تسجيل الدخول

المحاضرة 17 - خصائص توحيد الربوبية

أبو زيد مكي القبيد. أبو زيد مكي القبي
  • مدة الدرس:
  • قراءة

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أمين. اللهم إنا نسأعل علما نافعا، وعملا صالحا، وقلبا خاشعا، ولسانا ذاكرا. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعلة حجة علينا يا رب العالمين.

أيها الأحبه في الله، ما زلنا نواصل تدارس مادة العقيدة للمستوى الأول في أكاديمية زاد. واليوم بمشيئة الله نتحدث عن أهم خصائص الربوبية، وسنحاول أن نتحدث كذلك عن مقتضيات توحيد الربوبية كمراجع، وإن كنا قد مررنا عليها من قبل مرورا سريعا، سنعود للتاكيد عليها اليوم.

نبدأ بأهم خصائص الربوبية. ما هي أهم خصائص الرب جل جلاله؟ أول خصيصة من خصائص الربوبية الغنى التام. فالله سبحانه وتعالى هو الغني عن كل ما سواه سبحانه وتعالى، وكل ما سواه فقير إليه جل جلاله.

قال الله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ ۖ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [فاطر: 15]. فالله غني بذاته عما سواه، فجل جلاله لم يسبق بعدم ولا يلحق فناء. غني في وجوده سبحانه وتعالى، فلا يحتاج لمن يخلقه سبحانه وتعالى، وهو لم يلد؛ فهو الأول الذي ليس قبله شيء، ولا يحتاج لمن يخلفه جل جلاله؛ فهو الآخر الذي ليس بعده شيء، ولم يلد سبحانه وتعالى. فهو جل جلاله من أهم خصائصه سبحانه وتعالى الغنى التام.

الخصيصة الثانية من خصائص الرب جل جلاله: الخلق العام. فهو سبحانه وتعالى خالق كل شيء، كما قال الله عز وجل عن نفسه: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: 62]. وقال الله عز وجل: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ ۖ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لّا إِلَٰهَ إِلَّا هُو فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ﴾ [المؤمنون: 62].

فهو الخالق سبحانه وتعالى وما سواه مخلوق. فكل الموجودات هي مخلوقاته سبحانه وتعالى، ويتضمن ذلك ويدخل في ذلك أفعال العباد؛ فأفعال شارب الخمر وكذلك هذا فعله، لكنها أفعال العباد مفعولة لله، مخلوقة لله بما خلق الله في العباد من القدرة والإرادة. فلذلك أفعالهم فعل لهم مفعولة لله جل جلاله، مخلوقة لله، فلا يخرج عن مخلوقات الله سبحانه وتعالى شيء. فالله هو الخالق العام سبحانه وتعالى وما سواه مخلوق.

من خصائص الربوبية: الملك التام. فكل المخلوقات هي ملك لله جل جلاله، خاضعة لسلطانه، تحت ملكه، لا يخرج منها شيء عن سلطانه وقهره. وملْك غيره في الدنيا إنما هو بتمليكه له، فلو شاء لنزعه منه. فهو سبحانه وتعالى المالك الحقيقي لجميع المخلوقات، وفي اليوم الآخر لا ملك إلا لله سبحانه وتعالى.

قال الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۗ وَاللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 189]. وقال الله عز وجل: ﴿لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ ۚ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [المائدة: 120]. وقال الله عز وجل: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾ [الفرقان: 2].

الملك التام، ننتبه أيها الأحبه هنا، أنه لا يخرج عن ملك الله سبحانه وتعالى شيء. أذكر يعني كتوضيح بالنسبة للمعاصي والكفر: هل هي خارجه عن سلطان الله؟ لنضرب لذلك مثلا من الأمثل: لو أن ملكا من الملوك عنده مملكة كبيرة، ثم بنى عاصمة داخل هذه المملكة وزينها، بنى هذا الملك عاصمة وزينها في داخل مملكته، ثم قال للرعية: أيتها الرعية ادخلوا العاصمة، فمن دخل العاصمة فله كذا وكذا من الثواب، ومن بقي خارج العاصمة فعليه كذا وكذا من العقاب، المهلة لديكم شهر.

بعد شهر انقسمت الرعية إلى قسمين: قسم دخل العاصمة، وقسم لم يدخلها. هل الذين لم يدخلوا العاصمة خرجوا عن ملك الملك؟ خرجوا عن سلطانه؟ خرجوا عن مملكته؟ لا، لم يخرجوا عن مملكته، والذين دخلوا العاصمة أيضا ما زالوا في مملكته، لكنهم دخلوا في مملكة خاصة في العاصمة التي يحبها هذا الملك.

