تسجيل الدخول

المحاضرة 15 - العلاقة بين أقسام التوحيد ومعنى (لا إله إلا الله)

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

أرحب بكم إخواني من طلاب العلم في أكاديمية زاد في مادة العقيدة في المستوى الأول. أرحب بكم في هذا الدرس أجمل ترحيب أيها الأحبة في الله. اليوم سنأخذ مراجعة سريعة لما سبق دراسته، ثم سنأخذ في هذه الحلقة موضوعاً في غاية الأهمية يتعلق بتوحيد الربوبية من ناحية ما معنى كلمة الشهادة: لا إله إلا الله. هل معناها لا خالق إلا الله؟ أو معناها لا رازق إلا الله؟ فنبدأ بمراجعة أهم الأمور التي ينبغي أن نستحضرها قبل أن ندخل في هذا الموضوع الجديد. تذكرون أيها الأحبة أخذنا تعريف التوحيد، وقلنا: التوحيد في اللغة يدور معناه حول الإفراد والانفراد وعدم وجود المثل والنظير.

تدور معناه في اللغة حول الإفراد والانفراد وعدم وجود المثل والنظير. وقلنا: هل يصح أن نقول التوحيد شرعاً هو أن نجعل الله واحداً فيما هو واحد فيه؟ أي واحداً في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، هل يصح أن نقول التوحيد شرعاً هو أن نجعل الله واحداً في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته؟ الجواب: خطأ. هذا التعبير تعبير خاطئ: أن نجعل الله... وحدانية الله ليست بجعل جاعل؛ لسنا نحن الذين جعلنا الله واحداً وهو متعدد، تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً. ليست الآلهة متعددة فنحن جعلنا الإله واحداً، لا؛ إنما نحن نعتقد أن الله واحد، نؤمن أن الله واحد، هو إفراد الله بربوبيته، هو العلم بأن الله واحد، هكذا؛ لأن كلمة أن نجعل نحن لا، هذا خطأ.

إذاً التوحيد شرعاً هو الإيمان، هو الإقرار والاعتقاد والعلم بأن الله واحد في ربوبيته فلا رب سواه، وألوهيته فلا مستحق للعبادة إلا إياه، وفي أسمائه وصفاته فلا ند له فيها ولا نظير. هذا معنى التوحيد في الشرع. ثم أيها الأحبة في الله أخذنا حقيقة التوحيد. ما هي حقيقة التوحيد؟ قلنا: حقيقة التوحيد أيها الأحبة أن التوحيد قول وعمل. هذا في غاية الأهمية أن يعرف التوحيد قول وعمل؛ قول القلب، وعمل القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح.

القلب يقول؟ نعم، يقول القلب. قوله هو التصديق والإقرار ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾؛ يعني ولم يقولوا ذلك بقلوبهم. فلابد من قول القلب في التوحيد؛ أن يصدق القلب ويقر القلب بأن الله جل جلاله واحد في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. هذا قول القلب. عمل القلب هو خضوعه لله هذا الواحد، خضوعه لله حباً وخوفاً ورجاءً وتوكلاً ورضاً ويقيناً؛ خضوع القلب وأخلاصه لله جل جلاله، الخضوع والإخلص هذا عمل القلب. وقول اللسان هو النطق بالشهادتين، وقول اللسان يتضمن النفي والإثبات؛ نفي جميع المعبودات، وإثبات استحقاق العبادة لله وحده. فيقول بلسانه: أشهد أن لا إله إلا الله.

ويعمل بجوارحه، والمقصود بعمل الجوارح هو الامتثال لما أقر به بقلبه وعمل بقلبه وقاله بلسانه، فيمتثل بجوارحه لمقتضى لا إله إلا الله، فيترك عبادة كل ما سوى الله، ويعبد الله وحده لا شريك له بما شرع. فعمل الجوارح هو أن يقول الإنسان: ألتزم امتثال ما شرع الله سبحانه وتعالى بترك عبادة كل ما سوى الله، والتوجه بالعبادة المشروعة لله وحده لا شريك له. هكذا يصبح الإنسان موحداً، وهذه تسمى حقيقة التوحيد.

ثم أيها الأحبة في الله أخذنا ما يتعلق بأقسام التوحيد، وقلنا: التوحيد ينظر إليه من جهتين؛ من جهة ما يستحقه الرب، ودور العبد هنا هو العلم، دور العبد في جهة تجاه أقسام التوحيد من جهة ما يستحقه الرب هو العلم؛ العلم بأن الله واحد في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. فالتوحيد من جهة ما يستحقه الرب ثلاثة أنواع: ربوبية، ألوهية، أسماء وصفات. فيعتقد الإنسان بأن الله جل جلاله هو المنفرد بالخلق والملك والرزق والتدبير، وأنه سبحانه وتعالى لا مثيل له ولا نظير له في ذاته وفي اسمائه وصفاته وأفعافه، وأنه هو المستحق وحده بالعبادة لا شريك له. هذا التوحيد من جهة ما يستحقه الرب؛ الرب واحد في ربوبيته، في أسمائه وصفاته، وهو مستحق وحده لأن يعبد لكونه هو المنفرد بالخلق والملك والرزق والتدبير. هذه أقسام التوحيد من جهة ما يستحقه الرب.

