تسجيل الدخول

المحاضرة 10 - دلائل وجود الله تعالى (الإحكام والإتقان)

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.

أرحب بكم أيها الإخوة الكرام في الحلقة العاشرة من مادة العقيدة بأكاديمية زاد. في بداية الحلقة أود أن نأخذ مراجعة عن للحلقة الماضية. أيها الأحبه في الله، وصلنا في الحلقة الماضية إلى القول بأن الإيمان بوجود الله يقوم على أصلين اثنين: يقوم على الإيمان بوجوده، والإيمان بوحدانيته في ربوبيته، في ألوهيته، في أسماءه وصفاته.

في هذا المستوى من العقيدة سناخذ الإيمان بوجود الله وناخذ دلائل الربوبية، وإن شاء الله في مستويات أخرى نأخذ ما يتعلق بتوحيد الألوهيَّة وتوحيد الأسماء والصفات. الإيمان بوجود الله، تحدثنا في اللقاء الماضي أن هناك أنواعاً من الأدلة على وجود الله سبحانه وتعالى؛ منها: دليل الفطرة، دليل الخلق والإجاد، دليل الأحكام والإتقان، دليل التخصيص، دليل التقدير، دلائل النبوة، دليل مكارم الأخلاق.

في الحلقة الماضية أخذنا إشارة دليل الفطرة، وأخذنا كذلك دليل الخلق والإيجاد. سناخذ مراجعة سريعة لهذين الدليلين. قلنا: يراد بالفطرة أيها الأحبة الخلقة التي خلق الله عز وجل الإنسان عليها. الله سبحانه وتعالى خلقنا وزودنا في أصل خلقتنا وودنا بقوى علمية وقوى إرادية، بمجرد أن يميز الإنسان ويعقل تكون هذه القوة العلمية وهذه القوة الإرادية ظاهرة عنده.

هذه القوة العلمية والقوة الإرادية تفرض وتوجب عليه أشياء؛ تحكم هي من داخل نفسها، تحكم بهذه الأشياء؛ تحكم أن النصف والجزء أصغر من الكل، وتحكم بأن النار محرقه، وأن الشمس مشرقة، وتحكم بالليل والنهار، تحكم بهذه القضايا البديعة المشاعر، وأنه يريد ما فيه نفع ويخاف ما فيه ضرر. هذه قوى علمية وقوى إرادية خلق الله سبحانه وتعالى الإنسان وزوده بها.

بالنسبة لمعرفة الله سبحانه وتعالى وتوحيده (يعني قصده وحده بالعبادة)، هذه القوى العلمية والقوة الإرادية التي زوده بها هذه تسمى فطرة خلقة. هذه الفطرة وهذه القوة العلمية والقوة الإرادية تحكم بذاتها، تحكم بمعرفة الله، توجب على الإنسان أن يعرف أن هناك إلهاً خالقاً لهذا العالم، ولا يحتاج في اثبات وجود الخالق سبحانه وتعالى إلى نظر وإلى استدلال من خارج نفسه.

فالقوى العلمية التي عنده خلقه الله مزوداً بها توجب عليه وتفرض عليه وتحكم أن هذا الكون لابد له من خالق، وهنا تاتي الإرادة: محبوب يجب قصده وحده بالشكر على الخلق وعلى الأنعام. هذا المقصود بالمعرفة الفطرية، هذا هو الأصل ما لم يكن هناك معوق تعوق بين هذا الأصل؛ يعني كان هناك تدخل من الخارج في تغيير هذه القوى العلمية وهذه القوى الإرادية بحيث (يعني) تتوجه إلى غير وجهتها الصحيحة، فيحدث في التوحيد الشرك.

فهذه أمور طارئة؛ طارئة من البيئة من الخارج، أما في داخل نفس الإنسان فهذه القوة العلمية وهذه القوة الإرادية توجب معرفة الله وتوجب توحيده. فإذا قال لك شخص: يعني ما المراد بدليل الفطرة؟ أن تقول: دليل الفطرة تقول الفطرة؛ يعني أنا عندي دليل من داخل نفسي من الخلقة التي خلقني الله سبحانه وتعالى عليها وزودني بهذه القوة العلمية وهذه القوى الإرادية، هذا دليل الفطرة يوجب الإقرار بوجود الله ووحدانيته.

كيف تستدل بدليل الفطرة؟ تقول: إن الإقرار بوجود الله سبحانه وتعالى وأن هذا الإله الخالق لهذا الكون محبوب وأنه يجب قصده وحده بالعباده، هذه الأمور مفروضة على ذهني فرْضاً لكونها نابعة من داخل نفسي؛ قوة علمية وقوة إرادية في قرارة نفسه. هذا الإقرار بوجود الله ووحدانيته أمر مفروض على ذهني فرضاً بحيث لا أحتاد فيه إلى استدلال ولا إلى نظر، ولذلك لا يمكن أن يدفع الإنسان عن نفسه هذه الفطرة؛ لا سيما عندما يرى (يعني) ويتأمل في إبداع الله سبحانه وتعالى في خلقه، لا يملك أن يقول إلا سبحان الله، إذا ألمت به مصيبة تبدأ هذه الفطرة تتجلى ويرجع إلى الله سبحانه وتعالى، وهكذا.