وهكذا، فلله سبحانه وتعالى المثل الأعلى؛ لا يخرج عن سلطان الله سبحانه وتعالى أحد، لا إبليس ولا الكفار، لكنهم يبقون تحت السلطة العامة، والذين أطاعوا الله جل جلاله دخلوا تحت السلطة الخاصة. هذه تسمى في باب القضاء والقدر الإرادة الكونية والإرادة الشرعية.

كذلك أيها الأحبه في الله، من خصائص الرب جل جلاله: التدبير العام لجميع مخلوقاته. ومن ضمن التدبير التشريع؛ فكما هو يدبر أمر الكون، جعل سبحانه وتعالى للناس الشريعة يسيرون عليها. الرب سبحانه وتعالى يدبر جميع مخلوقاته، فجعل لمخلوقاته سننا تسير عليها، وجعل للمكلفين شريعة منهاجا لهم في حياتهم. فهو سبحانه وتعالى يدبر أمور مخلوقاته بقدرة وعلم وحكمة.

قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَىٰ عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۖ مَا مِن شَفِيعٍ إِلَّا مِن بَعْدِ إِذْنِهِ ۚ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ ۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [يونس: 3]. وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمۡعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ ۚ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ ۚ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾ [يونس: 31]. إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة التي يذكر الله سبحانه وتعالى فيها أمر التدبير.

كذلك من خصائص الرب سبحانه وتعالى: الاستقلال بالفعل. فالرب جل جلاله قادر على الفعل بنفسه بدون معين أو شريك، وليس في الوجود شيء واحد يستقل بفعل شيء إذا شاء إلا الله وحده. ليس في الوجود شيء واحد يستقل بفعل شيء إذا شاء إلا الله وحده. فالله سبحانه وتعالى كلما أراد، وكل ما اقتضت حكمته فعل، فهو سبحانه وتعالى كل ما أراد فعله واقتضت حكمته فعله تبارك وتعالى لا يرده أحد عن مراده. قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّال لِّمَا يُرِيدُ﴾ [هود: 107].

أيضا أيها الأحبه في الله، من خصائص الربوبية: العطاء والمنع. فالرب سبحانه وتعالى المعطي المانع، لا مانع لما أعطى ولا معطي لما منع، وليس في مخلوقاته جل جلاله من يعطي ويمنع مستقلا بذاته، بل كل المخلوقات من كان جعله الله سببا فهو سبب مسخر بقدرة الله وحكمته، فالله يجري العطاء والمنع بواسطته.

قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاءُ وَيَقْدِرُ ۚ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ [الإسراء: 30]. وقال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا ۚ إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِندَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ ۖ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [العنكبوت: 17].

كذلك أيها الأحبه في الله، من خصائص الرب وخصائص الربوبية: الخفض والرفع. فالرب جل جلاله يخفض من يشاء بعدله ويرفع من يشاء بفضله، ولا يستقل أحد سواه بذلك. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَإِذَا قِيلَ انشُزُوا فَانشُزُوا يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ۚ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾ [المجادلة: 11].

من خصائص الربوبية: العز جل جلاله والذل. فالرب يعز المؤمنين بفضله، ويذل الكافرين بعدله، وهذا من تمام ربوبيته يعز ويذل ويكرم ويهين. قال الله عز وجل: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تشاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تشاء وَتُعِزُّ مَن تشاء وَتُذِلُّ مَن تشاء ۖ بِيَدِكَ الْخَيْرُ ۖ إِنَّكَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: 26]. قال الله عز وجل: ﴿يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ۚ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [المنافقون: 8].

أيها الأحبه في الله، إذا عرفنا هذه الخصائص من خصائص الرب، فلنعلم هذه القواعد التي يعني علمنا إياها شيخ الاسلام ابن تيمية مستنبطا إياها من توحيد الربوبية: قال: إذا أصابك مضرة كالخوف والجوع والمرض، فإن الخلق لا يقدرون على دفعها إلا بإذن الله، ولا يقصدون دفعها إلا لغرض لهم في ذلك. هذه قاعدة، قاعدة في توحيد الربوبية، أي مضرة تصيبك من خوف أو جوع أو مرض ما علاقتها؟

الخلق بيعني دفع هذه المضرة عنك لا يقدرون إلا إذا أذن الله، جعلهم الله عز وجل أسباباً يدفع عنك هذا الضرر، ثم هم في الوقت ذاته عندما يدفعون عنك هذا الضرر لا يقصدون الدفع إلا لغرض لهم في ذلك، لابد أن يكون عندهم غرض يعني يحققونه من وراء دفع المضرة عنك. هذا هو حال الخلق، أما الله سبحانه وتعالى فإنه يدفع عنك هذه المضرة فالجأ إليه.

