السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.
في الحلقة الماضية أيها الأحبة، اخذنا تعريف التوحيد في اللغة وفي الاصطلاح، ثم اخذنا أقسام التوحيد من جهة ما يقوم به العبد ومن جهة ما يستحقه الرب، واخذنا العلاقة بين أقسام التوحيد الثلاثة.
ووقفنا عند الواجب علينا في توحيد الله، فقلنا: لما كان توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات هو من باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات، فقلنا: وجب علينا الإيمان بهذا الخبر بلا شك.
وقلنا: لما كان توحيد الألوهية هو من باب الطلب، فوجب علينا امتثال هذا الطلب بلا شرك. نريد يعني أن نؤكد على الواجب علينا في توحيد الله؛ لأنه في الحقيقة هو الخلاصة.
فالواجب علينا في ديننا دين الإسلام، وإن كنا أيضاً في المقدمات السابقة في مدخل العقيدة في البداية قد اخذنا شيئاً من هذا، لكن لا بأس أن نؤكد عليه لأهميته.
الخبر الوارد عن الله نفياً وإثباتاً وهو توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، هو من باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات. وما الواجب علينا أن نؤمن؟ هنا يريد أن ينبه إلى بعض القضايا؛ أن نؤمن فقط.
نحن نهتم في هذا الأمر أن نهتم بصحة الخبر من ناحية الإسناد ومن ناحية المتن. بالنسبة للقرآن كله بحمد الله صدق وحق ولا إشكال عندنا في القرآن، الإشكال في السنة النبوية؛ بعض الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم موضوعة مكذوبة مختلقة، وبعضها صحيح.
فماذا يهمنا في الإيمان بالخبر؟ الإيمان بالخبر الصحيح، فنؤمن بالصحيح من تلك الأخبار، وندرس الخبر الحديث سنداً ومتناً.
لكن ما يققال عنا نحن الذين نسير وفق ما سار عليه النبي صلى الله عليه وسلم، يقال: إن هؤلاء السلف اتباع المنهج السلفي أنهم يهتمون بإسناد الحديث ولا يهتمون بمتنه! وهذا غير صحيح، إننا ندرس الحديث حتى متناً؛ لا يكون الحديث شاذاً، لا يكون الحديث منكراً.
كيف لا ندرس ذلك؟ ندرس الحديث سنداً ومتناً، فنؤمن بالصحيح. الفارق الثاني هو الذي يفرق بين اتباع منهج السلف والخلف، هو الفهم الصحيح. نحن نؤمن بالصحيح بفهم صحيح.
كيف نعرف أن فهمنا لهذا الخبر فهماً صحيحاً؟ أن نقوم بعرضه على ما فهمه سلفنا الصالح، على ما فهم سلفنا الصالح من هذا النص. فعندنا فهم الصحابة، وفهم أئمة القرون الثلاثة المفضلة.
عندنا نحن نعتمد فهمهم، نعتمد فهمهم ولا نأتي بفهم يضاد فهم سلفنا الصالح. فإذا كان سلفنا الصالح فهموا من الأسماء والصفات أنها على ظاهرها اللائق بالله جل جلاله، ولا يؤولون هذا الظاهر، يفهمون هذا الظاهر على ما يليق بالله سبحانه وتعالى ولا يقومون بتأويله، فنحن لا نأتي بفهم يضاد فهمهم ويخالف فهمهم.
الرحمن على العرش استوى، فنقول كما قال سلفنا الصالح: إنه استواء أضافه الله إلى نفسه، فهو على ما يليق بذاته سبحانه وتعالى، فلا نأتي ونقول: استوى يعني استولى! لا، هنا أتينا بفهم يخالف ويضاد فهم سلفنا الصالح.
إذاً، نؤمن بالصحيح بفهم صحيح بنظر صحيح. هذا أمر ثالث، وهو فارق أيضاً فارق بيننا وبين أهل البدعة في هذا الباب. بنظر صحيح، نحن ننظر إلى أن هذا الخبر -العقائد الخبرية هذه- قد اشتملت على أدلتها العقلية.
ما هو بحاجة إلى دليل العقل، قد جاء به هذا الوحي؛ الوحي جاء بالمسائل العقدية مشتملة على دلائلها العقلية. فنحن ننظر إلى هذا الخبر بهذا الشكل.
