السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكرا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.
وبعد أيها الأحبه في الله؛ انتهينا من الوحدة الأولى المتعلقة بأدلة وجود الله سبحانه وتعالى، وإن شاء الله سنخصص حلقة فيما بعد لمراجعه هذه الوحدة الأولى. اليوم بمشيئة الله سننتقل إلى الوحدة الثانية المتعلقة بتوحيد الربوبية. في هذه الحلقات بمشيئة الله تأخذ تعريف التوحيد لغة واصطلاحا، نأخذ أقسام التوحيد سواء من جهة ما يستحقه الرب سبحانه وتعالى أو من جهة ما يقوم به العبد، ونأخذ الواجب علينا في أنواع التوحيد الواجب علينا في توحيد الله سبحانه وتعالى من ناحية أنواعه وأقسامه.
هذا ناخذه كتمهيد، ثم ناخذ بمشيئة الله تعريف توحيد الربوبية وأدلته، وناخذ مكانه توحيد الربوبية، وناخذ مقتضيات توحيد الربوبية، وناخذ نواقض توحيد الربوبية، وناخذ ثمرات الإيمان بتوحيد الربوبية إن شاء الله في هذه الحلقات القادم. يبقى لنا وحدة ثالثة تتعلق بقضية الإلحاد ناخذها فيما بعد إن شاء الله سبحانه وتعالى.
نبدا درسنا اليوم بتعريف التوحيد لغة واصطلاحا. كلمة التوحيد أيها الأحبة في الله يدور معناها حول الإفراد والانفراد؛ الإفراد: نحن نفرد هذا الشيء فنعلم بأنه واحد، نحكم بأنه واحد، نجعله واحد. أو الانفراد: أن يكون ذلك الشيء منفرد وحده فيما هو من خصائصه من غير وجود المثل والنظير له، يسمى ذلك الشيء واحد.
إذاً فتعريف التوحيد في اللغة يدور معناه حول الإفراد والانفراد وعدم وجود المثل والنظير. يقول ابن فارس رحمه الله: الواو والحاء والدال أصل واحد يدل على الانفراد؛ من ذلك الوحدة، وهو واحد قبيلته إذا لم يكن فيهم مثله. يقول الجرجاني: التوحيد في اللغة الحكم بأن الشيء واحد والعلم بأنه واحد.
ننتبه أيها الأحبة في الله أن بعض من أتي بتعريف التوحيد في اللغة يكون متأثرا بالمذاهب الكلامية، بالفرق الكلامية، فيأتي بتعريف التوحيد لا علاقة له باللغه، إنما له علاقة بالمصطلحات الكلامية. فيقول: الواحد هو الذي لا يتجزأ، ولا يثنى، ولا يقبل الانقسام. هذه المصطلحات مما دخلت على علماء اللغة العربية من علماء الكلام، فهذا التعريف ليس له أصل في لغة العرب، ولم يأت في كلام الله عز وجل، ولا كلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يذكره المتقدمون من أهل اللغة، بل هو من تأثر بعض المتاخرين من أهل اللغة بشيء من علم الكلام، فدخل كتبهم من ذلك ما ليس له أصل في لغة العرب.
ننتقل أيها الأحبة في الله إلى تعريف التوحيد اصطلاحا. سؤال إليكم: عندما نقول التوحيد في اللغة هو جعل الشيء واحدا، هل يصح لنا أن نقول إذاً التوحيد اصطلاحا هو أن نجعل الله واحدا فيما هو واحد فيه؟ يعني نقول أن الله سبحانه وتعالى أن نجعل الله واحدا في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، ما رايكم في هذا التعريف؟
التوحيد اصطلاحا هو أن نجعل الله واحدا فيما هو واحد فيه، أي في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، هل هذا التعريف صحيح أم عليه ملاحظة؟ هذا التعريف عليه ملحوظة، الملحوظة تتعلق بكلمate جعل، فوحدانية الله سبحانه وتعالى ليست بجعل جاعل، ليس الإاله متعدد ونحن جعلناه واحدا، لا هذا خطأ.
إنما في التوحيد اصطلاحا بدل أن نقول هو أن نجعل، نقول: هو العلم بأن الله سبحانه وتعالى واحد في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته. أن نقول: هو أن نعتقد بأن الله سبحانه وتعالى واحد، هو إفراد، هو الإيمان، هو بهذه الألفاظ؛ هو العلم بأن الله سبحانه وتعالى واحد، هو اعتقاد أن الله سبحانه وتعالى واحد، والحكم بأن الله سبحانه وتعالى واحد، والاقرار بأن الله سبحانه وتعالى واحد.
