يا راغبا في كل علم نافع ينمو العلم ويتقدم بتقنياته ومجالاته ومعه تطور أدواتنا في تقديم العلم الشرعي. أكاديمية تنفي الشكوك بواضح البرهان بالعلم كالأزهار في البستان. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علما نافعا وعملا صالحا وقلبا خاشعا ولسانا ذاكرا. اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.
أيها الإخوة في الله، تذاكرنا في الدرس الماضي مراحل نشأة الإلحاد وكيف أنهم وصلوا إلى الإلحاد المعاصر. بدأ الإلحاد، وكانت البداية انتصار الدين الكنسي على النظريات العلمية، ثم حدث التوافق والتساوي بين الطرفين، كل يعمل في مجال، ثم بداية انتصار نظريات العلم على الدين الكنسي، ثم الإلحاد الربوبي، ثم بعد ذلك إنكار وجود الله الإلحاد التام، ثم بعد ذلك ديانة الإنسانية، ثم بعد ذلك الإلحاد المعاصر. وتحدثنا عن أسباب الإلحاد.
قد يقول قائل: لماذا يجتهد الملاحدة في عصرنا الحاضر لنقل إلحادهم إلى العالم الإسلامي؟ لماذا يفعلون ذلك؟ هل يطلبون الأجر من أحد؟ لماذا هذا الاجتهاد في نقل الإلحاد إلى العالم الإسلامي؟ وما وسائلهم في ذلك؟
من أعظم أسباب اجتهاد الملاحدة في نقل الإلحاد إلى العالم الإسلامي هو الحرب على الدين الإسلامي. يجب أن تعرف هم في العالم الغربي لماذا يحاربون الدين بشكل عام؟ هم يرون، أو من الأشياء التي يذكرونها، أن اختلاف الاديان سببت الحروب بين الناس. ثم عندما حدثت ضربة الحادي عشر من سبتمبر، رأوا أن وراءها أناسا متدينين بالدين الإسلامي. فقالوا: كيف نقاوم هذه الحرب على بلادهم؟ يهاجمون الدين الإسلامي الذي إن التمسك به هو الذي كان حاملا لهؤلاء على الهجمة عليهم.
ولذلك هناك ارتباط قوي جدا بين نشأة الإلحاد المعاصر الآن وبين أحداث الحادي عشر من سبتمبر. كل منهم يصرح، لوكانز يصرح بأنه بعد ضربة الحادي عشر من سبتمبر أظهر الإلحاد وبدأ يدعو إليه بقوة، وبين أن هناك ارتباطا كبيرا بين دعوته للإلحاد ونشر الإلحاد في العالم الإسلامي وبين أحداث الحادي عشر من سبتمبر.
مهرس يقول: أنا شرعت في تأليف كتابه عن وفاة الإيمان يقول في اليوم التالي من أحداث الحادي عشر من سبتمبر. ثم يقول: يظن بعض الناس أن الحرب هي بيننا وبين القاعدة، هذا ليس صحيحا، الحرب بيننا وبين الإسلام، يقول: لكن ليس هم كل المسلمين، لكن ملايين المسلمين ليس بشرط أن يكون ممن ينتمي للقاعدة. فيجب أن يعلم أن الإلحاد المعاصر هو طريقة أخرى من الحرب على الدين الإسلامي في نقله للعالم الإسلامي.
طبعا هي طريقة من الحرب على المسلمين، حتى أن بعضهم يصرح ويقول: إن وجود مسلمين يعيشون بينهم وهم يحملون في قلوبهم وفي أذهانهم الصورة التي يجب أن يحياوا بها عن طريق الإسلام، قالوا: كمن يمشي في الشوارع ومعه سلاح، يرون أن الدين كالسلاح تماما وأنه قابل للانفجار في أي لحظة. فهم هاجموا الدين الإسلامي كما هاجم المنصرون الدين الإسلامي من أجل تنصيرهم، هؤلاء يرون أنه حتى لو تنصروا أيضا مشكلة، فقال: نحن نهاجم الدين الإسلامي من أجل ماذا؟ أن يلحدوا.
فهذا الإلحاد المعاصر هو طريقة جديدة من طرق صرف الناس عن التمسك بالدين الإسلامي، كما كان يفعل المنصرون مع أهل الإسلام. هم يرغبون في أمرين: إن دخل في الدين نصراني فلا بأس، وإن لم يدخل فأقل شيء أن يشك في دينه وأن يترك دينه. وهؤلاء الملاحدة قالوا: خلاص نحن ما نريد أن ندخل في الدين النصراني، نحن نريد أن يدخل في أن يترك التدين بالكلية. هذا أبرز سبب من أسباب الهجوم والاجتهاد من الملاحدة المعاصرين في نقل إلحادهم إلى العالم الإسلامي.
ثم بعد ذلك صار لهم تبع، هناك من تابعهم وهناك قلة قليلة لكنهم وجدوا. ماذا صنعوا؟ لماذا يواصلون؟ يواصلون من أجل ماذا؟ من أجل أن يثبتوا على إلحادهم، لتثبيتهم على الإلحاد، لتكثير سوادهم، لأن يطالبوا بحقوقهم، لأن يطالبوا بحق الردة وحق ترك الدين، وهكذا يطالب بحال الملحد في العالم الغربي كما يفعل المنصرون في تثبيت من دخل في النصرانية معهم. هذان السببان من أقوى الأسباب في الهجوم على العالم الإسلامي ونشر الإلحاد إليه.