قاعدة ثانية في توحيد الربوبية: الخلق لو اجتهدوا أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بأمر قد كتبه الله لك، هناك الضرر وهنا النفع. ولو اجتهدوا أن يضروك لم يضروك إلا بأمر قد كتبه الله عليك، فهم لا ينفعونك إلا بإذن الله ولا يضرونك إلا بإذن الله، فلا تعلق بهم رجاءك.

قاعدة ثانية من كلام ابن تيمية رحمه الله أيضاً من القواعد التي يذكرها شيخ الإسلام يقول: إذا كنت غير عالم بمصلحتك ولا قادر عليها ولا مريد لها كما ينبغي، فغيرك من الناس أولى ألا يكون عالماً بمصلحتك ولا قادراً عليها ولا مريداً لها، والله سبحانه وتعالى هو الذي يعلم ولا تعلم، ويقدر ولا تقدر، ويعطيك من فضله العظيم.

إذا كان الجسم لا يستغني عن الطعام والشراب، فإن غذاء القلب الذي لا يستغني عنه هو ذكر الله، فهو حياة القلب وراحته. وفي الحديث: «مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه مثل الحي والميت». وبه طمأنينة القلب وسكينته: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. وهو وصية النبي صلى الله عليه وسلم لمن كثرت عليه شرائع الإسلام: «لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله».

وإذا خف البدن بالصيام من تخمة الطعام والشراب، نشط القلب واللسان لذكر الله. فالصيام فرصة للجلوس في المسجد بعد الفجر لذكر الله حتى طلوع الشمس، وبعد العصر لذكر الله حتى الأذان، وبعد السحر يذكر الله ويستغفره حتى أذان الفجر. وكفى الذاكر فضلاً أن الله يذكره: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: 152].

كان الحسن البصري يقول: يا ابن آدم إنما أنت أيام، فاذا ذهب يوم ذهب بعضك. فوقتك هو عمرك، إنه رأس مالك الحقيقي لأنه محدود وما ذهب منه لا يعود. قال عليه الصلاة والسلام: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ» رواه البخاري. أي أن هاتين النعمتين لا يعرف قدرهما ولا ينتفع بهما كثير من الناس.

وفي هذا إشارة إلى أهمية الوقت واغتنامه والحفاظ عليه. ورمضان واحد في السنة يمر سريعاً مر السحاب، كما قال تعالى: ﴿أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾ [البقرة: 184]. ولكن الله تعالى جعل فيه ليلة هي خير من ألف شهر. إنها أيام قلائل فلا تفرط فيها، أكثر من تلاوة القرآن الكريم وذكر الله تعالى، حافظ على النوافل والسنن الرواتب، ادع إلى خير، مر بمعروف وانه عن منكر، وانصح لإخوانك المسلمين، واغتنم الأوقات الفاضلة في الدعاء والذكر: ثلث الليل الآخر، السحر، بين الأذان والإقامة، عند الإفطار، بعد صلاة الفجر حتى طلوع الشمس. دقات قلب المرء قائلة له إن الحياة دقائق وثوان.

حياكم الله أيها الأحبة في الله. اخذنا من خصائص الربوبية: الغنى التام، الخلق العام، الملك التام، التدبير بإحسان وحكمة، ويدخل في ذلك التشريع، الاستقلال بالفعل، العطاء والمنع، الخفض والرفع، العز والذل، وهو يعز من يشاء ويذل من يشاء، هذه من خصائص الرب.

ثم دخلنا في بعض القواعد التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية لمن عرف هذه الخصائص عن الرب سبحانه وتعالى، يريد من هذه القواعد أننا نعلق قلوبنا بالله سبحانه وتعالى وحده في جلب المنافع ودفع المضار. فقال بالنسبة للضرر: إذا أصابك ضرر من خوف أو جوع أو مرض، هل يستطيع المخلوق أن يدفع عنك هذا الضر؟ لا يدفعونه إلا إذا أذن الله، وغالباً يقول إنهم يقصدون دفعها لغرض لهم في ذلك.

أيضاً من القواعد التي ذكرناها قبل الفاصل أن الخلق لو اجتهدوا أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بأمر قد كتبه الله لك، ولو اجتهدوا على أن يضروك لم يضروك إلا بأمر قد كتبه الله عليك، فهم لا ينفعونك إلا بإذن الله ولا يضرونك إلا بإذن الله، فلا تعلق بهم رجاءك.