إذاً التوحيد اصطلاحا هو إفراد الله جل جلاله بربوبيته فلا رب سواه، وألوهيته فلا مستحق للعبادة إلا إياه، وبأسائه وصفاته فلا مثيل له فيها ولا نظير. ما هو التوحيد الذي بعث الله عز وجل به رسله وأنزل به كتبه؟ التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه هو تحقيق معنى لا إله إلا الله، هو عبادة الله وحده لا شريك له بما شرع على يعني في كتبه، بما شرع وأنزل على رسله؛ عبادة الله وحده لا شريك له بما شرع.
يتضمن ذلك أنه منفرد بالربوبية ومنفرد بأسمائه وصفاته. هذا هو التوحيد الذي بعث الله به رسله وأنزل به كتبه. قال شيخ الاسلام رحمه الله عن معنى التوحيد: قال هو عبادة الله وحده لا شريك له مع ما يتضمنه من أنه لا رب لشيء من الممكنات سواه، يعني لا رب لشيء من المخلوقات سواه، عبادة الله وحده لا شريك له المتضمن انفراده سبحانه وتعالى بالربوبية وبالأسماء والصفات.
ويقول رحمه الله: وهذا التوحيد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له وأن نعبده إلا بما أحبه وما رضيه. ما هو ما أحبه وما رضيه؟ وما أمر به وشرعه على ألسنة رسله صلوات الله عليهم، فهو متضمن، التوحيد متضمن لطاعته وطاعة رسوله، وموالاة أوليائه ومعاداته، وأن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد من كل ما سواهما.
لاحظوا في التوحيد هناك ثلاثة أطراف: الطرف الأول: التوحيد هو عبادة الله وحده لا شريك له، هذا الطرف. الطرف الثاني: بما شرع. الطرف الثالث، طبعا عبادة الله وحده لا شريك له يتضمن أن نعبده حبا فيه سبحانه وتعالى وخوفا من عذابه ورجاء في رحمته، بما را وأن يكون، والبراءة. الطرف الثالث: البراءة من عبادة كل المعبودات، واعتقاد استحقاق العبادة لله وحده لا شريك له، ويكون هنا في الطرف الثالث موالاة أولياء الله ومعادات أعداء الله؛ فمن عبد الله وحده لا شريك له بما شرع فهو ولينا، ومن عبد غير الله سبحانه وتعالى، ولا شك أنه إذا عبد غير الله لن يكون بما شرع، فمن عبد غير الله سبحانه وتعالى فهو نحن نعاديه ونبغضه لأن الله سبحانه وتعالى يبغضه. هذا هو التوحيد وهذا هو دين الإسلام.
يقول السعدي رحمه الله: اعلم أن التوحيد المطلق هو العلم والاعتراف بتفرد الرب بصفات الكمال، والاقرار بتوحد بصفات العظمه والجلال، وافراده وحده بالعباده. اريد منكم أن تركزوا معي في تعريف السعدي رحمه الله؛ لاحظوا أتى بالتوحيد فاتى به من جهه العلم والاعتراف والاقرار ومن جهه العمل، فالتوحيد علم وعمل، التوحيد علم وعمل؛ علم بماذا؟ علم بأمرين؛ بتفرد الرب بصفات كمال وأيضا الاقرار بربوبيته سبحانه وتعالى بتفرده بالصفات وبتفرده بأفعاله جل جلاله من الخلق والرزق والاماتة والاحياء وانزال المطر وغير ذلك، فهنا اقرار وعلم، ثم نعمل أن نفرد الله سبحانه وتعالى وحده بالعباده، هذا هو التوحيد.
يقول المقريزي في كتابه تجريد التوحيد لباب التوحيد: ما هو باب التوحيد؟ ما هو التوحيد؟ أن يرى الأمور كلها لله تعالى. علم أن يرى الأمور كلها لله تعالى ثم يقطع الالتفات إلى الوصائية الامور كلها لله سبحانه وتعالى، إذا الخلق والملك والرزق والتدبير لهذا الكون هو بيد الله سبحانه وتعالى. هناك الله سبحانه وتعالى جعل أسباب في هذه الحياة، الله سبحانه وتعالى بهذه الأسباب يوجد الأشياء؛ فجعل أسباب وأسباب حقيقية مؤثرة بإذن الله، هو يعلم أن الأمور كلها بيد الله، فماذا يصنع اتجاه هذه الأسباب؟ يتعامل معها بيده لكن لا يعلق قلبه بها، فيقطع الالتفات إلى هذه الأسباب أي بقلبه، يتعامل معها بيده لكن قلبه معلق بالله، هذا لباب التوحيد، يرى الأمور كلها بيد الله، وبالتالي هذه الأسباب يتعامل معها بيده لكن لا يعلق قلبه إلا بالله جل جلاله، ثم يكون منه العمل أن يفرد الله سبحانه وتعالى بجميع أنواع العباده ولا يعبد غير الله سبحانه وتعالى.