ثم ذكرنا يا إخوان في الحلقة الماضية أن هناك من يفسر: كل مولود يولد على الفطرة، يفسر الفطرة هي القابلية وليس الإسلام. وهذا تفسير خاطئ؛ هذا تفسير خاطئ لأنه يصبح (يعني) لا معنى لعدم ذكر الإسلام ضمن الديانات التي يقبلها الإنسان: اليهودية، النصرانية: فيهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه. فلما لم يذكر الإسلام كان له معنىً فاخراً، الإسلام من هذه الديانات لا معنى له إذا كان مقصود القابلية فهو قابل للجميع.

وأيضاً هناك من قال: إنها موافقة القدر السابق. أيضاً هذا معنى خاطئ؛ لأنه ورد في الحديث: «كل مولود يولد على هذه الملة، واني خلقت عبادي حنفاء». فالمقصود ليس هو هذا، إنما المقصود بالفطرة الإسلام؛ لا القابلية ولا موافقة القدر السابق.

أيضاً بعض الناس يعترض عندما نفسر الفطرة بأنها الإسلام والإقرار بوجود الله ووحدانيته، يقول: هذه إعانة. فإذا كانت إعانة من الله لا يصح الثواب! نقول: هذا فهم خاطئ وامر عجيب من بعض الناس؛ يعني هل هو يظن أن هناك أشياء هو فعلها من تلقاء نفسه دون أن يعينه الله سبحانه وتعالى عليها عياذاً بالله؟

فنحن نعتقد أن الله سبحانه وتعالى يعين العبد على أعماله الاختيارية: إعانة قبل الفعل، وإعانة مع الفعل. أما الإعانة التي قبل الفعل فقلنا: يزود الله سبحانه وتعالى الإنسان بالقدرة والإرادة وبحوافز التي بها يعمل الأشياء؛ هذه يزودها الله سبحانه وتعالى بها. ومع الفعل إن كان في طريق الخير فان الله سبحانه وتعالى يشرح صدره، ويقوي عزمه، ويوضاعف أسبابه المادية أضعاف ما هي عليه في الواقع حتى يكون منه هذا الفعل؛ هذا عون من الله سبحانه وتعالى.

ولذلك يا إخوان نحن نستفيد من دليل الفطرة أن نقول: إن الإقرار بوجود الله ومعرفة الله سبحانه وتعالى أمر فطري، لذلك ليس هذا هو أول واجب على العبد، لأن هذا فطري. أول واجب على المكلف أن يقوم به هو النطق بالشهادتين؛ أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. كان قد نطق بالشهادتين، يصلي، فان كان من المصلين يصوم، وهكذا (يعني) يبدا التدرج. لكن أول واجب على المكلف ليس هو الإقرار بوجود الله؛ لأن الإقرار بوجود الله فطري، إنما أول واجب على المكلف أن ينطق بالشهادتين، وغير ذلك من المسائل التي تذكرنا.

ثم انتقلنا إلى دليل آخر وهو دليل الخلق والإيجاد، وقلنا: ما المراد بهذا الدليل؟ تقول: كل مخلوق من مخلوقات هو دليل على وجود الله. فهذا النوع عدد أفراده، عدد أحاد هذا الدليل بعدد مخلوقات الله سبحانه وتعالى؛ كل مخلوق بمجرد أن تراه تستدل من خلاله على وجود الله سبحانه وتعالى. لذلك قال الله عز وجل: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2].

والعالم مثل الخاتم؛ فكما أن الخاتم ما يختم به، فكذلك العالم سمي بهذا الاسم لأنه علم وبرهان على الخالق سبحانه وتعالى. فالعالم ما يعلم به، كالخاتم ما يختم به. فجعل كل صنف من المخلوقات عالم، بمعنى: دليل على وجود الله سبحانه وتعالى.

كيف تستدل بدليل الخلق؟ ترتبه؛ تقول: واحد: العالم مخلوق. سيقول: ما الدليل؟ هنا المناقشة: العالم مخلوق. العالم بشمسه، وقمره، ونجومه مخلوق. ما الدليل؟ الدليل تقول: المشاهده أو الضرورة الحسية. طبعا يا إخوان هنا الضرورة الحسية مهمة أن نستدل بها. الدليل يطلب لشيء لا يشاهد ولا يحس (يعني الأمور العقلية هنا نحتاج فيها إلى أدلة مشاهدة). الدليل مشاهدة الدليل، هذا الملموس؛ فهذه المشاهده وهذا الحس هذه أدلة أيضاً.

فنحن نرى أن الإنسان كان معدوماً ثم وجد، ثم بعد وجوده عدم. وكل ما كان بعد وجوده يعدم. قد يقول الإنسان: بعض الأشياء ما رايناها أنها كانت معدومة، ما رايناها إلا وهي موجودة! لكن نقول: علامات.

إنها تعدم موجود ولا لا؟ نعم موجود؛ فهذه تعدم. هذه الأشياء إذاً هذا مخلوق، العالم مخلوق والدليل المشاهدة.

