السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعلْه حجة علينا يا رب العالمين.
أيها الإخوة الكرام، أرحب بكم في الحلقة الحادية عشرة من حلقات مادة العقيدة بأكاديمية زاد. أيها الأحبة في الله، أخذنا أدلة وجود الله وقلنا هي أنواع؛ فأخذنا النوع الأول وهو دليل الفطرة، وأخذنا النوع الثاني وهو دليل الخلق والإيجاد، وأخذنا النوع الثالث وهو الأحكام والإتقان، والنوع الرابع وهو دليل التخصيص. قلنا هذا فصلناه وإن كان هو يدخل في الأحكام والإتقان لكن فصلناه لضرورته.
وأيضاً هناك دليل أخذناه وهو دليل التقدير، والتقدير هو نوع من التخصيص، وكلاهما التخصيص والتقدير داخل في الأحكام والإتقان، لكن نذكر ذلك لكونه نوعاً ظاهراً بينّاً في كل مخلوق من مخلوقات الله سبحانه وتعالى. قلنا في نهاية الحلقة الماضية أن تقدير الله تعالى الأشياء على وجهين: الوجه الأول تقديرها بمعنى إعطاؤها القدرة، تقدير الأشياء تقدير الله الأشياء يعني أعطاها القدرة على أن تقوم بالشيء الذي أراد الله سبحانه وتعالى أن تقوم به. وتقدير آخر الوجه الآخر من التقدير هو جعلها على مقدار مخصوص ووجه مخصوص بدون زيادة أو نقصان وفق حكمته، مثل انزال الله سبحانه وتعالى مطراً ينزله بقدر، لو زاد هذا المطر عن الوجه الذي أراده الله سبحانه وتعالى لأغرق الناس، ولو قل هذا المطر عن الوجه الذي يحتاجه الناس لأصاب الأرض الجدب ونحو ذلك. فهذا المقدار هذا التقدير للماء هذا يدل على أن المقدر لا يمكن أن يكون من غير سبب، هذا التقدير للماء من غير سبب أو لها لذاتها، لابد أن يكون هناك مقدر حكيم سبحانه وتعالى.
هذا الدليل قلنا كيف نسوغ أو ما هو دليل التقدير؟ تقول الاستدلال بدليل التقدير هو الاستدلال بما نراه في النفس وفي الآفاق من التقدير المشاهد فيها، من التقدير المشاهد في هذه المخلوقات، على وجود الله سبحانه وتعالى. كيف نصوغه؟ نصوغه في مقدمتين: المقدمة الأولى مبنية على المشاهدة والإدراك الحسي، المقدمة الثانية مبنية على الضرورة العقلية. المقدمة الأولى نقول: وجود مظاهر التقدير بدون زيادة أو نقصان في أي مخلوق من المخلوقات. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: 8]، هذا المقدار هو الذي نقصدُه بقدر مخصوص. قال الله عز وجل: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: 2]. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا على ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾ [المؤمنون: 18]. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: 49]. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ * مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَرَهُ * ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ﴾ [عبس: 18-20]. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ﴾ [الحجر: 19]. إذاً له وزن محدد، له مقدار محدد، هذا يسمى دليل التقدير.
المقدمة الثانية: أن هذا التقدير المتقن المحكم المدرك حسّاً لا يمكن أن يكون من غير سبب أو يوجد لها لذاتها، هذا الدليل ضرورة عقلية. النتيجة: وجود خالق عليم حكيم خلق المخلوقات بهذا التقدير المتقن المحكم، وهو الله سبحانه وتعالى، وهذا هو المطلوب إثباته.
اليوم بمشيئة الله ننتقل إلى دليل آخر من أدلة وجود الله، هذا الدليل اسمه دليل دلائل النبوة. هذا الدليل أيضاً دليل عظيم، الأنبياء والرسل أيدهم الله عز وجل بالدلائل والآيات البينات التي تدل على أنهم رسل الله. كل دليل من أدلة نبوة الأنبياء دليل على وجود الله؛ لأن هذا النبي يزعم أنه مرسل من عند الله وأن الله سبحانه وتعالى أرسله، سيقول له الناس: ائتنا باية أن الله سبحانه وتعالى أرسلك، فيأتي بهذه الآيات وهذه البراهين التي تدل على أنه رسول الله، إذاً هو دليل على وجود الله سبحانه وتعالى. وخذ تحت هذا النوع من دلائل النبوة كم من الأعداد التي والآحاد التي تدل على وجود الله سبحانه وتعالى.