لاحظنا أيها الأحبة في الله أن التوحيد قول وعمل، ويمكن أن نقسم هذا
التوحيد إلى قول القلب، وإلى عمل القلب، وإلى قول اللسان، وإلى عمل الجوارح. نأخذ فاصلًا ثم نعود ونكمل هذا التقسيم المتعلق بالتوحيد أنه قول وعمل.
هل تحمل هم نفقات تطاردك ولا تستطيع تلبيتها؟ هل فكرت في أية حلول لسد هذه النفقات، أم أن أول ما تفكر فيه هو الاستدانة؟ فلْتسأل نفسك: هل ساقت لأمر ضروري؟ هل وقت الاقتراض مناسب؟ هل المبلغ الذي ساقتها سيؤثر على ميزانية الأسرة؟ كيف سيسدد الدين؟ وكم سيستغرق من الوقت؟
واعلم أن الدين وإن كان جائزًا إلا أن أمره خطير، ولذلك استعاذ منه النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «اللهم إني أعوذ بك من المأثم والمغرم». كما أنه صلى الله عليه وسلم لم يصلي على من مات وعليه دين.
فلا ينبغي لعاقل أن يورط نفسه في الدين لأمور ترفيهية أو تكميلية، لأن الدين يصيب بالهم والغم، وقد يوقع في الكذب وأخلاف الوعد والمشكلات الأسرية. ويستحب للدائن أن يخفف عن المدين، وقد وعد الله المقرض أجرًا عظيمًا على تفريج كربة مسلم، ولا يجوز للمدين أن يماطل في رد الحقوق مع القدرة. ولتعلم أن النية الصالحة سبب فيقضاء الدين، ففي الحديث: «من أخذ أموال الناس يريد أداءها أدى الله عنه، ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله».
حرص الإسلام على زرع المحبة والود بين المسلمين، وعلى اقتلاع أسباب التباغض والشحناء من بينهم. ومن المعاملات التي تورث التباغض بين المسلمين: البيع على بيع أخيه أو الشراء على شراء أخيه، لذلك نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «لا يبع بعضكم على بيع أخيه».
والشراء مثل البيع، فيحرم شراء المسلم على شراء أخيه. ومثال البيع على بيع: اشترى زيد من عمر سيارة بعشرة آلاف، فذهب رجل إلى زيد وقال له: أنا أعطيك مثلها بتسعة، أو أعطيك أحسن منها بعشره، أو أبيعك مثلها بعشرة؛ فهذا بيع على بيع المسلم، لا يحل. ومثال الشراء على الشراء: باع زيد لعمر سلعة بتسعة، فجاء آخر وقال للبائع: بعتها على فلان بتسعة؟ قال: نعم. قال: أنا أعطيك فيها عشرة، أو بعها لي أنا بتسعة ودعك منه.
والراجح أن البيع على بيع حرام، سواء كان ذلك في زمن الخيار أو بعد تمام البيع، لأنه مما يورث الشحناء والبغضاء بين المسلمين.
حيّاكم الله أيها الأحبة في الله. وقفنا على أن التوحيد قول وعمل؛ قول القلب وعمله، وقول اللسان، وعمل الجوارح.
ما هو قول القلب في التوحيد؟ قول القلب: تصديقه وإقراره. يصدق بماذا ويقر بماذا؟ يقر بجميع أنواع التوحيد، فيصدق ويقر بقلبه أنه لا خالق لهذا الكون، ولا مالك له، ولا مدبر له إلا الله. يصدق ويقر بقلبه أن الله سبحانه وتعالى لا مثيل له ولا نظير في أسمائه وصفاته. يصدق ويقر بقلبه أن الله سبحانه وتعالى هو وحده المستحق للعبادة، يصدق ويقر بقلبه أنه لا يعبد غير الله، وأن المعبودات غير الله كلها معبودات باطلة. إذاً، هذا ما يتعلق بقول القلب.