طيب، الأشياء التي ما شاهدناها نقيسها على الأشياء التي شاهدناها؛ فنأتي إلى جزء من السماء نركز النظر عليه، وجدنا أشياء ما كانت موجودة ثم وجدت، أو أشياء موجودة ثم تُعدم بعد وجودها، إذاً هذه مخلوقة وكل السماء كذلك، فنقيس ما غاب عنا على ما شاهدناه، إذاً هذا العالم كله مخلوق.

ثم ننتقل إلى شيء، إذاً ما دليل حسية؟ ننتقل بعد ذلك إلى شيء آخر، كل مخلوق لابد له من خالق، كل مخلوق لابد له من خالق. سيقول: ما الدليل على ذلك كل مخلوق لابد له من خالق؟ تقول: ضرورة عقلية، ضرورة عقلية. نحن لابد أن نحتكم مع الذي نحاور أو ندلل له إلى هذه الضرورات، هذه الأشياء يعني هذه الضربة لابد لها من ضارب، هذه ضرورة.

أجروا هذه التجربة: الطفل تعال أصفع من الخلف، ضرب من الخلف يلتفت سيقول: من ضرب؟ لو قلت له إن هذه صفحة تكونت في الهواء ونزلت عليك هل يقبل ذلك؟ لا يقبل ذلك البتة، ويعتبرك أنت مجنون. لو مررنا بصحراء فارغة تماماً وبعد عشر سنوات نعود لنفس الصحراء وإذا بها أصبح فيها مباني ومساكن وطرق وأشجار وأشياء عجيبة، هل يمكن أن يأتي شخص ويجادل ويقول هذه بنت نفسها بنفسها؟ لا، لا يمكن؛ لكون هذه ما كانت موجودة ثم وجدت، لابد لها من موجد، فهذا المخلوق لابد له من خالق، المخلوق لابد له من خالق هذه ضرورة عقلية.

طيب، العالم مخلوق والمخلوق لابد له من خالق، إذاً العالم لابد له من خالق، من سلم بواحد سلم باثنين يلزمه التسليم بالنتيجة أن العالم لابد له من خالق. ننتقل بعد ذلك، انتقلنا في اللقاء الماضي إلى البحث من هذا الخالق؟ فمن قال من غير خالق يعني العدم، العدم هو الخالق، هذا مستحيل لكون العدم غير موجود، فكيف يوجد غيره وهو لا يستطيع إيجاد نفسه؟ استحالة وجود مخلوق من غير موجد هذه ضرورة عقلية مثل استحالة وجود مدينة من غير ناس يقومون ببناء تلك المدينة وصنعها وهكذا.

إذاً من غير خالق هذا مستحيل، ثم تناقشنا في قضية أن يكون الخالق هي الأشياء نفسها بنفسها هي التي خلقت هذا العالم.

﴿فَقَصَصۡتُ ٱلۡقَصَصَ لَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [طه: 40].

وقد خلت من قبلكم سنن، فسيروا في الأرض فانظروا كيف كان عاقبة المكذبين. التاريخ مخزن العبر ومعلم الأمم، فيه أخبار السابقين الأول وأسباب التمكين وزوال الدول. من اعتبار بدروسه نجا، ومن تعامى عن حوادثه هوى. وقد عني القرآن بذكر الكثير من القصص والتنويع في أحداثها لتوجيه الأنظار إلى الاعتبار بأحوال الأمم في كفرهم وإيمانهم وشقاوتهم وسعادتهم، فلا شيء يهدي الإنسان كالمثل والوقائع. قال تعالى: ﴿فقصص القصص لعلهم يتفكرون﴾، ومن هنا ينجلي للعاقل أهمية العلم بالتاريخ وعلو شأنه. فإذا نظر الإنسان إلى أحوال الأمم السالفة وأسباب قوتهم وضعفهم وعزهم وذلهم حمله ذلك على حسن الأسوة والاقتداء بأسباب السعادة والتمكين، واجتناب ما كان من أسباب الشقاوة والهلاك والتدمير.

وإن التحولات في أحوال الأمم من رخاء إلى شدة ومن شدة إلى رخاء إنما هو من جراء أعمال العباد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا۟ مَا بِأَنفُسِهِمۡ﴾ [الرعد: 11].

فمن فوائد وثمرات دراسة التاريخ: الإحاطة بالتطبيق العملي للإسلام وذلك من خلال السيرة النبوية، العلم بأن الأمة مكلفة بهدف عظيم وهو عمارة الأرض بمنهج الله تعالى، العلم بأعداء الأمة والعلم بطبيعة الصراع بين الحق والباطل، فهم الحاضر لأن الحاضر جزء من الماضي فمن لم يعتبر بماضيه لن ينتفع بحاضره، إدراك سنن الله تعالى في هذا الكون وأنها لا تحابي أحداً، قال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ ۚ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا ۖ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾ [فاطر: 43].