أمر ثاني، ننظر إلى أن هذه العقائد -ما يتعلق بتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات وغير ذلك من العقائد، لكن هنا نحن فقط نعقد على توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات- أن هذه الأمور لكونها متعلقة بذات الله جل جلاله، وذات الله غيب، وذات الله لا مثيل له فيها ولا نظير، وبيان كيفية الصفات لم تردنا عن الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم، بالتالي وجب علينا قطع الطمع عن إدراك هذه الكيفية.
فأنا حائر في الكيفية، ونفوض أمرها إلى الله جل جلاله، لكن لا نقول: إن هذه الأمور مخالفة للعقل! لا، لا يصح هذا ولا يجوز. خبرنا لهذا الوحي، لهذا الخبر، نظرة صحيحة: أن المسائل العقدية مشتملة على أدلتها العقلية، فلا نحتاج إلى أدلة عقلية من الخارج؛ لا عليهم كلام، ولا علم فلسفة، ولا علم كشف وذوق. خلاص، هو المسائل العقدية جاءت أدلتها العقلية.
أمر ثاني، أنه لا يمكن أن تخالف العقل الصريح البتة. هذا يسمى نظر صحيح، فنؤمن بالصحيح بفهم صحيح بنظر صحيح. نؤمن بلا شك: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾ [الحجرات: 15]. خلاص، لا شك عندنا في هذه الأخبار عن الله وعن رسوله، طالما أنها صحت وفهمناها الفهم الصحيح.
أو الرابع أو خامس -أسف- ولا تقدم؛ لا نتقدم على هذه الأخبار، لا نقدم أنفسنا، آراءنا، تشفين، ذوقنا، وجدنا، ولا نقدم الآخرين؛ لا نقدم آراء الرجال، ولا نقدم مناهج علم الكلام، ولا علم الكشف والذوق، ولا علم الفلسفة. لا نقدم أحداً على كلام الله وعلى كلام رسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحجرات: 1].
أمر سادساً ولا إلحاد؛ لا نأتي لهذه الأخبار -أن الرب سبحانه وتعالى في ربوبيته وأسمائه وصفاته- لا نأتي فنلحد فيها بتحريف أو تكييف أو تمثيل أو تعطيل، لا، نؤمن بها كما أراد الله عز وجل وأراد رسوله صلى الله عليه وسلم. هذا هو الموقف من خبر الله سبحانه وتعالى.
نأتي للموقف من الطلب في توحيد الألوهية، نحن نفس القضية؛ أولاً: نمتثل الصحيح. فما كان ضعيفاً أو موضوعاً من ناحية السند أو من ناحية المتن، فهذا لا نمتثله؛ لأنه ليس من الشرع، ليس من الشرع.
تبقى الأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال هذا لها شأن خاص، يعني يمكن يستأנס بها في فضائل الأعمال، أما في دور الفرائض وهذه الأمور لا، لا نقبل إلا الصحيح.
فنمتثل الصحيح بفهم صحيح. أيضاً هذا أمر مهم، نعرض فهمنا لهذه الأوامر والنواهي على ما فهمه سلفنا الصالح أولئك الذين أنزل عليهم. فما لم يفهموه أنه من الدين، ما لم يكن من الدين تم في ذلك العصر، فليس بدين حالياً.
فلذلك نحن نعتمد فهم الصحابة وفهم أئمة القرون الثلاثة المفضلة للنصوص الشرعية، فلا نأتي بفهم لأوامر النواهي يخالف ما فهموه هم أو يضاد ما فهموه، لا يمكن ذلك.
بنظر صحيح، ننظر إلى ما طلبه الله عز وجل منا فعلا أو تركا، أن ذلك فيه مصلحتنا وفيه سعادتنا، وفيه صلاح الفرد والمجتمع، فيه صلاح الدنيا والآخرة، فيه سعادة الروح والبدن.
فننظر إلى هذا الشرع بنظر صحيح أنه لا يخالف المصلحة، وأن فيه الصلاح وسعادة الأفراد والمجتمعات، فننظر اليه بنظر صحيح.
فاذا تم ذلك، فإننا نمتثله بلا شرك؛ لا يمكن أن نشرك في عبادة الله سبحانه وتعالى فعلاً أو تركاً معه غيره، فلا نقصد إلا الله جل جلاله بامتثالنا لهذا الشرع.
ولا اعتراض؛ لا نعترض على شرع الله سبحانه وتعالى، لا نعترض على هذا الشرع بالآراء، بالعادات، بالأعراف، بأي شيء آخر، بالسياسة، بالاقتصاد، لا نعترض على شريعة الله سبحانه وتعالى، بل نمتثل بلا اعتراض.