من جهة ما يقوم به العبد ماذا يقول العبد؟ العبد يقول ويعلم، يقصد ويريد؛ ولذلك يسمى التوحيد من جهة ما يقوم به العبد توحيداً قولياً علمياً؛ أن يعلم الإنسان أن الله سبحانه وتعالى واحد ويقول ذلك من لسانه وبقلبه. توحيد قولي علمي: يعلم العبد بأن الله سبحانه وتعالى واحد في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته بلسانه، فيقوله قولي علمي. ويمكن أن يكون قول المقصود به يعني قول القلب تصديقه واقراره والعلم، يعلم القلب أن الله سبحانه وتعالى واحد حتى يكون يعني كل يعني قلبي وهو قول علمي.

الأمر الثاني عملي إيرادي؛ فيقصد الإنسان من علم أنه هو المنفرد بالخلق والملك والرزق والتدبير، علم بقلبه وصدق بقلبه أن الله هو المنفرد بالخلق والملك والرزق والتدبير، لا مثيل له في أسمائه وصفاته، وانه هو المستحق للعبادة وحده لا شريك له. هذا قالها بقلبه وعلمه بقلبه، بعد ذلك يعمل ويريد ما أقر به بقلبه، يسمى التوحيد العملي الإيرادي؛ فيترك عبادة كل ما سوى الله، ويتوجه بالعبادة لله وحده لا شريك له. كما تلاحظون يا إخوان هي تؤدي نفس المعنى: الربوبية والأسماء والصفات يقابلها التوحيد القولي العلمي، توحيد الألوهية يقابله التوحيد العملي الإيرادي.

بعد ذلك يا إخوان تعرضنا لتعريف أنواع التوحيد، وقلنا: توحيد الربوبية من كلمة الرب، فنفرد الله بربوبيته لهذا العالم. دائماً نتذكر في تعريف توحيد الربوبية ربوبية الله، أن الله هو صاحب هذا العالم، هو سيد هذا العالم، هو مدبر هذا العالم. فتوحيد الربوبية هو إفراد الله بربوبيته لهذا العالم، فهو إفراد الله بالخلق والملك والرزق والتدبير، هذا تم توحيد الربوبية. وتوحيد الألوهية من كلمة الألوهية التأله، هو إفراد الله بالتأله، والتأله هو التعبد. فتوحيد الإله إفراد الله بالعبادة؛ كل ما ثبت في الكتاب والسنة من قول أو فعل ظاهر أو باطن أنه عبادة فالتوجه له التوجه به لله وحده لا شريك له، هذا هو التوحيد، وصرف نوع من انواع العبادة لغير الله هذا هو الشرك والتنديد، هذا توحيد العبادة، إفراد الله بالتأله أي التعبد. توحيد الأسماء والصفات واضحة؛ إفراد الله بما ثبت له من الأسماء والصفات والأفعال في الكتاب والسنة، أن نثبت أن الله سبحانه وتعالى لا مثيل له في ذلك ولا نظير.

أقسام التوحيد؛ هذه الأقسام الثلاثة التي ذكرناها ما العلاقة بينهن؟ العلاقة بينهن يعني كما تشاهدون على الشاشة وعندكم مذكرة: أن توحيد الألوهية الدائرة الكبرى في وسطها توحيد الربوبية أصغر، توحيد الأسماء والصفات... أو يمكن بالنسبة لتوحيد الربوبية توحيد الأسماء والصفات أن نجعل توحيد الربوبية الدائرة الصغرى، بعد ذلك توحيد الصفات، بعد ذلك توحيد الألوهية. وهذا قد يكون هو أفضل تقريب؛ توحيد الربوبية إفراد الله بالخلق والملك والرزق والتدبير يلزم منه أن الله لا مثيل له في صفاته، وتوحيد الربوبية يلزم منه توحيد الصفات، وتوحيد الربوبية وتوحيد الصفات يلزم منه توحيد الألوهية. فكان توحيد الألوهية الدائرة الكبرى، الدائرة الكبرى وتوحيد الألوهية يتضمن توحيد الصفات وتوحيد الربوبية. أما توحيد الربوبية وتوحيد الصفات فإنه لا يتضمن توحيد الألوهية إنما يستلزم. هذه العلاقة نعيد مرة أخرى تخيلوا أمامكم ثلاثة دوائر؛ الدائرة الصغرى توحيد الربوبية، من أتى بتوحيد الربوبية يلزم منه أن يتوسع فيأتي بتوحيد... تلزم منه توحيد الصفات، توحيد الربوبية وتوحيد الصفات يلزم منه توحيد الألوهية.