وتعجب كل العجب لماذا هذا التركيز على المملكة العربية السعودية على وجه الخصوص رغم أن العالم الإسلامي كبير؟ لكن هذا التركيز وهذه الدراسة على هذا البلد يدلك على أن الحرب هي حرب على الإسلام، حرب على الإسلام وعلى المتمسكين به الذين قد يكون تمسكهم مؤثر ومخيف بالنسبة للعالم.
ما هي وسائلهم في نشر الإلحاد ونقل الإلحاد؟ الكتب الإلحادية والروايات وترويجها بين المسلمين. وفي هذه الكتب الإلحادية يأتون بثقافة الشك وانه يجب أن تشك في كل، وتشك في دينك، في ربك، في رسولك، في كذا، نشر ثقافة الشك حتى يتشبع بها الآخرون، وأنه ما يوجد حقيقة ثابتة مطلقة وهكذا.
ثم يأتون للنصوص الدينية ويضعفون الثقة فيهم: ما الذي أدراكم أن هذه السنة صحيحة؟ ما الذي أدراكم أن هذا القرآن صحيح؟ ثم لماذا لا تقرأون هذه النصوص بقراءة موافقة للعصر، موافقة للحضارة الغربية المعاصر وهكذا؟ ثم يأتون للدين في الروايات ويبغضون الدين في النفوس: وأن الدين يحرمهم من متعة الدنيا ومن لذتها ومن الصلاح ومن السعادة ومن الحضارة، يشككون في حكمة الباري وفي قدرته بأمور تافهة حقيقة ظاهرة. لكن يستغلون مثل هذه الأمور وينشرونها في الكتب في كتب الروايات من أجل أن يترك الناس دينهم ويلحدوا في ذلك.
من الوسائل أيضا القنوات الفضائية، ويأتون بالأفلام وبنظرية داروين والنظريات هذه، ثم ديانة الإنسانية، ثم يشرحونها ويعرضونها عرضا مؤثرا حتى يكون له رواج في نفوس الشباب. ثم يدعون إلى الانفتاح على الآخر، وأنك لا تجعل هناك وصايا على عقلك ووصايا على دينك بل كل إنسان حر، ثم يسخرون ويستهزئون برجال الدين وأنهم يقفون أمام حريات الناس وهكذا.
الوسيلة الثالثة: اللقاءات المباشرة، سواء في الصالونات، في الديوانيات، في الأشياء هذه، وينشر هذا الإلحاد نشرا صريحا واضحا، وأن العادات الاجتماعية وأن الديانة كلها تحرم الإنسان من سعادته. لماذا هذا الإلحاد وهو قذر وواضح البطلان لماذا يتسلل في نفوس بعض الشباب؟ هم ندرة، لكن ندرة الإلحاد مخيفة، حتى لو كان واحد في المليون أيضا هذا مخيف، مخيف جدا.
لماذا؟ كما عندما تسمع أن إنسان أتى أمه عياذا بالله، هذا الأمر حتى لو قلنا إنه ليس بظاهرة لكنه شيء يفزع الإنسان، فكيف بمن يترك هو يتوجه إلى الإلحاد؟ وجدوا أن هناك جهلا بدين الإسلام. وجهل بدين الإسلام، وبعض الناس أيها الأحبة في الله يظن أن بعض الفرق المبتدعة هي تمثل الاسلام تمثيلا صحيحا. هو جاهل بحقيقة الدين الإسلامي، ويرى من يمثل الدين الإسلامي يمثله رافضة، من يمثل الدين الإسلامي يمثله خوارج، من يمثل الدين الإسلامي يمثله صوفية. ثم ينظر في واقعهم، ويمثله جهة أخرى مرجئة، قدرية، جبرية، قاديانية، بهائية، إسماعيلية، نصيرية، دروز. هذه الفرق شوهت صورة الدين الإسلامي.
فمن ظن أن الدين الإسلامي هو هذه الفرق، سيحدث له كما حدث للذين اشتغلوا بالعلم تجاه الدين الكنسي. الدين الكنسي حدث له تحريف في عقيدته في شريعته، الديانة التي جاء بها عيسى عليه السلام حرفها رجال الكنيسة حتى أصبح الدين الآخر دين كنسي دين وثني. هؤلاء أيضا من الرافضة، هؤلاء أيضا من الخوارج، هؤلاء أيضا من المرجئة، هؤلاء أيضا من الصوفية شوهوا الدين الإسلامي.
ولذلك لماذا يشدد أهل العلم، يشدد العلماء على هذه الفرق الضالة المنحرفة؟ لأنها قد تكون سبب لانتشار الإلحاد عياذا بالله. لماذا؟ لأنها تقدم هذه صورة الإسلام، عندما تأتي الصوفية تمثل الدين الإسلامي وهي تقول إن
الإنسان يكون مخبتاً إذا انقطع انقطاعاً كلياً عن الدنيا، فكانت زوجته كرملة وكان أولاده كاليتامى، ويترك النساء ويترك الأكل ويترك الشرب، يترك هذه الأمور، يترك الدنيا، يهمل الدنيا، يترك العمل. هذا الدين الإسلامي نريده؟ فبعض الناس عنده جهل بدين الإسلام فظن أن هؤلاء يمثلون الدين الإسلامي، فعندما عرض عليهم الإلحاد تركوا، يعني تركوا ماذا؟ تركوا التصوف، تركوا الفكر الخارجي، تركوا الفكر الرافضي.
