليهم أن يأتوا يوم في الأسبوع ويشتغلوا في الكنيسة سخرة يعني من غير أجر، ثم إذا رأيت هذا الرجل من رجال الكنيسة يجب أن تخضع وتذل إليه وتطيعك لك. وهكذا، طيب يقولون: تحملنا مع هذا كله تحملنا، لما صارت الثورة على رجال الإقطاع وعلى الملوك الذين ساموا الناس الذل والهوان، وأراد الناس أن يتمتعوا بكراماته بحرياتهم، يريد الواحد منهم أن يتعلم، يريد الواحد منهم أن يسافر، يريد الواحد منهم أن ينتقل المزرعة، رجال الإقطاع يملك الأرض ومن عليها وليس لك في الأرض إلا الأكل والشرب واللباس والباقي أنت عبد ولا يمكن تنتقل.

إلى مزرعة أخرى، وهكذا شيء عجيب. فلما ثار الناس على الإقطاعيين وعلى الملوك، وأرادوا أن يتمتعوا وأن الناس كلهم سواسية، وأن الناس لهم كرامات ولهم حقوق ولهم أشياء.

ثاروا وتوقعوا أن يكون رجال الكنيسة، فهم قد خدموا رجال الكنيسة خدموه، توقعوا أن يكون رجال الكنيسة معهم يساعدون الناس في الاستمتاع بحرياتهم وكراماتهم، فتفاجئ أن رجال الكنيسة يقفون ضدهم مع رجال الإقطاع، فسارت الثورة ضد، وحتى قال بعضهم: أشنقوا آخر ملك بأم مع آخر قسيس. فهذه النفرة منهم جعلتهم ينفرون من الدين.

إذا يا إخوان، فساد وطغيان رجال الدين ونظام الكنيسة، الفساد والطغيان كان من أسباب انصراف الناس في أوروبا عن الدين وإنكار وجود الله: فساد أخلاقي، عدم التزام ديني، طغيان علمي، طغيان عقلي، طغيان سياسي، طغيان مالي، طغيان روحي، صكوك غفران، محاكم تفتيش، مساندة الكنيسة لنظام الإقطاع، إلى غير ذلك مما يدرس في الأديان النصرانية في نقد الأديان النصرانية. لكن نحن هنا فقط نبين أن هذا جانب، جانب يتعلق بالصفات التي ذكرتها النصرانية عن هذا الخالق، وجانب يتحدث عن نظام الدين هذا ونظام الكنيسة، ورجال الكنيسة هؤلاء كانوا سبباً لنفر الناس من التدين عموماً، من الدين الكنسي خصوصاً، ومن التدين عموماً، وجعلتهم ينكرون وجود الله.

ليس هذا فحسب، بل أصبح الدين الكنسي والكشوف العلمية المكتشفات العلمية صار بينهم صراع، مثل ما ذكرنا لكم، أحضروا هذه النظريات، هذه الفلسفات التي حدثت في القديم، ثم أدخلوها ضمن الدين. فصار كل كشف يعارض هذه، أعتقد يعارض النظرية التي أدخلوا ضمن عقائدهم، قالوا: هذا دل على أن الدين هذا باطل، وأن هؤلاء يمارسون السلطة العلمية وجعلوا الناس يعيشون في تخلف، وهكذا. فكلما اكتشف مكتشف علمي، وكان هذا المكتشف العلمي مخالف لمعتقد نصراني، قالوا: هذه الديانات باطلة.

لذلك ذكر الدكتور جعفر إدريس جملة يعني من الأمور التي جعلت الناس تحت هذا الأمر، جعلت الناس ينفرون في الغرب من الدين الكنسي: أول شيء وجدوا التناقض الشديد بين كثير من دعاوى الدين، من الدعاوى التي أدخلوها ضمن الدين، ومن التناقض الشديد بين دعاوى الدين والعلم التجريبي الذي اكتشفوه. أيضاً وجدوا تناقضاً بين منهج العلم التجريبي القائم على الدليل الحسي أو العقلي، ومنهج دينهم التسليم. منهج دينهم: ده عقلك واتبعنا. والمنهج العلمي التجريبي: لا تؤمن بشيء حتى يعني يقوم عليه الدليل الحسي التجريبي.

فقالوا: هذا، هذا صح إذاً، هذا العلم وهذا الدين، دين قائم على التسليم، والعلم قائم على التجربة، أيهما نختار؟ أيهما نختار؟ وجدوا أن هذا بينهما تناقض لا يمكن أن يؤخذ بهما معاً ولا يمكن أن يردهما معاً. فاختاروا أن يأخذوا العلم. طبعا هؤلاء وصلوا إلى مراحل، في البداية كان يقال إن هذا يكون في المجال الغيبي، وهذا يكون في المجال الأرضي. لكن وصل بهم الأمر في آخر الأمر قالوا: نحن نترك الدين ونتمسك بالمنهج الحسي التجريبي.

كذلك خوض كثير من علماء الدين وغيرهم، خوض كثير من علماء الدين وغيرهم من المثقفين المتدينين في المسائل الغيبية والحديث عنها بمجرد الرأي الذي لا سند له من كتابهم ولا دليل عليه من غيره. فيأتي يتحدث عن أمور غيبية، هذه الأمور الغيبية العقل ينفر منها ويقول: هذه غير صحيحة، وليس لديهم دليل عليها، لا من الكتاب الذي عندهم، ولا من يعني من العلوم التي تدل عليهم. هذه الأمور تجعل الناس ينفرون، جعلت الناس ينفرون من الدين أيضاً.