عمل القلب: يخضع هذا القلب وينقاد لله سبحانه وتعالى حبا وخوفا ورجاء، هذا عمل قلبه. ثم ما بعد ذلك، يعمل هذا القلب وفق أقسام التوحيد، هذا القلب يحب ويخلص ويتوكل ويرضى ويوقن بأن الله سبحانه وتعالى هو المنفرد بالخلق والملك والتدبير، وأنه سبحانه وتعالى هو المستحق وحده للعبادة، ويتعلق بأسباء الله سبحانه وتعالى وصفاته ويعمل قلبه بمقتضى هذه الأسماء، فيرجو رحمة الله سبحانه وتعالى، ويخاف من عذابه لأن الله سبحانه وتعالى شديد العقاب. وهكذا يعمل القلب في هذا التوحيد.
ويقول بلسانه: ينطق هذا التوحيد بلسانه فيشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله. يشهد بلسانه أنه لا خالق ولا مالك ولا رازق إلا الله، وأن الله عز وجل لا مثيل له في أسمائه وصفاته. ولذا فهو يقول بلسانه: أنا لا أعبد إلا الله جل جلاله لانفراده بالخلق والملك والتدبير، ولأنه سبحانه وتعالى لا مثيل له ولا نظير، فأنا أعبد الله وحده لا شريك له، أعبده بما علمنيه رسوله صلى الله عليه وسلم، فأنا أشهد أن لا معبود يستحق العبادة إلا الله، واني لا أعبد الله إلا بما جاء به رسول الله. هذا قول اللسان.
ويكثر من الأذكار التي فيها هذا التوحيد: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير. كما قال صلى الله عليه وسلم: «خير ما قلت أنا والنبيون من قبلي: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير».
ثم يعمل بجوارحه، فيفرد الله سبحانه وتعالى بجميع أنواع العبادة؛ العبادة التي شرعها لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم من أركان الإسلام من الصلاة والصوم والزكاة والحج وغير ذلك من العبادات، والذبح والنذر والاستعاذة والاستغاثة والدعاء. يفرد الله سبحانه وتعالى بجميع أنواع العبادة، ولا يصرف أي نوع من أنواع العبادة لغير الله. هذا معنى التوحيد قول وعمل.
أيها الأحبة في الله، تعالى ننظر إلى أقسام التوحيد. التوحيد يمكن أن ينظر إليه من جهتين؛ من جهة ما يقوم به العبد، ومن جهة ما يستحقه الرب.
من جهة ما يقوم به العبد: العبد ماذا يقوم في التوحيد؟ أول شيء: يقول ويعلم. العبد أول شيء في التوحيد أن يقول ويعلم؛ يقول قلبه فيصدق ويقر، ويعلم بقلبه هذا التوحيد، يسمى التوحيد القولي والعلمي، وأحيانا يسمى توحيد المعرفة والإثبات. ثم بعد ذلك أن يعمل، فالتوحيد من جهة ما يقوم به العبد: توحيد علمي، وتوحيد عملي.
التوحيد العلمي ما هو؟ هو أن يعلم ويعتقد هذا، ولذلك يسمى قولي وعلمي، أن تعتقد أن الله سبحانه وتعالى هو المستحق وحده للعبادة، وأن عبادة ما سواه باطلة، لأنه سبحانه وتعالى هو المنفرد بالخلق والملك والتدبير للعالم لا شريك له في ذلك، وتعلم أن الله وحده الذي يصمد للخلائق في حوائجها فيقضيها لها، وهو الأول الذي ليس قبله شيء سبحانه وتعالى، ولذلك لم يولد لأنه هو الأول الذي ليس قبله شيء، فلم يولد لكمال غناه عن الوالد، فهو الخالق سبحانه وتعالى الغني بذاته، فلا يحتاج لمن يخلقه أو يخلفه، وما سواه مفتقر إليه. إذاً نعتقد أن الله سبحانه وتعالى كذلك لا ولد له لكمال غناه عن الولد سبحانه وتعالى. فهو الآخر الذي ليس بعده شيء، ونعتقد أن الله لا مثيل له ولا نظير في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته.
التوحيد القولي والعملي أكبر دليل وأوضح دليل عليه قول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4]. هو الأحد سبحانه وتعالى في ربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته، الله الصمد الذي يصمد للخلائق فيقضي لها حوائجها، الذي إليه ترجع الخلائق في حوائجها المنفرد بالعبادة سبحانه وتعالى، لم يلد لكونه مستغنيا عن الولد سبحانه وتعالى، وهو الآخر الذي ليس بعده شيء فهو لا يحتاج لمن يخلفه سبحانه وتعالى، ولم يولد فهو الأول الذي ليس قبله شيء فلا يحتاج لمن يوجده أو يخلقه سبحانه وتعالى، ولم يكن له كفوا أحد لا مثيل له ولا نظير في ذاته ولا في أسمائه ولا في صفاته.