دليل دلائل النبوة المراد به تقول: كل دليل دل على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فهو دال على وجود الله. الأدلة المتعلقة بشخصيات الأنبياء من الأخلاق الكريمة والصدق والشجاعة والكرم ونحو ذلك، كل دليل يدل في شخصية النبي على أنه رسول الله هو دليل على وجود الله. نوع ما جاءوا به هو أدلة على أنهم مرسلون من عند الله سبحانه وتعالى، الديانات التي أتوها فهذه الأديان تدل وهو دين الإسلام، الأنبياء دينهم واحد إنما خلافهم في الشرائع فقط، والا كلهم جاء يدعو إلى معرفة الله وإلى توحيد الله سبحانه وتعالى والملائكة والكتب والرسل واليوم الآخر، الدين واحد إنما الشريعة الموسوية عدد الصلوات تختلف عن الشريعة العيسوية عن الشريعة المحمدية في إنما هي في أمور التشريعات. المقصود: نوع ما جاءوا به دليل على وجود الله سبحانه وتعالى، الآيات والبراهين الخارقة للعادات أيضاً كلها أدلة على وجود الله، إجابة الدعوات والنصر على الأعداء هذه كلها أدلة على وجود الله سبحانه وتعالى.
من باب التغيير خلونا ناخذ هذه القصة التي اشتملت على كثير من دلائل النبوة لأبي هريرة رضي الله تعالى عنه مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وذكر فيها أبو هريرة قسم عجيب قال للنبي صلى الله عليه وسلم بعد أن راى دلائل نبوته صلى الله عليه وسلم قال: والذي بعثك بالحق، لماذا اختار هذا الأمر وقسم بهذا لكون ما راه أنه يدل على أن الله عز وجل هو الذي أبت محمد صلى الله عليه وسلم ثم قال: بالحق، أي بهذا الدين الحق. هذه القصة في صحيح البخاري، ناخذها نمر عليها مروراً سريعاً ونستنبط منها دلائل نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، ونستدل بكل نوع من هذه الادله على وجود الله سبحانه وتعالى.
يقول أبو هريرة رضي الله عنه كما في صحيح البخاري: والله الذي لا إله إلا هو إن كنت لأعتمد بكبدي على الأرض من الجوع، وإن كنت لأشد الحجر على بطني من الجوع، يعني عندما يكون جالس يعتمد على الأرض ببطنه حتى أن تضغط على هذا البطن فلا يشعر بالجوع، وإذا كان قائم يضع حجراً على بطنه حتى يستطيع أن ينتصب حتى يسكن به هذا الجوع. يقول: ولقد قعدت يوماً على طريقهم الذي يخرجون منه يعني لأعمالهم، أنتظرهم في الطريق يعني لعل أحدهم أن يضيفه. يقول: فمر أبو بكر رضي الله تعالى عنه فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمر ولم يفعل يعني إجابة على سؤاله، ومر قد يكون ما عنده شيء أيضاً، قد يكون هذا. ثم يقول: مر بي عمر رضي الله عنه فسألته عن آية من كتاب الله ما سألته إلا ليشبعني، فمر فلم يفعل.
ثم مر بي أبو القاسم صلى الله عليه وسلم، من هنا ابدأوا تنتبهوا للقصة، قال: فتبسم حين راني. هذا فقير ما يجد ما يأكله وهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم يراه فيتبسم في وجهه، فتبسم حين راني وعرف ما في نفسي وما في وجهي. ثم قال صلى الله عليه وسلم: أبا هر. قلت: لبيك يا رسول الله. قال: الحق.
أه هنا ناخذ وقفه هنا سريعاً. التبسم: إذاً النبي صلى الله عليه وسلم ما هي أخلاقه مع الفقراء؟ لو كان ملكاً لو كان أميراً لو كان رئيساً لو كان هذه صفته حقيقة يبحث عن ملك وعن رئاسة وعن كذا، هذا فقير يعني أغلب هؤلاء الذين هذه صفاتهم عندما يرون الفقراء لا يتبسمون في وجوههم، لا حاجة لهم بهم. لكن هذا رسول الله هذه الأخلاق، هذا مع الفقراء هذه تدل على أن هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم، يتبسم، يعرف ما في نفسه وما
في وجهه يناديه باسم هو يحبه، أبو هريرة، ويحب هذا اللقب فقال له: يا أبا هر. ثم يقول له: الحق بي إلى المنزل. يعني لا، ما قال خلاص نحن نرسل لك أي شخص يأتي لك بالأكل هنا، قال له: الحق إلى المنزل. يستضيف هذا الفقير الذي قعد في طريق الناس من أجل أن يمر به أحدهم ليعطيه شيئاً من الطعام.