توحيد الدائرة الكبرى، من أتى بتوحيد الألوهية فقط تضمن ذلك توحيد الصفات وتوحيد الربوبية، هذه العلاقة بين أقسام التوحيد من جهة الالتزام والتضمن. كيف نعرف بالله سبحانه وتعالى؟ دائما ونحن نستحضر التعريف بالله نتذكر هذه الثلاثة الكلمات: ربوبية، صفات، ألوهية.

نقول إن الله سبحانه وتعالى الذي نعبده نحن المسلمون هو المنفرد بالخلق والملك والرزق والتدبير، وهو الذي ليس كمثله شيء في ذاته ولا في أسماءه ولا في صفاته من الحياة والسمع والبصر.

دائما نذكر هذا: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. هذا توحيد الصفات، وأن هذا الإله هو المستحق وحده للعبادة. لذلك قال الله معرفا بنفسه: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1]. أحد في ربوبيته، أحد في ألوهيته، أحد في أسماءه وصفاته. الصمد الذي يصمد للخلائق في قضاء حوائجها، وتعود إليه الخلائق في طلب حوائجها الصمد. هذا الإله لم يلد لكونه مستغنا عن الولد سبحانه وتعالى، فهو الآخر الذي ليس بعده شيء، ولم يولد لكونه مستغنا عن الوالد، فهو الأول الذي ليس قبله شيء.

ولم يكن له كفوا أحد. هل الإله الذي نعبده مثل السماء؟ مثل الأرض؟ مثل الشمس؟ مثل القمر؟ مثل البشر؟ مثل الشجر؟ لا، لم يكن له كفوا أحد. لا يمكن أن يكون الله مثل شيء من مخلوقاته أو يكون هناك شيء من مخلوقات الله مثل الله سبحانه وتعالى.

إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه، أدب يعلمنا إياه نبينا صلى الله عليه وسلم من خلال النهي عن التناجي، وهو أن يستأثر اثنان بالحديث سرا دون الثالث، أو ثلاثة دون الرابع، أو أربعة دون الخامس، وهكذا. فإن هذا لون من إلحاق الأذى بالمسلم، لأنه تعود عليه بالحزن والخوف، وربما ظن أن ذلك لاحتقاره والحط من كرامته فيزيده ذلك غما وحزنا. لذا حرم الإسلام التناجي، كما قال تعالى: ﴿وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المجادلة: 8]. ومن صور التناجي المحرمة أن يتكلم اثنان بلغة مختلفة لا يفهمها الثالث، أو أن يكتب أحدهما للأخر في ورقة والثالث جالس ولا يمكنه الاطلاع على ما كتب.

قال النووي رحمه الله وفي معناه، أي معنى التناجي: ما إذا تحدث بلسان لا يفهمه، لأن العلة موجودة. فاذا كان الحديث دائرا بين اثنين في بداية ثم أتى ثالث واراد أن يدخل بينهما فإن ذلك لا يجوز إلا باذنهما، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان اثنان يتناجيان فلا تدخل بينهما». واعلم أنه إن دعت الضرورة إلى التناجي فانه يكون مباحا بشرطين: الأول أن تكون هناك مصلحة على مفسدة التناجي، الثاني أن يكون ذلك بإذن الشخص الثالث ورضاه، وإلا حرم.

فالتناجي من تسويل الشيطان وتزيينه، فإذا أحسست بحزن من جراء تناجي بعض الناس أمامك فاستعذ بالله وتوكل عليه، فانه سبحانه كافيك من كل سوء وكيد، قال تعالى: ﴿إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: 10].

ننتقل إلى تعريف توحيد الربوبية. توحيد الربوبية قلنا من كلمة الرب الصاحب، توحيد المراد الله جل جلاله بربوبيته لهذا العالم. توحيد الربوبية يقوم أيها الأحبة على أصلين؛ الأصل الأول: عموم خلقه سبحانه وتعالى، عموم خلقه وربوبيته.

توحيد الربوبية يرتكز على أصلين اثنين؛ الأصل الأول: أن كل ما في هذا الكون مخلوق لله جل جلاله، الله خالق كل شيء وهو رب كل شيء، خالقه وصاحبه وسيده ومالكه ومدبره. هذا الأصل الأول الذي يقوم عليه توحيد الربوبية، عموم الخلق.

