تسجيل الدخول

المحاضرة 21 - أقسام الملاحدة ومناقشة أفكارهم

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعينا. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.

أيها الأحبة في الله، في حلقتنا لهذا اليوم سنأخذ بمشيئة الله مراحل نشأة الإلحاد في الغرب، ناخذها مرحلة مرحلة. ومن خلال هذه المراحل نراجع ما تدارسناه من قبل في أسباب ظهور الإلحاد في العالم الغربي.

أيها الأحبة في الله، قلنا الإلحاد في مادتنا هذه في نهايتها، إذا ذكر الإلحاد هنا في مادة دلائل الربوبية، فإن المقصود به هو إنكار وجود الله تبارك وتعالى. وتذكرنا في الحلقة الماضية وفي الدرس الماضي أن الملاحدة في العصر الحاضر ينقسمون إلى قسمين؛ ملاحدة أصحاب إلحاد إيجابي، وملاحدة أصحاب إلحاد سلبي. ما معنى إيجابي هنا؟ يعني أنهم يقولون إن الأدلة التي معهم تفيدهم بعدم وجود الله تبارك وتعالى -تعالى الله عز وجل عن قولهم علواً كبيراً- وقد كذبوا في ذلك، ولا يوجد لديهم إلا أشياء مثل ما ذكرنا في الحلقة الماضية، أمور تدل على كيفية خلق الله سبحانه وتعالى للأشياء فيما صح عندهم، أو أشياء نفسية حدثت لهم، أشياء يعني يطعنون فيها في حكمة الرب سبحانه وتعالى وفي قدرته، وهكذا.

أصحاب الإلحاد الإيجابي أغلبهم يعودون إلى أصحاب الإلحاد السلبي. ما معنى السلبي؟ يعني يقولون إن الأدلة التي طرحت عليهم لا تفيدهم بوجود الله، وهم يقولون: لا ندري هل الله سبحانه وتعالى موجود أو ليس بموجود. هذا هو، وأغلب الملاحدة أصحاب الإلحاد الإيجابي هم أيضاً في دائرة الإلحاد السلبي.

هذا الإلحاد المعاصر كيف وصل حاله إلى يعني إلى ما وصل إليه؟ مر بمراحل عديدة. المرحلة الأولى -طبعاً المراحل التي سنسوقها هي المراحل التي تم فيها الصراع بين الدين الكنسي وبين العلم حتى وصل بهم الأمر إلى الإلحاد المعاصر في وقتنا الحاضر-.

في بداية الأمر، المرحلة الأولى كانت المرحلة التي فيها الانتصار للكنسي على العلم؛ استطاعت الكنيسة أن تنتصر على العلم في هذه المرحلة، وأن يعني تقتل من استطاعت أن تقتله من العلماء، وأن تسكت من اسكتت، وهكذا. فالمرحلة الأولى مرحلة انتصار الكنيسة.

المرحلة الثانية كانت مرحلة التساوي بين أنصار الدين الكنسي وبين أنصار العلم، فحدث بينهم توافق. المرحلة الثالثة بدايه مرحلة انتصار العلم. المرحلة الرابعة انتصار العلم تماماً، وإنكار وجود الله، أو أُلحِدَ ربوبي، بعد ذلك تم إنكار وجود الله بالكلية، بعد ذلك أتوا بدين جديد سموه ديانة الإنسانية، بعد ذلك وصل الإلحاد إلى ما وصل إليه.

سنمر على هذه المراحل مرحلة مرحلة، ومن خلالها يمكننا أن نراجع أسباب نشأة الإلحاد في العالم الغربي مثل ما ذكرنا لكم. المرحلة الأولى كانت مرحلة الطغيان الكنسي في الناحية العلمية. الكنيسة مارست أنواعاً من أنواع الطغيان، لكن من أنواع الطغيان الذي مارسته والذي يهمنا هنا هو الطغيان العلمي.

كيف طغت الكنيسة طغياناً علمياً؟ الكنيسة أتت بفلسفات موجودة في عصرها، ظنت أن هذه الفلسفات فلسفات صحيحة ويقينية، ثم جاءت إلى ما في التوراه وما في الانجيل عندها، الكتاب المقدس عندهم، قالوا إن هذا الكتاب المقدس وهذه تشهد بصحة هذه النظريات. بعد ذلك أدخلوا هذه النظريات ضمن عقيدتهم، هذه الفلسفات والنظريات أدخلوها ضمن عقيدتهم فصارت بعد ذلك، اكتشفوا أن هذه النظرية نظرية خاطئة، صارت وهي من صلب العقيدة، فصارت مشكلة الآن بين الدين الكنسي الذي أدخلت فيه هذه النظرية وصارت ضمن الدين، وبين العلم الذي صار يخالف ما في هذه الديانة الكنسية ما فيها من إدخالات، فصار الصراع هنا في هذه المرحلة، انتصرت الكنيسة على من خالفها.

نضرب مثالاً قد يكون الكلام يعني غير واضح؛ مثال نظرية بطليموس. هذه نظرية قديمة وكلام فلسفي، وهو يقول إن الأرض هي مركز الكون، وأن الأرض ثابتة ومسطحة. الأرض هي مركز الكون وهي ثابتة ومسطحة، هذه النظرية أدخلوها في ديانتهم، فقالوا: لكون الأرض هي مركز الكون فالاقنوم الثاني عندهم -الأقانيم ثلاثة: الاب والأبن والروح القدس، الابن هو الاقنوم الثاني- الاقنوم الثاني تجسد فيها، يعني هذا الإاله تجسد في هذه الأرض وعلى هذه الأرض تم الفداء والخلاص، وفوق هذه الأرض يتناول العشاء الرباني، التوراه تشهد بهذا الكلام، فالارض مسطحة، ومن قال بغير هذا فقد كفر، فقد تزندق، فقد هرطق!