ثم يقول أبو هريرة: فمضى وتبعته فدخل فاستأذنتها أنه سيأتي وسيدخل رجل. هل هذه أخلاق من؟ أخلاق الزعماء الرؤساء؟ أبعد الطريق كذا؟ لكن هذا يستأذنتها حتى يخبرهم أن سيدخل هذا الرجل، فأذن له فدخل فوجد لبناً في قدح، ثم قال صلى الله عليه وسلم: «من أين هذا اللبن؟». يسأل من أين هذا اللبن؟ قالوا: أهداه فلان. إذاً، لاحظوا أن هدية، أهداه لك فلان أو فلانة، شكر الراعي. قال صلى الله عليه وسلم: «أبا هر». قلت: لبيك يا رسول الله. قال: «الحق إلى أهل الصفة فادعهم لي».
أهل الصفة هؤلاء هم أضياف الإسلام، لا يأوون إلى أهل ولا مال ولا على أحد. النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أتيته صدقة بعث بها إليهم ولم يتناول منها شيئاً، وإذا أتيته هدية أرسل إليهم وأصاب منها وأشرك فيها. أم النبي صلى الله عليه وسلم يقبل الهدية ولا يأكل الصدقة.
هذا ماذا يدل؟ دلائل النبوة هنا أنه في الكتب السابقة المبشرات بشرت بالنبي صلى الله عليه وسلم، وذكرت من صفته أنه يأكل الهدية ولا يأكل الصدقة. هذا دليل على نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم ومن استدل به على وجود الله سبحانه وتعالى.
يقول أبو هريرة: لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أبا هر، اذهب فادع أهل الصفة»، يقول: ساءني ذلك فقلت: وما هذا اللبن في أهل الصفة؟ يعني هو صحن صغير، يعني أبو هريرة يشربه بمفرده. يقول: كنت أحق أنا أن أصيب من هذا اللبن شربة أتقوى بها. يقول: لكن إذا جاء... يقول الأمر الثاني، خاف منهم، يقول: فإذا جاء اهل الصفة واجتماعهم، يأمرني النبي صلى الله عليه وسلم أن أعطيهم، وإذا أعطيتهم ما عسى أن يبلغني من هذا اللبن؟ لكن يقول أبو هريرة: ولم يكن من طاعة الله ورسوله بد. يعني لابد من الطاعة. يقول: فاتيته فدعوتهم فأقبلوا. يعني تاملوا!
حرص الإسلام على زرع المحبة والود بين المسلمين وعلى اقتلاع أسباب التباغض والشحناء من بينهم، ومن المعاملات التي تورث التباغض بين المسلمين: بيع المسلم على بيع أخيه أو شرائه على شراء أخيه، لذلك نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «لا يبع بعضكم على بيع أخيه». والشراء مثل البيع فيحرم شراء المسلم على شراء أخيه.
ومثال البيع على البيع: اشترى زيد من عمر سيارة بعشرة آلاف، فذهب رجل إلى زيد وقال له: أنا أعطيك مثلها بتسعة، أو أعطيك أحسن منها بعشرة، أو أبيعك مثلها بعشرة. فهذا بيع على بيع المسلم، لا يحل. ومثال الشراء على الشراء: باع زيد لعمر سلعة بتسعة، فجاء آخر وقال للبائع: بعتها على فلان بتسعة؟ قال: نعم. قال: أنا أعطيك فيها عشرة، أو بعها لي أنا بتسعة ودعك منه. والراجح أن البيع على البيع حرام، سواء كان ذلك في زمن الخيار أو بعد تمام البيع، لأنه مما يورث الشحناء والبغضاء بين المسلمين.
حياكم الله أيها الأحبه في الله. وقفنا عند أن أبا هريرة رضي الله عنه دعا أهل الصفة. فاستأذنتها... قلت: لبيك يا رسول الله. قال: «خذ فأعطه». قال: فأخذت القدح فجعلت أعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح فأعطيه الرجل فيشرب حتى يروى، ثم يرد علي القدح فيشرب. وهكذا يقول: حتى انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وقد روي القوم كلهم.
قال: تاملوا الآن، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم القدح فوضعه على يده فنظر إلي، فتبسم صلى الله عليه وسلم فقال: «أبا هر». قلت: لبيك يا رسول الله. قال: «بقيت أنا وأنت». قال: صدقت يا رسول الله. قال صلى الله عليه وسلم: «اقعد فاشرب». ففعلت فشربت. فقال صلى الله عليه وسلم: «اشرب». فشربته، فما زال يقول: «اشرب»، حتى قلت: لا والذي بعثك بالحق، لا أجد له مسلكاً! قال صلى الله عليه وسلم: «فارني». فأعطيته القدح فحمد الله وسمى وشرب.
