السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكرا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعلْه حجة علينا يا رب العالمين.
أيها الأحبة في الله، نستكمل ما تحدثنا عنه في الحلقة الماضية من نواقص توحيد الربوبية. فقلنا من نواقص توحيد الربوبية الحلف بغير الله، فقلنا: إذا كان الإنسان يحلف بغير الله، لكنه لم يصل في حلفه بالطلاق والنبي إلى درجة رفع هذا المخلوق إلى درجة الخالق سبحانه وتعالى، فهذا يعتبر من النواقص. أما إذا وصل به الامر إلى أن يجعله في درجة الخالق، يعظم هذا المحلوف به كتعظيم الخالق سبحانه وتعالى، فهذا يكون من النواقض. هذا شيء ذكرناه.
الشيء الثاني: ذكرنا أن يُسنَد النعم -نعم الله سبحانه وتعالى- إلى غير الله، أو أن يُسنَد النعم إلى الله ومعه غيره بحرف يقتضي التسوية كحرف الواو، فيقول: لولا الله وفلان. وهناك يقول: لولا فلان. هذا قلنا من نواقص توحيد الربوبية، ما لم يعتقد أن هذا الشخص مساوٍ لله سبحانه وتعالى في إسداء النعمة إليك؛ إذا رفعه إلى درجة اعتقاد التسوية بين الله وبين هذا المخلوق في إسداء النعمة، فهذا عياذاً بالله من الشرك الأكبر. لكن غالباً الناس لا يعتقد التسوية في مثل هذا، إنما مما يجري لسانه به مع إقِراره في قلبه أن النعم كلها من الله، لكن يجري على لسانه أن يضيف النعم إلى غير الله، أو أن يضيف النعم إلى الله ومعه غيره بحرف الواو.
أيضاً مما ذكرناه: عدم الاقتناع بالحلف بالله؛ يأتي شخص صادق فيحلف بالله، أو يكون في محكمة فيحلف بالله، وهذا لا يُقبل منه يمينه بالله، هذا دَلّ على نقص تعظيم الله سبحانه وتعالى في نفسه. كذلك أيها الأحبة في الله من النواقص: أن يرد الانسان السائل الذي يسأله بالله جل جلاله؛ فيقول له: بالله عليك أن تدخل عندي، أسألك بالله العظيم أن تفعل كذا، أسألك بالله العظيم ألا تفعل كذا ألا تضرب ولدَك. فإذا رده وقد سأله بالله جل جلاله، دَلّ ذلك على نقص تعظيم الرب جل جلاله في هذا الراد، في نفس هذا الراد. لو كان هذا الإنسان معظِّماً لله سبحانه وتعالى، لكان من سأله بالله فانه يعطيه ويجيبه.
عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَن سأل بالله فأعطوه، ومَن استعاذ بالله فأعيذوه، ومَن دعاكم فأجيبوه، ومَن صنع إليكم معروفا فكافئوه، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له حتى تروا أنكم قد كافأتموه» رواه أبو داود والنسائي بسند صحيح.
الحديث يقول: من سأل بالله فأعطوه. لكن نريد أن ننبه أيها الأحبة، أن بعض الناس يُحرج إخوانه فيسأل بالله في أشياء ما يصلح ذلك، وبعضهم يسأل بالله وهو لا يقصد هذا، يعني: أسألك بالله أن تدخل، أسألك إلا أن تأكل. وهو إما أن يُحرج أخاه أو هو غير صادق في هذا الامر، وهذا الشخص يعلم أنه غير صادق، فلذلك يعتذر منهم هنا، إن شاء الله لا تدخل في هذا. لكن ينبغي لهذا الشخص ألا يسأل بالله فيحرج إخوانه. والشخص إذا سُئل بالله وهو يعلم صدق ذلك الشخص، وكان هذا الامر لا حرج عليه فيه، فوجب عليه أن يجيب، وهذا من تعظيم الله سبحانه وتعالى في نفسه.
كذلك أيها الأحبة في الله: بعض الناس يستخدم هذا الاسلوب؛ يسأل بوجه الله في أشياء حقيرة: وجه الله عليك انك تدخل، وجه الله عليك انك تأكل، يعني أسألك بوجه الله في أشياء حقيرة تافهة. هذا الإنسان لو كان معظّماً لله سبحانه وتعالى، ما سأل بوجه الله هذه الأشياء الحقيرة التافهة، والتي أحياناً قد تكون هي من باب الكذب، يكون كاذب هذا الإنسان في كلامه. عن جابر رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يُسأل بوجه الله إلا الجنة». فأنت تقول: اللهم يا الله إني أسألك بوجهك العظيم أن تدخلني الجنة. تسأل الله سبحانه وتعالى بوجهه العظيم أن يجعلك في الفردوس الأعلى من الجنة، وهكذا. أما تستخدم السؤال بوجه الله في أشياء حقيرة تافهة مع الناس، فهذا يدل على ضعف تعظيم الرب سبحانه وتعالى في النفس.