لأنهم يقولون: لو كان للأرض وجه آخر لكان ينبغي أن يكون الاقنوم يذهب إلى الوجه الآخر والاقنوم الثاني ويتجسد فيها، ويحدث الفداء والصلب عليها من أجل أن يحدث الخلاص لأهلها؛ طيب حدث الخلاص لأهل الوجه الأول، الوجه الثاني لابد أن يحدث له ذلك. ثم قالوا: يعني لو كان هذا الأمر في الأرض في وجه ثاني كانت توجد أناس أقدامهم تعلو رؤوسهم؛ هؤلاء يقفون وقوفاً واضحاً الرجلان وفوق الرأس في الجهة الثانية سيكون العكس، الرأس والرجلان والراس من أسفل. فقالوا: ما يمكن هذا، وكيف تنبت النباتات؟ تنبت أيضاً لأسفل. فقالوا: هذا ما يمكن، فادخلوا أن الأرض مسطحة.

دعونا في قضية أن الأرض مركز الكون قد يكون فيها كلام، لكن القول بأن الأرض ثابتة لا تدور وأنها مسطحة هذه أدخلوها ضمن العقيدة، وكل من خالف ذلك فهو مهرطق.

جاءت النظريات الحديثة؛ مثل أول من ظهر عندهم من العلماء في هذا القرن السابع عشر، ظهر كوبرنيك وقال بأن الأرض ليست مركزا للكون، درس حركات الأجرام السماوية، نظر في الفلك، نظر كذا، ثم قال: الأرض ليست مركز للكون، وأن الكواكب تدور حول الشمس، وطبع ذلك في كتاب. فطالبته الكنيسة حتى يقف يمثل أمام المحاكمة، لكنه مات قبلها.

جاء بعده برونو وقام وأيد هذا الكلام، وقال النظريات حديثة تقول إن الأرض ليست مركزاً للكون، وأن مركز الكون إنما هو الشمس والكواكب تدور حول الشمس. القضية ما هي القضية عندهم؟ أنهم أدخلوها عقيدة الآن، ولهذا الكلام لا لا يضر الدين الكنسي، يعني لا علاقة الدين به، لكن لكونهم أدخلوها ضمن العقيدة صار هذا الكلام مخالفاً لما هم يقولون: إن الأرضية هي مركز الكون، وعليها تم الفداء والصلب، وعليها تم الخلاص، وعليها كذا، الأمور الكثيرة.

جاء برونو وأيد كوبرنيك، فطلب للمحاكمه فحكم فسجن، ثم حرق، ثم حرق لكونه يقول بهذه الأمور، اعتبروه مهرطقاً.

جاء جاليليو وأيد ما أثبته كوبرنيك ثم برونو، وأيدهم ثم اخذ للمحاكمه فسجن، ثم تذكر ما حدث لبرونو، فقام وتاب ورجع عما هو فيه.

هذه المرحلة الأولى؛ إذاً من كان المنتصر في هذه المرحلة؟ الدين الكنسي. ماذا حدث للعلم؟ انهزم، وقتل، حرق أحدهم، حرق الثاني، سجن ثم تاب، والأول مات قبل المحاكمة، وهكذا. في هذه الفترة من كان الاقوى؟ كان الدين الكنسي.

المرحلة الثانية؛ بدا العلماء أيضاً هجمتهم مرة أخرى على أصحاب الدين الكنسي. في هذه المرحلة ظهر ديكارت، وديكارت يقول لهم هو يؤمن بوجود الإاله، يؤمن بوجود إله، لكن ماذا قال؟ أراد أن يحدث المساواة بين الطرفين. قال: أنتم اصحاب الدين الكنسي لكم مجال تعملون فيه، ونحن العلماء وأصحاب العقول يعني الذين يستخدمون عقولهم المنهج الحسي التجريبي لنا مجال، لا يصلح أن يدخل الحس والتجربة والعقل في امور تعتبر ما وراء الطبيعة تتعلق باليوم الآخر ومصير الناس بعد الموت، قالوا: هذا لا يدخل في الحس والتجربة، هذا يكون لمن؟ نتركه للدين الكنسي، نتركه للدين.

وما يتعلق بالطبيعة القوة الطبيعية، الأرض، الشمس، القمر والاشياء هذه، تدرس ومجال تدرس، وهذه يكون المجال فيها والقول الفصل فيها للعقل، العقل هنا يمثله كما يقولون هم العلم. فالآن قسموا مقالات مرحلة تقسيم المجالات بين العقل وبين العلم وبين الدين، فجعلوا الدين يتحدث عن ما وراء الطبيعة ويتحدث عن مصائر الناس بعد الموت، قالوا هذا مجاله ولا يصح للدين أن يتدخل في مجال الطبيعة، والمجال الطبيعي من مختص به؟ العلم والعقل وأدواته.