ونمتثل بلا ابتداع؛ لا نأتي لهذه الشريعة التي شرعها الله سبحانه وتعالى لنا، لا نغير في زمانها، لا نغير في مكانها، لا نغير في جنسها، لا نغير في مقدارها، لا نغير في سببها، لا نغير في هيئتها في كيفيتها، لا نبتدع. لا نبتدع بظنون ولا نبتدع بجفاء، فلا نغلو في هذه العبادة غلواً يجعلنا نخرج من دائرة الإسلام من الطرف الآخر من الباب الآخر، ندخل من باب ثم نخرج من الباب الآخر بسبب هذا الغلو.
ولا جفاء بحيث لا ندخل الإسلام. يكون الإنسان مجافياً فلا يعمل بهذه الشريعة، مهملاً لهذه الشريعة، وإن كان يقول إنه مؤمن بها لكنه لم يعمل بها البتة. الذي لا يمتثل يعني لشريعة الإسلام ولا يأتي بما هو من خصائص المسلم، هذا ما دخل في الإسلام.
فإذا قال أنا أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، ثم لا يريد أن يعمل، أن يعبد الله وحده لا شريك له بما شرع صلى الله عليه وسلم البتة بالكلية، هذا ما دخل في الإسلام.
لا نريد الغلو ولا نريد الجفاء، ونعبد الله سبحانه وتعالى بما شرع. هذا هو الواجب علينا تجاه ما طلبه الله عز وجل منا. هذا الواجب علينا في توحيد الألوهية، وعرفنا الواجب علينا في توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، مع معرفتنا للسبب في ذلك، ما هو الواجب علينا؟ وما السبب؟ عرفناه بحمد الله سبحانه وتعالى.
نأخذ فاصل ثم نعود إليكم بمشيئة الله سبحانه وتعالى. العقيقة هي الذبيحة التي تذبح عن المولود تقرباً إلى الله تعالى وشكراً على إنعامه بنعمة الولد. وجمهور أهل العلم على أنها سنة مؤكدة، وهي كما قال صلى الله عليه وسلم: «عن الغلام شاتان وعن الجارية شاة». ويشترط في سنها ما يشترط في الأضحية بالضأن والمعز، فالضأن ما أتم ستة أشهر فأكثر، والمعز ما أتم سنة فأكثر، ولا يباع لحمها ولا جلدها ولا شيء منها.
ويتقى فيها من العيوب بما يتقى في الأضحية: العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والهزيلة. ووقت ذبح العقيقة يبدأ من تمام انفصال المولود فلا تصح عقيقة قبله، ويستحب العقيقة في اليوم السابع فإن تعذر فيسن ذبحها في الرابع عشر فإن تعذر انتقلت إلى اليوم الحادي والعشرين، ويوم الولادة يحسب من السبعة، ولا تحسب الليلة إن ولد ليلاً بل يحسب اليوم الذي يليها.
قال صلى الله عليه وسلم: «كل غلام رهينة بعقيقته تذبح عنه يوم سابعه ويسمى فيه ويحلق رأسه». والعقيقة يؤكل منها ويهدى ويتصدق، ولم يرد في ذلك تحديد فكيف ما فعل فجائز، ويجوز أن يخرج اللحم نيا أو مطبوخاً والطبخ أفضل فهو زيادة في الإحسان وشكر النعمة.
مجموعة زاد تقدم لكم نخبة مميزة من إصداراتها: كتاب كيف عاملهم صلى الله عليه وسلم للشيخ محمد صالح المنجه، أربعون نصيحة لإصلاح البيوت، أدرك أهلك قبل أن يحترقوا، المجمعات التجارية، زاد الحج، زاد الصائم، طوبى للشام، كيف تقرأ كتاباً؟ معاني الأذكار. لمزيد من المعلومات يرجى زيارة المواقع التالية.
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: 11]. زاد، تزود.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمين. وبعد، أيها الأحبة في الله، نأخذ الآن في القسم الثاني من هذا الدرس: نأخذ تعريف توحيد الربوبية، وتعريف الرب لغة واصطلاحاً، وتعريف توحيد الربوبية، وأصول توحيد الربوبية، وأنواع ربوبية الله لخلقه.
أولاً أيها الأحبة في الله، كلمة الرب في اللغة لها حالتان: الحالة الأولى: حالة الإطلاق أو حالة الخلو من أل التعريف ويقال (رب)، تقرب لكنها تذكر مقيدة ومضافة (رب الدار أو رب العالمين). هذه الحالة الأولى التي تكون خالية من أل وتأتي مقيدة ومضافة، ففي هذه الحال تطلق على الله سبحانه وتعالى مثل: الحمد لله رب العالمين، وتطلق على المخلوق مثل: رب الدار والفرس والغلام، ويكون معنى المالك، الصاحب، السيد، المربي، المصلح، وهكذا.