تعالوا نتامل هنا دلائل النبوة أيضاً في هذا الجزء الأخير. أولاً: يأتي النبي صلى الله عليه وسلم ويشرب، يجعل القوم يجلسون في المجلس ثم يشرب الواحد تلو الآخر، الفقراء يشربون الواحد تلو الآخر. لو كان أحدنا مكان النبي صلى الله عليه وسلم وهذا اللبن مهدى إليه، لماذا يحدث في ذهنه؟ يقول: أول شيء آخذ لي شيئاً من اللبن، أعزل لي يعني لو شيئاً بسيطا،ً هذا لأنه أهدي لي، فأخذ شيئاً بسييطاً ثم أعطي الناس. هذه واحدة، لم يفعل هذا صلى الله عليه وسلم.
طيب احتمال ثاني: ماذا؟ أن يقدم هو ويشرب النبي صلى الله عليه وسلم أول شيء؟ لم يفعل هذا، ثم يشرب القوم ويجعل أبا هريرة يشرب أيضاً صلى الله عليه وسلم فيشرب، ثم يشرب آخر واحد يشرب الفضلة. هل هذا يمكن أن نفعله غير نبي؟ يشرب الفضلة، يعني ما تبقى، ثم يشرب من نفس الإناء، من الإناء نفسه؟ هذا ما يفعله إلا رسول الله. إذاً هذه الدلائل دلائل نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم من شخصيته.
أيضاً دلائل نبوة النبي صلى الله عليه وسلم من نوع ما جاء به. تأملوا، جاء يدعو إلى عبادة الله وحده لا شريك له، جاء يدعو إلى إطعام الجائع والرحمة بالمساكين، هذه دعوة النبي صلى الله عليه وسلم. هذا العطف وهذا الكرم وهذه مكارم الأخلاق جاء النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إليها. إذاً هذا مرسل من عند الله سبحانه وتعالى. إذاً دلائل في شخصيته، دلائل في نوع ما جاء به صلى الله عليه وسلم.
ثم انظروا للآيات والبراهين في هذه القصة: هذا القدح من اللبن لا يكفي إلا شخصاً واحداً، ومع هذا يشرب أهل الصفة يشربون كاملين، يشربون من هذا اللبن ويشرب أبو هريرة ويشرب النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك. هذه دلائل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يظهر من أدلة نبوته، يأتي للطعام القليل فيدعو فيكثر الله عز وجل له الطعام القليل، يأتي إلى الماء القليل الشراب القليل فيدعو الله سبحانه وتعالى عليه صلى الله عليه وسلم فيكون كثيراً. هذه كلها أدلة على نبوته صلى الله عليه وسلم.
أما الآيات والبراهين وآيات النبي صلى الله عليه وسلم فكثيرة، يمكن أن نستطرد أيضاً هنا في الآيات. ناخذ ما يتعلق بعيسى عليه السلام، دلائل والبراهين على نبوة عيسى عليه السلام كثيرة وعظيمة جداً. عيسى عليه السلام أولاً هو ولادته آية.
على وجود الله سبحانه وتعالى؛ خلق عيسى عليه السلام من أم بلا أب. طيب، ما الدليل على أنه فعلاً هو هكذا؟ أن عيسى عليه السلام يتكلم في المهد، ويبين هذا الأمر؛ حتى لا يكون هناك مجال للشك أن هذا الأمر كذب. هو تكلم في المهد وقال: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ﴾ [مريم: 30]، وذكر أنه يعني بَرَّ أَمَّهُ مريم عليها السلام من أي شائبة زنا أو شك في ولادته، ثم هو بعد ذلك يأتي يدعو الناس إلى عبادة الله وحده لا شريك له.
ما دليلك على أنك رسول الله؟ يأخذ القبضة، يأخذ الطينة هكذا يصنع بها هكذا بهذا الشكل، ثم يصنعها، وإذا بها يعني طير، يعني هذه نفسها صناعة الطير هذه آية واحدة بمفردها. ليس هذا فحسب، ثم يقول: تشهدون أني رسول الله؟ الدليل؟ يقول للطير: ما رأيكم لو جعلت الطير هذا يطير بإذن الله، تؤمنون بي؟ فيجعله ينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله. يأتي الإنسان، هذه وسائل الشفاء التي كانت عندهم يعني أبرزها في ثلاثة أشياء؛ يأتي إلى أَكْمَه ولد أعمى، ثم يضع يده على عينه ويدعو الله سبحانه وتعالى: تشهدون أني رسول الله؟ ما دليلك؟ قال: أبصر بإذن الله، فيبصر. يأتي إلى شخص أبرص، الأطباء عجزوا عنه تماماً، فيمسح عليه فيكون سبباً لشفائه. يأتي الإنسان ميت، حكم الطب بموته: تشهدون أني رسول الله؟ ما دليلك؟ قم حياً بإذن الله، فيقوم حياً بإذن الله. عيسى عليه السلام آياته والبراهين والمعجزات أيضاً عنده كثيرة، وموسى كذلك، كل الأنبياء أيدهم الله سبحانه وتعالى بدلائل النبوة بآيات خارقات.