كذلك أيها الأحبة في الله من ضعف تعظيم الرب سبحانه وتعالى في نفس الإنسان: أن يُقسِم على الله، بمعنى يحلف على الله أن يفعل كذا، يحلف على الله أنه لا يفعل كذا. فهذا رجل حدث بينه وبين شخص آخر خصومة، فقال: والله لا يغفر الله لفلان، يقسم على الله أن الله لا يغفر له. فالله سبحانه وتعالى غضب من ذلك الشخص، فقال: «مَن ذا الذي يتألى عليَّ ألا أغفر لفلان؟ إني قد غفرتُ له وأحبطتُ عملكَ». وهذا الحديث في صحيح مسلم. وفي حديث أبي هريرة -رواية أبي هريرة- أن القائل رجل عابد. قال أبو هريرة رضي الله عنه: تكلم بكلمة أوبقت دنياه واخرته.
بالنسبة للإقسام على الله ينقسم إلى حالتين: حالة إنسان يرى لنفسه فضلاً، ويرى أنه انسان معظَّم عند الله جل جلاله، هذا في نفسه كبر؛ فالذي يقسم على الله تكبُّراً وتعالیً فيقسم على الله سبحانه وتعالى أن يفعل كذا أو لا يفعل كذا، تعظُّماً وتكبُّراً، هذا هو المنهي عنه، وهذا يغضب الله سبحانه وتعالى من هذا الشخص. أما إذا كان الإنسان يقسم على الله وهو من باب التواضع، علم سنن الله سبحانه وتعالى في خلقه، فعلم ضعف المسلمين وعلم ما رأى من المسلمين ما أبلوه في أرض المعركة فقال: والله لينصرن الله، فأقسم على الله، فهذا رب أشعث أغبر لو أقسم على الله لأبرَّه، أبر الله قسمهم. هذا إذا كان الإنسان يقسم على الله وهو متواضع، وهو محسن الظن بالله سبحانه وتعالى في موقف من المواقف، وهو يعلم سنن الله سبحانه وتعالى فأقسم على الله طالباً من الله النصرة، فهذا جائز.
كذلك أيها الأحبة في الله من نواقص توحيد الربوبية في نفس الإنسان: أن يستشفع بالله على خلقه، أن يستشفع بالله على خلقه، يعني يجعل الله واسطة بينه وبين خلقه! يعني كما عياذاً بالله، استغفر الله، يأتي الإنسان إلى شخص آخر ياتي له بواسطه معه، هو الآن ياتي إلى شخص اخر بواسطة، من واسطته الآن؟ هو الله سبحانه وتعالى! تعالى الله عز وجل عن ذلك علواً كبيراً.
عن جبير بن مطعم رضي الله عنه قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، نُهكت الأنفس، وجاع العيال، وهلكت الأموال، فاستسق لنا ربك فإنا نستشفع بالله عليك وبك على الله. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «سبحان الله! سبحان الله!». فما زال صلى الله عليه وسلم يسبح حتى عُرِف ذلك في وجوه اصحابه ثم قال: «ويحك! أتدرِي ما الله؟ إن شأن الله أعظم من ذلك، إنه لا يُستشفع بالله على أحد من خلقه» إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه.
كذلك أيها الأحبة في الله مما يدل على نقص توحيد الربوبية في نفس الإنسان: أن يعترض هذا الشخص على قدر الله سبحانه وتعالى. يعني بعض الناس إذا حصل أمر من الأمور، وهذا الأمر يعني كان متردداً هو أن يفعلها أو لا يفعلها، فاختار أمراً ثانياً ثم حصل به الضرر، فماذا يقول؟ يقول: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا. هذا من ضعف تعظيم الرب سبحانه وتعالى في نفس هذا الإنسان، ومن عدم إيمان الإنسان بالقضاء والقدر، طالما هذا الامر تم لا يصلح الآن أن تعترض على قدر.
«احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن فاتك شيء فلا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان». في دقايق يا إخوان اسمحوا لي أن استطرد في هذا الحديث.
قول النبي صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك»؛ ما ينفعك هذا تحديد النافع من أمور الدين والدنيا والآخرة، يجب أن تحدد النافع ثم أن تتخذ الوسائل التي تحقق لك هذا النافع وتحرص عليها، تأتي بالبرامج، تأتي بالوسائل المحققة للنافع وتحرص عليها.
«احرص على ما ينفعك واستعن بالله»؛ هذا توحيد الربوبية، تطلب من الله أن يعينك على تحقيق هذا النافع. «ولا تعجز»؛ أي اترك العجز والتكاسل وابدأ مستعيناً بالله سبحانه وتعالى في السير في هذه الخطوات.