الرياضيات أدواته الحس والتجربة وهنا لا يتدخل فيه الدين، هذا كان رأي ديكارت ومشى هذا الرأي. جاء فرانسيس بيكون أيضاً قال: نعم، ممكن هذا الأمر. ثم قال: أي قضايا تتعلق بالدين حتى لو عرضناها على العقل ممكن تكون خاطئة في العقل والعلم مئة بالمئة، لكنها صادقة لأنها تعتمد على الاعتقاد؛ فيمكن أن نعتقد أشياء ونؤمن بأشياء من باب التسليم، لكن عقلاً هي باطلة تماماً.

فقال: هذا لا إشكال فيه، يجب أن يكون عندنا إيمان، إيمان بما وراء الطبيعة ومصائر الناس؛ هذه الأمور حتى لو كانت خاطئة مئة بالمئة وجب علينا الإيمان بها لأن الدين يقول بها. والأمور الأخرى التي تكون خاضعة للحس والتجربة يجب علينا أن نؤمن بها حتى لو خالفها الدين. فبدا الآن يفصل بين الأمرين، هذه مرحلة كانت مرحلة التساوي بين الطرفين.

المرحلة الثالثة كانت بداية انتصار العلم. في هذه المرحلة قالوا: العلم يجب أن يتدخل حتى في الأمور التي هي ما وراء الطبيعة، يجب أن توزن في ميزان العلم، هذا الذي يسمونه وحي يجب أن يوضع في ميزان العلم ويحكم عليه. فظهر عندهم رجل يسمى سبينوزا وهو يهودي، بدا يخالف ديكارت أن المجال ما وراء الطبيعة ومصائر الناس لا علاقة لنا بها؛ قال: هذا الكلام باطل، بل يجب أن يطبق المنهج العقلي على ما يسمى الكتاب المقدس، وما في الكتاب المقدس هو تراث بشري وليس وحياً إلهياً، ويجب أن يوضع في ميزان العلم، فما قبله العلم قَبِلَه وما رفضه العلم يجب أن يرفضه.

إذاً، المرحلة الثالثة هي بداية الانتصار، وهذه المرحلة هي جعل ما في الكتاب المقدس موزوناً بميزان ما وصلوا إليه من عقل ومن علم.

نأخذ فاصل ثم نعود إليكم بمشيئة الله. جهل وظلم، فرقة وقطيعه، شرك وضلال، هكذا كان الحال. فيض الله بإشراقة فجر جديد ونور يمحو به تلك الظلمات، محمد رسول الله وصفه ربه بقوله: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4]. فجمع له من خصال الكمال ومحاسن الصفات ما لم ينله أحد من البشر. فقد ثبت أنه كان أوفر الناس عقلاً، أجدهم نفساً، أرحب صدراً، أشدهم حياءً، كان أشجع الناس وأهدهم في الدنيا وأكثرهم تواضعاً، يعين أهله، وخيط ثوبه، ويخدم نفسه، يزور المسلمين وغير المسلمين، ويعود مرضاهم، ويدعوهم إلى الخير.

كان صادق اللهجة، راسخ المبدأ، أعدل الناس، أرفق بالضعفاء، أنصف المرأة والطفل، وشملت رحمته حتى الحيوان. أثنى عليه حتى المنصفون من غير المسلمين، فيقول الألماني يوهان جوته: إننا أهل أوروبا بجميع مفاهيمنا لم نصل بعد إلى ما وصل إليه محمد. ويقول الإنجليزي جورج ناتشو: إن العالم أحوج ما يكون إلى رجل في تفكير محمد. بل قال تولستوي الأديب العالمي: إن شريعة محمد ستسود العالم لانسجامها مع العقل والحكمة.

وللنصر لنعرف قدره ومكانته ولننظر ولنقتصر، إنه الواسطة في حمل رسالة رب العباد إلى عباده وتعريفهم به لكان فضلاً لا يستقل العالم بشكره ولا البشرية بمكافأته، ولم يكتف بهذا بل سأل ربه أن يشفع فيهم يوم القيامة، وصدق الله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].

حياكم الله أيها الأحبه، كنا قبل الفاصل ذكرنا ثلاث مراحل: المرحلة الأولى مرحلة انتصار الكنيسة، المرحلة الثانية مرحلة التعادل بين الكنيسة وبين العلم، المرحلة الثالثة بداية طغيان أو انتصار العلم والعقل أو ما يسمى العلم والعقل، بداية انتصاره على الكنيسة، وقالوا: يجب أن يخضع ما في الكتاب، يخضع لماذا؟ لميزان العلم. فظهر سبينوزا وقال: الكتاب المقدس تراث بشري ولا يقبل منه إلا ما قبله العلم. جاء جون لوك وأيضاً أيده وقال: يجب أن يخضع ما يسمى بالوحي للعقل عند التعارض. هنا بدا الانتصار.

ماذا صنعت الكنيسة؟ بدأت تصادر الكتب، بدأت تؤذي، لكن انفلت الزمام منها. في هذه المرحلة الثالثة جاءت المرحلة الرابعة، هذه مرحلة نيوتن، تسمى مرحلة الالحاد الربوبي، الآن دخلنا في قضايا الالحاد. نيوتن أثبت عن طريق الجاذبية أن هذه الأشياء، الكون هذا ممسوك بماذا؟ ممسوك بالجاذبيه، أن هناك جاذبيه؛ الأرض تجذب الناس فلا يطير من عليها، وأيضاً الكواكب والافلاك كلها مرتبطه بجاذبية، فصار كل شيء يكون في مكانه بسبب وجود الجاذبية.