فهذا رسولنا صلى الله عليه وسلم أيضاً، نأخذ هذه الآية أيضاً تشتمل على كثير من دلائل النبوة؛ يقول الله عز وجل: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ [الأعراف: 157]. من دلائل نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم أنه أمي. الأُمِّيَّة نقص في الإنسان إلا في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإنها آية وبرهان على أنه مرسل من عند الله. كيف ذلك؟ هو أمي لا يعرف القراءة ولا الكتابة، بل النبي صلى الله عليه وسلم بلغ في الأُمِّيَّة مبلغاً عظيماً أنه حتى الحروف عندما جاء إلى اسمه محمد في صلح الحديبية، لا يدري أين هو، لا يعرف ميم ح م د، حتى رسم الاسم اسمه لا يعرفها، ثم يأتي بهذا القرآن العظيم، فلا يمكن أن يقول شخص إنه قرأ في الكتب السابقة أو إنه استنسخ من كتب سابقة، هو لا يقرا ولا يكتب. فجعل الله سبحانه وتعالى هذا القرآن العظيم الذي جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم من اعظم أنواع دلائل نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم.
ولذلك قال: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ﴾، ما دليل أنه رسول النبي؟ أنه أمي. ثم قال: ﴿الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: 157]. هذا النوع أيضاً من دلائل النبوة، المبشرات في الكتب السابقة، يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم. هذا ماذا؟ نوع ما جاء به، نوع ما جاء به أيضاً يا إخوان؛ الرسول صلى الله عليه وسلم الله عز وجل يستجيب دعاءه وينصره على الأعداء، هذه كلها آيات ودلائل على نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم، وهي تدل في الوقت ذاته على وجود الله عز وجل.
في صحيح البخاري عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: إن أعرابياً دخل يوم الجمعة والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب في الناس، فقال هذا الرجل: يا رسول الله، هلك المال، وجاء العيال، فادعُ الله لنا، وهو يخطب. وفي بعض الروايات أنه لا يوجد في السماء أي أثر سحاب. يقول: فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه ودعا، فثار السحاب أمثال الجبال، فما ينزل صلى الله عليه وسلم عن منبره حتى رأيت المطر يتحاذق. ما كان موسم أمطار، لكن أصابهم يعني الجدب، فيدعو الله سبحانه وتعالى، يستمر المطر كم؟ يستمر المطر أسبوعاً كاملاً. في الجمعة الثانية قام ذلك الأعرابي أو غيره فقال: يا رسول الله، تهدم البناء وغرق المال، فادعُ الله لنا. فرفع النبي صلى الله عليه وسلم يديه وقال: «اللهم حوالينا ولا علينا»، يقول: «اللهم حوالينا لا علينا، اللهم حوالينا حوالينا»، يقول: فما يشير إلى ناحية إلا انفرجت. هذه استجابة الدعاء والنصر على الأعداء، هذه من دلائل نبوة نبينا صلى الله عليه وسلم.
كذلك أيها الأحبة، من أدلة وجود الله مكارم الأخلاق، وهذا النوع السابع الذي نريد أن نتذاكره. ما معنى يعني مكارم الأخلاق، أو كيف مكارم الأخلاق دليل على وجود الله سبحانه وتعالى؟ المراد به أن نستدل بانتظام حياة الناس بالاخلاق الاجتماعية، فالناس لا بد أن يكون بينهم الاحترام، لابد أن يكون هناك الصدق، لابد أن يكون هناك العدل، لابد أن يكون هناك الموالاة والعطف والرحمة، لابد أن يكون بين الناس حتى تنتظم حياتهم. فكما أن الكون منظم، فكذلك حياة الناس منظمة، كيف تنتظم حياة الناس؟ تنتظم بمكارم الأخلاق، فنحن نستدل بانتظام حياة الناس بمكارم الأخلاق على وجود خالق سبحانه وتعالى يثيب الناس على هذه المكارم ويعاقب الناس على الإساءة فيها، هذا يسمى دليل مكارم الأخلاق.