ثم القاعدة الثالثة التي ذكرها قال: إذا أنت بنفسك غير عالم بمصلحتك ولا قادر عليها ولا مريد لها كما ينبغي، فغيرك من الناس أولى ألا يكون عالماً بمصلحتك ولا قادراً عليها ولا مريداً لها، من الذي عالم بمصلحتك، قادر عليها، مريد لها؟ هو الله سبحانه وتعالى، فعلق قلبك بالله.

ثم ذكر قاعدة عجيبة يقول: من اعتمد عليه القلب في رزقه ونصره ونفعه وضره، خاضع له وذل القلب. إذا كان معتمداً على أحد في هذه الأمور في الرزق والنصر والنفع والضر لابد أن يخضع له ويذل وينقاد له ويحبه من هذه الجهة، فإن كان هذا الذي اعتمد عليه القلب هو الله جل جلاله خضع لله سبحانه وتعالى، وإن كان هذا مخلوقاً ما، فانه قد يغلب عليه الحال حتى يحبه لذاته وينسى مقصوده منه، كما يصيب كثيراً ممن يحب المال أو يحب من يحصل له به العز والسلطان، أنه يتحول إلى حب لذاته واعتماد ويصبح هذا الانسان متعلقاً بهذا المخلوق.

قاعدة خامسة يذكرها يقول: المخلوق ليس عنده للعبد نفع ولا ضرر ولا عطاء ولا منع ولا هدى ولا ضلال ولا نصر ولا خذلان ولا خفض ولا رفع ولا عز ولا ذل، هذه من خصائص الرب. بل ربه هو الذي خلقه ورزقه وبصره وهداه وأسبغ عليه نعمته، فاذا مسه الله بضر فلا يكشفه عنه غيره، وإذا أصابه بنعمة لم يرفعها عنه سواه، وأما العبد فلا ينفعه ولا يضره إلا بإذن الله سبحانه وتعالى.

قاعدة سادسة في اعتماد الإنسان على المخلوق: إذا اعتمد الإنسان على مخلوق وتوكل عليه، فانه يأتيه الضرر من جهة هذا المخلوق الذي اعتمد عليه وتوكل عليه، فانه يخذل من تلك الجهة، وهذا كما يقول شيخ الإسلام معلوم بالاعتبار والاستقراء، ما علق العبد رجاءه وتوكله بغير الله إلا خاب من تلك الجهة، ولا استنصر بغير الله إلا خذل. الله المستعان.

هذه بعض القواعد المتعلقة بتوحيد الربوبية، كلما علق الإنسان قلبه بربه سبحانه وتعالى أثمرت له ثمرات عظيمة. ننتقل إلى الكلام عن مقتضيات توحيد الربوبية، هذا الذي عرف ربه سبحانه وتعالى وأنه منفرد بالخلق والملك والرزق والتدبير، ما الذي يوجب عليه ذلك؟ هذا الإقرار يوجب عليه أشياء، ما هي هذه الأشياء التي يوجبها ويقتضيها الإقرار لله سبحانه وتعالى بالربوبية وأنه منفرد بربوبية العالم وحده سبحانه وتعالى؟

أول شيء: توحيد الرب سبحانه وتعالى في ذاته وأسمائه وصفاته، لأن الله سبحانه وتعالى هو الخالق وما سواه مخلوق، فلا يمكن أن يكون المخلوق مماثلاً للخالق سبحانه وتعالى في وجوده أو في ذاته أو في أسمائه أو في صفاته، ولا يمكن أن يكون الخالق مماثلاً للمخلوق في ذاته أو في وجوده أو في أسمائه وصفاته. إذاً عندما تقر بأن الله هو المنفرد بالخلق وما سواه مخلوق، فلا بد أن توحد الله سبحانه وتعالى في ذاته وأسمائه وصفاته وأنه لا مثيل له في ذلك جل جلاله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4]. هذا من مقتضيات توحيد الربوبية.

من مقتضيات توحيد الربوبية أيضاً أن تتوجه إلى الله جل جلاله في القصد والطلب بشرعه. من مقتضيات توحيد الربوبية توحيده في التوجه والقصد والطلب بشرع، المقصود أن تتوجه إلى الله سبحانه وتعالى بالعبادة التي شرعها. فمن أعظم مقتضيات الربوبية إفراد الله بالعبودية الخالصة له وفق الشريعة التي جاء بها محمد صلى الله عليه وسلم، قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ ۖ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 21-22]. يا أيها الناس اعبدوا ربكم، فلا تجعلوا لله أنداداً وأنتم تعلمون أن الله هو المنفرد بالخلق والملك والرزق والتدبير، فمن مقتضيات توحيد الربوبية إفراد الله سبحانه وتعالى.