هذه النظرية، نظرية الجاذبية أبهرت كل المثقفين في ذلك العصر، يعني كانت ضربه قويه، لكن هذا الأمر ما كان فيه إشكال من ناحية دينية، هذا معناه عظمة الله سبحانه وتعالى، أن الله من عظمته سبحانه وتعالى صمم هذا الكون وابدعه وخلقه على أن يكون ممسوكاً يسير وفق نظام متقن، ما في إشكال. لكن أعداء الدين الكنسي بالذات وجدوها فرصة، لأنه كانت الكنيسة تقول: الله هو الذي يمسك الأشياء، مسكها عندهم أنها أنه يمسكها بذاته سبحانه وتعالى بدون أسباب. فلما جاء هؤلاء وأثبتوا أن هناك أسباباً فقالوا: خلاص، لا حاجة للرب، إذاً يكون هناك رب، لكن هذا الرب خلق هذا الكون ثم تركه كصانع الساعة؛ صنع الساعه ثم تركها ولا علاقه له بصنعتها.

هذا يا إخوان عند الكنيسة تقول: الأشياء لا تعمل بذاتها، ولكن عناية الله هي التي تسيرها. هذا الكلام لا إشكال فيه، هذا الكلام لا إشكال فيه، لكن كان على الكنيسة أن تقبل عدم المنافاة بين نسبة الأفعال إلى الله سبحانه وتعالى باعتبارها الفاعل الحقيقي لها، وبين نسبتها إلى الأسباب باعتبارها وسائط مباشرة، أن الله سبحانه وتعالى هو الذي يمسك السماوات والأرض بأسباب خلقها الله سبحانه وتعالى وجعلها هي التي، وجعل الله سبحانه وتعالى بهذه الأسباب يدبر كونهم. كان ينبغي على الكنيسة ألا ترى هناك تعارضاً بين قانون الجاذبية وبين عناية الله سبحانه وتعالى بخلقه.

أيضاً هؤلاء الذين اكتشفوا قانون الجاذبية قالوا: كل ما عرفت علته المباشرة فلا داعي لافتراض تدخل الله فيه حسب تعبيرهم. كان ينبغي لهم أن يزيدهم هذا الأمر إيماناً بالله وبظهوره العناية الإلهية، وجعلوا الاسباب هي التي تقوم بذاتها بتدبير أمر هذا الكون. هذه كانت المرحلة الرابعة، مرحلة الإلحاد الربوبي.

المرحلة الخامسة كانت مرحلة أسوأ وأشد، وهي مرحلة انكار وجود الإله. من صار الله؟ قالوا: الإنسان هو الله وهو المعبود، وفي هذه المرحلة قاموا بهجوم شنيع على الدين الكنسي وعلى جميع الأديان، يمثل هذه المرحلة فولتير.

فولتير بدا ينتقد العقيدة الكنسية، بدا ينتقد عقيدة الكنيسة؛ قال: التثليث هذا أمر خرافة، كيف يقولون الإله إله واحد واحد ثم يقول هو ثلاث أشخاص؟ قالوا: ما يمكن ثلاث أشخاص يساوي واحد شخص واحد، قالوا: هذا ما يمكن. فبدا ينكر عقيدة التثليث، بدا ينكر أن هذا الإله صلب وحدث له الفداء، بدا ينكر هذه الخرافات وهذه العبادات للوثن عندهم بالصور التماثيل، بدا ينكرها، ثم تجاوز الأمر عنده إلى أنه ينكر المعجزات والكرامات، يعني معجزات الأنبياء، وأن مثلاً العصا تصبح حية وأن الحية تتكلم، وبدا يتحدث حتى عن الدين الإسلامي، البراق، حمار يطير، وهكذا، بدا يتحدث عن جميع المعجزات التي حدثت للأنبياء ويرى أنه من الجنون الإيمان بها.

ثم مسألة الخطيئة الأولى، أن آدم عليه السلام أكل من الشجرة ثم هذه الخطيئة يرثها أبناؤه، ثم لماذا منع من الأكل من الشجرة؟ بدا يطرح تساؤلات ما وجد فيها إجابة، فبدا ينكر ويهجم على الدين ويهجم على رجال الدين ويهجم على الكتاب المقدس وينكر وجود إله. فكانت هذه مرحله، مرحله قويه.

فجاء هولباخ بعده وقال: عقيدة الله الماثوره نسيج من المتناقضات، فكرة الله هي الضلاله المشتركه للنوع الإنساني.

طبعاً هؤلاء يتحدثون عن دين منحرف، يتحدثون عن الدين الكنسي. هذا يا إخوان قلنا لكم من أسباب وجود، من أسباب ظهور الإلحاد في العالم الغربي هو هذه الانحرافات في العقيدة وفي الشريعة في الدين الكنسي. هذه الانحرافات كانت سبباً لأن يترك الناس الدين الكنسي، وهذا السبب صحيح، صحيح أن الإنسان العاقل إذا رأى ما عند الكنيسة من أمور انحرافات عقدية وانحرافات شرعية تتعلق بالعبادات، تتعلق بالموقف من الدنيا، تتعلق بالموقف بالعلم، هذه الانحرافات وجب على كل عاقل أن ينكرها ووجب على كل عاقل أن يفر منها. لكن إلى أاين يفر؟ إلى أين يهرب؟ وجب عليه أن يهرب إلى الدين الحق.

الدين الذي حفظت عقيدته من التحريف وحفظت شريعته من الابتداع، إذا جاء إلى دين الإسلام فوجد هذه العقيدة الصافية النقية التي ليس فيها هذه التحريفات، لكن للاسف الشديد وجد من يحول بين الناس وبين دخول الدين الإسلامي سواء من النصارى أنفسهم أو سواء من اليهود أو سواء من تقصير المسلمين في تقديم الدين الإسلامي للناس حتى يدخلوا فيه.