حياكم الله أيها الأحبة الكرام، وقفنا عند قولهم إن الخالق هو الطبيعة، ماذا يقصدون بالطبيعة؟ يقصدون هذه العناصر هي خلقت نفسها بنفسها، فيقولون مثلاً: هناك قوانين وأسباب هي التي يعني جعلت مثلاً الماء، التراب، الهواء، العناصر هذه كانت دائمة الحركة، كانت دائمة الحركة ثم اصطدمت بعضها البعض ثم كونت هذا العالم، أو أن هذا الماء هو الذي كون خلية الحيوان وحيد الخلية الأنيبة من الذي خلقه؟ وهكذا الطبيعة القوانين التي في الأشياء.

وهذه تحدثنا عنها في المحاضره الماضية بما يعني فيه الكفاية، وقلنا إن هذه إجابة بكيف عند الأشياء الصحيحة ليست عن من، هذه إجابة عن كيف وليست عن من. وضربنا مثل الذي كان يعيش في الصحراء وليس له وسيلة للوصول إلى الماء إلا البئر عن طريق الدلو، ثم جاء إلى المدينة فوجد الماء ينبع من الجدران عن طريق الحنفيات هذه، ثم بحث فوجد أن الماء متصل بالبحر فصاح صيحة وقال: عرفت من أحضر الماء داخل منزل المواسير! نقول: هذه الكيفية، هؤلاء الذين يقولون الطبيعة هم يتحدثون عن كيفية بعض الأشياء التي صح كلامهم فيها، الأشياء المحسوسة التجريبية هم يتحدثون عنها ويكون كلامهم صحيح، نقول: هذه أنتم تتحدثون عن كيفية وجود هذه الأشياء.

أيها الأحبة في الله، المادة التي يزعمون أن هي التي كونت هذا الخلق بأكمله ويقولون هذه المادة كانت دائمة الحركة، وبسبب حركتها الدائمة اصطدمت هذه المادة الميتة التي يعيدون الخلق إليها وأن هي الخالق، ميتة! وهذا الميت لا يمكن أن تصدر عنه هذه الحياة التي ترونها في كل ذرة من ذرات الكون، هذه المادة التي يزعمون أن هي أصل العالم هي غير عاقلة ولا مدركة لما حولها، هذه العناصر فهي بالإضافة إلى موتها غير عاقلة ولا مدركة فكيف يمكن أن يوجد منها ما هو عاقل ومدرك؟ هذه المادة التي ينسبون الخلق إليها غير قادرة وليس لها إرادة، فكيف يمكن أن توجد ما هو قادر مريد؟ ففاقد الشيء لا يعطيه. هذه المادة التي زعموا أنها أزلية لا يمكن أن تكون وجدت من لا شيء، هذا مستحيل معلوم بطلانه بداهة العقول. هذه الحركة التي يزعمن أن هذه المواد العناصر ضرب بعضها مع بعض ثم خلقت هذا العالم، هذه الحركة غير العاقلة لا يمكن أن يوجد عنها هذا الكون المنظم، لا يمكن أن يوجد عنها هذا الكون المنظم.

أريد فقط هنا أن أنبه إلى شيء: هؤلاء علماء الطب، علماء الأحياء، علماء الفيزياء، علماء الجيولوجيا، علماء الكيمياء، هؤلاء العلماء الذين يشتغلون بالعلم الطبيعي المتعلق بالطبيعة الكون، هؤلاء فيما هو تحت أيديهم من حس وتجربة، ما هو خاضع للتجربة خاضع للحس والحسابات يصيبون في الكثير، لكنهم عندما ينتقالون من مجال الحس والتجربه إلى مجال الفلسفة كما يعني يسمونه، عندما ينتقلون إلى ما وراء الطبيعة، عندما يتكلمون عن الخالق سبحانه وتعالى عن نشأة هنا الآن ليس حس ولا تجربه. انتبهوا لهذه القضية؛ لأن بعض الناس يظن أن الفيزيائيين، أن الكيميائيين، أن المتخصصين في الأحياء في الطب، لكونهم يتعاملون الحس والتجربة، عندما يتفلسفون ويذكرون الكلام عن الكون وعن خلق الإنسان وعن الأشياء هذه أنهم أيضا كلامهم تابع الحس والتجربة، هذا هذا فهم خاطئ، إنما هم الآن يعودون لأمور لفلسفة أرسطو، فلسفة ما قبل أرسطو، فلسفة ما بعد أرسطو، هم يرجعون للفلسفة اليونانية. فهؤلاء الذين يقولون أصل هذا العالم عناصر كانت يعني تتحرك ثم اصطدمت هذه، فلسفة ما قبل أرسطو فلسفة طاليس، هذه الفلسفة تحدثنا عنها إشارة المرة الماضي، هذه الفلسفة يعود إليها الملاحدة في عصرنا الحاضر، فلننتبه لهذا الأمر أيها الأحبة في الله.