المقصود أيها الأحبة في الله أن هناك جهلاً عند من دخل في الإلحاد، جهلاً بدين الإسلام الدين الناصر.
الأمر الثاني، أن أهل البدع ليس فقط أنهم يحرفون العقيدة والشريعة، بل يمارسون على أتباعهم أنواعاً من أنواع الطغيان. هذا يجعل بعضهم عندما يأتي هذا الإمام ويزعم أنه يدبر أمر الكون، وأنه يشرع للناس، وأنه يجب أن تخضع له وتذل وتسجد بين يديه، يرى الإنسان -يتعلم الإنسان- فيرى أن هذا هو الدين.
ثم عندما يأتي الإنسان ويسافر للغرب ويرى هذا التقدم الحضاري الذي وصلوا إليه في شتى مجالات أمور الدنيا، تقدم حضاري رهيب جداً، نظافة ورفاهية وأشياء في أمورهم المادية، فيربط بين هذا التقدم الحضاري الذي وصلوا إليه وبين الإلحاد، فيظن أنهم ما وصلوا إلى ذلك إلا بسبب تركهم للدين، فيظن أن الدين هو الذي يؤخر الناس عن التقدم.
الأمر الرابع، وهو حب الشهوات؛ عندما ينفلت الإنسان من التدين ويريد أن يأكل ما يشاء من غير حرام، يشرب ما يشاء من غير حرام، يمارس الجنس كما يشاء من غير حرام، وجد الإلحاد على ذلك فتوجه. هو لا يعرف أن هناك رب، لكن ألم الضمير يريد أن يعالجه فعالجه بالإلحاد. هذه أسباب تسلل الإلحاد إلى واقعنا المعاصر، إلى العالم الإسلامي للأسف الشديد.
أيها الأحبة في الله، هذا الإلحاد له أثر كبير على حياة الناس أفراداً ومجتمعات، له ضرر كبير عليهم. تفاجأت وأنا أنظر إلى كتاب رسل، وهو من كبار الوجوديين، قلت لعله كتب كتاباً عن السعادة، فقلت سبحان الله سانظر كيف هل حقق السعادة وصل إليها؟ فوضع على الغلاف في أول صفحة كلمة لأحد الملحدين الكبار يقول: أتمنى أني أعيش بين الحيوانات. يتمنى هذا الملحد أنه يعيش بين الحيوانات، ما السبب؟ يقول: لا يبكون في الليل، لا يشعرون بألم ضمير، ليس بينهم حسد ولا حقد ولا أي شيء من هذه الأمور، يعيشون السعادة، يأكل ويشرب وينكح وينام، ليس هناك مسؤوليات.
ناخذ فاصل ثم نعود نكمل عن أثر الإلحاد على الأفراد والمجتمعات.
كلمات قصيرة تحمل بين طياتها تنبيهاً خطيراً، وتوجه حواسنا ومداركنا إلى دورنا الحقيقي الذي سنحاسب عليه. ﴿كُلُّكُمْ رَاعٍ وَكُلُّكُمْ مَسْؤولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ﴾. فمن أهم أدوارنا الجديرة باهتمامنا في هذه الحياة التركيز على مسؤوليتنا تجاه رعيتنا. فالآباء والأمهات لهم الأثر الأعظم بعد الله في مستقبل الأبناء والأجيال، لذلك خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر فقال: «والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها».
إن الأبناء زهرة الحياة وقرة أعين الآباء والأمهات، وبصلاحهم ودعائهم ترفع الدرجات في الآخرة، ولكن يجب أن ندرك أن ذلك مرهون بححسن تربيتهم وصلاح نشأتهم. فهنا كان لزاما علينا البحث عن أبرع الطرقات وأفضل الأساليب في التربية والتوجيه، ليكون أبناؤنا في قابل أيامهم مصدر بر وسعادة لنا، وسواعد خير وبناء للمجتمع الإنساني.
حياكم الله أيها الأحبة، وصلنا إلى أن غاية الملحد في هذه الحياة أن يتحول إلى بهيمة من البهائم، يتمنى ذلك هو يحسد البهائم على حياتهم، ويرى أنه انسان مختلف. هو توجه إلى الأكل والشرب والنكاح من غير ضوابط، إنما تمليه عليه من داخل نفسه من ضابط المصلحة والمنفعة واللذة، لكنه يشعر أنه ليس كالحيوانات فبدأ يشعر بفقدان طعم السعادة. يأكل ويشرب ويتمنى أن يكون مثل البهائم، لا يبكي على خطيئته، لا يشعر أنه مختلف، لا يشعر بمسؤوليات.