كيف نستدل به على وجود الله سبحانه وتعالى؟ نقول: أولاً، مكارم الأخلاق من الخير الواجب التزامه لأي إسان؛ حتى الملحد قل له: مكارم الأخلاق من الصدق والعدل، مكارم الأخلاق من الخير الواجب التزامه؟ يقول: نعم صحيح، لابد أن يكون الإنسان أميناً، لابد أن يكون إنساناً صادقاً، وإلا كيف تنتظم حياة الناس؟ كيف يكون بيعهم وشرائهم ونكاحهم؟ مكارم الأخلاق من الخير الواجب التزامه، الدليل عليه الفطرة، إذاً هذا أمر جبل الله عز وجل الناس عليه أن مكارم الأخلاق يجب التزامها. ثانياً، صاحب مكارم الأخلاق مثاب من الواجب ثوابه، وسيئ الاخلاق وجب عقابه، الدليل ضرورة عقلية عقلانية، العقل يقول بهذا؛ إن الإنسان الصادق الأمين يجب أن يكرم، وإن الإنسان الخائن الغادر المضر المفسد الذي يؤذي الناس يجب أن يعاقب، هذا ضرورة عقلية.
إذاً، مكارم الأخلاق فطرة واجب التزامها، صاحب الأخلاق الكريمة يثاب وصاحب الأخلاق السيئة يعاقب عقلانياً. ثالثاً، تاملوا معي، أحياناً نجد في الحياة أن صاحب مكارم الأخلاق يخسر ويهان، وصاحب الأخلاق السيئة نجده في هذه الحياة يكرم ويكسب، هذا مخالف للعقلانية؛ صاحب الأخلاق الكريمة يجب ثوابه عقلانياً، ووجدنا في الدنيا أن صاحب مكارم الأخلاق قد لا يجد ثوابه في الدنيا، إذاً لابد رابعاً، نقول: لابد النتيجة إما أن يترك الإنسان مكارم الأخلاق فيخالف الفطرة وهذا مذموم، أو يتمسك بالاخلاق فيخالف العقلانية وهذا مذموم. طيب، فماذا يصنع؟ ناخذ فاصل، ثم نتحدث بعد هذا الفاصل عما يصنع.
إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه. أدب يعلمنا إياه نبينا صلى الله عليه وسلم من خلال النهي عن التناجي، وهو أن يستأثر اثنان بالحديث سراً دون الثالث، أو ثلاثة دون الرابع، أو أربعة دون الخامس، وهكذا، فإن هذا لون من إلحاق الأذى بالمسلم؛ لأنه يعود عليه بالحزن والخوف، وربما ظن أن ذلك الاحتقار والحط من كرامته، فيزيده ذلك غماً وحزناً. لذا حرم الإسلام التناجي، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المجادلة: 8].
ومن صور التناجي المحرمة: أن يتكلم اثنان بلغة مختلفة لا يفهمها الثالث، أو أن يكتب أحدهما للآخر في ورقة والثالث جالس ولا يمكنه الاطلاع على ما كتب. قال النووي رحمه الله: وفي معناه؛ أي معنى التناجي، ما إذا تحدث بلسان لا يفهمه لأن العلة موجودة. فإذا كان الحديث دائراً بين اثنين بدايه ثم اتى ثالث واراد أن يدخل بينهما، فإن ذلك لا يجوز إلا باذنه، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا كان اثنان يتناجيان فلا تدخل بينهما». واعلم أنه إن دعت الضرورة إلى التناجي فإنه يكون مباحاً بشرطين؛ الأول: أن تكون هناك مصلحة راجحه على مفسدة.
التناجي الثاني أن يكون ذلك بإذن الشخص الثالث ورضاه، وإلا حرم، فتنة من تسويل الشيطان وتزيينه. فإذا أحسست بحزن من جراء تناجي بعض الناس أمامك، فاستعذ بالله وتوكل عليه، إنه سبحانه كافيك من كل سوء وكيد. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: 10].
حياكم الله أيها الأحبة الكرام، ووقفنا قبل الفاصل أن مكارم الأخلاق واجب التزامها فطرة، وأن صاحب مكارم الأخلاق يثاب عقلانية. طيب، وجدنا في هذه الدنيا أن صاحب مكارم الأخلاق قد لا يثاب، قد يعاقب، قد يخسر، والعكس صاحب الأخلاق السيئة هو الذي يثاب وهو الذي يكسب. فالإنسان الآن أمام خيارين: إما أن يترك مكارم الأخلاق فيخالف الفطرة، أو أنه يتمسك بمكارم الأخلاق فيخالف العقلانية ما يثاب. فماذا يصنع؟
فقلنا لابد، يعني النتيجة أنه لابد أن يكون هناك دار أخرى فيها الثواب والعقاب، لابد من دار أخرى غير هذه الدار يكون فيها الثواب والعقاب. لكن إذا كان هناك دار أخرى يكون فيها الثواب والعقاب، هذا يتطلب ماذا؟ أنه في هذه الدنيا كان هناك رقيب، في هذه الدنيا سميع عليم قادر، هذا الإله هو الإله، هذا يكون هو الذي يثيب ويعاقب الناس يوم القيامة على أعمالهم.