طيب، تحقق المطلوب؛ ما الواجب عليك أن تقول؟ هذا من فضل الله سبحانه وتعالى، هذا فضل الله هذا الذي ذكرناه. لم يتحقق المطلوب؛ لا تقل: لو أني فعلت كذا لكان كذا وكذا، ولكن قل: قدر الله وما شاء فعل، فإن هذا يدل على تعظيمك لله، أما لو بدأت تتحدث لو لو فإنه يبدأ الشيطان يجد فرصته فيقذف في قلبك الحزن، يقذف في قلبك الاعتراض والتسخط على قدر الله سبحانه وتعالى فتقع في الخطأ.
ناخذ فاصل إن شاء الله ثم نتحدث عن حالات استخدام كلمة لو التي تجوز وتستحب وينهى عنها بإذن الله سبحانه وتعالى، ناخذ فاصل ثم نعود.
«إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه»؛ أدب يعلمنا إياه النبي صلى الله عليه وسلم من خلال النهي عن التناجي، وهو أن يستأثر اثنان بالحديث سرا دون الثالث، أو ثلاثة دون الرابع، أو أربعة دون الخامس، وهكذا. فإن هذا لون من ألحاق الأذى بالمسلم لأنه يعود عليه بالحزن والخوف وربما ظن أن ذلك الاستحقار والحط من كرامته فيزيده ذلك غما وحزنا، لذا حرم الإسلام التناجي كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المجادلة: 8].
ومن صور التناجي المحرمة أن يتكلم اثنان بلغة مختلفة لا يفهمها الثالث، أو أن يكتب أحدهما لآخر في ورقة والثالث جالس ولا يمكنه الاطلاع على ما كتب. قال النووي رحمه الله: وفي معناه؛ أي معنى التناجي، ما إذا تحدث بلسان لا يفهمه لأن العلة موجودة. فإذا كان الحديث دائرا بين اثنين بداية ثم أتى ثالث واراد أن يدخل بينهما فإن ذلك لا يجوز إلا باذنه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان اثنان يتناجيان فلا تدخل بينهما».
واعلم أنه إن دعت الضرورة إلى التناجي فإنه يكون مباحا بشرطين: الأول أن تكون هناك مصلحة راجحه على مفسدة التناجي، والثاني أن يكون ذلك بإذن الشخص الثالث ورضاه وإلا حرم. فتناجي من تسويل الشيطان وتزيينه، فإذا أحسست بحزن من جراء تناجي بعض الناس أمامك فاستعذ بالله وتوكل عليه فانه سبحانه كافيك من كل سوء وكيد، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: 10].
أسلمت عندما كان عمري أربعة عشر عاما بفضل هذا الموقع، كنت في قمة الضلال وبفضل الله أولا ثم بفضل موقعكم عدت إلى الله. نشكركم على هذا الموقع حيث نجد الإجابة فيه على معظم الأسئلة التي تدور في أذهاننا. تعليقات تحكي قصص هداية من واقع الحياة.
موقع الإسلام سؤال وجواب بإشراف فضيلة الشيخ محمد صالح المنجد، جاء قريبا من الناس، يستشعر نبض المجتمع ويعيش هموم الحياة. أكثر من أربعة وثمانين مليون زيارة سنويا، أكثر من سبعة ملايين زيارة شهريا، من أكثر من مئة دولة مع ترجمة الفتاوى لثلاث عشرة لغة، أكثر من ثلاثة ملايين متابع على صفحة الفيسبوك لموقع الإسلام سؤال وجواب.
أسبقية في عالم الإنترنت وهو من أول من استخدم أحدث الوسائل التكنولوجية في الدعوة إلى الله مسايرة لروح العصر. وتتمثل رسالته التي ما فتئ يسعى لتحقيقها في: نشر الإسلام في إرجاء الأرض، تصحيح صورة الدين الحنيف، تعليم المسلمين أمور دينهم، تصحيح العقيدة والعبادة، الرد على استفسارات المسلمين في كل مكان، اعتمادا على رصيد ضخم من أقوال السلف وتراث غني لأئمة المذاهب الفقهية المعتمدة وفتاوى كبار العلماء في القديم والحديث.
فالحمد لله على نعمه، قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني. موقع الإسلام سؤال وجواب، علم ودعوة وزاد لمن أناب.
حياكم الله أيها الأحبه، كنا نتذاكر قبل الفاصل حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز وإن فاتك شيء فلا تقل لو أني فعلت لو». فنريد أن نتحدث عن حالة استخدام كلمة لو.
كلمة لو في بعض الحالات يكون استخدامها جائز على جهه الخير أو على جهة الحث على فعل الخير، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي ولا حللت مع الذين حلوا من العمرة». هذا هنا لو على جهة الحث على فعل الخير وأن ما قاموا به هو من الخير، فالنبي صلى الله عليه وسلم بين لهم. استخدم هذه كلمة لو من باب الحث على الخير.