فهذا الملحد يا إخوان ممزق داخلياً، ممزق داخلياً، يشعر بضيق وكرب وغم لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى. وهكذا يا إخوان هذه خلقة الله، خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان بهذا الشكل، فيه القبضة من الطين التي يمثلها البدن وفيه النفخة من الروح، فلا بد من غذاء الأمريني. فإذا أعطيت البدن ما يحتاجه من مأكل ومشرب ومنكح وتركت الروح، وأنت انسان ستتوجه إلى حياة البهائم، لكن تبقى الروح تؤلمك، يبقى هذا الروح يشعر الإنسان أنه ممزق، عنده صراع بين النزعة الفردية والنزعة الجماعية، بين الروح وبين البدن، عنده صراع بين الدنيا والآخرة.
يشعر أن ذاته ذات خيرة، هذا الشعور يقلقه، ولذلك هو يحاول أن يتوجه للمخدرات، إلى الحشيش، الأشياء هذه، بحيث يرتاح من ألم الضمير في ناحية خيرية الذات. يشعر أن دنياه ليست خيرة، أنه ليس هكذا، يعني فقط وجد للأكل والشرب والنكاح والمال والسكني. وهكذا يشعر أن حياته تافهة، أن حياته لا قيمة لها.
ثم يشعر أن هناك -لا يمكن أن يكون هذا هو المصير- خلاص انتهى، يموت الإنسان ويفنى، يشعر أن هناك مصيراً ينتظره، أن هناك حياة أخروية. يحاول ألا يتذكرها، يحاول ألا يفكر فيروس فيشعر بآلام عجيبة. هذا الملحد، الإلحاد يا إخوان قضاء على النزعة الجماعية في الإنسان، قضاء على القيم وعلى الأخلاق. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ * فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ * وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ﴾ [الماعون: 1-3].
هذا حال الملحد الذي لا يؤمن بالله ولا يؤمن باليوم الآخر. هذا الإنسان مع مجتمعه سيكون سيء الخلق، لا سيما مع من لا يرجو من ورائهم مصلحة من اليتامى والمساكين؛ لماذا يكون حسن الخلق معه؟ لماذا يقدم له خدمات؟ إلا أن يكون يريده في التصويت أو في شيء، أما لا مصلحة له فيه لا يمكن أن يفعل ذلك.
الملحد يا إخوان يدعو إلى الأنانية، يدعو إلى الفردية، لا كرم، لا بذل، لا تضحية من أجل الآخرين. أحياناً يتناقض، بعض الأحيان يشعر أن الاهتمام بالآخرين يولد له السعادة، طيب ويشعر أنه لا يجب عليه أن يخدم الآخرين، لماذا يخدم الآخرين؟ فيشعر بشيء من الضيق، وهكذا.
دعوة إلى الإباحية؛ يعني هذا الملحد عياذا بالله يرى أن الأشياء الاجتماعية، الأشياء الدينية التي تحول بينك وبين ما تشتهيه نفسك من مأكول أو مشروب أو منكوح هذه تفقدك طعم السعادة. فيرى هذا الملحد أنه إذا تحركت فيك شهوة الأكل فكل ما شئت، لا ترتبط بحلال وحرام، طالما أنه بمقدورك أن توفر هذا الاكل فكله، لا تنظر إلى حرام من ناحية المجتمع، حرام من ناحية الدين، لا تفعل ذلك، قرب كذلك الجنس كذلك.
لذلك تجد هذا الملحد مثله مثل الحيوانات مثل البهائم تماماً، وهو يرى ذلك، لكنه يرى أنه انسان مطور فقط، أنه حيوان مطور. وهكذا يا إخوان دعوة إلى الإباحية، دعوة إلى التفكك الأسري والقضاء على الروابط الاجتماعية؛ لماذا يهتم بوالديه؟ لماذا يهتم بالعم؟ لماذا يهتم بالخال؟ لماذا؟
لا حقوق زوجية، لا صلة أرحام، لا حقوق جيران، بل يرون حتى أن هذه اختك، هذه أمك، إذا تحركت الشهوة لها لا مانع من ذلك. اللواط، الشذوذ، كل هذه الأمور يعني عندهم عياذا بالله يفعلونها، فقضوا على جميع الروابط الأسرية، روابط الزوجية، روابط الأرحام، روابط القرابات. أثروا على دمر نفسه، ثم دمر مجتمعه، ولم يكتفي بذلك بل دمر الأمم دمر البشرية، ويرى أن البقاء للأغلى، وأن القوي يجب علينا أن ينتصر على الضعيف، وأن هؤلاء الضعفاء هم سبب تأخر العالم، وأنه لو أنه كان الناس تتطور كان الناس تطوروا.
ولذلك هم يعلنون هذه الحروب العالمية، لماذا؟ لأنهم يرون أن هناك أناساً لا حق لهم في الحياة، وأن بسبب وجودهم تأخر العالم، وأنه لو فنوا هؤلاء لانتقل الإنسان إلى مرحلة أخرى وتطور إلى مرحلة أخرى مرحلة السوبرمان ونحو ذلك.
أيها الأحبة في الله، هؤلاء الملاحدة لا ينصرهم شيء، حتى أن العلوم الحديثة تأتي وتبطل ما هم فيه. العلوم الحديثة
تأتي لما يقولون عنه أزلية المادة، تأتي العلوم الحديثة وتقول إن المادة هذه ليست بأزلية، وأنها قابلة للانقسام وقابلة للتحول، وكل ما قبل الانقسام وقبل التحول فليس بأزلبي؛ بل تصل المادة لأن تتحول إلى طاقة وتفنى، وهكذا فالعلوم الحديثة تأتي وتبطل ما هم عليه من إلحاد. العلوم الحديثة تثبت مظاهر الدقة والإتقان والتخصيص والتسوية، الكلام الذي ذكرناه في أدلة وجود الله، كل العلوم الحديثة تؤيد هذه الأمور وتقول: لابد أن يكون هناك موجد لهذا الكون.
