السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أعين. اللهم إنا نسألك علما نافعا، وعملا صالحا، وقلبا خاشعا، ولسانا ذاكرا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين، وبعد:
أيها الأحبه في الله، تدرسنا في اللقاء الماضي ما يتعلق بتوحيد الربوبية من ناحية تعريفه؛ وقلنا: توحيد الربوبية هو اعتقاد انفراد الله سبحانه وتعالى بالربوبية لهذا العالم؛ فهو خالقه ومالكه ومدبره، والمشرع للناس شريعة يسيرون عليها في هذه الدنيا. فتوحيد الربوبية هو إفراد الله بالخلق والملك والتدبير، وتدبير كوني وتدبير شرعي؛ فبعض أهل العلم يضيف فيقول: توحيد الرب إفراد الله بالخلق والملك والتدبير والتشريع، رغم أن التشريع يدخل في التدبير، لكن صون عليه لبيان أهميته، ولأنه قد يخفى على بعض الناس، فيظنون أن الله له التدبير الكوني، أما التدبير الشرعي فيمكن للمخلوق أن يتدخل في ذلك، وهذا لا يصح. قال الله عز وجل: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِه اللَّهُ﴾ [الشورى: 21]، فتشريع الدين هو حق خاص بالله سبحانه وتعالى، وهو من ربوبية الله جل جلاله لخلقه.
وتذكرنا كذلك أنه لا يمكن أن يكون لهذا الكون أكثر من رب سبحانه وتعالى، وأخذنا قول الله عز وجل: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِن وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَٰهٍ إِذًا لَّذَهَبَ كُلُّ إِلَٰهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: 91]. وقلنا إن خالق هذا الكون لا يمكن أن يكون أكثر من واحد، وهو مالكه ومدبره، وأن انتظام أمر هذا العالم يدل على أن رب هذا الكون واحد، وهذا أمر مستقر في فطر الناس وفي بدائع عقولهم. وأخذنا أن ربوبية الله عز وجل تشتمل على أمرّين: عموم خلقه وربوبيته، وعموم إحسانه وحكمته لهذا الخلق.
تدرسنا بعض الأمور المتعلقة بذلك؛ اليوم بمشيئة الله نتدارس ما هي الأمور التي تجب على من أقر بتوحيد الربوبية؟ تجب عليه عدة أمور. ما هي المقتضيات التي تلزم من أقر بتوحيد الربوبية؟ لتوحيد الربوبية مقتضيات؛ ما هي هذه المقتضيات؟ يقتضي على من أقر بأن الله هو المنفرد بالخلق والملك والتدبير عدة أمور؛ ما هي هذه الأمور؟
الامر الأول: أن يوحد الله سبحانه وتعالى في ذاته وأسمائه وصفاته. كيف ذلك؟ عندما نعتقد أن الله سبحانه وتعالى هو خالق هذا العالم ومالكه ومدبره، فانه لا يمكن البته أن يكون شيء من مخلوقات الله مثل الله سبحانه وتعالى، لو كانت مثل الله لوقع في التناقض، لكانت خالقا! فلو قلنا إن هذه المخلوقات كانت مسبوقة بعدم، يلحقها فناء، وهذا مقتضى أنها مخلوقة، فعندما نقول هذا المخلوق -مثلا يد المخلوق- مثل يد الله سبحانه وتعالى، والله عز وجل لم يسبق بعدم ولا يلحق فناء، وكذلك صفاته، فيد الله سبحانه وتعالى لم تسبق بعدم ولا يلحقها فناء؛ فلو قلنا يد المخلوق مثل يد الخالق جل جلاله لوقع في التناقض؛ فإما أن نصف يد المخلوق بأنها مسبوقة بعدم في الوقت ذاته لكونها مثل يد الخالق لم تسبق بعدم، وهذا تناقض! أو ناتي إلى يد الله سبحانه وتعالى ونقول: يد الله لم تسبق بعدم، وهي مثل يد المخلوق فهي مسبوقة بعدم، هذا يقع في التناقض!
ولذلك إبطال التمثيل كما هو ثابت شرعا بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، هو باطل عقلا؛ لا يمكن أن يكون هناك شيء من مخلوقات الله مثل الله جل جلاله، ولا يمكن أن يكون الله سبحانه وتعالى مثل مخلوقاته؛ لا مثل البشر، ولا مثل الشجر، ولا مثل الحجر، ولا مثل السماء، ولا مثل الأرض ونحو ذلك. ومن العجيب أن بعض الطلاب عندما تقول له: قرب لي الله، يعني الله مثل ماذا؟ فبعضهم يخطئ يقول: مثل السماء! لا يمكن هذا أعوذ بالله، أو يقول: مثل الأرض، أو يقول: مثل البشر، أو مثل آدم، أو مثل عيسى عليه السلام، أو مثل محمد صلى الله عليه وسلم جميعا؛ لا يمكن أن يكون الله سبحانه وتعالى مثل شيء من مخلوقاته، أو أن يكون هناك شيء من مخلوقات الله مثل الله جل جلاله. هذه عندنا قاعدة من مقتضيات أن الله هو المنفرد بالخلق والملك والتدبير لهذا العالم، فالعالم ليس مثل الله، ولا شيء من هذا العالم مثل الله. فيقتضي إيماننا بربوبية الله سبحانه وتعالى -ونعتقد أن الله هو المنفرد بالربوبية لهذا العالم- يقتضي ذلك أن الله سبحانه وتعالى لا مثيل له في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته؛ فهو جل جلاله لم يسبق بعدم ولا يلحقه فناء، فهو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء، وهو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، وهو الباطن الذي ليس دونه شيء سبحانه وتعالى؛ فلكونه خالق هذا العالم، فلا شيء من العالم مثله، ولا هو مثل شيء من العالم سبحانه وتعالى.