الأصل الثاني: عموم الإحسان والحكمة في خلقه جل جلاله لهذا الكون، فهو محسن له ومحكم له، ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2]. قال: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: 50].

قال فمن ربكما يا موسى؟ قال: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ﴾ [طه: 50]. هذا عموم الحكمة والإحسان في خلق الله سبحانه وتعالى، الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان. ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 2-4].

الله سبحانه وتعالى أحسن مخلوقاته وخلقها وفق حكمته، لذلك هناك يوم الدين ويوم الحساب ويوم الجزاء، ليس هذا الخلق عبثا، لم يخلق الله سبحانه وتعالى شيئا عبثا جل جلاله. هذه الأصول التي يقوم عليها توحيد الربوبية.

أنواع تربية الله سبحانه وتعالى لخلقه نوعان؛ نوع عام، ونوع خاص. أما العام فهو تربية الله لخلقه من ناحية الخلق، خلق هذه المخلوقات ورزقهم وهداهم سبحانه وتعالى لكيفية استخدام الخلقة التي خلقهم عليها، المدة التي أراد الله بقاءهم في هذه الدنيا، هذه هداية عامة، هداية عامة لجميع المخلوقات مكلفها وغير مكلفها.

وهناك هداية خاصة، خاصة بأوليائه سبحانه وتعالى، هداهم، رباهم، هنا نتحدث عن التربية، رباهم الله سبحانه وتعالى بالإيمان ووفقهم له وكمله في نفوسهم ودفع الصوارف والعوائق الحائلة بينهم وبين هذا الإيمان، وهذه حقيقتها تربية التوفيق لكل خير.

دعونا نأخذ مسألة قد يكون في المرة الماضية لها إشارة سريعة تتعلق بالإعانة، إعانة الله هذا متعلق بالربوبية. إعانة الله سبحانه وتعالى للمكلفين على توحيده وطاعته، هناك إعانة وفق عدله سبحانه وتعالى وهناك إعانة وفق حكمته. الإعانة التي وفق عدله جل جلاله بمخلوقاته ليقوموا بما كلفهم الله عز وجل به، إعانة قبل الفعل، هذه وفق عدل الله، والتي مع الفعل هذه وفق حكمة الله سبحانه وتعالى.

قبل الفعل أعانهم بأن خلقهم الله سبحانه وتعالى وجعل فيهم القدرة على الاتيان بما كلفهم به، وأعطاهم الإرادة، القدرة طبعا من ضمن القدرة أعطاهم السمع والبصر والجوارح التي تمكنهم من الفعل، وأعطاهم الإرادة بأن يقوموا بهذا الفعل أو لا يقوموا به، وأعطاهم العقل المميز المدرك مع الفطرة المستقيمة، أعطاهم الله سبحانه وتعالى إياها، وأعطاهم الشرع الذي يبين لهم الصواب والخطأ الخير والشر وهكذا الحسن والقبيح.

والله سبحانه وتعالى وفق عدله قد أعان جميع مخلوقاته على الفعل قبل أن يفعلوه، هذا وفق عدل الله سبحانه وتعالى. فمن حرم نعمة القدرة حرم نعمة السمع والبصر فجاءت رسالة الإسلام وهو لا يسمع ولا يبصر، والله سبحانه وتعالى من حكمته هذا رفع عنه التكليف. من جاءت الرسالة أو أراد أن يقوم بعمل لكنه كان مكها على فعله، يعني ليس مريدا لفعله إنما أجبر واضطر على فعله، هذا الإنسان يرفع عنه التكليف في ذلك العمل.

إذا كان الإنسان قد حرم نعمة العقل فهذا يرفع عنه التكليف، إذا كان الإنسان قد حرم نعمة الشرع هذا يرفع عنه التكليف. إذا هذه الإعانة وفق عدل الله سبحانه وتعالى قبل الفعل، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الإسراء: 15]. هذه إعانة الله سبحانه وتعالى للناس على أن يقوموا بما كلفهم به قبل أن يفعلوه.

هناك ربوبية أخرى تتعلق بالعبد أثناء الفعل، أثناء ما يقوم بالفعل، وهذه تسمى إعانة مع الفعل. الإعانة، إعانة الله للعباد مع الفعل هذه تكون وفق حكمته سبحانه وتعالى، الذي يكون مستحقا لها، الذي يطلب الهداية، الذي يسعى لها، الذي يدعو الله جل جلاله أن يعطيه إياها، أن يعينه على فعل الخيرات، يستعين بالله على عبادة الله.