هذا التوحيد أيها الأحبة في الله يسمى التوحيد القولي والعلمي، ويسمى التوحيد الخبري لكونه يعني يخبر عن الله سبحانه وتعالى يدور بين النفي والإثبات، وهو توحيد خبري فنحن نؤمن بما أثبته الله لنفسه، وننفي عنه سبحانه وتعالى ما نفاه عن نفسه فيسمى التوحيد الخبري، ويسمى توحيد المعرفة والإثبات، أن يعرف العبد ربه بأنه المنفرد بالخلق والملك والتدبير، ويثبت له ما ثبت في الكتاب والسنة من الأسماء والصفات، ويسمى توحيد المعرفة والإثبات.
فهذا القسم الأول من أقسام التوحيد من جهة ما يقوم به العبد. القسم الثاني يسمى التوحيد العملي الإرادي، وهو أن يترك العبد عبادة كل ما سوى الله ويتوجه بالعبادة لله سبحانه وتعالى وحده.
التوحيد العملي الإرادي هو العبودية الخالصة لله سبحانه وتعالى، حبا وخوفا ورجاءً، بامتثال ما طلبه الله منا فعلاً أو تركاً من الأقوال والأفعال الظاهرة والباطنة، بدون اعتراض أو شرك أو ابتداع. هذا التوحيد هو مقتضى التوحيد العلمي السابق الذي ذكرناه، فمن علم أن الله هو المنفرد بالخلق والملك والتدبير، وجب عليه إخلاص العبادة لله.
هذا التوحيد يسمى أيضاً التوحيد الطلبي، فالكلام إما خبر أو طلب، فهذا توحيد طلبي، ويسمى توحيد العبادة. وأوضح دليل عليه سورة الكافرون: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ [الكافرون: 1-2]، البراءة من عبادة كل المعبودات إلا عبادة الله جل جلاله، ﴿وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 3-6]، البراءة من عبادة كل المعبودات الباطلة، واثبات استحقاق العبادة لله وحده لا شريك له.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: التوحيد الذي جاءت به الرسل ونزلت به الكتب هو توحيد الألوهية، وهو أن يعبد الله وحده لا شريك له. هذا التوحيد، وهو عبادة الله وحده لا شريك له، يتضمن شيئين؛ أحدهما: القول العلم، وهو إثبات صفات الكمال له سبحانه وتعالى، وتنزيهه عن النقائص، وتنزيهه سبحانه وتعالى عن أن يماثله أحد في شيء من صفاته، فلا يوصف بنقص بحال، ولا يماثله أحد في شيء من الكمال، وهذا يسمى التوحيد القولي العلمي.
والتوحيد العملي الإرادي، يقول شيخ الإسلام: ألا يُعبد إلا إياه، فلا يدعو إلا إياه، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يخاف إلا منه، ولا يرجو إلا إياه، ويكون الدين كله لله. هذا التوحيد يتضمن أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه لا شريك له في الملك.
هذا التوحيد من جهة أقسام التوحيد من جهة ما يقوم به العبد، أيضاً ستجدون مثلاً الإنسان هو يقرأ كلام ابن القيم رحمه الله يقول: التوحيد نوعان؛ نوع في العلم والاعتقاد، ونوع في الإرادة والقصد، ويسمى الأول التوحيد العلمي، ويسمى الثاني التوحيد القصدي والإرادي، لتعلق الأول بالأخبار والمعرفة، والثاني بالقصد والإرادة.
قد أيضاً يقرأ أحدكم في الطحاويّة فيجد كلاماً للشارح ابن أبي العز الحنفي يقول: التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه نوعان؛ توحيد في الإثبات والمعرفة، وتوحيد في الطلب والقصد. شوف، توحيد المعرفة والإثبات، والقصد والطلب، فالأول هو إثبات حقيقة ذات الرب تعالى وصفاته وأفعاله وأسمائه، ليس كمثله شيء في ذلك كله كما أخبر به عن نفسه وكما أخبر رسوله صلى الله عليه وسلم.