أيضا تستحب في بعض الأحيان إذا كان على جهة تمني الخير، بل هذا يكون الإنسان ينال الأجر مع استخدام كلمة لو. مثل الحديث الذي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فيه: «إنما الدنيا لأربعة نفر»، ثم ذكر قال: «وعبد آتاه الله مالا وعلما فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم الله فيه حقا فهذا بافضل المنازل. ورجل آتاه الله علما ولم يؤته مالا وهو صادق النية يقول لو أن لي مالا مثل فلان لعملت فيه بمثل ما عمل، فهو بنيته فهما سواء». إذا هنا على جهة تمني الخير هذا مستحب.
المنهي عنه على جهة الاعتراض على شرع الله؛ يعني يقول الإنسان: لو ما شرع الله عز وجل هذا الأمر لكان أفضل، لو أطاعونا ما قتلوا؛ هذا اعتراض على شرع الله أنهم ما خرجوا للجهاد، ما قتلوا، أو اعتراض على القدر أنهم قتلوا الآن ويريد أن يعترض على القدر فقال: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا، هذا اعتراض على القدر. فإما اعتراض على الشرع لو تاتي تعترض على الشرع؛ يعني لو لم يكلفنا الله بهذا لكان أفضل، لو كان صلاة الفجر ثلاث ركعات كان أحسن من ركعتين، لو كان كذا؛ هذا اعتراض على شرع الله.
وهناك اعتراض على قدر الله؛ يعني يقول لو ما صار كذا لو كان ما صار كذا وكذا، هذه لو في اعتراض على القدر. في لو والعياذ بالله هذا تمني الشر؛ مثل الحديث الذي ذكرناه وفيه: «وعبد آتاه الله مالا ولم يؤته علما فهو يخبط في ماله بغير علم فهو لا يتقي في ربه ولا يصل فيه رحمه ولا يعلم الله فيها حقا فهذا بخبث المنازل. والرابع لم يؤته الله لا مالا ولا علما وهو يقول لو أن لي مالا مثل فلان لعملت فيه بمثل ما عمل، فهو في وزرهما سواء». فتمني الشر أو الاعتراض على القدر أو الاعتراض على الشرع هذه استخدام حالات لو فيها منهي عنها.
يقول السعدي رحمه الله: اعلم أن استعمال العبد لفظة لو على قسمين مذموم ومحمود.
أما المذموم فكان يقع منه أو عليه أمر لا يحبه فيقول: لو أني فعلت لكان كذا، فهذا من عمل الشيطان لأن فيه محذورين؛ أحدهما أنه تفتح عليه باب الندم والسخط والحزن الذي ينبغي له اغلاقه وليس فيها نفع هذه لو. الثاني أن في ذلك سوء أدب مع الله جل جلاله وعلى قدر الله، فإن الأمور كلها والحوادث دقيقها وجليلها بقضاء الله وقدره، وما وقع من الأمور فلا بد من وقوعه ولا يمكن رده فكان.
في قوله لو كان كذا أو فعلت كذا كان كذا نوع اعتراض ونوع ضعف إيمان بقضاء الله وقدره، ولا ريب أن هذين الأمرين المحذورين لا يتم للعبد إيمان ولا توحيد إلا بتركهما.
ما كذلك أيها الأحبة في الله من نواقص توحيد الربوبية أن يقوم الإنسان والعياذ بالله بسب الدهر، سب الدهر في الصحيح عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: قال الله تعالى: «يؤذيني ابن آدم، يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر أقلب الليل والنهار» وفي رواية: «لا تسبوا الدهر فإن الله هو الدهر».
سب الدهر يعني ما المقصود به؟ سب الدهر المقصود به هو شتم وذم وتقبيح الزمان والوقت، أن يأتي الإنسان للزمان للعصر لليوم فيسب، يلعن اليوم هذا، يلعن الساعة هذه، يلعن السنة هذه، يلعن اليوم هذا، يشتم ويذم ويقبح الزمان والوقت.
ما أحكام سب الدهر؟ أحكام سب الدهر أولا: إذا كان يعني أضاف أوصاف إلى الدهر يعني فيها بيان يعني تضجر أو كذا لكنه على جهة الخبر المحض دون لوم، مثلا يقول: تعبنا من شدة الحر، الحر شديد، تعبنا من شدة الحر أو البرد قارص فيقول: يعني تأذينا من يعني شدة البرد، هذا يوم عصيب، هذه الأمثلة هذا جائز لأنه يعني ما في لوم لنفس الدهر، إنما يخبر إخبارا محضا بما حصل له في هذا اليوم في هذا الزمان من يعني مشكلات ومن أشياء ومن عقبات أو من شدة حر أو من شدة برد أو نحو ذلك.