من المقتضيات؛ من مقتضيات توحيد الربوبية: أن نوحد الله سبحانه وتعالى في التشريع، لأنك عندما تعتقد أن الله سبحانه وتعالى هو المنفرد بتدبير امر الناس، بوضع شريعة للناس، فهل يجوز أن يتصور الإنسان أن لأمير أو وزير أو عالم أو عابد أن يكون مشرعا مع الله جل جلاله؟ لا يمكن ذلك، فالتحليل والتحريم لا يكون إلا لله. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِه اللَّهُ وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: 21]. وقال سبحانه وتعالى عندما ذكر قصة يوسف مع الذين معه في السجن، قال يوسف: ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَأَرْبَابٌ مُتَفَرِّقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ * مَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُموهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [يوسف: 39-40]. فقال: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾، فالحكم والتشريع لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى. هذا من مقتضيات توحيد الربوبية: نوحد الله في ذاته وأسمائه وصفاته، ونوحد الله سبحانه وتعالى في تشريعه للناس، ونعبد الله سبحانه وتعالى بهذه الشريعة التي وضعها.
فمن مقتضيات توحيد الربوبية: أن نوحد الله جل جلاله في أمور العبادة، في التوجه والقصد والطلب بشرعه. فمن اعظم مقتضيات ربوبية الله سبحانه وتعالى لخلقه، من أعظم هذه المقتضيات العبودية الخالصة لله سبحانه وتعالى وفق الشريعة التي جاءنا بها محمد صلى الله عليه وسلم. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ نعبد الله لماذا؟ ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 21-22] تعلمون ماذا؟ أنه المنفرد بالخلق والملك والتدبير فتجعل مع الله سبحانه وتعالى إلها آخر تتوجهون إليه بالعبادة! هذا أمر باطل.
أذكر مرة من المرات كنا في جلسة على البحر، وكان معنا نصراني؛ هذا النصراني قادم من غانا للتجارة، وكان زميله معنا الذي استدرجه حتى يأتي إلى هذه البلاد، فكان يقول عنه إنه فيه أخلاق وإنه يعني فيه خير وهكذا. فاستدرت وتينا به ونحن نجلس على البحر، فقلت له -وكان الموج يأتي إلى قريب منا ثم يقف ثم يعود-: أنا أعتقد أن هناك رب وراء هذا الموج، سمح له وأذن له أن يصل إلى هذا المكان ثم عاد، ولو أراد أن يطغى على الأرض لأغرقنا جميعا، وما بقيت يابسة على الأرض، فالذي يصرف هذا البحر ويامره ويوقفه هنا، والذي ملاه بالحيتان والاسماك والخيرات، والذي جعل الفلك ترسو عليه هو رب واحد. قال: أنا أعتقد ذلك. قلت له: الحمد لله، إذا اتفقنا أن
هناك مدبر واحد للبحر، وهذا المدبر للبحر هو المدبر لهذا الكون، اتفقنا جميعا على هذا. قلت له: هذا المدبر لهذا الكون لا يمكن أن يكون كالبحر؛ لأنه لو كان كالبحر سيحتاج إلى من يدبره، ولا يمكن يكون كالأسماك التي فيه، ولا يمكن أن يكون كالبشر الذين لا يستطيعون؛ لأن نعرف من أنفسنا لسنا نحن الذين أوقفنا عند هذا الحد.
فكان يستغرب، فقلت له: لا يمكن أن يكون خالق هذا العالم مثل العالم، لا مثل السماء، ولا مثل البحر، ولا مثل الشمس، ولا مثل القمر، ولا مثل الأسماك. قال: نعم، وأنا أعتقد هذا. فقلت له: ولا يمكن أن يكون هذا مثل آدم عليه السلام، ولا يمكن أن يكون مثل موسى عليه السلام، ولا يمكن أن يكون مثل رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يمكن أن يكون مثل عيسى. هنا وقف وبدأ يتأمل ويسكت.