الحالة الثانية: حالة التعريف (الرب) والاطلاق بدون تقييد أو إضافة، (الرب)، ففي هذه الحالة لا تطلق إلا على الله جل جلاله، فالرب هو الله سبحانه وتعالى، فهو الرب أي لخلقه، فيكون معناه الخالق المالك المدبر المصلح لأحوال خلقه.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية معرفاً الرب شرعاً: الرب هو الذي يربي عبده فيعطيه خلقه المناسب له، ثم يهديه إلى جميع أحواله من العبادة وغيرها. هذا هو الرب: الرب هو الذي يربي عبده فيعطيه خلقه، ثم يهديه إلى جميع أحواله من العبادة وغيرها. وقال أيضاً: فإن الرب سبحانه وتعالى هو المالك المدبر، المعطي المانع، الضار النافع، الخافض الرافع، المعز المذل.
يقول المقريزي: الرب سبحانه وتعالى هو الخالق الموجد لعباده القائم بتربيتهم وإصلاحهم من خلق ورزق وعافية وإصلاح دين ودنيا. يقول الشيخ عبد الرحمن المساعدي: الرب هو المربي جميع عباده بالتدبير وأصناف النعم، وأخص من هذا تربيته لأصفيائه بصلاح قلوبهم وأرواحهم وأخلاقهم.
فتعريف توحيد الربوبية إذاً: توحيد الربوبية هو اعتقاد انفراد الله بما ذكرنا من خصائص الرب سبحانه وتعالى. اعتقاد انفراد الله بربوبيته للمخلوقات فلا رب لها سواه، وهو اعتقاد أن الله هو المنفرد بالخلق والملك والأمر. وننتبه، يدخل في الأمر: الأمر الكوني والامر الشرعي. الأمر الكوني يعني تدبير الكون، والأمر الشرعي يعني وضع شريعة للناس. أنا أعتقد انفراد الله بربوبيته في الخلق والملك والتدبير الكوني والتشريع.
يقول ابن تيمية رحمه الله: فإن الله سبحانه وتعالى له الخلق والأمر، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ ۗ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ ۗ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: 54].
فهو سبحانه وتعالى خالق كل شيء وربه ومليكه، لا خالق غيره ولا رب سواه، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فكل ما في الوجود من حركة وسكون فبقضاءه وقدره ومششيئته وقدرته وخلقه. ما ذرة تتحرك في هذا الكون إلا بمشيئة الله، وما من ذرة تسكن في هذا الكون إلا بمشيئة الله.
هذا هو توحيد الربوبية، فتوحيد الربوبية يقوم على أصلين اثنين: الأصل الأول: عموم خلقه وربوبيته. الأصل الثاني: عموم الإحسان والحكمة. قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: 7] هذا عموم الإحسان والحكمة، ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنسَانِ مِن طِينٍ﴾ [السجدة: 7] هذا عموم الخلق والربوبية. قال تعالى: ﴿قَالَ رَبُُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ﴾ [طه: 50].
عندما قال فرعون لموسى: قال فمن ربكما يا موسى؟ قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه، يعني المناسب له، هذا عموم إحسانه وحكمته، ثم هدى، هذا عموم خلقه وربوبيته. قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ﴾ [الفاتحة: 2-3] هذا عموم إحسانه ورحمته وحكمته في خلقه، في ربوبيته لخلقه. ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4] مع الحمد لله رب العالمين، مالك، إذاً هو في خلقه قد هداهم ووضع لهم شريعة وسيحاسبهم عليها يوم القيامة خلقه وربوبيته.
قال تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تشَاءُ وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَن تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَن تَشَاءُ ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * تولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: 26-27]. هذه ربوبية الله لخلقه.
توحيد الربوبية يقوم على أصلين عظيمين: عموم خلقه وربوبيته، وعموم إحسانه وحكمته. فنعتقد أن الله رب العالمين، وأنه رب السماوات والأراضين وما بينهما ورب العرش العظيم، وهو خالق كل شيء وهو على كل شيء وكيل، وهو رب كل شيء ومليكه، وهو مالك الملك يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك عمن يشاء ويعز من يشاء ويذل من يشاء بيده الخير وهو على كل شيء قدير.