أما إذا كان يعني يشتم وذم ويقبح الزمان مع اعتقاد أن الزمان هو الفاعل فهذا شرك أكبر والعياذ بالله. طبعا هذا كانت هناك طائفة كما تقدم طائفة الدهرية تعتقد أن الدهر هو الفاعل هو المحيي وهو المميت وينسب إلى الزمان ذلك، وقد تكون طائفة أهل الطبيعة الآن الملاحدة أيضا يعني يشابهون هؤلاء وأن الدهر هو الفاعل، هذا شرك أكبر مخرج من ملة الإسلام.
أما إذا كان يسب مع اعتقاد أن الله هو الفاعل فهذا محرم ومن كبائر الذموب كما يعني ورد في الأحاديث. بالنسبة لقول النبي صلى الله عليه وسلم وأنا الدهر يقصد يعني ليس أن الدهر من أسماء الله سبحانه وتعالى، إنما يقصد أنه وأنا أقلب الليل والنهار، يعني أنا رب الدهر، أنا خالق الدهر، أنا الذي يقلب الليل والنهار، فكيف تسب الدهر؟ فسب الدهر سب ليعني خالقه ومدبره.
بالنسبة لسب الدهر في يعني زماننا في في أمر الجاهلية كان كثيرا، وفي زماننا هذا من العادة يسبون الدهر الفساق والحمقى إذا جرت تصاريف الدهر على خلاف مرادهم جعلوا يسبون الدهر والوقت ربما لعنوه. يقول الشيخ السعدي: هذا ناشئ من ضعف الدين ومن الحمق والجهل العظيم، فإن الدهر ليس عنده من الأمر شيء، فإنه مدبر مصرف، والتصاريف الواقع فيه تدبير العزيز الحكيم، ففي الحقيقة يقع العيب والسب على مدبره. وكما أنه نقص في الدين فهو نقص في العقل.
فكيف نقص في العقل؟ بهذا السب تزداد المصائب ويعظم وقعها على الإنسان ويغلق باب الصبر الواجب، هذا مناف للتوحيد، أما المؤمن فانه يعلم أن التصاريف واقعة بقضاء الله وقدره وحكمته فلا يتعرض لعيب ما لم يعيبه الله ولا رسوله بل يرضى بتدبير الله ويسلم لأمره، وبذلك يتم توحيده وطمأنينته.
قوله صلى الله عليه وسلم: «يؤذيني ابن آدم يسب الدهر» فيه أن سب الدهر يؤذي الله تبارك وتعالى. قال الشافعي في شرح هذا الحديث وبيان المعنى الحق: قال العرب كان من شأنها أن تذم الدهر وتسبه عند المصائب التي تنزل بهم من موت أو هرم أو تلف أو غير ذلك فيقولون: إنما يهلكهم الدهر وهو الليل والنهار، ويقولون أصابتهم قوارع الدهر وأبادة الدهر فيجعلون الليل والنهار يفعلان الأشياء، فيضم الدهر بأنه الذي يفنيهم ويفعل بهم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا الدهر» على أنه الذي يفني والذي يفعل بكم هذه الأشياء، فإنكم إذا سببتم فاعل هذه الأشياء فإنما تسبون الله تبارك وتعالى، فانه فاعل هذه الأشياء، انتهى كلام الشافعي.
يقول السعدي: والظاهر أن المشركين نوعان، أحدهما من يعتقد أن الدهر هو الفاعل فيسب لذلك، هؤلاء هم الدهرية. الثاني من يعتقد أن المدبر الأمور هو الله وحده لا شريك له ولكن يسبون الدهر لما يجري عليهم فيه من المصائب والحوادث فيضيف ذلك إليه من إضافة الشيء إلى محله لا لأنه عندهم فاعل لذلك. والحديث صريح في النهي عن سب الدهر مطلقا سواء اعتقد أنه فاعل، فإذا اعتقد أنه فاعل هذا شرك أكبر، أو لم يعتقد ذلك كما يقع كثيرا ممن يعتقد الإسلام فهذا أمر محرم.
قال ابن القيم رحمه الله: وفي هذا يعني في سب الدهر ثلاث مفاسد عظيمة، أحدها: سب من ليس أهلا للسب، فإن الدهر خلق مسخر من خلق الله منقاد لأمر الله متذلل لتسخيره فسبه أولى بالذم والسب منه. الثانية: أن سبه متضمن للشرك، فانه إنما سبه لظنه أنه يضر وينفع، وأنه مع ذلك ظالم قد ضر من يستحق العطاء ورفع من لا يستحق الرفعة وحرم من لا يستحق الحرمان، يقول: وهو عند شاتم من أظلم الظلمة وأشعار هؤلاء الظلمة الخونة في سبه كثيرة جدا وكثير من الجهال يصرح بلعنه وتقبيحه. إذا الأولى: سبه من ليس أهل للسب، الثانية: سب متضمن للشرك، الثالثة: أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأشياء، هذا الخطير أن السب منهم إنما يقع على من فعل هذه الأشياء التي لو اتبع الحق فيها أهواءهم لفسدت السماوات والأرض.
