السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.
حيّ الله بكم إخواني المشاهدين في الدرس الثامن من دروس العقيدة مادة المستوى الأول بأكاديمية زاد، واليوم بمشيئة الله سنتحدث عن الدليل الأول من أدلة وجود الله سبحانه وتعالى، وهو دليل الفطرة.
أيها الأحبة في الله، يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَىٰ رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 136].
الله سبحانه وتعالى يأمر المؤمنين، والمؤمنون هنا إما أن يكونوا أهل الكتاب: يا أهل الكتاب الذين آمنتم بالكتب السابقة، آمنوا برسولكم، آمنوا بالله ورسوله، يعني ادخلوا أيضاً في الإسلام، هذا معنى.
والمعنى الثاني: يتحدث عن أهل الإيمان الذين آمنوا حقاً بالنبي صلى الله عليه وسلم، يأمرهم الله بزيادة الإيمان بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله، وهنا التفصيل مطلوب منا أن نؤمن بهذه الأمور إيماناً تفصيلياً.
ثم يقول الله عز وجل: ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾. فنحن المؤمنون نُطالب أيضاً بتجديد الإيمان في نفوسنا، وبتعاهد الإيمان في نفوسنا، الإيمان الإجمالي ونزداد من التفصيل في أركان الإيمان.
كما تعلمون أيها الأحبة في الله أن العقيدة الإسلامية -هل تحدثنا عنها كثيراً- وقلنا إن العقيدة الإسلامية يراد بها ما يراد بالإيمان الوارد في حديث جبريل، والإيمان الوارد في حديث جبريل مفهومه هو أن الإيمان في الدين الإسلامي هو جانب من الدين الإسلامي.
فالدين له جانبان: جانب غيب، وجانب شهادة. جانب الغيب من الدين الإسلامي، الغيبيات في الدين الإسلامي والمتعلقة بالقلب، هذه تقوم على ستة أركان: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والإيمان بالقضاء والقدر. هذا الجانب الذي هذه أصوله، هذا يسمى العقيدة الإسلامية.
جانب الشهادة والذي يقوم على خمسة أركان، وهي أركان الإسلام المعروفة، هذا الجانب يسمى جانب الإسلام، وأحياناً يطلق عليه الشريعة الإسلامية. فدين الإسلام له جانبان: الجانب المتعلق بالغيبات، هذا يسمى العقيدة.
إذاً، العقيدة الإسلامية تقوم على أركان الإيمان الستة: الإيمان بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، والايمان باليوم الآخر، والإيمان بالقضاء والقدر. الركن الأول من أركان الإيمان هو الإيمان بالله سبحانه وتعالى.
الإيمان بالله جل جلاله يقوم على أصلين اثنين: الإيمان بوجوده سبحانه وتعالى، والإيمان بوحدانيته، أن الله موجود وهو واحد سبحانه وتعالى، واحد في ربوبيته فلا رب سواه، وفي ألوهيته فلا مستحق للعبادة إلا إياه، وواحد في أسمائه وصفاته فلا ند له فيها ولا نظير.
ويمكن أن نعبر كاصطلاح أن الإيمان بالله جل جلاله يقوم على أصلين اثنين: الإيمان بوجوده، والإيمان بتوحيده، ويمكن أن نعبر فنقول: الإيمان بالله يقوم على أربعة أركان: الإيمان بوجوده، الإيمان بربوبيته، الإيمان بألوهيته، الإيمان بأسمائه وصفاته. فنقول أركان الإيمان ستة، وأركان الإيمان بالله أربعة.
فأول ركن من أركان الإيمان بالله هو الإيمان بوجوده سبحانه وتعالى. دائماً عندما ندرس العقيدة -يعني في موضوع الإيمان بالله- ما كان يأخذ حيزاً، يعني مباشرة نتحدث عن توحيد الربوبية، وتوحيد الألوحية، وتوحيد الأسماء والصفات.
السبب أن الإقرار بوجود الله أمر فطري، وما عرف عن الناس أنهم كانوا ينكرون وجود الله، ولذلك لم يأتي نبي من الأنبياء يقرر الناس أو يدلل للناس على أن الله سبحانه وتعالى موجود، لأن هذا الأمر قد جعله الله سبحانه وتعالى في فطرهم.
بل كل من يأتي يرتكز على ما في فطرهم من الإقرار بأن الله موجود وأنه هو المنفرد بالخلق والملك والتدبير، في دعوته لهم على وجوب إفراد الله بالعبادة، يرتكز على ما استقر في فطرهم من الإيمان بوجود الله وربوبيته. لذلك أسلوب العقيدة الإسلامية قل أن تجد فيها تفصيلات في الحديث عن وجود الله سبحانه وتعالى.