نعتقد أن له ما في السماوات وما في الأرض وما بينهما وما تحت الثرى. قلوب العباد ونواصيهم بيده، وما من قلب إلا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن إن شاء أن يقيمه أقامه وإن شاء أن يزيغه. وهو الذي أضحك وأبقى وأغنى وأقنى، وهو الذي يرسل الرياح بشراً بين يدي رحمته وينزل من السماء ماء فيحيي به الأرض بعد موتها ويبث فيها من كل دابة، وما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ولا حول ولا قوة إلا بالله ولا ملجأ منه إلا.
إليه. لا أظن أنه قد أعطى كل شيء خلقه ثم هدى، وأحسن كل شيء خلقه، وأتقن كل شيء، إن صنع الخير كله بيديه وهو أرحم الراحمي، وهو أرحم بعباده من الوالدة بولدها.
إلى نحو هذه المعاني التي تقضي شمول حكمته، وإتقانه، وإحسان خلقه، وإحسان خلق كل شيء، وسعة رحمته وعظمته. يقول ابن تيمية رحمه الله: فهذان الأصلان: عموم خلقه وربوبيته، وعموم إحسانه وحكمته، أصلان عظيمان.
وإن كان من الناس من يكفر ببعض؛ الأول عموم خلقه وربوبيته كالقدرية، القدري عموم خلقه يخرجون أفعال العباد من خلقه، ويضيفونها إلى محض فعل ذي الاختيار للإنسان أو الطبيعة. الذين يقطعون إضافة الفعل إلى الله سبحانه وتعالى، ويضيفونه إما إلى الطبع، أو إلى جسم فيه طبع، أو إلى نفس، أو غير ذلك مما هو من مخلوقاته العاجزة عن إقامة نفسها، فهي عن إقامة غيرها أعجز.
قدرية؛ سواء القدرية الأوائل أو المعتزلة، يضيفون بعض مخلوقات الله سبحانه وتعالى، يخرجونها من عموم خلق الله سبحانه وتعالى، ويضيفونها إلى الإنسان أو يضيفونها إلى الأسباب. وهذا عياذاً بالله نقص في هذا التوحيد، وشرك في توحيد الربوبية. ومن الناس عموم إحسانه وحكمته؛ عموم الحكمة من الناس من يجحد بعض الثاني أو يعرض عنه، خلو شيء من مخلوقاته عن إحسان خلقه وأتقانه وعن حكمته، ويظن قصور رحمته وعجزها، من القدرية الإبليسية أو المجوسية وغيرهم. القدرية الإبليسية والقدرية المجوسية هؤلاء جبرية، جبرية؛ منهم من يجعل هناك تناقض بين الشرع والقدر، ومنهم من يحتج بالقدر على ذنوبه ومعاصيه، قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: 148] هؤلاء المشركين.
إبليس؛ القدرية الإبليسية الجبرية الإبليسية يقولون إن إبليس عندما قال الله عز وجل له: ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي؟ إنه كان المفترض أن يقول: أنت منعتني، أنت منعتني.
فهؤلاء يجعلون هناك تعارض بين الشرع والقدر، وينفون حكمة الله سبحانه وتعالى عن الشرع والقدر وهكذا. وأولئك سجنوا بعض مخلوقات الله سبحانه وتعالى عن عموم خلقه، وهؤلاء يجعلون بعض الأشياء أنها لا حكمة فيها ولا رحمة ولا إحسان.
الفريقين ظلال، تحقيق توحيد الربوبية أن نؤمن بعموم خلقه وربوبيته، لا يخرج عن خلق الله سبحانه وتعالى شيء، ولا يمكن أن يكون هناك شيء خارج عن ربوبية الله سبحانه وتعالى له، ولا يمكن أن يكون في هناك شيء من مخلوقات الله خارج عن الحكمة، عن الإحسان، عن الرحمة. أنواع ربوبية الله لخلقه؛ تربية الله تعالى لخلقه نوعان: عامة وخاصة. فالعامة هي خلقه سبحانه وتعالى للمخلوقين، خلقه للمخلوقين ورزقهم وهدايتهم لما فيه مصالحهم التي فيها بقاؤهم في الدنيا، هذه ربوبية الله عامة.
ربوبية الله عز وجل عامة لجميع المخلوقات؛ خلقهم، رزقهم، هداهم، أعطاهم الأشياء التي تمكنهم من الحياة المدة التي أرادها الله سبحانه وتعالى لهم فيها. هذا عموم خلقه، هذه الربوبية العامة، وهناك ربوبية خاصة.