وإذا طبعا هم عندهم حالات، الحالة إذا وافقت أهواءهم الأشياء التي حدثت حمدوا الدهر وأثنوا عليه، وفي حقيقة الأمر رب الدهر هو المعطي المانع الخافض الرافع المعز المذل، والدهر ليس له من الأمر شيء، فمسبتهم الدهر مسبه لله عز وجل، ولهذا كانت مؤذية للرب تعالى.
إذا أيها الأحبة الخلاصة: ساب الدهر دائر بين أمرين، أما لابد له من أحدهما، أما سب لله أو الشرك به، فانه إن اعتقد أن الدهر فاعل مع الله فهو مشرك، وإن اعتقد أن الله وحده هو الذي فعل ذلك وهو يسب من فعله فهو يسب الله تعالى يعني هو يسب الظرف الذي حصل له ذلك فسبه لهذا الظرف هو يقع على يعني المدبر له.
أيضا من نواقص توحيد الربوبية: سب الريح، سب الريح عن أبي بن كعب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تسبوا الريح، فاذا رايتم ما تكرهون فقولوا اللهم إنا نسألك من خير هذه الريح وخير ما فيها وخير ما أمرت به ونعوذ بك من شر هذه الريح وشر ما فيها وشر ما أمرت به».
إذا عندما يكون في الريح ما يكره الإنسان فلا يسب هذه الريح لكن يسال الله خيرها ويستعيذ بالله من شرها. طبعا هذا هذا جزء من سب الريح، سب الريح جزء من سب الدهر يعني ما يحدث له في الدهر فيسب، فهو جزء من العام، فجميع حال الدهر هي من الله سبحانه وتعالى وما يحدث في الدهر من ريح شديدة، من حر شديد، من برد شديد هذا كله من تدبير الله سبحانه وتعالى فلا يجوز سب الدهر عموما ولا يجوز سب جزء من الدهر مما يحدث له فيه يعني خصوصا، وسب الدهر مع تحريمه فانه حمق وضعف في العقل والرأي، فإن الريح مصرفه مدبره بتدبير الله وتسخيره فالسابق سبه على من صرفها، لولا أن أن نعرف أن المسلمين ما يقصدون هذا عندما يسب الإنسان الريح يسب يعني لا يخطر هذا المعنى في قلبه أنه يسب الله سبحانه وتعالى، ولا لو كان خطر هذا لكان هذا والعياذ بالله من الشرك العظيم المضر للإنسان في توحيده.
هذه جمله من نواقص توحيد الربوبية، ناخذ فاصل ثم نختم الدرس الدرس المتعلق بتوحيد الربوبية، نختم بالتاكيد على ثمرات توحيد الربوبية. فصل ونعود إليكم بمشيئة الله.
استغاثت امرأة بريطانية بالجيران والمارة إثر اشتعال نيران في مطبخها غير أن
أحداً لم يفزع لنجدتها ظناً منهم أنها تداعبه؛ نتيجة مأساوية سببها عادة أوروبية تنتشر في مثل هذا التوقيت من كل عام، حيث يقع كثير من الناس ضحية لأكاذيب وشائعات يطلقها آخرون تحت مسمى كذبة أبريل أو أُكذوبة أبريل، تلك العادة التي باتت سبباً في انتشار الأكاذيب والشائعات في ذلك اليوم عبر وسائل إعلامية مختلفة من أفراد ومؤسسات، لتصادف قبولاً وتصديقاً يترتب عليه إجراءات استثنائية لدى كثير من الناس.
ويطلق على من يصدق هذه الإشاعات أو الأكاذيب اسم ضحية كذبة أبريل، وتشتهر هذه العادة الذميمة في عدد من البلدان الأوروبية كفرنسا وبريطانيا وغيرهما من الدول التي سرت إليها داخل وخارج أوروبا.
ولا شك أن الإسلام حرم الكذب في كل الأوقات وعلى كل الأحوال، ولو كان على سبيل اللهو والمزاح، لما له من أضرار مادية ومعنوية بالغة، ولهذا قال نبينا عليه الصلاة والسلام: «أنا زعيم ببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحاً».
حياكم الله أيها الأحبه في الله. بعد هذه الجولة في موضوع توحيد الربوبية، وبعد أن أخذنا مقدمة في التوحيد ثم توحيد الربوبية وفصلنا فيها، نختم بما قد أشرنا إليه من قبل، لكن نجعله الخاتمة في الحديث عن ثمرات توحيد الربوبية إذا استقر في نفس الإنسان.