أيضاً بعض العلماء الطبيعيين، منهم من هو متدين، ماذا صنع؟ اكتشف شيئاً أو أو ظهر شيء حسي تجريبي من الأدلة، يأتي إلى نصوص التوراة ونصوص الإنجيل، ثم يلويه ليّاً لتثبت هذا المنهج الحسي، لتثبت ما قالته النظرية وأن هذه النظرية موجودة عندهم في الكتاب. فلما يتأكد شخص يقول له: هذا ما تدل عليه، ما تدل عليه؟ أو يأتي بعد فترة ويبطل هذا المكتشف، وهذه النظرية تكون باطلة، قالوا: وذاك قال إن الدليل في التوراة والإنجيل يقول بها، ثم ظهر أنها باطلة، إذاً فهذا هذا النص فهو باطل أيضاً.

في شيء مهم قام في أذهان الناس، أن الإيمان بوجود الخالق مرتبط بتصورات معينة للدنيا، مثلاً: أن الأرض مسطحة، والعلم أثبت أن الأرض بيضاوية، فلما أثبت العلم أن الأرض بيضاوية والدين يقول إن الأرض مسطحة، إذاً دل ذلك على أن هناك تناقضاً بين العلم وبين الدين، وبالتالي فإن هذا الدين باطل.

أيضاً عندهم كلما اكتشفوا قانوناً أو مثلاً سبباً، مثلاً لماذا يحدث الخسوف والكسوف؟ اكتشفوا السبب، وهناك مثلاً في النصوص مثلاً مذكور أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يصرف الليل والنهار وهو الذي يصرف ويدبر أمر هذا الكون، ثم اكتشفوا السبب الذي يحدث به الخسوف والكسوف، وفي النصوص أن الله مثلاً يخوف بهما عباده. فاكتشفوا ذلك فقالوا: طالما اكتشفنا السبب فلا نحتاج إلى أن نقول بخالق. فتوهموا وجود تناقض بين فكرة الخلق وفكرة الأسباب. فإذاً، كلما عرفوا السبب قالوا: إذاً ننفي وجود الخالق. هذه يعني بعض القضايا تتعلق بماذا؟ تتعلق بالتصورات عن الإله، تتعلق بالتصورات عن النظام الذي وضعه الإله، تتعلق بالصراع بين حاجة الناس إلى التطور والعلوم، وبين ما في هذا الدين من أشياء منفرة.

لم يقتصر الأمر على هذا، كان هناك اليهود لهم دور كبير، اليهود يكرهون النصارى وبينهم مشاكل مع النصارى، والآن قامت المشكلة بين العلم وبين النصرانيين. اليهود وجدوا هذا الأمر يعني فرصة سانحة لتنفيذ أغراضهم، فقاموا بتأجيج هذه المعركة. فوجد اليهود فرصة للانتقام من النصرانية، فوقفوا مع خصومها الملحدين ضد هؤلاء النصارى، هذا من جهة.

من جهة أخرى، اليهود يخططون لإقامة ما يسمونه مملكة داوود، هذه مملكة داوود لا تقوم إلا إذا انتهت الأديان والحكومات العالمية، ثم بعد ذلك يكون اليهود، فيرونه أنه حتى تقوم مملكة داوود لابد أن تفسد الأمم، تفسد الأمم جميعاً، وغير اليهود يفسدون يبتعدون عن الدين وعن الأخلاق وينتشر بينهم الانحلال وينتشر بينهم الالحاد، عندئذ يمكن أن تقوم مملكة داوود. لذلك كان أغلب زعماء المذاهب الإلحادية الهدامة كان أغلبهم يهوداً، كما أن اليهود يستخدمون المال والدعاية لنشر الإلحاد والفساد في العالم أجمع.

نلخص دور اليهود في نشر الإلحاد: الدور الأول أنهم يؤججون الصراع بين الملاحدة وبين النصارى، فهذا دور من جهة للانتقام من النصرانية. الجهة الأخرى أنهم يرون أنه لابد أن تفسد النصرانية ولابد أن يفسد الإسلام ولابد أن تفسد جميع الأديان، ويكون الناس كلهم ملاحدة، هذا الإلحاد العام هو سبب لإقامة مملكة داوود. استخدموا يعني في تأجيج هذا الصراع، استخدموا المال واستخدموا يعني وسائل الإعلام.

آخر يعني سبب نذكره: الناس في أوروبا عندما راوا أن هذا الإله غير صالح، وراوا أن هذا الدين غير صالح، ووجد من يؤجج الصراع، المفترض الآن أن يكون هناك الدين الحق، أن تظهر الأمة الإسلامية التي تبين الدين الإسلامي، تبين الدين الحق، حتى إذا انصرف الناس عن الأديان الباطلة، عن المعتقدات الباطلة، ينصرفون إلى الدين الحق.

لكن لأسف الشديد، كانت هذه الأمة الإسلامية التي حباها الله بالهدايه للدين الحق، الذي ليس فيه شيء من تلك المآخذ التي أخذها الغربيون على الدين الذي عرفوه، واقعه الأمة الإسلامية واقعة في معظمها تحت تأثيرهم، كان الاستعمار يضرب على الأمة الإسلامية. لم يروا أن الأمة الإسلامية قادرة على أن تتحداهم بفكرهم أو تريهم الفرق بين دينهم ودينها، ففتنهم ذلك إلا من رحم الله، فعن يعني التمسك بالدين الحق، كما يقول الدكتور جعفر إدريس: تخلفنا ليس تقصيراً في حق أنفسنا فحسب، وإنما هو فتنة للأمم المتطورة مادياً، يغريها بالتمادى في كفرها وإلحادها، إنه ظلم للإنسانية، يفوت عليها فرصة الاهتداء والسعادة الدنيوية والأخروية.