وقد أفصح القرآن عن هذا النوع كل الإفصاح، كما في أول الحديد، يعني أول سورة الحديد، وطه، وأخر الحشر، وأول آلم تنزيل السجدة، وأول آل عمران، وسورة الإخلاص بكمالها، وغير ذلك. والثاني، وهو توحيد الطلب والقصد، مثل ما تضمنته سورة ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾ [الكافرون: 1]، و﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ [آل عمران: 64]، وأول سورة تنزيل الكتاب وآخرها، وأول سورة يونس وأوسطها وآخرها، وأول سورة الأعراف وآخرها، وجمله سورة الأنعام، وغالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد، بل كل سورة في القرآن؛ فإن القرآن إما خبر عن الله بأسمائه وصفاته وهو توحيد العلم الخبري، وإما دعوة إلى عبادة الله وحده لا شريك له وخلع ما يعبد من دون الله فهو التوحيد الإرادي الطلبي.
هذا التوحيد من جهة ما يقوم به العبد، تعالوا نأخذ التوحيد من جهة ما يستحقه الرب. الرب سبحانه وتعالى واحد في ربوبيته، واحد في ألوهيته، واحد في أسمائه وصفاته. تعال نقرا مثلاً سورة الفاتحه: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ * إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 1-5]. ناخذ فاصل ثم نبين أقسام التوحيد من جهة ما يستحقه الرب من خلال سورة الفاتحة.
تشبيه المتربي بالأخيار في شيء من صفات خلقته أو طبائعه يغرس في نفسه التعلق بهديهم وحب اللحاق بهم. قال الذهبي في معجم شيوخه عن البرزالي، وهو الذي حبب إلي طلب الحديث فانه راى خطي فقال: خطك يشبه خط المحب، فأثر قوله في نفسي، وانت ترى الذهبي علماً في أهل الحديث. اربط ولدك أو تلميذك بالصالحين في كنيته أو اسمه أو صفته. هل أنت حريص على تصحيح عباداتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم إذ لا تصح عبادة إلا به، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلِلْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19].
وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه، بألا تريد به إلا وجه الله، قال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ﴾ [الزمر: 11]. وبالإخلاص ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط، قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». وبالأخلاق يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد، قال الذهبي: علامة المخلص أنه إذا عوتب لا يبرئ نفسه بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي.
ويجب توفر الإخلاص في التعلم والتعليم والتأليف، قال أبو داود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصره الدين لا مدحه بين الأقران لححسن التأليف. فأخلص النية واحذر من فسادها كطلب العلم لأجل المال والثروة أو الجاه والشهره أو المراء والجدل؛ فإن ذلك يفسد العمل، قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾ [الفرقان: 23].
حياكم الله أيها الأحبه في الله. وقفنا عند سورة الفاتحة من خلالها نعرف أقسام التوحيد من جهة ما يستحقه الرب: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ [الفاتحة: 2] جميع المحامد لله لأنه سبحانه وتعالى رب، ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] لأنه رب العالمين. والرب معناه الصاحب السيد الخالق لجميع العوالم، فالعالم ما سمي عالماً إلا لأنه علامة على وجود الرب سبحانه وتعالى. فالله سبحانه وتعالى هو رب هذا العالم، هو صاحبه وسيده وخالقه ومالكه، فالحمد لله رب العالمين، إذا هنا توحيد الربوبية. ﴿الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 3-4] هذا توحيد الأسماء والصفات، الله عز وجل من اسمائه الرحمن الرحيم الملك، وهو سبحانه وتعالى لا مثيل له في أسمائه ولا في صفاته. ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] هذا توحيد الألوهية.
إذاً، أقسام التوحيد من جهة ما يستحقه الرب: التوحيد ثلاثة أقسام؛ توحيد الربوبية، توحيد الأسماء والصفات، توحيد الألوهية. ناخذ قول الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَٰهِ النَّاسِ﴾ [الناس: 1-3]، اشتملت هذه الثلاث الآيات على أنواع التوحيد الثلاثة: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ هذه الربوبية، ﴿مَلِكِ النَّاسِ﴾ هذه الأسماء والصفات، ﴿إِلَٰهِ النَّاسِ﴾ هذا توحيد الألوهية.
ولذلك ورد أيضاً في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم في -يعني كما يرويه جابر في صفة حجه- قال صلى الله عليه وسلم: فاهل بالتوحيد. ما هو هذا التوحيد من جهة ما يستحقه الرب؟ قال: فاهل بالتوحيد: «لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعم لك والملك». إذاً هنا توحيد الربوبية؛ توحيد الربوبية، ملك هذا العالم تدبير هذا العالم، النعم في هذا العالم هي من الله سبحانه وتعالى، وجميع المحامد لله سبحانه وتعالى في اسمائه وصفاته وافعاله، إذاً هنا يكون توحيد الأسماء والصفات. «ولبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك» توحيد الألوهية؛ فنحن نقول: يا الله نجيب دعوتك التي دعوتنا اياها في أداء فريضة الحج، نحن نجيب اجابة خالصة لك، إذاً هذا التوحيد الألوهية. لماذا؟ لأن جميع المحامد لك، هذا توحيد الأسماء والصفات والأفعال، والملك لك سبحان، هذا توحيد الربوبية.