ولم يُعرف على مر التاريخ أن هناك أمة من الأمم كانت تتبنى قضية انكار وجود الله، ما عرف ذلك في التاريخ. جاء في التاريخ شراذم من البشر أنكروا وجود الله، كما حصل من فرعون، لكن فرعون أخبر الله سبحانه وتعالى عن حقيقة أمره، قال الله عز وجل: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ﴾ [النمل: 14].
فكانوا مستيقنين بالدلائل التي جاء بها موسى عليه السلام وانه رسول الله، وأن هناك إلهاً، لكنه فعل ذلك استكباراً لا يريد، وإلا في قرارة نفسه هو مقر.
جاءت طائفة تسمى طائفة الدهرية في عهد النبي صلى الله عليه وسلم أو قبل بعثة النبي صلى الله عليه وسلم، كانت أيضاً تنكر وجود الله، كان بعض الملاحدة ينكرون وجود الله.
لكن في هذا الزمن -وإن كان يعني العدد ليس كبيراً- لكنه أمر يخيف، ويجعل الإنسان يعني يشمئز ويتعجب، وجد هناك من يدعو للإلحاد، فصار الكلام عن هذا الموضوع وجعله في مادة العقيدة والحديث عنه في بداية الحديث عن العقيدة أصبح حاجة ملحة في هذا الزمن.
وإن كان يعني الذين يتبنون الإلحاد ليس عدداً كبيراً، ولا وليس تبنيهم تبني عن قناعة وكذا، إنما هو هرب من الدين وتفلت من الدين في الغالب.
لكننا أصبحنا بحاجة ماسة إلى أن نذكر هذه الأمور، لا سيما والمادية قد طغت، فيحتاج الإنسان إلى تجديد الإيمان في قلبه وإلى مدارسة الأدلة المتعلقة بوجود الله.
أيها الأحبة في الله، سنتحدث في أدلة وجود الله عن سبعة أنواع من الأدلة. الأدلة كثيرة، لكن سنأخذها على شكل أنواع: النوع الأول يسمى دليل الفطرة، وهذا ما سنتحدث عنه في هذه الحلقة بمشيئة الله. النوع الثاني يسمى دليل الخلق والإيجاد.
النوع الثالث يسمى دليل الأحكام والإتقان. النوع الرابع والنوع الخامس هو داخل في الأحكام والإتقان، لكن سنفصل بينهما لاختصاصهما ببعض الجوانب في الأحكام والإتقان: دليل التخصيص، ودليل التقدير.
فصار عندنا خمسة أنواع، ثم ناخذ دلائل النبوة، الأدلة التي تدل على نبوة الأنبياء، كل دليل منها هو دليل على وجود الله سبحانه وتعالى.
كذلك نأخذ دليل مكارم الأخلاق. فصار عندنا سبعة أنواع من الأدلة على وجود الله سبحانه وتعالى: دليل الفطرة، ودليل الخلق والإيجاد، ودليل الأحكام والإتقان، ودليل التخصيص، ودليل التقدير، ودليل دلائل النبوة، ودليل مكارم الأخلاق.
سنبدأ بمشيئة الله في الحديث عن دليل الفطرة. نأخذ ما المراد بدليل الفطرة؟ دليل الفطرة: ما معنى آآ ما معنى الفطرة في اللغة والشرع؟ ما معنى دليل الفطرة؟ كيف نستدل بدليل الفطرة على وجود الله سبحانه وتعالى؟ هل هناك أدلة في القرآن والسنة باستعمال دليل الفطرة في هذا النوع على وجود الله؟ مسألة يعني بعض المسائل المتعلقة بدليل الفطرة.
وأنا أقول مسألة أول أول مسألة: أول واجب على المكلف، بمشيئة الله نقرب مسألة دليل الفطرة من قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 30].
نريد من خلال هذه الآية أن نعرف ما المراد بالفطرة؟ آآ ما المراد بالفطرة؟ يعني كيف ما هو مقتضى الفطرة؟ ما المراد بالمعرفة الفطرية؟ هل معرفة الله سبحانه وتعالى فطرية؟
نأخذ هذه الآية وننظر من خلالها ثم نفصل في هذه المسائل بمشيئة الله. قال الله عز وجل: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾. أقم وجهك، أقم يعني اثبت، اثبت الدين الحنيف. وأتي أقم بمعنى استقم، يعني اجعل وجهك مستقيماً وسائراً في الدين الحنيف.
ما هو الدين الحنيف؟ الدين الحنيف هو ملة إبراهيم عليه السلام، هي الإخلاص لله سبحانه وتعالى عبادة الله وحده لا شريك له، هذا الدين الحنيف.