أيها الأحبة في الله، إن قضية الإلحاد في حس المسلم قضية مرفوضة تماماً، ونحن نحمد الله سبحانه وتعالى أن تكفل ربنا جل جلاله لنا بحفظ هذا الدين، فديننا بحمد الله محفوظ، والكتاب والسنة محفوظان بحمد الله. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]. ومن نعم الله سبحانه وتعالى أن تكفل لنا بحفظ هذا الوحي، من نعم الله جل جلاله أن جعلنا نضبط فهمنا لهذا الوحي بفهم سلفنا الصالح، كيف فهموه؟ فيكون عندنا الخبر، ويكون عندنا الفهم الصحيح للخبر.
ونحن عندنا يقين أنه ليس في خبر الله ما يعارض العقل، وليس في خبر الله ما يعارض العلوم الحديثة، بل يأتي العلم الحديث الصحيح بتفصيلات قد أشار إليها الوحي جملة، وأيضاً في الوحي الإلهي عندنا دعوة كبيرة وواضحة للتعلم، بل أول آية في القرآن عندنا اقرأ، ليس عندنا صراع بين العلم وبين الدين.
أيضاً يا إخوان، في أمور الشريعة، ليس فيما طلبه الله سبحانه وتعالى منا فعلاً أو تركاً ليس فيه ما يفقد الإنسان سعادته، ليس فيه ما يخالف مصلحة الإنسان في الدنيا، ليس فيه تغليب الفرد على المجتمع أو تغليب المجتمع على الفرد، بل فيه صلاح الفرد والمجتمع. فلنَفْرَح بهذا الدين الإسلامي ولنعتز به، وأن نقدمه للناس، في ديننا الإسلامي الشرك نقيض الإسلام، وحرم الله عز وجل كل وسيلة من شأنها أن تفضي إلى الشرك، ومنها الغلو في الصالحين وفي قبورهم، وحرم التصوير.
فليس عندنا هناك رجال دين يتسلطون على الناس، يفرضون على الناس الخضوع المذل لهم، ليس عندنا هذا بحمد الله ونعمة الله سبحانه وتعالى علينا. لابد أن نستشعر أيها الأحبة في الله واجبنا تجاه قضية الإلحاد باستشعار المسؤولية على الجميع، المسؤولية التربوية والتعليمية والدعوية تجاه أبنائنا وتجاه الشباب لتحصينهم من فتنة الإلحاد، نربط الشباب بالوحي الإلهي حفظاً وتدبراً للاعتصام به، أن نربي مجتمعنا، نربي أبناءنا ونربي طلابنا على الإيمان بالأصول الثلاثة، الإيمان بالله وبالرسول وبالدين الإسلامي وما يندرج تحت ذلك.
أيضاً يكون هناك ترشيد ثقافي وضبط الانفتاح على أفكار الآخرين ولا سيما الملاحدة، تأصيل المنهج الشرعي في التعامل مع الشبهات، رعاية الشباب المبتعثين إلى بلاد الغرب، تجفيف منابع الإلحاد واجتثاث أسبابه، إقامة حكم الله على المرتد.
أيها الأحبة في الله، من وجد ملحداً فعليه الأمر التالي: إن كان هذا الملحد مجرد عُرضت عليه شبهة إلحادية وهو ليس ملحداً على الحقيقة فوقع في شك وهو لا يدعو إليه ولا يسخر من الشريعة، فهذا علاجه بالمناصحة والتعليم وبستره ومحاولة اجتثاث هذه الشبهات من نفسه. أما إذا أصبح هذا الانسان عياذاً بالله من الملاحدة وبدأ يظهر شبهاته ويتمرد ويعلن هذا الإلحاد، فوجب الرد على الملاحدة ونقض شبهاتهم، وأن يكون من يرد على هؤلاء الملاحدة يرد عليهم على قواعد أهل السنة والجماعة، لا على طريقة المتكلمين والمبتدعة ونحو ذلك.
إن كان هناك حاجة واضطراب إلى مناظرة الملحد فيناظر في مكان خاص وليس في مكان عام، ويكون هذا المناظر له ممن قد استعد وعرف شبهات هؤلاء الملاحدة ولديه خلفية شرعية حتى لا يكون سبب لزيادة الإلحاد، أو سبب أن يكون هناك تشكك بسببه، أو ثم هو يتحمل بعض المغلوطات ثم يعود بها يجادل أهلها.
كما حدث من قبل في فتنة الجعد بن درهم، الجعد بن صفوان، توجهوا إلى الملاحدة يجادلونهم، فاستخدموا المصطلحات اليونانية في جدالهم وأثبت لهم وجود الله، ثم بعد ذلك تكونت مادة علم الكلام بسبب هذه المجادلات، ثم جاءوا يزنون الوحي الإلهي بعلم الكلام. لا نريد الآن من تصدى لهذه الموجة أن يتصدى لها بغير علم ويتصدى لها بمصطلحاتهم وتعبيراتهم هم، ثم بعد ذلك يكون مادة تأتي إلى الوحي الإلهي ويجعل الوحي الإلهي موزوناً لتلك المادة، الوحي الإلهي ميزان لا موزون، فلنتنبه لهذه القضايا.