في هذه المرحلة، المرحلة الخامسة، جعلوا الإنسان هو الإله، فقالوا: الإنسان هو مصدر المعرفة، لا نثق في معرفة إلا ما وصل إليها الإنسان بنفسه، فالمعارف نابعة من الإنسان.

طيب، الأمر الثاني: قالوا الإنسان هو مصدر التشريع، ما فيش تشريع يؤتى على الإنسان من خارجهم. ثم قالوا: الإنسان هو مقياس الخير والشر، هو الذي يحكم على أن هذا الشيء صواب وأن هذا الشيء خطأ، أعادوه للإنسان، فأله هذا الإنسان، ألهوه هو مصدر المعرفة، هو مصدر التشريع ومقياس الخير والشر، وهكذا ارجع للإنسان كل شيء.

ثم كل الأشياء، صار العقل وصار الإنسان صنماً عندهم. ثم عندهم صنم آخر هو هذه الطبيعة، فكل الصفات التي تذكر عن الله سبحانه وتعالى من ناحية الخلق لهذا الكون والبداء، جعلوا هذه الصفات كلها للطبيعة.

هذه المرحلة الخامسة، في هذه المرحلة الخامسة الناس يعني أصابهم من الحيرة والضياع، وصار يعني بينهم من العداوات والخصومات. كان الدين الكنسي على ما فيه، على ما فيه من انحرافات عقدية وعلى ما فيه من انحرافات شرعية، لكنه كان يهذب أخلاق الناس، كان يعني يوجب التعاون بينهم، يوجب العطف بينهم، الرحمة على الأيتام والمساكين ونحو ذلك، وتخف الجرائم السرقة، أمور كثيرة.

كان الدين الكنسي على ما فيه من تحريف كان يغذي روح الإنسان، في في المرحلة الخامسة أصاب الناس الخواء والضيق والكرب والهم والغم. فجاءت المرحلة السادسة، قال لابد من دين، طيب ما هو هذا الدين؟ قالوا: نوجد ديانة انسانية من اختراع البشر، نحن نخترعها ومن صنع أيدينا ويسير الناس عليها.

فأتى مرحلة أوجست كونت وقال: الدين الذي ينبغي أن نتعاون عليه هو دين الإنسانية، فالإنسان هو الوجود الحقيقي الأعظم، أين وجوده؟ وجوده تحت السماء وعلى الأرض. قالوا: هذه عقيدة التثلث، خلاص أيها النصارى اتركوا ديانتكم وخذوا الديانة الإنسانية، أنتم تريدون تثليث؟ هذا التثليث انسان سماء وأرض، خلاص هذا عقيدة التثليث.

ومن رجال الديانة الإنسانية قال: علماء النفس وعلماء الاجتماع انزلهم في الساحة، ابعدوا رجال الدين وحطوا بدل رجال الدين علماء النفس وعلماء الاجتماع هم يهذبون أخلاق الناس، هم ينصحونهم، هم يربونهم، وهكذا على الإنسانية.

طيب الناس يحتاجون عبادات؟ قال: ما عندنا مشكلة نأتي بعبادات، فجعلوا عبادة فردية وعبادة جماعية كما عند الديانات، عبادة فردية يتوجه الفرد بالعبادة والتقديس لكل من له فضل عليه من الإنسان كأبيه وأمه وأستاذه، فيأتي يصلي تكريماً للإنسانية الموجودة الأعظم في أشخاص، هذا عبادة فردية.

ثم لا باس أن يجتمعوا بشكل جماهيري جماعي ثم يقدمون هذه العبادة للأفراد الذين قدموا خدمات للإنسانية كلها تكريماً للإنسانية التي يمثلونها، كل ذلك يكون في أيام معينة سميت أعياداً تذكارية. ثم رأى أنه أيضاً في الديانات فيها تقسيم للناس: رجال دين وعامة وكذا، فقالوا: نحن نقسم المجتمع إلى طبقة رجال الدين هم علماء النفس علماء الاجتماع، وإلى طبقة النساء، وإلى طبقة رجال الصناعة، وإلى طبقة الععمال، وهكذا.

طبعاً الفكر النزعة الإنسانية وتأليه الإنسان هذه انتشرت انتشاراً في أغلب العالم، لكن الديانة الإنسانية بقيت محصورة في أمريكا وأوروبا وليس لها يعني انتشار. بدا يطرح طروحات وبدا الناس يعيشون، قالوا: يعني هذه الديانة الإنسانية لو أردنا أن نتقارن بين لاهوت الديانة في الديانة النصرانية وفي الديانة الإنسانية لوجدنا شيئاً عجيباً.

إله الكنيسة بطاش كما يزعمون حقود يعذب السلالة البشرية ويقتل ابنه لأن الإنسان أكل فاكهة من حديقته، شوف التصوير الآن، شوف تصوير الملاحدة، كيف يصورون؟ يصورون أن إله الكنيسة لكون آدم أكل من الشجرة فالله غضب على الإنسانية جمعاء ثم جعل ابنه ينزل للأرض ويقتله من أجل ماذا؟ من أجل حبة فاكهة.

أما إله الإنسانية الطبيعة، إلهها الطبيعة، قالوا: جذاب رحب الصدر، ليس له كنيسة ولا التزامات وخلق طبيعي، تمتع بالطبيعة كما تشاء، لا يجعل هناك قيود ولا التزامات ولا كنائس ولا أي شيء.