نسأل الله سبحانه وتعالى من فضله، الربوبية الخاصة هي تربيته سبحانه وتعالى لأوليائه، فيربيهم بالإيمان، ويوفيهم له، ويكمله لهم، ويدفع عنهم الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبين هذا الإيمان. وحقيقتها التربية الخاصة؛ تربية التوفيق لكل خير، والعصمة من كل شر.
الله سبحانه وتعالى يأتي لأوليائه فيوفقهم في سمعهم، في أبصارهم، في أيديهم، في أرجلهم، في فروجهم، فيجعلهم يستخدمون هذه الجوارح في طاعة الله، ويصرفهم عن استخدامها في معصية الله، هذه وفق حكمته سبحانه وتعالى.
اعلم أن الصبي أمانة عند والديه، وقلبه جوهرة ساذجة وهي قابلة لكل نقش، فإن عود الخير أو الشر نشأ عليه، وشاركه أبواه ومؤدبه في ثوابه أو عقابه، فينبغي أن يصونه ويؤدبه، ولا يعوده التنعم وأسباب الرفاهية فيضيع عمره في طلبها إذا كبر. كلمات قصيرة تحمل بين طياتها تنبيهاً وتحذيراً خطيراً، وتوجه حواسنا ومداركنا إلى دورنا الحقيقي الذي سنحاسب عليه: كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته. فمن أهم أدوارنا الجديرة بهتمامنا في هذه الحياة، التركيز على مسؤوليتنا تجاه رعيتنا، فالآباء والأمهات لهم الأثر الأعظم بعد الله في مستقبل الأبناء والأجيال، لذلك خصهم النبي صلى الله عليه وسلم بالذكر فقال: «والرجل راع في أهله وهو مسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها». إن الأبناء زهرة الحياة وقرة أعين الآباء والأمهات، وبصلاحهم ودعائهم ترفع الدرجات في الآخرة.
ولكن يجب أن ندرك أن ذلك مرهون بحسن تربيتهم وصلاح نشأتهم، فهنا كان لزاما علينا البحث عن أبرع الطرقات وأفضل الأساليب في التربية والتوجيه، ليكون أبناؤنا في قابل أيامهم مصدر بر وسعادة لنا، وسواعد خير وبناء للمجتمع.
حياكم الله أيها الأحبة في الله، وقفنا عند أنواع ربوبية الله لخلقه، وقلنا هناك ربوبية عامة، الربوبية العامة هذه وفق عدل الله سبحانه وتعالى؛ فمن عدله جل جلاله إعانة كل عباده على شرعه على طاعته، وأعطاهم الفطرة المستقيمة، أعطاهم العقول، أعطاهم الجوارح، أعطاهم الرسل، بعث فيهم الرسل، فخلقهم، رزقهم، هداهم، هذه تربية عامة وفق عدله سبحانه وتعالى. ولذلك من حرم نعمة العقل فإن الله سبحانه وتعالى لا يحاسبه، من حرم نعمة الإرادة فإن الله سبحانه وتعالى لا يحاسبه، يقول له حساب يوم القيامة، من حرم نعمة السمع والبصر وجاء الشرع وهو لا يسمع ولا يبصر فهذا الله سبحانه وتعالى يرحمه، من حرم نعمة الشرع فهذا الله سبحانه وتعالى يرفع عنه التكليف، وهكذا. هذه ربوبية الله العامة تكون وفق عدله.
وهناك ربوبية خاصة تكون وفق حكمته سبحانه وتعالى؛ أن من أطاعه فإن الله سبحانه وتعالى يزيد هدى وتقوى، فهؤلاء الذين يسيرون في طاعة الله هم أولياء لله، ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 63] يتولاهم الله فيربيهم تربية خاصة، وهي ربوبية التوفيق، فيحملهم على الخير حملاً، ويصرفهم عن الشر صرفاً.