ناخذ فاصل بمشيئة الله ثم نعود إليكم ونكمل آخر الدرس، الدرس النهائي في مادة العقيدة المستوى الأول في هذا الفصل بمشيئة الله.
يأخذ بيدك ليرقى بك إلى أعلى المنازل، يقف معك وينافح عنك وقت الضيق والكرب، إنه القرآن، ففي الحديث يقال لصاحب القرآن إذا دخل الجنة: «اقرأ واصعد»، فيقرأ ويصعد بكل آية درجة حتى يقرأ آخر شيء معه. وحين تأتي أهوال يوم القيامة وشدائده، لا يتخلى القرآن عن أصحابه، يقول عليه الصلاة والسلام: «اقرؤوا القرآن فإنه يأتي يوم القيامة شفيعاً لأصحابه». بل إن القرآن ينفع صاحبه بكل حرف منه، إن القرآن يرفعك وينفعك في الدنيا والآخرة، وفي الحديث: «من قرأ حرفاً من كتاب الله فله به حسنة، والحسنة بعشر أمثالها».
لذلك استحق صاحب القرآن أن يغبط عليه، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار، ورجل آتاه الله مالاً فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار». فكن مع هذا الصاحب الوفي وعش في رحابه، فأنت في صفقة رابحة وتجارة لن تبور، ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَّن تَبُورَ﴾ [فاطر: 29].
حياكم الله أيها الأحبة بعد هذا الفاصل، وفي ختام هذه المادة أحب أن أذكر بأبرز الصفات، ربنا سبحانه وتعالى من أبرز وأخص صفات الله جل جلاله صفة الغنى التام، والله سبحانه وتعالى غني عن كل ما سواه وما سواه فقير اليه. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15]. نحن فقراء إلى الله في وجودنا؛ لأننا سبقنا بعدم فنحتاج إلى من يوجدنا، ونحن في وجودنا نحتاج إلى من يبقينا، فنحن فقراء إلى الله سبحانه وتعالى في وجودنا وفي بقائنا ونحتاج إلى الله سبحانه وتعالى بعد عودتنا إلى الحياة مرة أخرى.
أما الله سبحانه وتعالى فهو غني عن كل ما سواه في وجوده، وهو لم يسبق بعدم، ولذلك فإن ربنا جل جلاله لا والد له، لم يولد سبحانه وتعالى؛ لأنه هو الأول الذي ليس قبله شيء، فهو غني عن الوالد، غني عن الخالق؛ لأنه سبحانه وتعالى هو الخالق وما سواه مخلوق. فهذه الشبه التي تذكر ويذكرها بعضهم: فمن خلق الله؟ الله غني عن أن يحتاج إلى من يخلقه، إلى من يوجده؛ لأنه لم يسبق بعدم سبحانه وتعالى، فهو لم يولد جل جلاله.
والله سبحانه وتعالى غني في وجوده سبحانه وتعالى، فهو الحي القيوم، فهو الذي تكون به الحياة وهو الذي يقوم على سائر مخلوقاته جل جلاله ومستغنٍ عن كل مخلوقاته، وهو سبحانه وتعالى ليس له ولد، غني عن الولد؛ لأنه الآخر الذي ليس بعده شيء فلا يحتاج إلى من يخلفه سبحانه وتعالى، ولذلك عرف الله بنفسه فقال لنبيه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4].
فمن أبرز صفات الله سبحانه وتعالى الغنى التام. ومن أبرز صفات الله جل جلاله الخلق العام، والله سبحانه وتعالى كما أخبر عن نفسه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: 62]، ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَّا إِلَهَ إِلَّا هُوَ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ﴾ [المؤمنون: 62]. فالله هو الخالق وما سواه مخلوق، فكل الموجودات هي مخلوقاته. ومن ضمن هذه الموجودات أفْعَال العباد، أفعال العباد فعل للعبد مفعولة للرب، فعل للعبد فهو الذي فعلها وهي التي تنسب إليه، وهي مخلوقة لله جل جلاله بما خلق في العبد من الأسباب التي تمكنه من إيجاد فعله.
كذلك من أبرز صفات الله جل جلاله الملك المحكم، فهو قد أحكم ملكه سبحانه وتعالى، فكل ما خلقه ربنا جل جلاله وكل هذا العالم وكل هذا الكون وكل هذه المخلوقات هي مخلوقة لله.
وهي مملوكة لله، قد أحكم الله عز وجل ملكها. فكل المخلوقات خاضعة تحت ملكه سبحانه وتعالى، لا يخرج منها شيء عن سلطانه وقهره، وأما ملك غيره في الدنيا إنما هو بتمليكه سبحانه وتعالى. فلو شاء لنزعه منه، فهو سبحانه وتعالى المالك الحقيقي.
قال الله عز وجل: ﴿وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 189]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: 120]. وقال سبحانه وتعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: 2].