إذاً القول بأن العالم خلق نفسه بنفسه، القول بالطبيعة، هذا كلام باطل. طيب، أن يكون مخلوق خلق مخلوق، هذا طالما قلنا مخلوق إذاً هذا الأمر باطل؛ لأن هذا المخلوق لابد أن يكون له خالق، طب هذا الخالق مخلوق، هذا المخلوق لابد له من خالق، مخلوق، فالتسلسل في الفاعلين هذا أمر مستحيل وباطل. الكون إما أن يكون قديم وإما أن يكون محدث، والمحدث لابد له من قديم. هنا إذا أصبح الإنسان يريد أن يعرف مثلاً، وصلنا إلى الله سبحانه وتعالى فقال: طيب من خلق الله؟ نقول:

هنا ما هو علاجه؟ هنا علاجه أن يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم؛ لأن هذه وسوسة. لأنه لابد أن يكون هناك خالق، هذا الخالق ليس له خالق، هذا الخالق سبحانه وتعالى ليس له، هو الأول الذي ليس قبله شيء، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء، فما بقي عندنا من الخيارات إلا أن يكون خالق هذا العالم مخالفاً له في ذاته وفي وجوده وفي أسمائه وصفاته؛ فذاته لم تسبق بعدم ولا يلحقها فناء.

ووجوده، فذاته سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، ووجوده لم يسبق بعدم ولا يلحقه فناء سبحانه وتعالى، وهذا هو الله جل جلاله. هذا ما يتعلق بدليل الخلق اليوم بمشيئة الله، ننتقل إلى دليل الأحكام والإتقان.

دليل الأحكام والإتقان وهذا النوع الثالث من أدلة وجود الله. دليل الخلق والإيجاد نظرنا إلى المخلوق في وجوده فقلنا: كل مخلوق يدل على وجود الله. دليل الأحكام والإتقان لا أن ننظر في ذات المخلوق، وننظر أن هذا المخلوق مصنوع مخلوق وفيه دلائل على أحكامه وإتقانه. نرى في كل ذرة، في كل جزء من أجزاء هذا المخلوق، ما يوحي لنا بالأحكام والإتقان في هذا المخلوق. هذا الأحكام وهذا الإتقان الموجود في مخلوقات الله سبحانه وتعالى تدل على أنه لابد لها من محكم، متقن، حكيم، قدير، صانع، وهو الله سبحانه وتعالى.

ناخذ فاصل بمشيئة الله ثم نعود إليكم. هل أنت حريص على رأس مالك؟ هل تحافظ عليه من الضياع؟ فرأس مالك الحقيقي هو الوقت. قال الحسن البصري: يا ابن آدم، إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك. ومن أهمية الوقت أقسم الله به في كتابه فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تجَلَّى﴾ [الليل: 1-2]. وسوف نسأل عن الوقت يوم القيامة، قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسال عن عمره فيم أفناه».

وإذا أراد الله بالعبد خيراً أعانه بالوقت، وإذا أراد به شرا جعل وقته عليه. وفي سيرة السلف أروع الأمثلة على استغلال الوقت، فقد كان داود الطائي يستف الفتيت ويقول: بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية. وقال ابن القيم: أعرف من أصابه مرض وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة قرأ فيه، فإذا غلب وضعه.

ومن آداب الطالب ألا يسوف في تحصيل فائدة؛ لأن للتاخير آفات، ولأنه في الزمن الثاني يحصل غيرها. ومن المحافظة على الوقت البعد عن البطالين الذين يقضون أعمارهم في المسامرات. فلا تكن ممن لا يشكرون نعمة الوقت، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ».

حياكم الله أيها الإخوة الكرام، وقفنا عند دليل الأحكام والإتقان. وهذا النوع الثالث من أدلة وجود الله. دليل الأحكام والإتقان يقوم على مقدمتين اثنتين: المقدمة الأولى أن كل مخلوق من مخلوقات الله سبحانه وتعالى نرى فيه آثار أحكام وإتقان، يعني في صنعه، في خلقه مظاهر الأحكام والإتقان مشاهدة. إذاً، ما الدليل على وجود الأحكام والإتقان في أي مخلوق من مخلوقات الله؟ نقول: الدليل المشاهدة الإدراك الحسي.

المقدمة الثانية أن الأحكام والإتقان المدرك حساً لا يمكن أن يكون من غير سبب. هذا الأحكام وهذا الإتقان موجود في مخلوقات الله لا يمكن أن يكون من غير سبب، أو يوجد لها لذاته هي هي بذاته، مثلاً هذه اليد هي التي أوجدت هذا الأحكام والإتقان فيها؟ لا يمكن. لا يمكن يكون من غير سبب ولا يمكن أن يكون لذاته هذا ضرورة عقل.

إذاً، النتيجة أنه يوجد خالق عليم حكيم خلق هذه المخلوقات بهذا الأحكام والإتقان وهو الله سبحانه وتعالى، وهذا هو المطلوب إثباته. قال الله عز وجل: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾ [السجدة: 7]، أحسن يعني أتقن كل شيء خلقه. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: 88]. إذاً، الإحسان والإتقان ظاهر في كل مخلوق من مخلوقات الله سبحانه وتعالى.

تعال نتأمل في بعض الأشياء، لا علاقة لنا الآن بالطب والأحياء لأشياء، إنما الأشياء البديهية المعروفة. تعال إلى خلق العينين، أين وجود العينين؟ توجد في أعلى الرأس. ثم انظر ما هي الحماية التي جعلها الله سبحانه وتعالى للعين، داخلة في مغاره في كذا بحيث أي ضربة يكون هناك متسع، لا تصيب العين مباشرة. طيب، هل هذا الآن فيه أحكام وإتقان أم لا؟ فيه أحكام وإتقان.