بالعبودية أيضاً، أيها الأحبه في الله، من مقتضيات توحيد الربوبية توحيد الله في قضائه وقدره. عندما تعلم بأن الله هو المنفرد بتدبير هذا الكون، فلا يتحرك شيء ولا يسكن إلا بإذنه وأمره، فهو الذي قدر الخلائق في الأزل فعلمها وكتبها وشاء وقوعها وخلقها شيئاً بعد شيء، وجب عليك أن توحده في هذا الأمر، وتعتقد أنه لا شريك لله سبحانه وتعالى في تدبير أمر هذا الكون. قال عز وجل: ﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: 59]. توحيد الله في القضاء والقدر، وهذا يتضمن كذلك أن يرضى الإنسان بما أصابه من حوادث الزمان، وما يحدث له في حياته، فإنه يعلم أن ذلك كله بقضاء وقدر.

كذلك من مقتضيات توحيد الربوبية توحيد الله سبحانه وتعالى في التشريع. تعتقد أنه ليس لأمير ولا وزير ولا عالم ولا عابد أن يكون مشرعاً مع الله، فالتحليل والتحريم لا يكون إلا لله سبحانه وتعالى. قال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُم مِّنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَن بِه اللَّهُ﴾ [الشورى: 21]. قال الله: ﴿وَلَوْلَا كَلِمَةُ الْفَصْلِ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ ۗ وَإِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [الشورى: 21]. فتوحيد الله في تشريع هذه المقتضيات تسمى مقتضيات توحيد الربوبية. يقتضي توحيد الربوبية توحيد الله في ذاته وأسمائه وصفاته، يقتضي توحيد الربوبية إفراد الله بالعبادة، يقتضي توحيد الربوبية الرضا بقضائه وقدره، يقتضي توحيد الربوبية توحيده في التشريع. فما ابتلينا به في زماننا هذا من قضية السيادة للشعب وأن للشعب حق التحليل والتحريم أو حق التشريع، هذا والعياذ بالله كله مما ينقض توحيد الربوبية في نفس الإنسان. من اعتقد أن هناك مشرعاً مع الله سبحانه وتعالى فقد نقض توحيده، ولذلك سنتحدث عن نواقض توحيد الربوبية.

أول ناقض من نواقض توحيد الربوبية هو الإلحاد بإنكار وجود الله مطلقاً، أو يؤمن بوجود الله لكن يعطل أسماء الله عز وجل وصفاته، يعطلها حتى يصبح كأنه يعبد عدماً عياذاً بالله. فالإلحاد المطلق المعروف في العصر الحاضر، إذا قيل الإلحاد هو إنكار وجود الله في زماننا هذا. وهناك نوع من الإلحاد يكون يقر بوجود الله لكن يعطله عن أسمائه وصفاته وعن أفعاله سبحانه وتعالى وكأنه يعبد عدماً. مثال من وقع في هذا الناقض فرعون، قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّن إِلهٍ غَيْرِي﴾ [القصص: 38]. وإن كان فرعون كما قال الله عز وجل: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: 14]، هو في قراره نفسه يقر بوجود هذا الإاله، لكنه إنما فعل ذلك استكباراً وجحداً.

الدهرية وهم طائفة ظهروا قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا يقولون: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: 24]. فينسبون للدهر الخلق والموت وأنه لا يوجد يوم آخر وهكذا، وكذلك الملاحده في عصرنا الحاضر. كذلك ممن قد يستغرب بعض الناس أن هؤلاء يدخلون في الملاحدة، يكونون ملاحدة أيضاً: أهل وحدة الوجود. أهل وحدة الوجود هؤلاء ألحدوا إلحاداً عظيماً لأنهم يرون أن كل الموجودات هي الله سبحانه وتعالى، والله يتجلى في مخلوقاته، تعالى عز وجل عن ذلك علواً كبيراً. كذلك الذين يقولون بققدم العالم، هؤلاء ألحدوا فعطلوا العالم عن خالقه سبحانه وتعالى لما قالوا هذا العالم قديم. وكذلك من عطل اسماء الرب سبحانه وتعالى وأوصافه وفعاله من غلاة الجهمية والقرامطه، كلهم يدخلون في هذا الناقض.

قد يسأل شخص: من هم غلاة الجهمية والقرامطة؟ غلاة الجهمية هؤلاء ينكرون جميع الأسماء والصفات. والقرامطة يقولون: نحن ننكر النفي وننكر الإثبات. طيب ماذا تقول؟ يقول: لو وصفنا الله وقلنا موجود لشبهناه بالموجودات، ولو قلنا الله سبحانه وتعالى معدوم لشبهناه بالمعدوم. طيب ماذا تقول؟ لا موجود ولا معدوم، يرفعون عن الله النقيضين. هؤلاء أصلاً ملاحدة، هؤلاء في حقيقة أمرهم هم ملاحدة ينكرون وجود الله سبحانه وتعالى لكن لا يجرؤون على ذلك فيأتون بمثل هذه العبارات. إذاً، هذا الناقض الأول وهو الإلحاد بإنكار وجود الله مطلقاً.