هذا المستعين بالله، اللهم أعنا يا الله، هذا المستعين بالله على عبادته فإن الله جل جلاله يعينه إعانة خاصة، إعانة خاصة مع الفعل. هذه الإعانة الخاصة تسمى إعانة تيسير الأمر وشرح الصدر وجعل قوة الانسان أضعاف أضعاف ما هي عليه في الواقع، هذا وفق حكمة الله جل جلاله، ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْزَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: 17]. ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].

وهكذا من أقبل على الله فإن الله جل جلاله يشرح صدره، ييسر أمره، يفتح له من الأبواب ما لم يكن في حسبانه. بل يا إخوان نستطيع أن نقول: إذا وصل الإنسان إلى مرحلة من الجد والاجتهاد مع الله والصدق مع الله فكان من الذين آمنوا وكانوا يتقون، فانه يصبح في طريق الخير كأنه مسير غير مخير، كأنه مسير غير مخير، والله يحفظه ويسدده في سمعه في بصره في لسانه في يده في رجله، وهكذا فيصبح يسمع بالله ويبصر بالله ويبطش بالله ويمشي في طريق الخير ييسر الله عز وجل له ممشاه، وهكذا كما في حديث الولي المشهور.

هذه تسمى إعانة مع الفعل وفق عدل الله. والذي رفض طريق الخير رفض طريق الهداية، لم يسر في طريق الهداية مع اطلاعه عليها، لكنه أعطاها ظهره وولى مدبراً عنها، عن هذه الهداية، فلما زاغوا أزاغ الله قلوبهم. هؤلاء يخذلهم الله سبحانه وتعالى فيسير في طريق الشر وهم يرون أن ما هم فيه من شر، أن ما هم فيه من رذيلة، أن ما هم فيه من حقارة، أن ما هم فيه من بلاء عظيم، يرون أنه الخير وأنه الحضارة وأنه الفضيلة؛ يزين الله عز وجل لهم ما هم فيه من المعاصي ومن الرذائل، عياذاً بالله من هذا الأمر؛ ﴿أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا﴾ [فاطر: 8].

يرى أهل الفضيلة وأهل الستر وأهل الدين وأهل الخلق يراهم متخلفين، ويرى الذين يعيشون حياة... يراهم أنهم هم قمة الإنسانية. قمة الإنسان عنده في التعري، قمة الإنسان عنده في أن يعيش حياة البهايم، أن يأكل ويشرب وينكح، هذه حياته؛ هذه عياذاً بالله هذا الخذلان، هذه إعانة الله سبحانه وتعالى للمكلفين على توحيده وطاعته؛ الأولى وفق عدله، والثانية وفق حكمته.

قال الله سبحانه وتعالى مبيناً أنه هو المنفرد بربوبية هذا العالم، قال الله عز وجل: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [المؤمنون: 91]. هناك أكثر من رب لهذا الكون، إذاً لذهب كل إله بما خلق. هذا الرب المألوه سيقول أنا مثلاً الشمس، القمر، الأرض، سيقول كل منهم أنا أريد أن انفرد بما خلقت؛ رب الشمس ينفرد بالشمس، رب القمر سينفرد بالقم، رب الأرض سينفرد... النتيجة سيحدث في هذا الكون الفساد.

إذاً هذه الحالة الأولى أن ينفرد كل بما خلق، يذهب كل بما خلق، هذه لم تحصل، لم تحصل والسبب كيف أعرف أنه لم يحصل؟ لأن الكون متسق منظم، فدل ذلك على أن هذه الحالة الأولى باطلة. الحالة الثانية: ولعلا بعضهم على بعض. خلاص، كل واحد يريد أن يدبر أمر الشمس؛ هذا يريد الشمس أن تكون ساكنة وهذا يريد الشمس أن تكون متحركة، فإاما أن تنفذ الإرادتان لتصبح الشمس متحركة ساكنة في الوقت ذاته وهذا مستحيل، أو لا تنفذ الإرادتان فتكون الشمس لا ساكنة ولا متحركة وهذا مستحيل. طالما أن الشمس موجودة، بقي أمر ثالث وهو الواقع الآن، أن تنفذ إرادة أحدهما فتبقى الشمس تجري.

فدل ذلك على أن مدبر هذا العالم، رب هذا العالم، هو واحد، وهو الله سبحانه وتعالى. مهما كانت توحيد الربوبية، ومن هنا سندخل على أهم قضية في درس اليوم. مهما كانت توحيد الربوبية عند أهل السنة والجماعة، توحيد الربوبية عند أهل السنة والجماعة ركن من أركان التوحيد، لا يتم توحيد الإنسان إلا به، لكنه فطري في النفوس؛ توحيد الربوبية فطر فطري في النفوس. الله سبحانه وتعالى من رحمته خلقنا وزودنا بقوتين: قوة العلم وقوة الإرادة.