بالله عليكم، لو كانت العين في البطن أو كانت في الرجل أو كانت في الركبة، كيف سيكون الإنسان؟ كيف، واضح أنه لا يكون أحكام إتقان، لكن يكون بهذا المكان ثم تحمى بالأجفان وتزين بالحواجب والرموش، هذا شيء عجيب. انظر الأذنين، أين مكانهما؟ أحكام وإتقان يا إخوان، ما وضعت في مكان هكذا، ما في أذن تاتي مثلاً في رأس الإنسان هنا وأذن في الخلف، لا جاية في الجانبين الإنسان.

ثم لو تتامل فيها، انظر إلى الصوان هذا اللي في الاذن، تجد لو جاء الصوت إلى الاذن يمر بمراحل حتى يصل إلى الاذن. خلق الأذن أيضاً بأحكام وإتقان. تأمل في خلق الفم ووضع الشفتين لتغلق على الأسنان. بالله عليكم، تخيلوا لو كان الإنسان من غير شفتين وأكل الطعام ويخرج بين الناس بالأسنان، منظر عجيب. هذا وضع الفم بهذا الشكل هذا أحكام وإتقان، ما فيه من أسنان، ما من لسان.

انظر إلى خلق اليدين، يعني شوف الأربع الأصابع، شوف الإبهام. ثم حتى في كل جزء تنظر إليه تجد فيه آثار أحكام وإتقان، حتى تستطيع القبض على الأشياء. كنا مرة نتحدث ومنا أخ ميكانيكي يسمع فقال: هذه اليدين عدة كاملة. إيش عدة؟ قال: عندك مقاس ثمانية، مقاس عشرة، مقاس اثني عشر، أو بهذه مقاس 8، 10، 12، 14، قال: عدة كاملة وتتحكم فيهم، يعني شيء عجيب أحكام وإتقان يا إخوان في خلق اليدين.

تأمل في خلق الجمل، يعني امور ما تحتاج إلى أن تكون أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت؟ جعل لها سنام، السنام هذا يستطيع الجمل أن يخزن فيه الماء والطعام حتى يساعده في هذه أحكام وإتقان خلقه الجمل. ثم يجعل للجمل خف، هذا الخف هو الذي يساعده على السير في الصحراء. بالله عليكم، لو كان بدل الخف حافر وجاء في الصحراء الجمل بجسم هذا الكبير سيغوص في الصحراء؟

انظر إلى خلق الماعز وجعل له حافر وما جعل له خف، أحكام وإتقان يا إخوان. تأمل في خلق الطيور، تأمل في خلق النحل، تأمل في خلق الأسماك، تأمل في خلق الحيوانات البحرية، يعني أنت تنزه لا مانع من ذلك تتمشى، وأنت تتمشى انظر في هذه المخلوقات سترى فيها آثار الإبداع، آثار الإتقان، آثار الأحكام، آثار الإحسان.

قال: ﴿فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ [طه: 49-50]، أعطاه خلقته المناسبة له بأحكام وإتقان ثم هداه لاستخدام خلقته المدة التي أرادها الله سبحانه وتعالى له.

أيها الأحبة في الله، الأحكام والإتقان يظهر في مخلوقات الله عامة. الشمس لو كانت أقرب قليلاً عما هي عليه الآن، هل تعرفون ما الذي سيحصل؟ لا نستطيع أن نعيش على الأرض وفسدت الحياة. وكانت الشمس أبعد قليلاً عما هي عليها الآن لتجمدت البحار وما استطعنا أن نعيش على الأرض.

القمر لو كان أقرب قليلاً عما هو عليه الآن لحدث فيضانات وما استطاع الناس يعيش، ما كان في يابسة. والقمر لو كان أبعد قليلاً عما هو عليه الآن لحدث الجزر وماتت الكائنات البحرية. وهكذا، نسبة الأكسجين لو زادت قليلاً عما هي عليه الآن، لا بمجرد أن تشعل الثقاب يحدث احتراق. لو قلت نسبة الأكسجين عما هي عليه الآن ما استطعنا التنفس.

هل هذه الأمور كلها صدفة؟ لا. إذاً، هذا الأحكام، هذا الإتقان في مخلوقات الله سبحانه وتعالى يدل على أن وراءه لا يمكن أن يكون من غير سبب، ولا يمكن أن يكون لذاتها، لابد أن يكون وراءهم حكيم، متقن، مبدع، وهو الله سبحانه وتعالى. هذا يسمى دليل الأحكام والإتقان.