الناقض الثاني: التشريك مع الله سبحانه وتعالى، اعتقاد شريك مع الله في الخلق باثبات فاعل مستقل غير الله سبحانه وتعالى، شريك معه في الخلق باثبات فاعل مستقل غير الله. مثل من؟ مثل الثنوية والمجوس، هؤلاء يرون أن الإله العظيم عندهم هو خالق الخير وهذا يسمونه النور، أما الظلمة فهي خالقة للشر، فهؤلاء يعتبرون هناك خالقين في هذا الكون. كذلك القائلون بالتثليث، القائلون بالتثليث يجعلون مع الله سبحانه وتعالى خالقاً، فعندهم الأب والابن وروح القدس، ويجعلون لكل واحد صفات مستقلة ولكل واحد منهم فعل في أمر هذا الكون وهو مستقل عن الآخر في أفعالهم. وكذلك هو لازم مذهب القدرية الذين يعتقدون أن الإنسان خالق لفعله، هؤلاء يدخلون في مثل هذا الناقض. ناخذ فاصل ثم نعود ونستكمل معكم ما تبقى بإذن الله.

القرآن كنز عامر بالفضائل والخيرات، وللوصول إلى فوائد هذا الكنز لابد من استعمال مفاتيحه وهي آداب تلاوة القرآن. فمنها إخلاص النية لله تعالى، فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن من أوائل من تسعر بهم النار يوم القيامة قارئ للقران، يقال له: قرأت القرآن ليقال هو قارئ. ومنها التسوك والتطهر من الحدث الأصغر واستقبال القبلة، وعند البدء بالتلاوة يستعيذ بالله من الشيطان: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النحل: 98]. ويرتل القرآن بتمهل وتبيين للحروف، وكان ابن عباس يقول: لأن أقرا سورة أرتلها أحب إلي من أن أقرأ القرآن كله.

ويستحب تحسين الصوت بالقران، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «زينوا القرآن بأصواتكم». وإذا مر بآية رحمة أن يسأل الله تعالى من فضله، وإذا مر بآية عذاب أن يستعيذ بالله من العذاب. ويستحب الاجتماع على تلاوة القرآن وتدبره وتدارسه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله في من عنده».

إذا أحببت أن تتعرف على دينك أكثر، أن تزداد علما وتنهل خيراً، أن تسمع وترى ما يقربك من ربك ويحببك في نبيك وتزكو به نفسك، في قناة زاد تجد ذلك وأكثر. تصفح وتجول في واحة إيمانية من مقاطع مميزه من إنتاج مجموعة زاد تتنوع بين المادة العلمية والرقائق الإيمانية والفواصل الدعوية المحترفة إعلامياً والمؤصلة منهجياً، تخاطب الرجال والنساء الكبار والصغار، تدعو البعيد وتؤنس القريب. مقاطع موشن جرافيك مميزة، دورات علمية متخصصة، فواصل درامية شيقة، لقاءات دعوية ممتعة، برامج تلفزيونية وندوات شرعية. شاهد، شارك، انشر.

حياكم الله أيها الأحبة في الله، ما زلنا نتحدث عن نواقض توحيد الربوبية، وقلنا الناقض الأول هو الإلحاد وهو إنكار وجود الله سبحانه وتعالى، الناقض الثاني هو اعتقاد شريك مع الله سبحانه وتعالى في الخلق. الناقض الثالث هو اعتقاد شريك مع الله سبحانه وتعالى في الملك أو التدبير، فمن جعل لغير الله مع الله ملكاً أو تدبيراً فقد وقع في هذا الناقض. أمثلة على ذلك: الروافض. الروافض ماذا يقولون في الإمام؟ يعتقدون أن للإمام ملك الدنيا والآخرة يتصرف بهما كيف يشاء، ويقولون: تراب الحسين شفاء من كل داء وأمان من كل خوف، ويقولون إن أئمتهم يعلمون الغيب ويعلمون متى يموتون ولا يموتون إلا بإذنه.