فجعل في القوة العلمية التي في نفوسنا الإقرار بوجود الله وبوحدانيته سبحانه وتعالى. نعرف هكذا أن هذا الرب هو موجود وأن هذا الرب واحد، هذا فطري في النفوس. ما الذي يحصل فيه الخلل؟ هو الإرادة؛ أن لا يقصد الإنسان هذا الإله لوحده، لكنه يجعل معه شركاء شفعاء، هنا يحدث الخلل في حياة الإنسان العملية. لذلك جاء الرسل يعيدون الناس إلى التوحيد الخالص، وهو أن تتوجه بالعبادة لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له.

المقصود أن توحيد الربوبية ليس هو الغاية من التوحيد؛ لأنه فطري، بل هو وسيلة تستخدم في بلوغ الغاية؛ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: 21] هذه الغاية ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: 21-22] هذه تسمى الوسيلة. فتوحيد الربوبية ليس هو غاية التوحيد، بل هو وسيلته.

بالتضمن والالتزام، توحيد الربوبية يلزم منه توحيد الألوهية، وقد يلتزم الإنسان وقد لا يلتزم؛ فمن التزم فأتى بتوحيد الألوهية فهذا حقق الغاية، ومن لم يلتزم الأمر الثالث لم ينفعه ذلك. لا ينفع توحيد الربوبية دون الالتزام بتوحيد الألوهية، لا يكفي للسعادة الآن النجاة لا في الدنيا ولا في الآخرة حتى يأتي معه بتوحيد الألوهية.

ناخذ فاصل، ثم نأتي إلى معنى لا إله إلا الله، التكملة بإذن الله. فانظروا كيف كان عاقبة التاريخ مخزن العبر ومعلم الأمم، فيه أخبار السابقين الأول وأسباب التمكين وزوال الدول. من اعتبر بدروسه نجا، ومن تعامى عن حوادثه هوى. وقد عني القرآن بذكر الكثير من القصص والتنويع في أحداثها لتوجيه الأنظار إلى الاعتبار بأحوال الأمم في كفرهم وإيمانهم وشقاوتهم وسعادتهم.

فلا شيء يهدي الإنسان كالمثلات والوقائع؛ قال تعالى: ﴿فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الأعراف: 176]. ومن هنا ينجلي للعاقل أهمية العلم بالتاريخ وعلو شأنه. فاذا نظر الإنسان إلى أحوال الأمم السالفة وأسباب قوتهم وضعفهم وعزهم وذلهم حمله ذلك على حسن الأسوة والاقتداء بأسباب السعادة والتمكين واجتناب ما كان من أسباب الشقاوة والهلاك والتدمير. وإن التحولات في أحوال الأمم من رخاء إلى شدة ومن شدة إلى رخاء إنما هو من جراء أعمال العباد؛ قال الله تعالى: ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].

فمن فوائد وثمرات دراسة التاريخ بالتطبيق العملي للإسلام وذلك من خلال السيرة النبوية؛ العلم بأن الأمة مكلفة بهدف عظيم وهو عمارة الأرض، والعلم بطبيعة الصراع بين الحق والباطل، وفهم الحاضر لأن الحاضر جزء من الماضي فمن لم يعتبر بماضيه لن ينتفع بحاضره، وإدراك سنن الله تعالى في هذا الكون وأنها لا تحابي أحداً؛ قال تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الأحزاب: 62].

حيّاكم الله أيها الأحبة في الله. هنا عندنا إشكالية في توحيد الربوبية، أن بعض الناس ظن أن معنى لا إله إلا الله لا خالق لا رازق لا مدبر إلا الله سبحانه وتعالى، ففسر معنى لا إله إلا الله بما يدل عليه توحيد الربوبية. فلا إله إلا الله عنده هو انفراد الله جل جلاله، إفراد الله بالخلق والملك والتدبير. فقال الإله في لا إله إلا الله إله على وزن فعال بمعنى فاعل، أي خالق رازق مالك مدبر. فيصبح لا إله إلا الله لا خالق لا مالك لا رازق لا مدبر لا صانع إلا الله سبحانه وتعالى، هذا المعنى الأول.