ضر القيود، قالوا إله الكنيسة إله متعنت يضع القيود الاعتباطية على حرية الإنسان ويقيده بالالتزامات، أما إله الإنسانية الطبيعة لا يستدعي طقوساً ولا صلوات، وكل ما يطالب به الإنسان أن يكون انساناً طبيعياً يلبي مطالبه الطبيعية في وضوح وصراحه، يعني تحركت فيك شهوة الأكل، شهوة الشرب، شهوة الجنس، لبي هذه المطالب بدون أن تجد في نفسك حرج لكون هذه أشياء طبيعية، خليك طبيعي.

نأخذ فاصل ثم نكمل المقارنة بمشيئة الله.

بعد فتح مكة ودخول الحجاز كلها في الإسلام، خشي الروم من هذه القوة المتنامية فجهزوا جيشاً للقضاء عليها وعسكروا به في البلقاء. ووصلت الأخبار للنبي صلى الله عليه وسلم فقرر الخروج إليهم رغم قسوة الظروف من قوة العدو وحرارة الصيف وضيق الحال.

هنا سارع المسلمون بأموالهم وأنفسهم وخيلهم وعتادهم لتجهيز الجيش، وتحرك النبي صلى الله عليه وسلم ومعه ثلاثون ألف مقاتل إلى تبوك في رجب سنة تسع للهجرة، واعتذر كثير من المنافقين عن الخروج.

وقد عانى الجيش الإسلامي في مسيره من شدة الحر وقلة الزاد حتى سمي بجيش العسرة، فأجرى الله المعجزات على يد نبيه صلى الله عليه وسلم مثل تكثير الطعام واجتماع السحب ونزول المطر ببركة دعائه، ومر الجيش على ديار ثمود فأمرهم عليه الصلاة والسلام ألا يشربوا أو يتوضؤوا من مائها، وأكملوا مسيرتهم إلى تبوك.

واقترب موعد اللقاء، وسمع الروم بوصول الجيش الإسلامي إلى تبوك فسيطر عليهم الرعب ولم يجرؤوا على التقدم وخافوا وتفرقوا في البلاد، وكفى الله نبيه والمؤمنين شر قتالهم.

ورجع النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة بعد أن غاب عنها خمسين يوماً منها عشرون يوماً قضاها في تبوك نفسها.

هكذا كانت غزوة تبوك حرباً دون قتال، كانت حرباً نفسية كشفت المنافقين وأرعبتهم وأظهرت نفاقهم، وأنزل الله فيها قرآناً يحكي قصتها وحال المنافقين معها، يقول الله تعالى: ﴿لَّقَد تَّابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِن بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِّنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ ۚ إِنَّهُ بِهِم رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ [التوبة: 117].

أيها الأحبه، وقفنا قبل الفاصل على المقارنات بين إله الكنيسة وإله الطبيعة، فعقدوا مقارنات من أجل جذب الناس إلى الإله الوضعي إلى الديانة الوضعية الإنسانية وصرف الناس عن الديانة الكنسية.

فأتوا يعني بتصوير للإله هناك يعني يغضب لكون واحد أكل من حديقة فاكهته، من فاكهة من حديقة منزله، والاخر لا يقول: تعالوا كلوا من يعني مما شئتم من هذه الطبيعة. القيود: هذا يضع قيوداً وقيوداً يعني تحد من حرية الإنسان في الأكل والشرب والجنس ونحو ذلك، والآخر يقول: لا خلك طبيعي، كل واشرب واشبع بكل ما تشتهيه نفسك بدون قيود ولا ضوابط.

ثم قالوا: انظر إلى رجال الدين، رجال الدين في الكنيسة يفرضون على الناس الخضوع المذل لهم، أما الإله الجديد ليس له رجال دين يستعبدون الناس لأنفسهم، ولا كتاب مقدس متناقض ولا أسرار عليا مقدسة، بل له دعاة من أمثال روسو فولتير، وله كتب علمية: دائرة المعارف، أو العقد الاجتماعي، أو روح القوانين أو نحو ذلك.

ثم قالوا: ننظر إلى السعاده في الدين الكنسي، رهبة يحرمك من متعة الدنيا، يحرم عليك المرأة في في الكنيسة، تشقى ولا تسعد، أما القانون الطبيعي، أما في الطبيعة القانون الطبيعي الجاذبية يجعل الكون مترابطاً متناسقاً لا اضطراب فيه ولا خلل، وبالمقابل جعلت الطبيعة للإنسان قانوناً طبيعياً يكفل له السعادة التامة.

الناس يبحثون عن السعادة، فوجدوا أن الدين الكنسي يغذي عندهم الجانب الروحي ويحرمهم من الجانب البدني، يربطهم بالآخرة ويحرمهم من الدنيا، يصلح يعني الإنسان كفرد لكن لا يصلحه كمجتمع، أما في الدين الكنسي، أسف، في الديانة الإنسانية وجدوا أنها تغذي عندهم البدن، تصلح عندهم الدنيا، قالوا: خلاص هذا يكفينا وإن كان الإنسان سيجد نفسه يعني كما سنذكر سيجد نفسه الآن أيضاً.