أعظم ثمرة من ثمرات الإقرار بتوحيد الربوبية وتربية النفس على توحيد الربوبية؛ أن الإنسان يتذوق لإيمانه طعماً، هذا الطعم حلاوة يجدها الإنسان في نفسه ويجدها في حياته، قال صلى الله عليه وسلم: «ذاق طعم الإيمان من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولاً».
وقال صلى الله عليه وسلم: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يقذف في النار، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله».
دائماً يا إخوان، عندما نتحدث عن نظام الإسلام في إسعاد البشرية، وأن شريعة الله سبحانه وتعالى، سواء العقيدة أو العبادة، أن التمسك بهذا الإسلام يسعد الإنسان في الدنيا قبل الآخرة؛ ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
عندما نتحدث عن الإسلام وانه مسعد للإنسان روحاً وبدناً، وأنه مصلح لدنياه وآخره، قد يقع في نفس الإنسان ما يجده هذا المتمسك بالاسلام من متاعب ومصاعب ومشاق في هذه الحياة، فيقول: كيف تقولون إن الدين مسعد، ونحن نجد في تمسكنا بهذا الدين نجد المصاعب والمتاعب والمشاق؟
نقول: لو حقق الإنسان توحيد الربوبية لنفسه، وتمكن من قلبه، لَوَجَد في المتاعب والمصاعب والمشاق المتعلقة بالتمسك بدين الإسلام، لوجد لها طعماً، هذا الطعم حلاوة في قلبه وتيسيراً في حياته، كما أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم.
يحتاج إلى تقوية الرضا بالله سبحانه وتعالى، يرضى بأنه عبد، والله عز وجل هو الرب، لو رضي بذلك جاءت الطاعات يفعلها وهو راض، سيجد له لذه عندما يأتي له شخص ويقول له: يا اخي انتم دينكم التمسك بالدين عندكم خمس صلوات وهناك صلاة فجر وهناك صلاة عشاء وهناك صلاة عصر، يعني هذه اوقات الانسان يحتاج أن ينام فيها ويرغب أن ينام فيها وأنتم تقومون وهذا متعب!
يقول هذا القائل: أنا راضٍ بهذا الأمر، تعب صحيح، لكن الرب قد أمرني به وأنا راضٍ، فعندما أقوم به وأحقّق الأمر الذي طلبه الله سبحانه وتعالى مني، فإني أجد سعادة وأجد لذة، حتى يطقول بعضهم: والله إن اليوم الذي تفوتني فيه صلاة الفجر هو التعب، هو المشقّة، هو اليوم الذي يكون فيه نكد وهم وغم، ليس اليوم الذي أقوم أنا فيه لصلاة الفجر تعب، اليوم الذي تفوتني فيه صلاة الفجر تعب.
وهكذا بقية الطاعات، تجد شيئاً عجيباً؛ يعني الصيام متعب، معروف عند كل الناس أن الصيام فيه تعب، هذا الإنسان الذي يصوم هذه الفريضة أو يصوم هذا النفل هو يعلم أن الله عز وجل أمره بهذا بصيام رمضان، فيفعل منفذاً هذا الأمر، ولذلك عند فطره يكون في أشد الفرح، يفرح فرحاً عظيماً بفطره، السبب؟ السبب أنه أتم هذا الصوم، لا لكونه تخلص، بل لكونه أدى ما افترضه الله سبحانه وتعالى عليه فيشعر بفرح، ولذلك يوم القيامة يفرح، يفرح بأي سبب؟ يوم القيامة يفرح بصومه لأنه قد وجد أجره عند الله سبحانه وتعالى، وهكذا للصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه.
هكذا الطائع لله عندما يكون راضياً، عندما يكون توحيد الربوبية قوي في نفسه، فانه سبحان الله يجد لذته بالطاعات.
ترك المعاصي والمنكرات، لا شك أن ترك النظر الحرام، السماع الحرام، الكلام الحرام، الفرج الحرام، المال الحرام، الأكل والشرب الحرام، عندما يتركها الإنسان وهي مما تشتهيه نفسه، لا شك أن الإنسان يجد فيها تعباً ومشقّة، لكن هذا الراضي بربوبيته يقول: ربي نهايني عن ذلك، فأنا انتهي عن ذلك، وأنا أعلم أن الله سبحانه وتعالى ما نهاني عن ذلك إلا وفيه ضرر علي في قلبي، فيه ضرر علي في عقلي، فيه ضرر علي في حياتي في ديني، فلذلك أنا انتهي عنه، انتهي وأنا راضٍ وأنا مقتنع أن تركي له فيه الخير وفيه السعادة، فلذلك يسعده الله، من رضي بالله رباً وبالإسلام ديناً -أن هذا الإسلام هو منهج الحياة- وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبياً، كان على الله حقاً أن يرضيه، كان على الله حقاً أن يرضيه، فيجد في هذه الطاعات وفي ترك المعاصي والمنكرات يجد فيها اللذة.