ثم قلت له: أنا لو أعطيتك الآن هذا الجوال هدية، أعطيتك هدية مني، فقمت أنت وشكرت أحد المارين من الشارع، فقمت تشكره على الهدية، ماذا سيكون نظرته إليك هذا المار من الشارع؟ تقول: أشكرك على الهدية. يستغرب منك، يقول: أنا لم أهدي لك الجوال، ولم أتسبب في إهداء الجوال لك، ولا لي علاقة بأصحابك، لماذا تشكرني؟
فقلت له: أنا أعتقد أن هذا المدبر لهذا البحر والمدبر لهذا العالم الذي خلقنا وادر علينا أنواع النعم، واجب علينا أن نشكره وحده على هذا الخلق وهذا الملك وهذا التدبير. فعندما نتوجه إلى بشر، إلى حجر، إلى السماء، إلى الأرض، إلى البحر، إلى الأسماك، إلى الحيتان، نتوجه إليها بالشكر على الخلق والملك والتدبير هذا جنون. قال: هذا الكلام حق وصدق. ما بقي هذا الشخص أكثر من أسبوع حتى عاد وأعلن دخوله في الإسلام.
المقصود يا إخوان، كل من عرف وأقر بأن الله هو المنفرد بالخلق والملك والتدبير، وأنه لا مثيل له جل جلاله في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته، وأنه في خلقه لهذا العالم ليس له شريك ولا وزير ولا معين، وأنه سبحانه وتعالى هو المنفرد بالانعام وهو المنفرد بوضع الشريعة، فتووجه إلى غيره سبحانه وتعالى بالعباده هذا اعظم الظلم على الإطلاق، وهذا أقبح القبيح على الإطلاق، وهذا أعظم الجنون على الإطلاق. فلا يمكن أن نتوجه بالعباده إلا لله سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا القدر، وناخذ فاصل ثم نعود إليكم مرة أخرى بإذن الله سبحانه وتعالى.
يحرص كثير من الآباء والأمهات على تعليم أبنائهم شتى العلوم، ويبذلون في ذلك الغالي والنفيس من اوقاتهم واموالهم، وهذا مما يؤجرون عليه من الله تعالى. ولكن هل اعتنوا مع ذلك بتعليمهم أدب العلم وسمته؟ فهو الذي يهذب أخلاقهم ويحسن طباعهم. فحاجة الأطفال إلى الأدب وحسن الخلق أشد من حاجتهم إلى كثير من العلم، لهذا كان السلف يحرصون على تعليم أبنائهم الأدب قبل العلم.
قال سفيان الثوري: كانوا لا يخرجون أبنائهم لطلب العلم حتى يتأدبوا. وقال عبد الله بن المبارك: طلبت الأدب 30 سنة، وطلبت العلم 20 سنة. وهذا ما جعل الآباء والأمهات قديما يدفعون بأولادهم إلى المؤدبين والعلماء حتى يقتبسوا من أخلاقهم وآدابهم قبل علومهم. قال الإمام مالك بن انس رحمه الله تعالى: كانت أمي تعمم مني وتقول لي: اذهب إلى ربيعة فتعلم من أدبه قبل علمه.
وذلك أن العلم لا ينتفع به إلا بطهاره القلب عن مساوئ الأخلاق. ولعل هذا هو ما دفع العلماء إلى اشتراط أن يتتلمذ طالب العلم للعلماء لا للكتب فحسب، وذلك حتى يتاكدوا من تخلقه بأخلاق العلماء وتحليه بالادب ويظهر عليه سمت العلم وادبه ونوره. قال عبد الله بن وهب: ما تعلمناه من أدب مالك أكثر مما تعلمناه من علمه. ومما يدلك على منزله الأدب والأخلاق أن النبي صلى الله عليه وسلم قد جمع بين العلم والأخلاق والأدب، ولما أثنى عليه ربه سبحانه وتعالى أثنى عليه بالاخلاق والادب فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: 4].
حياكم الله أيها الأحبه في الله. وقفنا عند المقتضى الثالث من مقتضيات توحيد الله سبحانه وتعالى بربوبيته، وهو أن نتوجه إليه جل جلاله بجميع أنواع العبادة؛ كل قول أو فعل ظاهر أو باطن يتعلق بالقلب أو يتعلق بالجوارح واللسان، كل قول أو فعل ظاهر أو باطن ثبت في الكتاب والسنة طلبه أو الحث على فعله أو مدح فاعله، فالتوجه إلى الله سبحانه وتعالى به وحده لا شريك له هذا هو التوحيد وهو مقتضى الإقرار بربوبيته سبحانه وتعالى لنا.
والتوجه بشيء من هذه العبادات إلى غير الله هذا مناف لهذا المقتضى وهذا شرك بالله سبحانه وتعالى. من مقتضيات ربوبية الله سبحانه وتعالى لنا أن نوحده جل جلاله في قضائه وقدره. نحن نعتقد أن الله سبحانه وتعالى هو المنفرد بالخلق والملك والتدبير، ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، ما من ذرة في هذا الكون تسكن إلا بإذنه، ما من ذرة في هذا الكون تتحرك إلا بإذنه، كل شيء بعلمه، كل شيء بارادته، أحاط بكل شيء علما وقدرة وإرادة سبحانه وتعالى.
إذا نحن نعلم أن ما يحدث في هذا الكون من خير أو شر إلا وهو بقضاء الله وقدره. إذا عندما نعتقد انفراد الله سبحانه وتعالى بربوبيته لهذا الكون، فإن ذلك يستوجب علينا ويوجب علينا أن نفرد الله سبحانه وتعالى بقضائه وقدره. فهو سبحانه وتعالى الذي قدر الخلائق في الأزل فعلمها وكتبها وشاء وقوعها وخلقها شيئا بعد شيء.
قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: 59]. وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: 70].
نعلم أنه ما من شيء يكون في هذا الكون إلا والله قد علمه من الأزل. علم الله ما يكون في كونه قبل أن يكون، علمه من الأزل سبحانه وتعالى وكتبه عنده. ونحن كذلك أفعالنا الاختيارية التي نقوم بها من صلاة وصوم وزكاه وغير ذلك من الطاعات أو من المعاصي، قد علمها الله عز وجل في الأزل وقد كتبها عنده. علم ما العباد عاملون قبل أن يعملوه وكتب ذلك عنده، كتب ذلك عنده. نؤمن بالعلم السابق والكتابة السابقة، ونؤمن بأن كل ما في هذا الكون، ما يكون في هذا الكون، قد أراد الله حصوله؛ لأنه لا يمكن أن يكون في هذا الكون ما لا يريده الله.
لكن إن كان طاعة فقد أراده شريعة للناس يرتضونها فرضا شرعا، وإن كان شرا ومعصية فقد أراده الله عز وجل أن يكون في كونه ولذلك نقول: أراده كونا. فالمعاصي أرادها الله كونا ولم يردها شرعا، والطاعات أرادها الله عز وجل أن تكون في كونه وأرادها أن تكون شريعة للناس. وكل ما في هذا الكون من خير أو شر، كل ما في هذا الكون من حركة أو سكون، كل ما في هذا الكون من مخلوقات الله هي مخلوقة لله جل جلاله؛ أما خلقها خلقا مباشرا أو خلقها بالأسباب التي اوجدها الله سبحانه وتعالى.
وأفعال العباد كذلك مخلوقة لله، خلقها الله بما خلق فينا من القدرة والإرادة والجوارح التي تمكننا من الفعل. ولذلك الإنسان مخلوق لله، وأعماله مخلوقة لله. أعمال العباد فعل للعبد تضاف إلى الععبد أنه هو الذي فعله فلذلك يثاب ويعاقب عليها، وتضاف إلى الله أنه هو خالق كل شيء. فهي مخلوقة لله، هي فعل العبد مفعول الرب، هي مخلوقة لله بما خلق الله عز وجل في العبد من هذه الاسباب التي تمكنه على الفعل.
ولو شاء الله لنزع عنه تلك القدرة فما استطاع أن يفعل شيئا كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَطَمَسْنَا عَلَىٰ أَعْيُنِهِمْ فَاسْتَبَقُوا الصِّرَاطَ فَأَنَّىٰ يُبْصِرُونَ * وَلَوْ نَشَاءُ لَمَسَخْنَاهُمْ عَلَىٰ مَكَانَتِهِمْ فَمَا اسْتَطَاعُوا مُضِيًّا وَلَا يَرْجِعُونَ﴾ [يس: 66-67]. فكل ما في هذا الكون هو ما قد قدره الله سبحانه وتعالى فعلمه وكتبه وشاء وقوعه وخلقه شيئا بعد شيء، هذا من مقتضيات التوحيد.
الربوبية أيها الأحبة، أحبة في الله، ننتقل الكلام عن ثمرات توحيد الربوبية. قد يقول قائل: لماذا أنتم تتحدثون كثيراً عن توحيد الربوبية؟ ما هي الثمرات التي تثمر للإنسان إذا حقق توحيد الربوبية في قلبه؟ أريد أن أطرح سؤالاً الآن: تأمل، هل في فعل الطاعات تعب ومشقة؟ هل في الصلاة والصوم والزكاة والحج وغير ذلك من فعل الطاعات هل فيها تعب ومشقة؟ القيام لصلاة الفجر، قيام الليل، حفظ القرآن، طلب العلم، هل فيها تعب ومشقة؟ نعم، فيها تعب ومشقة.
هل في ترك المعاصي والمنكرات تعب ومشقة؟ مثل: يترك الإنسان النظر الحرام، السماع الحرام، الكلام الحرام، الفرج الحرام، الأكل الحرام، الشرب الحرام مما تشتهيه نفسه، هل في ذلك تعب ومشقة؟ نعم، فيها تعب ومشقة. هل في التزام أخلاق الإسلام من بر الوالدين، صلة الأرحام، حسن الخلق مع الجيران، هل في هذه الأخلاق التزام هذه الأخلاق تعب ومشقة؟ نعم، فيها تعب ومشقة.