أدلة توحيد الربوبية كثيرة، منها ما ذكرناه من قبل، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ﴾ هذا الرب ماذا يصنع؟ إن ربكم الله الذي خلق هذا الخلق؛ خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش، يغشى الليل النهار يطلبه حثيثاً، والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره، هذا ماذا؟ الخلق، الملك، التدبير. ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين. خالق، ثم هو المالك لهذه الأشياء الذي يدبرها كيف يشاء تبارك الله، رب، وخلق، وملك، وتدبير. قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [فاطر: 1] هذا الخلق. جاعل الملائكة رسلاً أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع، يزيد في الخلق ما يشاء، إن الله على كل شيء قدير. ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده، وهو العزيز الحكيم. نعمة الله عليكم؛ هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون. إذاً الله عز وجل رب، هو المنفرد بالخلق، الملك، التدبير، الرزق، وهكذا.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾ [يونس: 3] خلق، يدبر. ﴿مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ * إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾ [يونس: 3-4]. هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب، ما خلق الله ذلك إلا بالحق، يفصل الآيات لقوم يعلمون. إن في اختلاف الليل والنهار وما خلق الله في السماوات والأرض لآيات لقوم يتقون. قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمْ مَنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ * فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ فَأَنَّا تُصْرَفُونَ﴾ [يونس: 31-32].
هذه أدلة توحيد الربوبية كثيرة، قد يقول قائل: ما المانع أن يكون للأرض رب وللسماء رب وللقمر رب، فيكون هناك آلهة كثيرة؟ الله سبحانه وتعالى قد بين لنا بطلان هذا، وأن رب العالم باكمله لا يمكن أن يكون إلا واحد، وهو وهو الله سبحانه وتعالى، هو هو سبحانه وتعالى.
قال الله عز وجل: ﴿مَّا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَّا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۚ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: 91-92].
طيب لو كان له ولد، ما الذي سيحدث؟ إذن لذهب كل إه بما خلق. هذا الرب سينفرد بمخلوقاته؛ رب الأرض سينفرد بالأرض، رب الشمس سيأخذ الشمس، رب القمر سيأخذ القمر. طيب لو ذهب كل إله بما خلق، ما الذي سيحدث؟ لا يمكن أن يسير الكون بانتظام، سيحدث الخلل.
هذه أول ملحوظة، فلما كان الكون لا خلل فيه؛ دل ذلك على بطلان هذا الأمر، إذاً لذهب كل إله بما خلق باطل، إذاً لا يمكن أن يكون مع الله إله آخر. طيب، حالة ثانية، احتمال ثاني؛ لم يذهب كل إله بما خلق، لكن كانوا شركاء في الشمس؛ هذا رب الشمس وهذا رب الشمس، طيب ما الذي سيحدث؟ الأول سيقول لها: ابقي ساكنة، رب الشمس الثاني يقول لها: تحركي.
لعلا بعضهم على بعض، سيحدث التغالب؛ فإما أن تنفذ الإرادتان فتكون الشمس متحركة ساكنة في الوقت ذاته، وهذا باطل، وإما ألا تنفذ الإرادتان فتكون الشمس لا متحركة ولا ساكنة، وهذا باطل، وإما أن تنفذ إرادة أحدهما كما هو الواقع؛ الشمس متحركة وتشرق وتغرب. إذاً طالما يعني هناك لم تنفذ الإرادة واحد منهما، هذا الواحد هو الرب سبحانه وتعالى، ولا يمكن إلا ذلك.
فلما كان الكون منتظماً متناسقاً لا خلل فيه، دل ذلك على أن الإرادة النافذة هي إرادة واحد، فلا يمكن أن يكون للكون هذا أكثر من رب، وهو رب واحد. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ * عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [المؤمنون: 91-92].
ذكر ابن أبي العز يقول: لو كان للعالم صانعان، فعند اختلافهما -مثل أن يريد أحدهما تحريك جسم وآخر تسكينه، خذوا الشمس مثلاً، أو يريد أحدهما إحياءه والآخر إماتته- يقول: فإما أن يحصل مرادهما، أو مراد أحدهما، أو لا يحصل مراد واحد منهما. أن يحصل مرادهما ممتنع؛ الأول ممتنع لأنه يستلزم الجمع بين الضدين، والثالث لا يحصل مراد واحد منهما امتنع؛ لأنه يلزم خلو الجسم عن الحركة والسكون وهو ممتنع، ويستلزم أيضاً عجز كل منهما، والعاجز لا يكون إلهاً.
إذاً ما الذي يبقى؟ يبقى إذا حصل مراد أحدهما دون الآخر؛ كان هذا هو الإه القادر، والآخر عاجزاً لا يصلح إلهاً. الإله الحق لابد أن يكون خالقاً فاعلاً، يوصل إلى عابده النفع ويدفع عنه الضر، فلو كان معه سبحانه وتعالى إله آخر يشركه في ملكه؛ لكان له خلق وفعل، وحينئذ فلا يرضى تلك الشركة، بل إن قدر على قهر ذلك الشريك وتفرده بالملك والإلهية دونه فعل، وإذا لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه وذهب بذلك الخلق، كما ينفرد ملوك الدنيا بعضهم عن بعض بملكه.