النصيرية كذلك ممن وقع في هذا الناقض، فيقولون بألوهية علي بن أبي طالب وبأنه المتصرف بالكون لوصفهم إياه بأوصاف لا يجوز أن يوصف بها أحد إلا الله مع اختلاف أقوالهم في هذا، فبعضهم يقول إنه يسكن في الشمس ويسمون بالشمسية، بعضهم يقول يسكن في القمر ويسمون القمرية، بعضهم يقول يسكن في السحاب وهكذا. كل منهم يزعم أن علي رضي الله عنه له ملك ما وتدبير ما في أمر هذا الكون، بل يقولون إنه يتصرف في أمر هذا الكون. غلاة الصوفية كذلك يغلون في أئمتهم وفي الأولياء فيزعمون أنهم يضرون وينفعون ويتصرفون في الأكوان ويعلمون الغيب، فإذا حُجّجُم قالوا: الله عز وجل أقرضهم على ذلك. كذلك أيها الأحبة في الله من...

نواقض توحيد الربوبية: أن يجعل مع الله شريك يشرع الحلال والحرام، ممن وقع في هذا الناقض ممن يسمون بالقانونيين الذين يضعون للناس القوانين البشرية ويحكمون بها ويطالبون بالتحاكم إليها، لا سيما مثل ما ذكرنا كثروا في هذا العصر ويرون أن الديمقراطية لا علاقة لها بالشرك الأكبر المخرج من ملة الإسلام، لأنه الشعب إذا اختاروا شيئاً فلهم ذلك، وأن الدين إنما هو قيم وأشياء تختار وتجعل وهكذا، وليس الحكم والتشريع التفصيلي من عند الله سبحانه وتعالى، وهذا لا شك أنه من الضلال الذي أصاب المسلمين في هذا العصر.

نتحدث أيها الأحبه في الله أيضاً عن نواقض توحيد الربوبية، وهذا قد يكون هو الدرس الأخير في توحيد الربوبية، ويبقى لنا بمشيئة الله بعض الدروس المتعلقة بقضية الإلحاد.

من نواقض توحيد الربوبية: الحلف بغير الله، يعني لو كان الإنسان معظماً لله جل جلاله، قلبه مليء بتعظيم الله لا يمكن أن يحلف بغيره، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك» رواه الترمذي وحسنه وصححه الحاكم.

الحلف أيها الأحبه في الله ينقسم إلى قسمين: إما حلف بالله، أو حلف بغير الله.

الحلف بالله: إما حلف بأسمائه كقولك: والله والرحمن والعظيم، أو حلف بصفاته كقولك: بعزة الله ورحمة الله وقدرة الله، فهذا الحلف جائز، الحلف بالله أو بأسمائه أو بصفاته.

وهناك حلف بغير الله، أمثلة ذلك: أن يحلف الإنسان بالنبي والنبي، أو بجاه النبي وجاه النبي، أو الحلف بالأولياء أو بجاههم وسيدي فلان وجاه سيدي فلان، أو الحلف بحياه الآباء أو غيرهم وحياة أبيك وحياة أبي وحياة والدي، أو الحلف بالأمانة أو بالشرف والمانة والشرف، أو الحلف بالطلاق وهذا مما ابتلي به الناس لاسيما في هذا العصر وفي هذه البلاد والطلاق عليه الطلاق دائماً بعضهم هكذا يحلف بالطلاق.

ما الحكم إذا كان الإنسان قد حلف بهذه الأشياء (النبي، الولي، الأب، الأمانة، الطلاق ونحو ذلك)؟ إذا وصل الإنسان بتعظيم هذه الأمور إلى درجة تعظيم الله سبحانه وتعالى فهذا قد وقع في الشرك الأكبر، وهذا لا يعتبر من النواقص بل يعتبر من نواقض توحيد الربوبية، لكن إذا كان لا يصل في تعظيمه إلى المساواة بالله إنما يجري ذلك على لسانه واليمين والطلاق يجري على لسان هذا من نواقض توحيد الربوبية، من الدلائل على أن توحيد الربوبية في نفس الإنسان في نفس هذا الإنسان ضعيف جداً.

الكفارة: لو قال الإنسان مثل هذه الأشياء، قال صلى الله عليه وسلم: «من حلف فقال في حلفه واللات والعزى فليقل لا إله إلا الله»، إذاً من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك.

أيضاً أيها الأحبه في الله، من نواقض توحيد الربوبية في نفس الإنسان: أن يقوم باسناد النعم إلى غير الله، أن يسند النعمة إلى غير الله، أو يسند النعمة إلى الله ومعه غيره بحرف يقتضي التسوية مثل يقول لولا الله وفلان، والأولى يقول لولا فلان، يسند النعمة إلى غير الله، الثاني يسند النعمة إلى الله ومعه غيره بحرف الواو بحرف يقتضي التسوية مثل الواو، عن حذيفة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تقولوا ما شاء الله وشاء فلان، ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء فلان» رواه أبو داود بسند صحيح.