المعنى الثاني لا إله إلا الله، قالوا لا إله على وزن انفِعال صحيح، لكنها بمعنى مفعول، أي مألوه. والمألوه هو المعبود، ولما كان هناك من عبد بغير حق فنقول هو المعبود بحق، فلا معبود يستحق العبادة إلا الله جل جلاله. هذا المعنى الثاني في لا إله إلا الله. أيها الأحبة في الله، هذا المعنى، هذا الخلاف هل له ثمرة في الواقع؟ هل له ثمرة يعني لو قلنا لا إله إلا الله معناه لا خالق إلا الله وقالوا هذا لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله، طيب ما المشكلة في ذلك؟ هل هناك ثمرة لهذا الخلاف؟

سأطيكم مثالاً؛ من المثال يتضح أن هذا الخلاف هل هو خلاف لفظ أو خلاف له ثمرة. لو ذهب شخص إلى أحد القبور وهو لا يعتقد أنه خالق مالك رازق مدبر، ويعتقد أن الخالق المالك الرازق المدبر هو الله وحده لا شريك له، ثم توجه إليه إلى هذا المقبور بالدعاء، الذبح، النذر، الاستعاذة، الاستغاثة. عند الذين يقولون أن معنى لا إله إلا الله لا خالق إلا الله، هل هذا الفعل وهو لا يعتقد في المقبور أنه خالق مالك رازق مدبر فدعاه وذبح له ونذر له واستعاذ به واستغاث به، هل هو يعني طعن؟ هل هو نقض؟ هل هو أنقص من معنى لا إله إلا الله؟ عندهم لا علاقة لهذه الأفعال بلا إله إلا الله؛ لأنه لم يعتقد في المقبور أنه خالق مالك رازق مدبر. هذه الأفعال التي توجه بها لهذا الولي ينقسمون اتجاه هذه الأفعال إلى قسمين، منهم من يرى أن هذا الأمر بدعة.

منهم من يرى أن هذا الأمر مكروه، توجه لهؤلاء؟ منهم من يرى أن هذا الأمر هو قمة التعظيم لله؛ لأنك بسبب كونك مذنب عاصم مقصر تحتاج إلى شفيع، تحتاج إلى وسيلة تقربك إلى الله، وسيلتك هذا الرجل الصالح الميت. واعلم أنه مات على الصلاح فيما يظن، إذاً هو وسيلة، فأنا عندما أذبح له، أنذر له، أستعيذ به، أستغيث به من أجل ماذا؟ أن يشفع لي عند الله. فاتخذوا هذا الدعاء وهذا الذبح وهذا النذر وهذا البكاء وهذا الخضوع له من أجل ماذا؟ أن يسأل الله سبحانه وتعالى لي المغفرة، أن يسأل الله لي تفريج الكروب.

فقالوا هذا قمة التعظيم لله، وقالوا عمن يقول إن هذا الفعل أكبر مخرج من الملة، قالوا هذا الإنسان يكفر المسلمين، يكفر من يشهد أن لا إله إلا الله، ويقول عنه مشرك، وأنه كافر، وأنه صوفي، وأنه قبوري، وأنه... وأنه يقول عن هذا الشخص أن هذا يعني الذي يقول معنى لا إله إلا الله، لا خالق إلا الله، يقول عن الأول يقول عنه إنه خارجي، إنه تكفيري، غالي في التكفير، إنه كذا وكذا وكذا الذي يقول معنى لا إله إلا الله. لا معبود يستحق العبادة إلا الله، يقول الدعاء، والذبح، والنذر، الاستعاذة، استغاثة لهذا الميت، صرفه لهذا الميت هي قمة العبادة، هذه عبادات صرفت لهذا الإنسان، التقرب إلى هذا الإنسان بالذبح تقرب إليه بالدم، هذا ميت لو كان ضيف جا وأكرمته أكل لحم، لكن عندما أريق الدم لهذا المقبور أنا تقربت إليه بنفس العبادة التي يتقرب بها إلى الله، هذا ذبح، هذا الدعاء لهذا الميت، أنا أدعوه وأقول له يا سيدي فلان انظر إلى حالي، أصابني الكرب، أصابني، لم أرزق بولد، كذا كذا.

عندما نتهد بهذا الدعاء وأطلب منه هو، حتى لو قاله هناك توسل مجاز أنا أتوجه إليه بالدعاء والاستعاذة والاستغاثة قمة العبادة، حتى لو كان قصدي أنا عندما أقول له فرج همي، اكشف كربي، أعد، يقول أنا أقصد يعني ادعو الله لي، هناك شيء محذوف يقولون تقديره يا سيدي فلان ادعو الله لي، هذا هذا صرف لهذه العبادة. عند أصحاب القول الأول يقولون أن هذا الفعل وإن نجا صاحبه في الظاهر وإن نجا صاحبه في الظاهر من الشرك في توحيد الربوبية، إلا أنه مشرك في توحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية هو معنى لا إله إلا الله، وصرف هذه العبادة لهذا المقبور فقد نقض لا إله إلا الله؛ لأن مع لا معبود بحق إلا الله.