من دليل الأحكام والإتقان، ويمكن نجعله دليل منفصل، وهو دليل التخصيص. التخصيص هو نوع من الأحكام والإتقان، لكن يخص الله سبحانه وتعالى العضو بهيئة معينة تخالف

العضو الآخر، هذا التخصيص يدل على أنه لابد أن يكون هناك من عرف خصائصه فخص بها، لا بد أن يكون وراءه مخصص، لا يمكن يكون من غير سبب، ولا يمكن يكون لذاتها. التخصيص نقصد به أن يخصه بهيئة معينة بمقدار معين بكيفية معينة، فهذا يسمى دليل التخصيص. كيف نصوغ دليل التخصيص؟ نصوغ دليل التخصيص وفق المقدمتين التاليتين: المقدمة الأولى نقول: يوجد خواص مميزة لكل مخلوق من مخلوقات الله، هذا المخلوق له هيئة مخصوصة، بحيث هنا انتبهوا لو كان لو كان على خلاف هذه الهيئة لما كان يؤدي الغرض ولكان لتعطل عن الحياة.

لكونه مخصوص بهذه يعني يمكن أن يكون على غير هذه الصفة، هو على هذه الصفة ويمكن أن يكون على غيرها، لو كان على غيرها لكان معطلا لكان فاسدا لكان كذا وكان كذا، إذا وضعه على هذه الصفة بهذه الصفة بهذه الهيئة لابد أن يكون هذا التخصيص لا يمكن أن يكون من غير سبب، ولا يمكن أن يكون لذاته هو خصص نفسه بذاته وهذه ضرورة عقليا. إذا ماذا بقي؟ أن يكون هناك خالق عليم حكيم خلق المخلوقات بهذه الخواص ليتحقق في الكون النظام وينتفي عنه الاضطراب والتناقض، وهو الله سبحانه وتعالى، وهذا المطلوب اثباته.

نصوغ يعني دليل التخصيص بصيغة أخرى نقول بالمشاهدة: نشاهد أن كل مخلوق قد خصه الله بشكل وهيئة ومقادير محددة. هذه بالمشاهدة كل شيء سواء في الإنسان، سواء في الحيوان، سواء في في أي مخلوق من مخلوقات الله، ننظر فنجد أنه قد خص بشكل وهيئة ومقادير محدده بها يظهر التفاوت بينها وبين مخلوق آخر، وكذلك أعضاء المخلوق الواحد قد خص كلا منها بوظيفة وهيئة مختلفة عن بقية الأعضاء.

انتهينا، هذه المشاهدة يجوز عقلا أن يكون ذلك المخلوق أو العضو على خلاف الصورة التي هو عليها الآن، لكنه لا يمكن لو كان على خلاف تلك الصورة لكان فاسدا، لكان لم يكن يؤدي الوظيفة التي تناط به، إذا تخصيص المخلوق أو العضو بصورته التي هو عليها الآن يحتاج إلى مخصص، هذا المخصص لا يمكن أن يكون جامدا لا حياة فيه، أو جاهلا لا يعلم ويعقل، هذه ضرورة عقلية، فلا بد أن يكون المخصص عليما حكيما، علم خصوص الأشياء وما يصلح لكل منها، فصورها وفق علمه وحكمته على هذه الأوجه المخصوصة المتقنة، وهذا هو الله سبحانه وتعالى.

تعالوا مثلا نأخذ قول الله سبحانه وتعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ * أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ﴾ [الواقعة: 63-64]، يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿لَوْ نَشَاء لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ﴾ [الواقعة: 65]، يعني خلقناه على غير الصورة التي أنتم عليها ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ * إِنَّا لَمُغْرَمُونَ * بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاء الَّذِي تَشْرَبُونَ * أَأَنتُمْ أَنزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنزِلُونَ * لَوْ نَشَاء جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ * أَفَرَأَيْتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ * أَأَنتُمْ أَنشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنشِئُونَ * نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِّلمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: 65-73]. هذه خصائص الماء، النار، الزراعة، الأشياء، المني قبلها الآية التي قبلها: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [الواقعة: 62].

هذه الأمور هذه الخصائص التي خص الله عز وجل بهذه المخلوقات فجعلها بهذه الهيئة بهذه الكيفية لتؤدي الغرض منها، يمكن أن تكون على غير هذه الصفة، لو كانت على غيرها الصفة لما أدت المطلوب، فجعلها بهذه الصفة لا يمكن أن يكون من غير سبب ولا يمكن أن يكون لذاتها ولا يمكن أن يكون الفاعل جاهل، لا يمكن أن يكون الفاعل ميت جامد، لابد أن يكون الفاعل لها عليم حي قادر سميع بصير حكيم متقن، وهذا هو الله سبحانه وتعالى.

تعالوا ناخذ أمثلة على دليل التخصيص: مثال مثل العين، ماء العين، خذ دمعة من دمعاتك ثم تذوقها ما طعمها؟ مالح، تعال لماء الفم هذا اللعاب ما طعمه؟ عذب، تعال إلى ماء الأذن ما طعمه؟ مر. آه، هنا تخصيص يا إخوان، بالله عليكم لو كان ماء الأذن عذب، لو كان ماء الأذن عذب يعني وطعامه حلو ونام الانسان ما الذي سيحدث؟ يأتي النمل ويدخل، لكنه مر، وليس هذا مر فحسب بل مر وينبعث منه يعني رائحة، هذه الرائحة طاردة للحشرات، رائحة طاردة للحشرات.