هذه التشريك في الألفاظ، المقصود بالتشريك في الألفاظ أن يعطف بالواو بين الله وبين أحد من خلقه في أي أمر يكون للمخلوقات تدخل في وقوعه.

مثال: نجى من حادث وكان السائق ماهر، السائق كان ماهر في تدخل السائق، أم ما تدخل؟ تدخل السائق ونجا الإنسان من الحادث، فيقول هذا الإنسان: لولا الله وفلان، هذا يسمى تشريك في الألفاظ، هذا تشريك في الألفاظ، لولا الله وفلان كان حدث لنا حادث شنيع، هذا المقصود به التشريك في الألفاظ.

أمثله: ما شاء الله وشئت، استعنت بالله وبك، مالي إلا الله وفلان، أو مالي إلا الله وأنت، لولا الله وفلان لهلكت، هذه أمثله التشريك في الألفاظ.

الحكم: كان يعتقد التسوية بينهما وهذا نادر، لكن إن كان يعتقد التسوية بينهما فهذا من النواقض، أما إن كان لا يعتقد التسوية فهذا من شرك الألفاظ، وهذا من نواقض توحيد الربوبية في نفس الإنسان، مما يدل على أن توحيد الربوبية ناقص في نفس هذا الإنسان وليس توحيد الربوبية معظم في قلبه.

ما هو الصواب في مثل هذه الألفاظ؟ أن يأتي بثم دون اعتقاد التسوية، مثل أن يقول: لولا الله ثم فلان، أن يسند الأمر كله لله مثل: ما شاء الله وحده، استعنت بالله وحده.

أيها الأحبه في الله، في موضوع النعم يجب لكوننا نعلم علم اليقين أن النعم كلها من الله، فيجب على الخلق أن يضيفوا النعم إلى الله قولا واعترافا، قولا باللسان واعترافا بالقلب، فمن انكر نعم الله بقلبه ولسانه فهذا كفر العياذ بالله، أن ينكر الإنسان نعمة الله بالقلب واللسان هذا كفر.

من أقر بقلبه أن النعم كلها من الله لكن أخطأ بلسانه أو تارة باللسان يضيفها الله وتارة يضيف لنفسه وعمله أو إلى سعي غيره كما هو جائر على ألسنة كثير من الناس، فهذا يجب على العبد أن يتوب منه وأن لا يضيف النعم إلا إلى موليها وأن يجاهد نفسه على ذلك، لا يتحقق الإيمان في نفس الإنسان إلا بإضافة النعم إلى الله قولا واعترافا.

الشكر يا إخوان، شكر الله سبحانه وتعالى على نعمه قائم على ثلاثة أمور: الأمر الأول: اعتراف القلب بنعم الله كلها عليه وعلى غيره. التحدث بها والثناء على الله بها. الاستعرسان بها على طاعة الله سبحانه وتعالى.

أيضاً يا إخوان، من نواقض توحيد الربوبية في نفس الإنسان: عدم الاقتناع بالحلف بالله، عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تحلفوا بآبائكم، من حلف بالله فليصدق، ومن حلف له بالله فليرض, ومن لم يرض فليس من الله» رواه ابن ماجه بسند حسن.

بالنسبة لأنك تتحدث مع شخص فأقسم لك بالله، من تعظيمك لله جل جلاله في نفسك أنك تقبل هذا اليمين، لكن هذا اليمين له حالات.

الحالة الأولى: أن يكون في المحكمة، فصار الحكم الشرعي المطلوب ممن أنكر أن يقسم بالله، فاقسم بالله فوجب عليك أن تقبل هذا القسم بالله ولا تطالبه أن يأتي في هذا القسم ويذكر عقوبات يدعو على نفسه بالعقوبات، ما يصلح هذا، خلاص أقسم بالله سبحانه وتعالى فهذا وجب على المعظم لله أن يقبل.

أما إذا كان خارج المحكمة، فينظر إلى هذا اليمين خارج المحكمة، إن كان هذا الشخص معروف بالصدق في كلامه فوجب عليك أن تقبل كلامه، لكن إذا لم يكن معروفا بالصدق وكان معروفا بالكذب وقد يكون هذا اليمين من اليمين الكذب، فهذا الإنسان لو لم يقبل الإنسان منه حلفه فهذا لا يدخل في نواقض توحيد الربوبية، لكن يكون شخص معروف بالصدق ومشهور بذلك ثم يحلف لك بالله ولا تقبل هذا اليمين فهذا خطا.

نكتفي بهذا القدر في هذه الحلقة، ولعلنا في الحلقة القادمة نكمل نواقض توحيد الربوبية بإذن الله، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وجزاكم الله خيراً.