هل في أمور البيع والشراء التزام الشرع في المعاملات من البيوع ومن النكاح وغير ذلك من المعاملات التزام الشرعي فيها، فيها تعب ومشقة أم لا؟ معاملة ربوية تستطيع من خلالها تبني لك بيت، تشتري لك سيارة، تقيم لك مصنع، تفعل أشياء كثيرة، لكنك تركت ذلك لكون هذه المعاملة على غير شرع الله، هل في تركك لذلك تعب ومشقة؟ نعم. إذاً، ما هو الدين الإسلامي؟ الدين الإسلامي عبارة عن فعل طاعات، عن ترك معاص ومنكرات، الدين الإسلامي عبارة عن أخلاق، الدين الإسلامي عبارة عن معاملات. فإذا كانت هذه الأمور فيها تعب ومشقة، إذاً الدين الإسلامي التمسك به فيه تعب ومشقة؟
طيب، نحن نقول دائماً ونعظ الناس ونذكر الناس أن التمسك بالدين الإسلامي فيه سعادة، فيه راحة نفسية، فيها طمأنينة داخلية، فيه سعادة القلب وفيه صلاح البدن، فيه سعادة الفرد سعادة المجتمع، فيه صلاح الدنيا وصلاح الآخرة، ونحن ماذا نقول الآن؟ فيه تعب ومشقة. كيف نجمع بين هذين الأمرين؟ ﴿طه * مَا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى﴾ [طه: 1-2]. طيب، ونحن نقول مشقة، تعب ومشقة؟
نقول يا إخوان، إذا حقق الإنسان توحيد الربوبية في نفسه، فكان محباً لهذا الرب جل جلاله، كان راضياً بأنه عبد والله عز وجل سيده هو ضم بالربوبية الله له، الله يأمره وينهاه ويجعل له تلك الأخلاق وتلك الشرع في المعاملات، هو يقول: أنا راض، فالقيام لصلاة الفجر الآن عندما تكون راضي بأن صلاة الفجر في هذا الوقت وتقوم عن رضا، فإن الله سبحانه وتعالى يرضيك، من رضي بالله رباً وبالاسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً فإن الله يرضيه، ذاق طعم الإيمان والراضية فستجد لهذا التعب ولهذه المشقة طعم.
ما نوع هذا الطعم؟ نوع هذا الطعم حلاوة، حلاوة يجدها الإنسان في قلبه، انشراح وسعاده وبهجة ولذة وسرور، وحلاوة يجدها الإنسان في حياته، يسر وسهولة ولذه، ويعرف لماذا هو يعيش في هذه الحياة. إذاً أيها الأحبة في الله، في تحقيق توحيد الربوبية، في تحقيق توحيد الربوبية في نفس الإنسان يجد الإنسان للتمسك بالإسلام حلاوة ولذه وبهجة وسرور.
أيها الأحبة في الله، عندما يعتقد الإنسان أن الموت بيد الله، الحياة بيد الله، الرزق بيد الله، إذاً فلما التعلق بالمخلوقين؟ لما الخوف من المخلوقين؟ فيتعلق قلب الإنسان بالله وحده لا شريك له، فالله عز وجل هو جالب المنافع والله عز وجل هو دافع المضار سبحانه وتعالى، الله هو المحيي المميت، الله هو المعز المذل، الله هو الخافض الرافع، الله هو الغني جل جلاله، عندما يعلم الإنسان ذلك يتعلق قلبه بالله سبحانه وتعالى، ويتطهر قلبه من التعلق بالمخلوقين، يمتلئ قلب الإنسان المؤمن بتوحيد الربوبية، يمتلئ قلب الإنسان بالشجاعة، يمتلئ قلب الإنسان بالطمأنينة، يمتلئ قلب الإنسان بالبهجة والسرور والراحة.
أيها الأحبة في الله، عندما يعمل الإنسان الأعمال وسار في طريقه يعني يريد الدراسة، يريد مثلاً التجارة، يريد عمل من الأعمال وسار في هذا العمل ثم بعد أن انتهى منه لم يتحقق المطلوب، خسر في تجارته، رسب في دراسته، حدث له ما لم يشته، ماذا يكون حال هذا المؤمن بقضاء الله وقدره؟ المؤمن بربوبيته يقول: قدر الله وما شاء فعل، هذا تقدير الله سبحانه وتعالى، فإذا حدثت المصيبة هذا المؤمن، هذا الموحد لله عز وجل في ربوبيته، يجد يعني يكون يعني عندما تحل به المصيبة تجده مطمئناً، تجده مطمئن قلبه، قد هداه الله عز وجل فيسترجع، ويعود باللوم على نفسه قد يكون هناك أخطاء ارتكبتها، لكنه مع الله جل جلاله يقول: قدر الله وما شاء فعل، وهذا التقدير من الله سبحانه وتعالى فيه خير لي، خير لي أن أعود إلى الله جل جلاله تائباً داعياً ربي سبحانه وتعالى ذاكراً له، هذا التقدير فيه بيان أني أنا انسان ضعيف، فقد خططت وقد استوفيت كل الأسباب وقد وقد وقد، ومع هذا لم يحصل هذا الأمر لأن هذا الأمر بيد الله جل جلاله، فيعود إلى الله ويعلم أنه إنسان ضعيف محتاج إلى الله سبحانه وتعالى في كل شأن من شؤونه، يعلم أن هذه المصيبة فيها تكفير لسيئاته، يعلم أن هذه المصيبة فيها تكثير لحسناته، فيها رفعه لدرجاته، لذلك هذا الإنسان يشعر بالطمأنينة في هذه الحياة، مات له حبيب، مات له قريب، يشعر أن الأمر هذا بقضاء الله وقدره فيقول دائماً: قدر الله وما شاء فعل. هذا المؤمن بتوحيد الربوبية في هذه الحياة يشعر براحة نفسية، لا تفكير بالانتحار، لا هم، لا غم، لا قلق، لماذا؟ لانه قد ملأ قلبه بتوحيد الربوبية، فلذلك يشعر براحة نفسية.