حتى في هذا في ضيق وكرب. في هذه المرحلة يا إخوان ظهرت نظريات إلحادية كلها تحاول أن ترسخ مفهوم الإلحاد عند الناس، فظهر داروين وأتى بنظرية التطور. نظرية التطور عند داروين -طبعاً هذه تحتاج إلى مادة أخرى تتحدث عن الإلحاد، لكن نحن نمسها الآن في هذه الدروس مساً خفيفاً بما يناسب المادة- تقم على شيئين اثنين.

الشيء الأول: أن المخلوقات لم توجد دفعة واحدة، هذا كل الناس يقولون بها، يعني كان وجود المخلوقات شيئاً بعد شيء، وبعض المخلوقات تفنى وتأتي بعدها مخلوقات أخرى وهكذا، مثل الديناصورات الآن نراها، مثل بعض المخلوقات جاءت ظهرت ثم اندثرت وماتت لأن الله سبحانه وتعالى كتب لها مدة من الحياة ثم تأتي أنواع أخرى، هذا لا إشكال فيه.

الإشكال الثاني أو الشيء الثاني الذي يقول به: أن كل هذه المخلوقات كلها أصلها شيء واحد، أصل الكائنات الحية كلها حيوان وحيد الخلية يسمى الأميبا، كان في مستنقع. من الذي أوجده؟ وجدته الصدفة، أوجد من غير موجد، وجد حيوان الأميبا وحيد الخلية بغير موجد، وجد في مستنقع مائي. المستنقع المائي من أوجده؟ وجد صدفة، هذا حيوان وحيد الخلية تحرك بفعل الهواء والريح يمين يسار هكذا، فانقسمت الخلية إلى خليتين، ثم أيضاً بفعل الطبيعة تنقسم إلى أكثر من الخلايا، وهكذا فتكون مخلوق متعدد الخلايا، يذهب واحد منهم إلى طرف المستنقع ثم يعود، يذهب ثم يعود، فتكونت الحيوانات البرمائية، أحدهم ذهب ثم أضاع الطريق فلم يستطع العودة فتكونت الحيوانات الزواحف، وذهب للصحراء وهكذا، بعد ذلك تطور بفعل الطبيعة، هذا يعيش في مكان فيه صخور، هذا يعيش في كذا، فهذا تكون له مخالب، هذا تكون له كذا، حتى وصل إلى مرحلة الثدييات، حتى وصل لمرحله القرد، والقرد يحب الموز، كلما رأى شجرة موز رفع يده، رفع يده، فهذا الرفع لليد جعله يقف، فتحول إلى انسان صاحب عقل، وهكذا كان الإنسان، فالإنسان هو ابن قرد ابن ما أدري ايش، إلى أن يصل إلى حيوان الأميبا.

فهذه المخلوقات كلها شيء واحد، والإنسان مثله مثل الحيوانات البقية، إنما القضية قضية تطور بفعل الطبيعة. هذا الكلام كلام مضحك، والشواهد التي أذكرها عليه شواهد مضحكة، أن الكائنات الحية لم توجد دفعة واحدة هذا كلام صحيح، أنها كلها أصلها واحد هذا كلام باطل، لكن يأتون بأشياء يضحكون بها على الناس.

فعندما يأتي طير وطير آخر يحدث بينهما تزاوج فيحدث طير محسن النسل، مثل ما يتزوج إنسان، مثلاً إنسان قصير تزوج بامرأة طويلة تحسن نسل، جا أولاد أطول، وهكذا، هذه الأمور معروفة، هذا داخل الفصيلة الواحدة والجنس الواحد، هذا ممكن وهذا يحصل. إنسان مثلاً شخص عمله تدريس، يد المدرس تختلف عن يد البناء، وقوة البناء تختلف عن قوة المدرس، هذا ينمو في جانب وهذا ينمو في جانب، لكنه كله إنسان.

هذه الأمور ما استطاعوا أن صوروها، وهي لا تدل مثلاً، هي نظرية ما، لكن استخدمت هذه النظرية بقوة حتى يقولون هم أصلاً يريدون ضرب الديانة النصرانية، يريدون ضرب أن اصل الإنسان آدم وحواء، وأن آدم وحواء من قبضه من الطين، يريدون ضرب هذه القضية وانه يكون هناك ابن للإله وانه صلب، يريدون هذه العقائد يضربونه. فاخذوا هذا الكلام وقالوا لا وجود للخالق والإنسان من إبداع الطبيعة، ولا يوجد خطيئة ولا يوجد صلب ولا يوجد شيء.

جاء ماركس أخذ هذه النظرية وقال أصلاً هذه المادة التي هي أصل الإنسان هي التي تؤثر على أفكاره ومشاعره وهكذا، فبدأ يفسر الحياة كلها على الأحوال المادية والاقتصادية، فقال الأحوال المادية والاقتصادية هي التي تجعل الناس يتدينون، تجعل لهم قيم، تجعل لهم أشياء، وهكذا، وأدخل هذه الأمور في علم الاجتماع.

وهكذا جاء ديفيد شوم وتدخل في الأمور العلمية وقال بأنكار كل ما وراء الحس، وأنكر عالم الغيب، وأنكر اليوم الآخر، ثم أتى بقانون سماه قانون السببية. قانون السببية يقول هو مجرد اقتران، مثل نظرية الكسب عند الأشاعرة، قالوا ليس في النار خاصية الإحراق، لكن بسبب الاقتران الدائم بين وجود النار مع المنديل فيحدث احتراق، ظن الناس أن النار محرقة وإلا هذه سماه قانون الاقتران العادي، الاقتران العادي بدون سببية، وهذا أمر مضحك وهذا مناف للعقل.