كذلك أيها الأحبة في الله، من صفات ربنا جل جلاله، ومن أخص صفاته؛ التدبير العام. وتدبير الله سبحانه وتعالى لمخلوقاته تدبيران: تدبير كوني؛ فالله عز وجل قد دبر جميع مخلوقاته، وجعل لمخلوقاته سنناً تسير فيها، وجعل لعباده المكلفين شريعة ومنهجاً يسيرون عليها، فالتدبير تدبير كوني وتدبير شرعي.
قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلاَّ مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلاَ تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: 3]. وقال الله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلاَ تَتَّقُونَ﴾ [يونس: 31]. وقال الله عز وجل عن نفسه: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى يُدَبِّرُ الأَمْرَ يُفَصِّلُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ﴾ [الرعد: 2].
ربنا جل جلاله من أخص صفاته الاستقلال بالفعل؛ فكل ما أراد الله عز وجل أن يفعله واقتضت حكمته أن يفعله، فالله عز وجل يفعله وحده وفعله مستقل، ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾ [هود: 107]. لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه سبحانه وتعالى. ومن استقلاله بالفعل جل جلاله أنه يخفض ويرفع، ويعز ويذل، ويعطي ويمنع سبحانه وتعالى.
هذا هو ربنا الذي نؤمن به، وهذا الكون نؤمن بأن الله جل جلاله لم يلد ولم يولد، وأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق وما سواه مخلوق. أن الله هو المنفرد بالخلق والملك والتدبير سبحانه وتعالى والتشريع، هذا هو ربنا سبحانه وتعالى الذي نؤمن به.
هذا الإيمان أيها الأحبة في الله بربوبية الله يوجب علينا أشياء؛ يوجب علينا أن نفرده سبحانه وتعالى في ذاته وأسمائه وصفاته، وأنه جل جلاله ليس كمثله شيء، ليس كمثل في شيء في ذاته، ليس كمثله شيء في أسمائه، ليس كمثله شيء في صفاته. ونثبت لله ما ثَبَتَ له جل جلاله من الأسماء والصفات، لكن الله سبحانه وتعالى تنزه عن مماثلته للمخلوقات، أو أن يكون شيء من المخلوقات مماثلاً له، هذا من مقتضيات توحيد الربوبية.
من مقتضيات توحيد الربوبية -وهذا شرحناه من قبل لكن نراجعه في ختام هذا الدرس لأهميته- أن نَفْرُدَ الله جل جلاله بجميع أنواع العبادة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلاَ تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 21-22].
تعلمون ماذا؟ أن الله هو المنفرد بالخلق والملك والتدبير لا شريك له في ذلك، فكيف يتوجه أحد بالشكر على خلقك وملكك وتدبيرك وهو لم يخلق ولم يملك ولا يدبر، وليس هو شريكاً وليس هو وزيراً؟ لا يمكن، ما يفعل هذا إلا إنسان قد فقد عقله، ولذلك كان الشرك بالله سبحانه وتعالى في عبادته كان أعظم الذنوب على الإطلاق، وأعظم الظلم على الإطلاق.
كذلك عندما نعلم أن الملك لله والتدبير لله والكون كله مخلوق لله مدبر لله، نوحد الله سبحانه وتعالى في قضائه وقدره، نعلم أن الله هو المنفرد بتدبير الكون فلا يتحرك شيء ولا يسكن شيء إلا باذنه وأمره، فهو الذي قدر الخلائق في الأزل فعلمها وكتبها وشاء وقوعها وخلقها شيئاً بعد شيء.
قال الله عز وجل: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: 59].
ومن مقتضيات توحيد الربوبية أن نوحده سبحانه وتعالى في تشريعه، فلا نتلقى أمور التحليل والتحريم إلا من الله جل جلاله. لا نرى لأحد مهما بلغ في المنصب، مهما بلغ في العلم، مهما بلغ في العبادة؛ أن يكون هو الذي يشرع للناس استقلالاً، يشرع للناس من غير إذن، يكون شريكاً لله سبحانه وتعالى في أمر التشريع: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ [الشورى: 21]. ليس لأمير ولا لوزير ولا لعالم ولا لعابد أن يكون مُشَرِّعاً مع الله، فالتحليل والتحريم لله وحده.
أيها الأحبة في الله، نحفظ هذا التوحيد عن أن تشوبه شائبة، وأعظم ما ينقض هذا التوحيد، أعظم ما ينقض توحيد الربوبية؛ ينقضه الإلحاد وإنكار وجود الله؛ كما فعل فرعون، كما فعلت الدهرية، كما فعل الملاحدة في العصر الحديث، فهؤلاء قد أنكروا وجود الله.
تذكرون أيضاً مما نبهنا إليه ونختم التنبيه له في هذه المادة: أن هؤلاء الذين اشتغلوا بالطب، اشتغلوا بالهندسة، اشتغلوا بالفلك، هذه الأمور التجريبية إذا تحولوا إلى أمور تتعلق من وراء تدمير هذه القوانين وهذه السنن، إذا تفلسفوا رجعوا إلى فلسفة ما قبل أرسطو في أمور الحس والتجربة. يقبل ما هو ثابت عندهم، وفي أمور الفلسفة اعلموا أنه لا ارتباط بين دقة النتائج في الأمور الحسية التجريبية وبين ما يقولونه عما يكون من وراء الطبيعة وما يتعلق بالله سبحانه وتعالى، فإنهم يعودون إلى فلسفة ما قبل أرسطو.