فيقولون عن هذا الذي يجيز مثل هذا الشيء ويسميه توسل وتشفع، يقول هؤلاء مشركو هذا الزمان، وشركهم أعظم من شرك المشركين؛ لأن المشركين الأوائل كانوا في حال الرخاء يشركون، في حال الشدة يوحدون، أما هؤلاء فهم يشركون في حال الرخاء وحال الشدة، وأولئك كانوا شركهم قد يكون في الملائكة، قد يكون في الصالحين، وهؤلاء شركهم في الصالحين وفي غيرهم من الطالحين ومن يعني الزنادقة وغير ذلك. المقصود هذه المسألة مسألة كبيرة مسألة خطيرة، الآن نحن يعني نتمنى أن نكون كطلاب علم أن نحكم بالحق بين هاتين الطائفتين المتنازعتين في الأمة الإسلامية، طائفتان كبيرتان في الأمة الإسلامية تتنازع في هذا، هناك من يقول لا إله إلا الله لا خالق إلا الله، هناك من يقول لا معبود بحق إلا الله، ورأينا الثمرة.

طيب كيف نعالج هذه القضية؟ ما مرجعنا في هذه القضية؟ مرجعنا في هذه القضية الكتاب والسنة، فنرجع إلى القرآن والسنة لنعرف معنى لا إله إلا الله من خلال القرآن والسنة، ونحكم بين هاتين الطائفتين، هل معنى لا إله إلا الله لا خالق الله أو معنى لا إله إلا الله لا معبود بحق إلا الله؟ أريد أن أؤكد أن الذين يقولون لا معبود بحق إلا الله يتضمن تعريفهم أنه لا خالق، لا مالك، لا رازق، لا مدبر إلا الله سبحانه وتعالى، فيتضمن توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية، فهم قد أتوا بالثاني. والذين قالوا لا خالق إلا الله، لا رازق إلا الله، لا مدبر إلا الله لا يتضمن هذا التعريف توحيد الألوهية إنما يلزم منه توحيد الألوهية.

ما دليل أصحاب القول الأول على أن معنى لا إله إلا الله لا خالق إلا الله؟ هو قولهم بأن إله على وزن انفعال بمعنى فاعل الذي ذكرناه، أي إله خالق رازق مدبر ولم يحتجوا على ذلك بأي شاهد من شواهد اللغة العربية أو بنقل عالم من علماء اللغة، بل قال بعضهم أنه مشتق. رد أهل القول الثاني بثلاثة ردود: الرد الأول قالوا أن ما استدلوا عليه في اللغة باطل، وبينوا بطلان ذلك بقولهم لا يوجد عالم من علماء اللغة يقول إله بمعنى آلة، لا يوجد عالم من علماء اللغة العربية يقول إله بمعنى إله أي فاعل، بل علماء اللغة يقولون إله على وزن فعال بمعنى مفعول بمعنى مألوه، مثل كتاب بمعنى مكتوب، حساب بمعنى محسوب، فراش بمعنى مفروش، بساط بمعنى مبسوط وهكذا.

قال ابن فارس في معجم مقاييس اللغة: آلهة الهمزة واللام والهاء أصل واحد وهو التعبد، الإله الله تعالى سمي بذلك لأنه معبود، ويقال تأله الرجل إذا تعبد. يقول الجوهري في الصحاح: آله بالفتح آلهة أله آلهة أي عبد عبادة، ويقول ومنه قرأ ابن عباس رضي الله عنهما: ويذرك وآلهتك وإلى هتك، قال: وعبادتك، ومنه قولنا يقول هو الله وأصله إله على فعال بمعنى مفعول لأنه مألوه أي معبود، كقولنا إمام قال بمعنى مفعول لأنه مؤتم به، فلما أدخلت عليه الألف واللام حذفت الهمزة تخفيفاً لكثرته في الكلام.

إذاً، ما معنى الإله في اللغة؟ معنى الإله في اللغة هو المألوه، أي الذي تألهه القلوب، أي تحبه محبة عظيمة. أمر ثاني قالوا لو سلمنا جدلاً بأن إله فعال بمعنى فاعل، فإننا بذلك لو قلنا لا إله إلا الله لا عابد إلا الله، جعلنا المعبود عابداً للناس، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.

أريد منكم يا إخوان كنشاط نستعد به للحلقة القادمة بمشيئة الله أن تبحثوا في القرآن وفي السنة عن كلمة لا إله إلا الله، ما لكم من إله غيره، ما من إله إلا إله واحد، اجمعوا لي هذه، وحاول من خلال القرآن والسنة أن تتبين معنى لا إله إلا الله ليكون حكمنا حكماً أصلاً بين هاتين الطائفتين بإذن الله. استودعكم الله على أمل اللقاء بكم في حلقة قادمة، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً في كل علم نافع متطلع يأتيك ميسوراً بأي مكان تنفي الشكوك بواضح البرهان.