وجاء شبنهاور وقال كل ما وراء المادة من الغيبيات قام بإنكارها، طيب كيف تكونت هذه القيم؟ كيف تكونت هذه الأديان؟ قال الذي كونها الإرادة الكلية، فالكون كله يخضع لها وهي التي تحافظ على بقائه. طيب كيف الإرادة الكلية تتكون؟ قال الناس كلهم يريدون أن يبقى النوع الانساني، فبسبب هذا تكون هناك الغريزة عندهم، ويكون هناك الجنس، الجنس سببه من أجل بقاء النوع الإنساني.

وهكذا أتى بأشياء يرى أن العالم المادي أو الحس كاف لتفسير كل ما يجري فيه وليس بحاجة إلى قوة خارجية تؤثر فيه، ثم أتى بفلسفة تسمى فلسفة تشام. المقصود هذه المذاهب التي ظهرت في هذه الفترة كلها داعمة للإلحاد، حتى جاء فرويد وبدا يفسر الدين تفسير جنسي تماماً، وأنه كيف بدا الناس يجعلون هذا الأمر محرم وهذا الأمر حلال بسبب عقدة أوديب. وان كان الفتاة ذكر أشياء تفسيرها الجنسية، لكن كيف بدا الدين؟ قالوا إن الأولاد كانوا يعشقون أمهم، ثم هذه الرغبة الجنسية تجاه الأم وجدوا أباهم حائلاً بينهم فقتلوا الأب، فشعروا بالإثم فبدأوا بعد ذلك أن يعبدون الأب ويجعلون المحرمات. المقصود كلام حقيقة تافه، إلى أن وصلنا إلى المرحلة الأخيرة وهي مرحلة الإلحاد الجديد.

مرحلة الإلحاد الجديد تهدف إلى معالجة كل شعور يشعر الإنسان به، هذا الملحد يشعر بالإثم، يشعر بالخطأ، يشعر أنه لا يمكن أن تكون هناك أخلاق، فأصحاب الإلحاد الجديد قالوا نحن نريد أن نعالج أي شعور بالإثم أو الخطأ في نفوس الناس، فظهر ريتشارد دوكنز، ظهر سام هارس، ظهر كريستوفر هيتشنز، ظهر كراوس، وظهروا هؤلاء المجموعة من أجل نشر هذا الإلحاد الجديد.

ما أبرز أسباب ظهور الإلحاد في العالم الغربي؟ أول سبب هو الديانة النصرانية المنفرة في عقيدتها وشريعتها. الأمر الثاني طغيان رجال الكنيسة، لاسيما الطغيان العلمي المبغض في رجال الدين. حدوث الصراع بين الدين الكنسي والكشوف العلمية. دور اليهود، وهم أصحاب هذه النظريات، دور اليهود في نشر الإلحاد للأسف. غياب الأمة الإسلامية عن بيان الدين الحق.

أيها الأحبه في الله، لا يوجد انسان في هذه الحياة إلا ويطلب السعاده لنفسه، فمن الناس من توجه إلى أن توجه إلى اسعاد الإنسان في روحه، وفصل بين الروح والبدن فقال الإنسان روح وما البدن إلا مركوب لهذه الروح، فتوجه إلى إحساد الإنسان روحياً مع إهمال البدن، إعاد الإنسان أخروياً مع إهمال الدنيا، فكان هذا الأمر أبرز ما كان في الرهبنة عند النصارى وتوجهوا إلى هذا، لكنهم وجدوا الناس أن هناك أمور من امور السعاده يفتقدونه.

جاء المنهج الغربي الآن فأتى فقط للجوانب المادية في الإنسان، جاء إلى جانب البدن يغذي هذا البدن لكنه أهمل الروح، يغذي دنيا الإنسان لكنه أهمل آخرته، يغذي فردية الإنسان لكن أهمل جماعته، فسبب للإنسان الضيق والكرب والهم والغم.

جاء ناس آخرون من الفلاسفة وقالوا الإنسان هو عقل فقط ولا قيمة للروح ولا قيمة للبدن، وكل الاهتمام إنما يكون للعقل، وبالعقل كان هنا الفرق بين الإنسان وبقية الحيوانات، فقالوا سعادة الإنسان في الغذاء العقلي.

أما ديننا الإسلامي أيها الأحبة في الله فهو مصدر سعادة الإنسان في التزام شرع الله، فعندما عدنا إلى الخالق سبحانه وتعالى أخبرنا أن الإنسان مكون من قبضة من الطين صارت فيها نفخة من روح الله، إذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من طين، فاذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين. فجاء الإسلام يغذي روح الإنسان دون إهمال بدنه، وجاء يغذي البدن دون إهمال روحه، فجمع بين الأمر ين، جاء يصلح دنيا الإنسان دون إهمال آخرته، جاء يصلح الإنسان فرداً دون إهمال مجتمعه، فكان هذا الدين دين مسعد.

للبشرية، وجب علينا نحن أن نقدم هذا الدين للناس وأن نبينه واضحاً صافياً؛ لعل الله سبحانه وتعالى أن ينقذهم به مما هم فيه من الضيق والكرب والهم والغم. وإلى حلقة قادمة بمشيئة الله، استودعكم الله، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.

يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً لن يُميس يأتيك ميسوراً بأي مكان.

زاد، زاد أكاديمية، ينبوعها صافٍ صافٍ ليروي غلة الظمآن. هذه عقيدتنا الصحيحة، فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهان. بشرى لنا، زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.