إذاً هذا أقسام التوحيد من جهة ما يستحقه الرب. من جهة ما يستحقه الرب التوحيد ينقسم إلى ثلاثة أقسام: توحيد الربوبية، توحيد الأسماء والصفات، توحيد الألوهية. ما هو توحيد الربوبية؟ الربوبية شوف لاحظ كلمة رب، الرب يعني الصاحب السيد رب الدار رب الفرس، إذا توحيد الربوبية لاحظ فيه كلمة الرب إذا ربوبية الله لماذا للعالم؟ فهو أن نعتقد انفراد الله سبحانه وتعالى بالخلق والملك والتدبير هذا توحيد الربوبية. توحيد الألوهية لاحظ كلمة الألوهية ففيها تأله، فهو إفراد الله سبحانه وتعالى بالتأله وهو.
التعبد، أي نعتقد أن الله سبحانه وتعالى هو المستحق للعبادة، ونعتقد بطلان عبادة كل ما سواه. لأن الآن نتعلق بالرب، لاحظوا من ناحية التوحيد من جهة أقسام الرب كلها اعتقاد: نعتقد نعتقد نعتقد أن الله المنفرد بالخلق والملك والرزق والتدبير، نعتقد أن الله سبحانه وتعالى هو المستحق للعبادة توحيد الألوهية، نعتقد أن الله سبحانه وتعالى لا مثيل له في أسمائه ولا في صفاته هذا من جهة ما يستحق الرب، ومن جهة ما يقوم بالعبد نقوم بعباده الله وحده لا شريك له لأن هذا هو اعتقادنا في الله سبحانه وتعالى.
يقول ابن أبي العز الحنفي: التوحيد -يقصد من جهة ما يستحق الرب- يتضمن ثلاثة أنواع: أحدها الكلام في الصفات، يعني أن الله سبحانه وتعالى لا مثل له ولا نظير له في أسمائه وفي صفاته. والثاني توحيد الربوبية، بيان أن الله وحده خالق كل شيء. الثالث توحيد الألوهية، وهو استحقاقه سبحانه وتعالى أن يعبد وحده لا شريك له.
يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: ينقسم التوحيد إلى ثلاثة أقسام -يقصد هنا من جهة ما يستحق الرب-: توحيد الربوبية، توحيد الألوهية، توحيد الأسماء والصفات. يقول: وقد اجتمعت في قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ [مريم: 65] توحيد الربوبية، ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ [مريم: 65] توحيد الألوهية، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: 65] توحيد الأسماء والصفات.
إذاً، أقسام التوحيد من جهة ما يستحقه الرب: توحيد الربوبية، توحيد الأسماء والصفات، توحيد الألوهية. ومن جهة ما يقوم به العبد التوحيد توحيدان: توحيد قولي علمي، وتوحيد عملي إرادي. تعالوا الآن ننظر إلى العلاقة بين أقسام التوحيد من جهة ما يقوم به العبد ومن جهة ما يستحقه الرب. قلنا أقسام التوحيد من جهة ما يستحقه الرب: ربوبية، أسماء وصفات، ألوهية.
الربوبية: نعتقد انفراد الله بربوبيته للعالم، أي انفراده بالخلق والملك والتدبير، هذا يسمى توحيداً قولي وعلمي وهو أن يعلم العبد بأن الله واحد لا شريك له، فهذا القسم يقابله في التقسيم الأول توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات. الأسماء والصفات: نعم، نعتقد انفراد الله بما ثبت له من الأسماء والصفات، أي نؤمن بأن كل ما أخبرنا الله به عن نفسه في الكتاب أو السنة نفياً أو إثباتاً فإن الله لا مثيل له في ذلك ولا نظير، فهذا يقابله أيضاً التوحيد القولي والعلمي.
وتوحيد الألوهية: أن نعتقد انفراد الله سبحانه وتعالى باستحقاق التأله وهو التعبد، أي نعتقد أن الله وحده هو المستحق للعبادة ونعتقد بطلان عبادة كل ما سواه، فهذا يتعلق بالرب سبحانه وتعالى. التوحيد العملي الإرادي: هو أن يترك العبد عباده كل ما سوى الله ويتوجه بالعبادة لله وحده، فهذا التوحيد -توحيد العمل الإرادي- يقابل توحيد الألوهية. التوحيد القولي والعلمي يقابله توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، فهذه هي العلاقة بين أقسام التوحيد.