كل هؤلاء الملاحدة يعودون إلى ذلك؛ يعودون إلى أن أصل هذا العالم عناصر خمسة أو عناصر أربعة، وأن هذه العناصر اصطدمت، وأن هذه العناصر وجدت هكذا من غير موجد، وأنها اصطدمت من ذاتها. فيأتي أناس آخرون فيقولون: لا، هناك طاقة منبثة في داخلها. يأتي أناس آخرون فيقولون: لا، هناك محرك حركها ولكنه حركها من غير فعل منه، إنما حركها هي تشبَّهت به.
وهكذا يأتون إلى الفلاسفة القدامى ويتفلسفون، فلا حجة البتة في إنكار وجود الله سبحانه وتعالى عند هؤلاء. انتبهوا؛ لا علم لديهم في الأمور التي تتعلق بالله جل جلاله، وهم يتصورون العقائد الكنسية ويظنون أنها تمثل الدين الصحيح؛ كما يتصور إنسان الرافضة، أو يتبع الصوفية، أو يتبع الخوارج، أو يتبع المرجئة، فيظن أن هذا هو الدين الصحيح. كذلك هؤلاء ظنوا أن الدين الكنسي يمثل الدين الصحيح فهاجموا جميع الأديان، فلننتبه لهذه القضية.
ممَّا ينقض توحيد الربوبية اعتقاد أن هناك شريكاً مع الله في الخلق؛ فمن اثبت فاعلاً مستقلاً غير الله جل جلاله، وأن له أحقية في تدبير الكون، أو في أسف في امور الخلق أنه يستطيع أن يخلق شيئاً خلقاً مستقلاً عن الله سبحانه وتعالى؛ كما يقولها الثنوية، وككما يقولها المجوس، وكما يقولها النصارى، وكما هو لازم مذهب القدرية يجعلون أن الانسان مستقل بإحداث فعله من دون الله سبحانه وتعالى. فلا شك أن هذا مما ينقض توحيد الربوبية في نفس الإنسان فلينتبه الإنسان، لا شريك مع الله في الخلق، لا شريك مع الله في الخلق.
أيضاً من نواقض توحيد الربوبية أن يعتقد الشخص أن هناك شريكاً مع الله سبحانه وتعالى في الملك أو التدبير؛ كما وقع من الروافض، يقولون بأن الدنيا والآخرة للإمام يتصرف فيها كيف يشاء، وككما يقول النصيرية بألوهية علي بن أبي طالب وأنه متصرف بالكون، وهكذا كما يقول غلاة الصوفية في أوليائهم ويزعمون أنهم يضرون وينفعون ويتصرفون في الأكوان ويعلمون الغيب. هذا كله مما ينبغي أن يبتعد الإنسان عنه.
كذلك نَفْرُدُ الله سبحانه وتعالى في التشريع، فما ينقضه؛ ينقضه أن يعتقد أن هناك أناساً يحق لهم أن يجعلوا قوانين تكون مزاحمة لأمور الشريعة، فالله هو وحده له أحقية التشريع في التحليل والتحريم.
يقول به القانونيون. أيها الأحبة في الله، في ختام هذا الدرس أقول إن من أكد توحيد الربوبية في نفسه وعالج هذا الأمر وأحيا قلبه بتوحيد الربوبية، سيثمر له ثمرات عظيمة؛ أول ثمرة من ثمراتها سيتذوق لإيمانه ولطاعته ولتمسكه بالدين حلاوة، سيجد في قلبه الشجاعة وقوة في هذه الحياة، الموت بيد الله، الرزق بيد الله، فلما الخوف من البشر؟ هذا الإنسان سيعيش في هذه الدنيا، إذاً نسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يجعل ما تدارسناه حجة لنا لا حجة علينا.
أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه وصفاته أن يقوي الإيمان في نفوسنا وأن يثبته في قلوبنا، وأن يجعل قلوبنا حية بالتوحيد. نسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يخلّي قلوبنا من أي شائبة شرك.
نسأل الله تعالى أن يطهر قلوبنا من الشرك ومن الشك ومن النفاق ومن الرياء ومن إرادة الدنيا بالأعمال الصالحة، نسأل الله أن يطهرها من الكبر والحسد والحقد والبغضاء، وأن يملأ قلوبنا بالإيمان، أن يملأ قلوبنا بالتوحيد، أن يملأ قلوبنا بحبه وحب نبيه وحب دينه وحب المؤمنين، أن يملأ قلوبنا بالتواضع، أن يملأ قلوبنا بالرضا واليقين والصبر والتوكل.
نسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعل جوارحنا منقادة للسير خلف هدي نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن يعيننا على قبض هذه الجوارح عن المعاصي والمنكرات والابتعاد بها عن سبل الشياطين. نسأل الله سبحانه وتعالى أن يصلح دنيانا وأخرانا وأن يسعدنا أفراداً ومجتمعات، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.
من نافع متطلع لزيادة الإيمان، وتريد يأتيك ميسوراً بأي مكان، هذه عقيدتنا الصحيحة فطرة، كالأزهار في البستان.
د. أبو زيد مكي القبي