إذاً أيها الأحبة في الله، من حقق توحيد الربوبية في نفسه أثمر له ذوق طعم الإيمان والتلذذ بهذا الإسلام ووجد فيه سعادته وروحه، هذا الإنسان الذي ملأ قلبه بتوحيد الربوبية ستجد أنه شجاع، عنده الشجاعة وعنده الإقدام وعنده الطمأنينة، هذا الإنسان الذي ملأ قلبه بتوحيد الربوبية تجد عنده الإيمان بأقدار الله عز وجل المؤلمه ويجد فيها أنساً.
ناخذ فاصل ثم نعود إليكم مرة أخرى بمشيئة الله.
لقد شرع الله الدين للناس رجالاً ونساءً ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قام بواجبه، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَضٍ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
وقد جاء الإسلام فأكرم المرأة وحملها مع الرجل مسؤولية النهوض بالمجتمع وحسن الرعاية له، فقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكاناً رفيعاً بمشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية، وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع وصياغة هوية الأمة والمحافظة على ثوابت الدين، ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة وأم المؤمنين عائشة ونسيبة بنت كعب وأم حرام بنت ملحان وحفصة بنت سيرين وفاطمة بنت عبد الملك وزبيدة بنت جعفر وغيرهن رضي الله عنهن ورحمهن.
ومن هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع، مما أكسبها قيمة واعتباراً واحتراماً لا مثيل له في المجتمعات الأخرى، كما اعترف بذلك المنصفون من الغربيين، وبأنهم إنما تعلموا احترام المرأة من مسلمي الأندلس، يقول المفكر الفرنسي مارسيل بزارد: إن الشعراء من المسلمين هم الذين علموا مسيحية أوروبا عبر إسبانيا احترام المرأة.
فللمرأة على ثغر الحياة الزوجية أثر خطير، وفي التربية على الدين والخلق دور كبير، وفي التعليم والدعوة والطب والرعاية مكانة ومسؤوليات، وقيام المرأة المسلمة بهذا وغيره له أثره الإيجابي في اصلاح المجتمع كله أسراً وأفراداً، وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: «إنما النساء شقائق الرجال».
حياكم الله أيها الأحبة في الله، توقفنا عند ذكر مقتضيات توحيد الربوبية، ثم اخذنا ثمرات توحيد الربوبية، الآن نريد أن ناخذ نواقض توحيد الربوبية، عندما نقول أن توحيد الربوبية هو اعتقاد انفراد الله بالخلق والملك والتدبير والتشريع، إذا ما هي نواقض توحيد الربوبية؟ أن نعتقد أن هناك خالق مع الله، أن نعتقد أن هناك مالك مع الله، أن نعتقد أن هناك مدبر مع الله، أن نعتقد أن هناك مشرع مع الله، هذا ينقض توحيد الربوبية، وأعظمها أن ينكر وجود الله، وهذه قضية الإلحاد انكار وجود الله سنتحدث عنها بمشيئة الله في الوحدة الثالثة بشيء من التفصيل، الآن نريد
أن نتحدث عن هذا الناقض، اعتقاد شريك مع الله في الخلق. هل هناك يعني من الناس من يعتقد أن هناك شريكاً مع الله في الخلق؟ في الحقيقة، لا يوجد على مدى التاريخ اعتقاد أن هناك شريكاً مع الله سبحانه وتعالى في الخلق، لكن حدث من بعض الطوائف كالمجوس، حيث أثبتوا خالقين: خالق الخير وخالق الشر تارة، ويجعلون خالق الشر هو الذي خلقه تارة، ويجعلونه أقل، لكنهم لا يجعلونه مماثلاً تماماً لخالق الخير. وهكذا يعني أغلب من وقع في الشرك لا يعتقد بوجود خالقين متماثلين تماماً.
هنا أريد أن أقف وقفة يا إخوان مع بعض الناس الذين يفسرون لا إله إلا الله بأن معناها لا خالق إلا الله، ويرون أن هذا هو غاية التوحيد، وأنه هو توحيد الربوبية، وأن توحيد الربوبية هو التوحيد المطلوب؛ أنه أن تعتقد أنه لا خالق مع الله سبحانه وتعالى، وبالتالي تدخل لا مالك، لا مدبر، لا كذا مع الله.
هذه الأمر أوقع بعض الناس للأسف الشديد في الوقوع في الشرك الأكبر المخرج من ملة الإسلام وهم لا يشعرون، عندما فسروا أن معنى لا إله إلا الله أنه لا خالق إلا الله. مع أنه لا يوجد هناك يعني من الطوائف من يعتقد أن هناك خالقاً مع الله مماثل له، ومع هذا وقعوا في هذا الخطأ، فقالوا: عندما نأتي إلى الأموات، إلى الأولياء في قبورهم، نأتي إليهم ولا نعتقد فيهم أنهم شركاء مع الله في الخلق. قالوا: إذا لم نعتقد أنهم شركاء مع الله في الخلق، النتيجة أن نحن أتينا بلا إله إلا الله، فإذا ذبحنا لهم، إذا نذرنا لهم، إذا استعنا بهم، إذا استغثنا بهم، إذا دعوناهم ونحن لا نعتقد فيهم أنهم شركاء مع الله في الخلق، فإن هذا الأمر لا شيء فيه البتة.