إذاً، لابد من دار أخرى، هذه الدار الأخرى لابد أن يكون فيها إله سميع عليم، سمع كلامنا وعلم أحوالنا في هذه الدنيا، ثم يكون قادر على ثوابه وعقابه في الآخرة. إذاً يا إخوان، كيف نلخص هذا الدليل؟ دليل مكارم الأخلاق كيف يكون تلخيصه؟ نقول: واحد، الأخلاق من الخير الذي فطر الله عليه عباده، هذه فطرة. الأخلاق نفسها تقتضي أن يثاب المحسن على إحسانه ويعاقب المسيء على إساءته، هذه عقلانية.
ثلاثة، هذا الثواب لا يتأتى في دار الدنيا دائماً كما هو مشاهد، ولا يمكن إذن أن يتأتى إلا في حياة أخرى بعد هذه الحياة، ولا يتأتى في تلك الحياة الثانية إلا إذا كان هنالك إله عليم عادل حكيم، يعلم ما يعمل الناس الآن ليجازيهم عليه غداً. إذاً، هذا دليل مكارم الأخلاق.
إذاً أيها الأحبة في الله، اخذنا في أدلة وجود الله، اخذنا سبعة أنواع من الأدلة: اخذنا دليل الفطرة، اخذنا دليل الخلق والإيجاد، اخذنا دليل الأحكام والإتقان، وأخذنا دليلين فصلناهما عن دليل الأحكام والإتقان وهو دليل التخصيص ودليل التقدير، وأخذنا دلائل النبوة، وأخذنا دليل مكارم الأخلاق. مسألة وجود الله سبحانه وتعالى هي فطرة، لكننا في هذا الزمن نحتاج إلى ذكر هذه الأنواع من الأدلة ليكون هذا الأمر حصانة لشبابنا من هذه الموجة التي هي مخالفة لفطر الناس؛ موجة الالحاد التي ما غزينا بها في ديارنا هنا إلا لكون وسائل التنصير ما استطاعوا إليها سبيلاً، فقالوا: إذاً فلنجعلهم يتركون دينهم.
فالإلحاد هو نوع من أنواع الغزو الفكري، وهو نوع مما يذكرون أنه نوع مقاومة الإرهاب، صرحوا تماماً أنهم ما بدأوا بنشر الإلحاد في بلادنا هذه إلا بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، واشتغلوا في تلك الكتب ووجهوها إلى هذا البلد خاصة. إنما فعلوا ذلك من أجل صرف الناس عن دين الله سبحانه وتعالى، وإلا فإن هذا الفكر مما تنفر منه النفس وتشمئز.
أيها الأحبة في الله، لنستطرد قليلاً، هذا الإقرار بوجود الله سبحانه وتعالى يسكب في نفس الإنسان الطمأنينة، ويجعل الإنسان بعد ذلك يتوجه إلى هذا الخالق سبحانه وتعالى مقراً له بالربوبية ومعترفاً له باللوهية. فننتقل بعد ذلك إلى قضية التوحيد، يعرف الإنسان ربه سبحانه وتعالى، وأن هذا الرب جل جلاله هو الخالق المالك المدبر، وهو المستحق للعبادة، وهو الذي سبحانه وتعالى ليس كمثله شيء في أسمائه وصفاته وذاته، وهو السميع البصير. فننتقل بعد ذلك إلى دراسة التوحيد.
التوحيد أيها الأحبة في الله، مصدر لكلمه وحدة، ومع التوحيد يدور معناه حول الإفراد، وهو إفراد الله سبحانه وتعالى بما هو من خصائص الله. التوحيد في اللغة هو جعل الشيء واحدا فيما هو واحد فيه. هل نستطيع أن نقول: توحيد الله هو جعل الله واحدا في أسمائه وصفاته وأفعاله؟ هل نستطيع أن نقول: التوحيد هو جعل الله واحدا فيما هو واحد فيه، أي في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته؟ هذا التعبير لا يصلح في حق الله أن نقول: جعل؛ لأن وحدانية الله ليست بجعل جاعل، لكن نقول: هو الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى واحد، هو إفراد الله سبحانه وتعالى بربوبيته، هو الإقرار بربوبيته سبحانه وتعالى وألوهيته وأسمائه وصفاته، وهكذا.
فنعرف التوحيد شرعاً، نقول: التوحيد هو الإيمان بأن الله سبحانه وتعالى واحد في ربوبيته فلا رب سواه، واحد في ألوهيته فلا مستحق للعبادة إلا إياه، وواحد في أسمائه وصفاته فلا ند له فيها ولا نظير.