كذلك يجد الإنسان في التمسك بأخلاق الإسلام، بر الوالدين، وصلة الأرحام، وحسن الخلق مع الجيران وغير ذلك، يجد فيها لذة، حتى قال بعضهم -يعني تقولون بر الوالدين صعب متعب-: والله اليوم الذي أخطئ فيه فأتكلم على والدي بكلمة لا تليق، هذا اليوم الذي يكون فيه تعب ومشقة وضيق وكرب، واليوم الذي أحسن لوالدي وأشعر أني قد أحسنت له وقدمت له ما يحتاجه، هذا اليوم يوم سعيد بالنسبة لي.
المقصود أيها الأحبة، توحيد الربوبية إذا استقر في نفس الإنسان، كان الإنسان متمسكاً بهذا الدين الإسلامي، ويجد في تمسكه بالإسلام الراحة النفسية، يجد فيه البهجه، يجد فيه السرور، يجد فيه الطمأنينة.
وهكذا أمر ثاني يا إخوان، إذا حقق الإنسان في نفسه توحيد الربوبية ما الذي يحصل له؟ إذا حقق توحيد الربوبية امتلا قلبه بالشجاعة، امتلا قلبه بالطمانينة؛ الموت بيد الله، الرزق بيد الله، الحياة بيد الله، فلما الخوف من المخلوقين؟
وهكذا أيضاً أيها الأحبة في الله، مما من آثار توحيد الربوبية في نفس الإنسان أنه يجعل القلب معلقاً بالله سبحانه وتعالى في جلب المنافع ودفع المضار.
جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله عظني وأوجز، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا قمت إلى صلاتك فصلِّ صلاة مودع، ولا تتكلم بكلام تعتذر منه غداً، واجمع اليأس مما في أيدي الناس»، واجمع اليأس أو الإياس -اجعل من صفاتك اليأس والإياس قطع الطمع عما في أيدي الناس من أموال أو مناصب أو جاه أو نحو ذلك- واجعل قلبك معلقاً بالله سبحانه وتعالى في جلب المنافع وفي دفع المضار.
هذا الإنسان الذي يكون قلبه معلقاً بالله سبحانه وتعالى في جلب المنافع ودفع المضار، هذا الإنسان يجد السعاده والراحة والبهجة.
وهكذا توحيد الربوبية يثمر ثمرات عظيمة في نفس الإنسان، ولذلك يا إخوان نحن بحاجة ماسة إلى تقويه هذا التوحيد في نفوسنا.
الإنسان الذي يكون يعلم أن كل ما يكون في هذا الكون هو بقضاء الله سبحانه وتعالى وقدره، ما يسكن شيء في هذا الكون إلا بإذن الله، ولا يتحرك شيء في هذا الكون إلا بإذن الله، فإن حصل له شيء من أمر هذا الكون؛ فقد عزيزاً، فقد حبيباً، فقد مالاً، فقد وظيفه، فقد منصباً، أصابته مصيبة من مصائب هذا الكون، علم أن هذه المصيبة هي من الله سبحانه وتعالى.
وتعالى يرجع فيها إلى الله جل جلاله، يعلم أن في هذه المصيبة تكثير لحسناته، أن في هذه المصيبة تكفير لسيئاته، أن في هذه المصيبة رفع لدرجاته، فلذلك هذا الإنسان يثبت على دين الله سبحانه وتعالى، ويعلم أنه قد تكون هذه المصيبة درسًا له حتى يتفادى الأخطاء التي ارتكبها في حياته وهكذا.
فالمقصود أن توحيد الربوبية متى استقر في نفس الإنسان، صلح قلبه واستقامت جوارحه، صلحت دنياه صلحت آخرته، كان هذا الإنسان فردًا نافعًا في مجتمعه بإذن الله إلى غير ذلك من الفضائل لثمرات توحيد الربوبية. إذا استقر هذا التوحيد وتكامل في نفس الإنسان، يكفيك أنه يجعلك عابدًا لله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، ومن عبد الله وحده لا شريك له أسعده الله عز وجل في الدارين.
أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يغفر ذنوبنا، وأن يستر عيوبنا، وأن يتجاوز عن خطيئاتنا. اللهم أصلح لنا ديننا الذي هو عصمة أمرنا، وأصلح لنا دنيانا التي فيها معاشنا، وأصلح لنا آخرتنا التي فيها معادنا. اللهم اجعل الحياة زيادة لنا في كل خير، واجعل الموت راحة لنا من كل شر. الدروس القادمة بمشيئة الله نتحدث فيها في موضوع قضية الإلحاد. استودعكم الله والى اللقاء في حلقة قادمة. مبارك على عبده ورسوله محمد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. أبو زيد مكي القبي