بل وصل ببعضهم أن يعتقد أن هذا الأمر هو من تعظيم الخالق جل جلاله، كما يعظم الإنسان العادي ملوك الدنيا. فإذا أراد الإنسان العادي الدخول على ملك من ملوك الدنيا، لابد له من شفيع حتى يُعرف به عند هذا الملك. فقالوا: كيف إذا جئنا إلى ملوك الدنيا نحتاج إلى شفعاء، وإذا أتينا إلى ملك الملوك، إلى الله جل جلاله، لا نتخذ معنا شفعاء؟ فحصل لهم الضلال وحصل لهم الانحراف بسبب هذا التمثيل.
وقعوا في تمثيل الخالق جل جلاله بملوك الدنيا. ملوك الدنيا هل يعرفون كل الناس؟ ملوك الدنيا هل يعلمون حاجات الناس؟ ملوك الدنيا هل يعرفون صدق الناس من كذبهم؟ ملوك الدنيا بحاجة لهؤلاء الشفعاء، عندما يقضي ملك الدنيا لهذا الشفيع يقضي له حاجته، كسب هذا الشفيع وأصبح للشفيع على الشفيع يد، وأيضاً الشفيع له حاجة عند هذا، فيكون هناك تعاون ويكون هناك أشياء، بخلاف ربنا سبحانه وتعالى المطلع على خلقه، الذي يعلم حاجاتهم سبحانه وتعالى. كيف لا؟ عندما نأتي إلى الله سبحانه وتعالى لابد لنا من شفعاء؟ هذا الظن أوقع هؤلاء الناس في الشرك الأكبر كما ذكرنا.
فماذا يصنعون؟ يأتون للعبادات من دعاء واستعاذة واستغاثة وذبح ونذر ويتقربون بها إلى الأموات. عندما يذبح هذا الإنسان الذبيحة تقرباً إلى هذا الميت، هل الميت سيأكل؟ هل يأكل هذا اللحم؟ هذا تقرب بالدم، هذه عبادة يتقرب بها إلى الله جل جلاله. عندما تدعوهم: اغفر لي يا سيدي فلان، أثقل زيني، حتى لو قال: أنا أقصَد اشفع لي عند الله أن يغفر لي، لكن هو في الحقيقة هو يطلب منه المغفرة، ويطلب منه سعة الرزق، ويطلب منه الولد، حتى وإن قال: أنا أُضمر أنه هو يذهب يعني يدعو الله سبحانه وتعالى ليه؟ نقول: ليس بهذه الطريقة. هذا الظن أن معنى لا إله إلا الله لا خالق إلا الله، وأن الإنسان إذا قال: لا خالق إلا الله، ولم يعتقد في هذا الميت أنه شريك مع الله في الخلق، أنه قد أتى بهذا التوحيد فصرف له أنواع العبادات لا شيء في ذلك، هذا ظن خاطئ.
اعتقاد شريك مع الله في خلقه، كما يعني تقدم في الحلقة في حلقة سابقة، أن هناك للأسف بعض الفرق الضالة يلزمهم عندما يقولون إن الإنسان خالق لفعله، ويخرجون بعض المخلوقات عن عموم خلق الله سبحانه وتعالى، ويضيفون إلى أنفسهم، هؤلاء يلزمهم الوقوع في يعني في هذا الخلل. فهم وقعوا في خلل في توحيد الربوبية عندما نسبوا بعض الأعمال إلى أنفسهم، ولذلك بعض أهل العلم يسمي هذه الطائفة المجوسية لمشابهتهم المجوس عندما نسبوا الأفعال الشريرة إلى غير الإله، إلى غير الخالق الذي يسمونه خالق الخير، فنسبوا بعض مخلوقات الله إلى غير الله. فهؤلاء شابهوهم عندما نسبوا بعض أفعال العباد من المعاصي ونحوها إلى أنفسهم، وأنهم هم الذين خلقوها، هذا أيضاً مشابه لهم في هذا الأمر.
أيضاً من نواقض توحيد الربوبية اعتقاد شريك مع الله في الملك. وللاسف بعض المتصوفة يعتقدون أن هناك شركاء مع الله سبحانه وتعالى في ملك هذا العالم، وأن الله هو الذي ملكهم ذلك، وأن هذه الشراكة هذه بتمليك الله عز وجل لهم. ولذلك يعتقدون فيهم أنهم يتصرفون ويدبرون فيما ملكهم الله عز وجل إياه. وللأسف الشديد، قد سمعنا من بعض الناس في العصر الحاضر أنه يعتقد أن النبي صلى الله عليه وسلم يمكن أن يخلق الإنسان في بطن أمه، يشارك في الخلق، في خلق النطفة. هذا شيء عجيب أن يعتقد الإنسان في مخلوق بهذا الشكل!