أيها الأحبة في الله، ما الواجب علينا في توحيد الله سبحانه وتعالى؟ كلام أي متكلم، خلونا ناخذ مقدمة حتى نعرف من خلالها ننطلق إلى بيان الواجب علينا في التوحيد. الكلام كلام أي متكلم ينقسم إلى قسمين: أما أن يكون الكلام خبراً، أو يكون الكلام طلباً. الخبر يدور بين النفي والإثبات، والطلب إما أمر أو نهي أو استفهام أو نحو ذلك. لكن خذوا أمر ونهي، والخبر أن يكون نفي وإثبات.
المستمع للخبر أما أن يصدق أو يكذب، المستمع للطلب أما أن يمتثل أو لا يمتثل. توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات هو من باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات. قل هذا الطلب هو الله أحد، هذا الآن تأتي الأخبار، قل يعني يقول الله سبحانه وتعالى لرسوله يأمره أن يقول للناس: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1] هذا خبر، ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ﴾ إثبات، ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ﴾ نفي، ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ نفي. إذاً، يدور الخبر بين النفي والإثبات، فتوحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات هو من باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات. فنحن ونحن نستمع إلى خبر الله نفياً وإثباتاً، أما أن نصدق أو لا يسعنا إلا التصديق، فنقول: الواجب يجب علينا في توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات هو الإيمان، هو الإيمان بكل ما أخبرنا الله عز وجل به نفياً أو إثباتاً من غير إلحاد في ذلك، لا بتحريف ولا تكييف ولا تمثيل ولا تعطيل، هذا الواجب علينا في توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات.
طيب، توحيد الألوهية؟ ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ ياتي الخبر: ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 21-22]. فلا تجعلوا، اعبدوا ربكم، فلا تجعلوا لله أنداداً. نحن ونحن نستمع إلى ما طلبه الله عز وجل منا فعلاً أو تركاً، هذا توحيد الألوهية. ما الواجب علينا؟ الواجب علينا هو الامتثال، أن نمتثل لكل ما طلبه الله سبحانه وتعالى منا فعلاً أو تركاً، من غير شرك في ذلك. هذا هو الواجب علينا في توحيد الله سبحانه وتعالى.
كيف نعرف توحيد الربوبية؟ توحيد الألوهية؟ توحيد الأسماء والصفات؟ توحيد الربوبية يا إخوان من كلمة الرب، فهو إفراد الله سبحانه وتعالى بربوبيته لهذا العالم. الرب يعني الصاحب، السيد، المالك، فنفرد الله سبحانه وتعالى بربوبيته لهذا العالم، فالله عز وجل هو المنفرد بخلق هذا العالم وبملكه. كذلك يدخل في توحيد الربوبية، فتوحيد الربوبية إفراد الله سبحانه وتعالى بالخلق والملك والتدبير. ومن التدبير التشريع كذلك، فالله عز وجل كما هو يدبر أمر هذا الكون فوضع له نظاماً يسير عليه الشمس والقمر والارض والكواكب، كذلك هو وضع للناس شريعة يسيرون عليها، فالله عز وجل هو المشرع. فأفراد الله عز وجل بالخلق والملك والتدبير هذا توحيد الربوبية.
وتوحيد الألوهية من التاله، فهو إفراد الله سبحانه وتعالى بالتعبد، فإفراد الله سبحانه وتعالى بالعبادة هذا هو توحيد الألوهية. توحيد الأسماء والصفات هو إفراد الله سبحانه وتعالى
بأسائه وصفاته الواردة في الكتاب والسنة. ونعتقد أن الله سبحانه وتعالى لا مثيل له ولا نظير سبحانه وتعالى في أسمائه وصفاته. إذا أقر العبد بوجود الله وأقر العبد بوحدانية الله سبحانه وتعالى، فقد أتى بهذا الركن العظيم من أركان الإيمان، وهو الإيمان بالله سبحانه وتعالى.
سيكون بمشيئة الله في الحلقة القادمة بعض التفصيلات لهذه القضايا، إنما نحن في نهاية هذا اللقاء اخذنا هذا الموضوع بشكل إجمالي، ومشيئة الله في الحلقة القادمة نفصل في هذه القضايا. أيها الأحبة في الله، قد أنسى في بعض الحلقات أن أذكر لكم أنه يعني كل منكم يدخل إلى ملفه في الموقع ثم يجيب على سؤال الحلقة الذي وضعه لكم الإخوة.
أسأل الله سبحانه وتعالى بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يغفر ذنوبنا، وأن يستر عيوبنا، وأن يتجاوز عن خطيئاتنا، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً.
يا راغباً في كل علم نافع متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهلاً نوال ميسراً ياتيك ميسور بأي مكان، زاد زاد أكاديمية ينبوعها صاف صاف ليروي غلة الظمآن، هذه عقيدتنا الصحيحة فطرة تنفي الشكوك بواضح البرهان، بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان.
د. أبو زيد مكي القبي