إذا لم يقدر المنفرد منهم على قهر الآخر والعلو عليه، فلا بد من أحد ثلاثة أمور؛ إما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه، وإما أن يعلو بعضهم على بعض، وإما أن يكونوا تحت قهر ملك واحد يتصرف فيهم كيف يشاء، ولا يتصرفون فيه، بل يكون وحده هو الإله وهم العبيد المربوبون المقهورون من كل وجه.
وانتظام أمر العالم كله -انتبهوا لهذه الجملة الآن- وانتظام أمر العالم كله وأحكام أموره، أدل دليل على أن مدبره إله واحد، وملك واحد، ورب واحد، لا إله للخلق غيره، ولا رب لهم سواه. العلم بأن وجود العالم عن صانعين متماثلين ممتنع لذاته، مستقر في الفطر، معلوم بصريح العقل بطلانه، فكذلك تبطل إلهية اثنين، فالآية الكريمة: ﴿وَمَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ موافقة لما ثبت واستقر في الفطر من توحيد الربوبية، دالة مثبتة مستلزمة لتوحيد الألوهية.
ننتقل إلى بيان مكانة توحيد الربوبية في دين الإسلام. أيها الأحبة في الله، توحيد الربوبية له مكانة عظيمة في ديننا الإسلامي، فهو ركن من أركان التوحيد، لا يصح توحيد إنسان إلا بتوحيد الربوبية، ولا يصح دين الإسلام دين الإنسان وتدينه بالسلام إلا بتوحيد الربوبية، فمن أشرك في توحيد الربوبية أو أنكره؛ هذا لا يصح له دين الإسلام، إذاً فتوحيد الربوبية ركن.
أمر ثان؛ توحيد الربوبية ليس هو غاية التوحيد، لماذا؟ لأنه فطري في النفوس، الله سبحانه وتعالى فطر النفوس على الإقرار بتوحيد الربوبية، كما تقدم في أدلة وجود الله، أن الإقرار بوجود الله وربوبيته لهذا العالم هذا أمر فطر الناس عليه، وهذا من رحمة الله سبحانه وتعالى.
لذلك هو يستخدم في ديننا الإسلامي وسيلة لبلوغ الغاية، ما هي الغاية؟ هي عبادة الله وحده لا شريك له، فتوحيد الربوبية وسيلة للوصول لغاية التوحيد، وغاية التوحيد هو توحيد عبادة الله وحده لا شريك له.
وتوحيد الربوبية يلزم منه توحيد الألوهية، فمن أقر بأن الله منفرد بالخلق والملك والتدبير، يلزمه أن يفرد الله سبحانه وتعالى بالعبادة، وتوحيد الألوهية سيتضمن توحيد الربوبية، فمن أتى ومن عبد الله وحده لا شريك له وأنكر بطلان عبادة ما سوى الله؛ يتضمن ذلك أن الله هو المنفرد بالخلق والملك والتدبير.
من ناحية السعادة والنجاة، توحيد الربوبية لا يكفي وحده في سعادة الإنسان في دنياه وأخراه، ولا يكفي في نجاته فيهما، ولا يكفي للنجاة بمفرده في يوم القيامة، من لم يأت بتوحيد الألوهية لا يكون ناجياً، وإن أتى بتوحيد الربوبية، هذا الأمر يجب أن يكون واضحاً؛ توحيد الربوبية له مكانة عظيمة في ديننا الإسلامي، لكنه لا يكفي وحده للسعادة والنجاة، وإلا لكان كفى مشركي مكة.
فمشركو مكة في الجملة يقرون بتوحيد الربوبية، لكن كانت مشكلتهم في توحيد الألوهية، لذلك لم يكونوا مسلمين، ودعاهم النبي صلى الله عليه وسلم للإسلام، فليس في توحيد الربوبية وحده يعني سبب للسعادة والنجاة، حتى نأتي بالغاية الكبرى في التوحيد، وهي عبادة الله وحده لا شريك له.
نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، سائلاً الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يغفر ذنوبنا، وأن يستر عيوبنا، وأن يتجاوز عن خطيئاتنا. واستودعكم الله إلى الحلقة القادمة بمشيئة الله، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد. وجزاكم الله خيراً.
يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان وتريد فهماً سهلاً عقيدتنا الصحيحة فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهان.
د. أبو زيد مكي القبي