إذا هذا، هل يعني هذا التخصيص للأذن بماء يكون مرا ويكون له رائحة من شأنها أنها تطرد الحشرات هكذا من غير مخصص؟ لا، هذا لازم مخصص، وهذا المخصص عليم حكيم يعرف طبع الأشياء ويعرف صفات الأشياء. طيب ماء العين؟ طيب لماذا ما كان ماء العين يعني عذب؟ لأن العين لها شحمة، هذه الشحمة لو كان الماء الذي يعني حولها عذب كان يسهل التعفن، لكن لما كان مالح هذا ماء العين مالح إذا هذه الملوحة تحفظ هذه الشحمة أن تذوب أو تتعفن.

مثل ماء البحر، ماء البحر لماذا كان مالحا؟ له سبب، حكمه، سببه سبوخة أرضه وملوحتها هي توجب ملوحة مائه. طيب ما الفائدة من ملوحة ماء البحر؟ تمنع نتن الماء بما يموت فيها من الحيتان العظيمة، لو كان كل الحوت يموت وكان الماء عذب لفسد الماء، لكن لما كان الماء مالحا يتحمل هذه الحيتان العظيمة التي تفسد فيه، فلولا ملوحة مائه لانتن، ولو أنتن لفسد الهواء لملاقاته له، فهلك الناس بفسادهم. أحيانا يقع قتل، قتل خلق كثير في الأرض، ما الذي يحدث؟ يفسد الهواء حتى يموت بسبب ذلك خلق كثير.

ماء الأذن مر ليمنع دخول الهوام إلى الأذن، وماء الفم عذب ليطيب به ما يأكلون، فلو جعل الله ماء الفم مرا لفسد الطعام على آكله، ولو جعل ماء الأذن عذبا لدخل الذباب في الدماغ، ونظائر هذا كثير، هذا يسمى دليل التخصيص.

أيضا يا إخوان، لو جعل، هذه تحدثنا عنها، لو جعل العينين في القدمين، لو جعل الوجه خشنا غليظا كالقُدْس، أتحقق المصلحة إلا لو كانت القدمين يعني ناعمة جدا وهكذا هل يستطيع الإنسان أن يمشي عليها؟ فجعل الرجل خشنة تصبر على ما تلاقيه التراب وغيره، وجعل العين في أعلى البدن في مقدمة مقدمة ليرى بها ما أمامه فيدرك أين يمشي، وهكذا. فالمقصود يا إخوان، هذا دليل التخصيص نقول: إننا وجدنا في مخلوقات الله أن الله قد خصه بهيئة معينة قد جعلها على صفة معينة، هذا التخصيص لا يمكن يكون من غير سبب أو لها لذاتها، فلا بد أن يكون هناك مخصص، هذا المخصص يعلم خصائص الأشياء وطبائعها.

ننتقل يا إخوان أيضا إلى دليل نسميه دليل التتقدير. دليل التقدير، ما المراد به؟ تقدير الله للأشياء على وجهين: الوجه الأول: أعطاؤه القدرة على ما أقدرها عليها، أعطاؤها، إعطاء الأشياء القدرة على ما أقدرها عليه هذا معنى. المعنى الثاني: جعلها على مقدار مخصوص ووجه مخصوص بدون زيادة أو نقصان وفق حكمته، هذا الذي نريده هنا. إعطاه القدرة يعني أعطاك الإنسان، أعطانا الله سبحانه وتعالى القدرة على فعل الأشياء التي يعني أرادنا الله سبحانه وتعالى أن نقدر عليها، هذا ليس هو دليل التقدير هنا، إنما جعلوا الأشياء على مقدار مخصوص ووجه مخصوص بدون زيادة نقصان، هذا يكون وفق حكمته، هذا دليل التقدير هو داخل في التخصيص وبالتالي هو داخل من باب أولى في الأحكام والإتقان، لكن نذكره أيضا ليعني أهميتهم.

ما المراد بدليل التقدير؟ الاستدلال المراد به: الاستدلال بما نراه في النفس وفي الآفاق من التقدير المشاهد فيها على وجود الله سبحانه وتعالى. كيف نستدل به؟ نقول نضع مقدمتين: المقدمة الأولى: أنه يوجد مظاهر التتقدير بدون زيادة أو نقصان في أي مخلوق من المخلوقات، ثم نقول: إن هذا التقدير المتقن المحكم المدرك حسا لا يمكن أن يكون من غير سبب أي يوجد لها لذاتها، فالنتيجة أنه يوجد خالق عليم حكيم يعلم، خلق هذه المخلوقات بهذا التقدير المحكم المتقن وهو الله سبحانه وتعالى.

نقف عند هذا الحد، وبإذن الله في الحلقة القادمة نعود مرة أخرى لدليل التقدير ونبدأ به، ونتم إن شاء الله في الحلقة القادمة أنواع أدلة وجود الله سبحانه وتعالى، وإلى حلقة قادمة استودعكم الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

ينبوعها صافي صافي ليروي غله الضمان. هذه عقيدتنا الصحيحة، فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهان. بشرى نازه، أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.