ويستطيع ماذا يصنع؟ يأتي بأشياء، آيات جعلها الله عز وجل لأنبيائه للدلالة على أنهم مرسلين من عند الله، وأن الله يحيي لهم هؤلاء الموتى، فيعتقدون أن هذا النبي يحيي وأنه يميت. هذا كلام يعني من عجائب الأمور! فعيسى عليه السلام عندما يكون الإنسان هذا ميت، يأتي فيقول له: احيَ بإذن الله. من الذي يحيي هذا الميت؟ هو الله سبحانه وتعالى، هو يقول لهم: أتَشهد أني مرسل من عند الله؟ قالوا: أعطنا بينة. قال: بينة أني مرسل من عند الله، هذا الإنسان ميت أو لا؟ أنا سأدعو الله سبحانه وتعالى أن يحييه أمامكم. من الذي أحيا هذا الميت؟ أحياه الله سبحانه وتعالى. لكن عيسى عليه السلام قال له: قم حياً بإذن الله، فيقوم حياً بإذن الله. هل عيسى شريك لله في الإحياء للموتى؟ لا، ليس هكذا. هذه دلالة، هذه آية أن عيسى مرسل من عند الله، الدليل أن الله سيحيي هذا الإنسان أمامكم وهو كلكم قد أجمعتم على أنه قد مات وقد انتهى.
هذه الآيات والبراهين التي أعطاها الله سبحانه وتعالى لأنبيائه، إنما هي آيات أنهم من عند الله، فلا يمكن بعد ذلك أن يأتي إنسان ويقول: أنا شريك لله في الخلق، أنا شريك لله في الملك، أنا شريك لله في التدبير، أنا شريك لله في التشريع. هذا كله كلام باطل.
كذلك أيها الأحبة في الله، بعض الطوائف ينسبون لأئمتهم كالرافضة أن الإمام يعلم الغيب ويدبر أمر هذا الكون، ثم يقولون إنه معصوم، فكل ما يقول هو شرع من عند الله، وحي من عند الله، فكلامه يعتبرونه تشريعاً. وهذا كله من الضلال والعياذ بالله.
كذلك أيها الأحبة في الله، من اعتقد أن للشعب السيادة والمشاركة في التشريع، وأنهم يشرعون للناس الحلال والحرام، كما يقول كثير من القانونيين بهذا الأمر، فالقانونيون هؤلاء وقعوا في الشرك في توحيد الربوبية من ناحية التشريع، فقالوا يعني: نحن يمكن أن نصوت على حسب رغبات الناس، فاذا قالوا هذا حلال فكان هذا حلالاً، وإذا قالوا هذا حرام فإنه يكون حراماً، وهذا لا يجوز البتة.
فهذه ما نسمع اليوم من الديمقراطية والإعجاب بها. الديمقراطية قائمة على فلسفة، هذه الفلسفة تسمى نظرية العقد الاجتماعي، ونظرية العقد الاجتماعي قائمة على أن الناس كانوا في وئام، ثم تحول الأمر إلى عداء، وسبب التحول إلى عداء تخاصمهم في الأطماع واختلافهم في الأديان، فقالوا: نحل قضية الأديان فتكون العلمانية، نحل قضية الأطماع فيكون البشر هم الذين يشرعون لأنفسهم على حسب الأغلبية. هذه كلها شراكة لله سبحانه وتعالى، وهذا كله نقض نقض لموضوع توحيد الربوبية في التشريع. فيجب علينا أن نؤمن إيماناً صادقاً أن أمور التحليل والتحريم لا تكون إلا من الله سبحانه وتعالى، كما قال الله عز وجل عن اتباع الذين
أشركوا، قال عنهم إنهم جعلوا يعني أنهم عبدوا غير الله سبحانه وتعالى؛ فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنهم كيف كانت عبادتهم لهم؟ كانت هي طاعتهم في أمور التحليل والتحريم. فلما اعتقدوا أن هناك من له حق التحليل والتحريم، كان ذلك عبادة لهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: أليس إذا أحلوا لكم الحرام أحللتُموه، وإذا حرموا عليكم الحلال حرمتُموه؟ قالوا: بلى. قال: «فتلك عبادتهم». ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا﴾ [التوبة: 31].
فدل ذلك على أن اتخاذ العلماء، اتخاذ العباد، اتخاذ الأمراء، اتخاذ الرؤساء مشرعين؛ أن هذه عبادة لهم، وأن هذا من الشرك الذي لا يرضاه الله سبحانه وتعالى. إذاً، نواقض توحيد الربوبية: إنكار وجود الله، ونواقض توحيد الربوبية: اعتقاد شريك مع الله في الخلق، أو الملك، أو التدبير، أو التشريع. ونكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، ونلتقي بكم في حلقة أخرى، سائلين الله سبحانه وتعالى لي ولكم الإخلاص والتوفيق والسداد. وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.
يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان وتريد سهلاً النوال ميسراً ياتيك ميسوراً بأي مكان زاد أكاديمية ينبوعها صافي ليروي غلة الظمآن هذه عقيدتنا الصحيحة فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهان بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
د. أبو زيد مكي القبي