قال شيخ الإسلام رحمه الله: والمقصود بيان حال العبد المحض لله الذي يعبده ويستعين، فيعمل لله ويستعين ويحقق قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: 5] توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية. وإن كانت الألوهية تتضمن الربوبية والربوبية تستلزم الألوهية، فإن إحداهما إذا تضمن الأخرى عند الإفراد لم يمنع أن يختص بمعناه عند الاقتران كما في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ * مَلِكِ النَّاسِ * إِلَهِ النَّاسِ﴾ [الناس: 1-3] وفي قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] فجمع بين الاسميين: اسم الإله واسم الرب. فإن الإله هو المعبود الذي يستحق أن يعبد، والرب هو الذي يربي عبده فيدبر.
يعني باختصار: توحيد الألوهية يتضمن توحيد الربوبية، وتوحيد الربوبية يلزم منه توحيد الألوهية. توحيد الألوهية عموماً يتضمن الربوبية والأسماء والصفات، وتوحيد الربوبية يلزم منه الاتيان بتوحيد الألوهية، هذا هو المقصود في العلاقة بين أقسام التوحيد. أدلة ذلك: قلنا إن القرآن والسنة قد جاءا بأقسام التوحيد، لكن هل يعني يسمى توحيد الربوبية توحيد الألوهية توحيد الأسماء والصفات؟ لا، هذه مصطلحات، لكن القرآن قد دل عليها دلالة واضحة.
سورة الإخلاص: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ * اللَّهُ الصَّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 1-4] توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات، والصمد الذي يصمد إليه الخلائق يعود الخلائق إليه، إذاً هذا توحيد الألوهية. سورة الفاتحة أيضاً تضمنت أنواع التوحيد الثلاثة كما بينا في ذلك. نختم كلامنا في هذا الدرس عن الواجب علينا في التوحيد.
لما كان الكلام -كلام أي متكلم في هذه الحياة- إما أن يكون خبراً أو طلباً، والخبر يدور بين النفي والإثبات والطلب إما أمر أو نهي أو استفهام أو نحو ذلك، خلونا ناخد في الأمر والنهي. المستمع للخبر المنفي والمثبت إما أن يصدق أو يكذب، والمستمع للطلب -الأمر والنهي- إما أن يمتثل أو لا يمتثل. توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات هو من باب الخبر الدائر بين النفي والإثبات، فما الواجب علينا؟ أن نصدق، نأتي بكلمة أعظم الإيمان.
الواجب علينا في توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات هو الإيمان بكل ما أخبرنا الله عز وجل به عن نفسه نفياً أو إثباتاً من غير شك في ذلك، نؤمن من غير شك، نؤمن من غير تقدم، نؤمن من غير إلحاد، لا نتقدم على قول الله وقول رسوله. والواجب علينا في توحيد الألوهية -لما كان توحيد الألوهية من باب الطلب الدائر بين الأمر والنهي- فالواجب علينا هو الامتثال، أن نمتثل لما طلبه الله سبحانه وتعالى منا فعلاً أو تركاً، نمتثل من غير شرك، نمتثل من غير اعتراض، نمتثل من غير ابتداع، هذا هو الواجب علينا في التوحيد، سواء في توحيد الربوبية، توحيد الأسماء والصفات، أو في توحيد الألوهية.
دائماً تذكروا في الواجب علينا في توحيد الألوهية، الربوبية، الأسماء والصفات: أنه من باب الخبر، إذاً نؤمن. الواجب علينا في توحيد الألوهية تذكروا دائماً أنه طلب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: 21]، ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا﴾ [البقرة: 22]، إذاً نمتثل، نمتثل لما طلبه الله عز وجل منا فعلاً أو تركاً من غير شرك هذا توحيد الألوهية، وهناك من غير شك نؤمن من غير شك.
فالتوحيد هو الإيمان بالخبر بغير شك، والامتثال للطلب بغير شرك. إذا فعلنا ذلك فقد أتينا بالواجب علينا في توحيد الله سبحانه وتعالى. نكتفي بهذا الكلام في هذا الدرس، وبمشيئة الله سبحانه وتعالى في الدرس القادم نبدأ في الكلام عن توحيد الربوبية بالتفصيل. أقول قولي هذا وأسأل الله سبحانه وتعالى لي ولكم المغفرة من الذنوب والخطايا، وإلى لقاء في حلقة قادمة بمشيئة الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
د. أبو زيد مكي القبي