دين حنيف، في الآية ماذا قال الله سبحانه وتعالى عن الدين الحنيف؟ قال الله عز وجل: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ﴾، الدين الحنيف فطرة، فطر الناس عليها، آآ الدين الحنيف فطرة جعل الناس مخلوقين عليها. فطرة هنا فطر.
بمعنى خلق وفترة الله خلقة الله الخلقة. إذا الفطرة في اللغة كما قال ابن فارس الفطرة في اللغة معناها الخلقة وهنا قال التي فطر الناس عليها خلق الناس عليها. يعني خلق الله سبحانه وتعالى الناس وجعل في داخل نفوسهم قوى، هذه القوى التي خلق الله عز وجل للناس مزودين بها هناك قوى علمية وهناك قوة إرادية. القوى العلمية التي خلقنا الله سبحانه وتعالى مزودين بها بحيث لا نحتاج إلى أن نستلهمهم من خارج نفوسنا هي قوة في داخل نفوسنا.
هذه القوى العلمية تقر تقتضي توجب علينا نحن لكونها موجودة فينا توجب الإقرار بوجود الله سبحانه وتعالى وبمعرفته. وأعطانا قوة إرادية، هذه القوة الإرادية التي عندنا جعلها الله عز وجل فينا توجب علينا إرادة الله سبحانه وتعالى محبة الله جل جلاله وقصده. هذه قوة خلقنا الله سبحانه وتعالى عليها وجعلنا زودنا الله سبحانه وتعالى بها.
فجعلها في خلقتنا لا نحتاج إلى تعلمهم، لا نحتاج إلى التدرب عليها حتى يعني تكون فينا، لا، إنما خلقنا الله سبحانه وتعالى ومن فضله جل جلاله ومن كرمه سبحانه وتعالى ومن رحمته أن جعلها في نفوسنا. فطرنا الله سبحانه وتعالى على ذلك، هذا معنى الفطرة الفطرة الخلقة فطر الناس عليها هذا معناه. طبعا جعلنا الله سبحانه وتعالى مخلوقين مزودين بها.
خذل فاصل بمشيئة الله ونعود إليك.
هل أنت حريص على رأس مالك؟ هل تحافظ عليه من الضياع؟ فرأس مالك الحقيقي هو الوقت. قال الحسن البصري: ابن آدم إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك. ومن أهمية الوقت وقت أقسم الله به في كتابه فقال، وسوف نسأل عن الوقت يوم القيامة. قال صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه». الحديث، وإذا أراد الله بالعبد خيرا أعانه بالوقت، وإذا أراد به شرا جعل وقته عليه، وفي سيرة السلف أروع الأمثلة على استغلال الوقت، فقد كان داود الطائي يصف الفتيت ويقول بين سف الفتيت وأكل الخبز قراءة خمسين آية. وقال ابن القيم: أعرّف من أصابه مرض وكان الكتاب عند رأسه، فإذا وجد إفاقة قرأ فيه فإذا غلب وضعه. ومن آداب الطالب ألا يسوف في تحصيل فائدة، لأن للتأخير آفات، ولانه في الزمن الثاني يحصل غيرها، ومن المحافظة على الوقت البعد عن البطالين الذين يقضون أعمارهم في المسامرات، فلا تكن ممن لا يشكرون هنا نعمة الوقت، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس الصحة والفراغ».
حياكم الله أيها الأحبة في الله. وقفنا عند قول الله عز وجل: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: 30]، يعني الخلقة التي خلق الله عز وجل الناس عليه. خلقنا وجعلنا مزودين بقوى علمية وقوى إرادية، القوى العلمية توجد معرفة الله والقوى الإرادية توجب قصد الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له. قال الله عز وجل: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: 30]. هذا منّة لله جل جلاله أن جعل المخلوقين جميعا سواسية في هذه القوى العلمية والقوى الإرادية، ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون أن هذه الفطرة موجودة في الإنسان، بشرط ألا يكون لها تغيير وتبديل. أكثر ناس حدث لفطرهم للأسف الشديد هذا التغيير وهذا التبديل.
إذا يا إخوان ما المراد فطرة لغة؟ الفطرة لغة قال ابن فارس: الفاء والطاء والراء أصل صحيح يدل على فتح الشيء وإبرازه، ومنه الفطرة وهي الخلقة. إذا الفطرة هي الخلقة. شرعا قال الشيخ السعدي رحمه الله قال: الفطرة هي الذي خلق الله عباده عليها وجعلهم مفطورين عليها مثل ما ذكرنا، فمقتضى الفطرة عندما نسمع مقتضى الفطرة يعني الفطرة هذه التي خلقنا الله سبحانه وتعالى عليها يعني زودنا بها جعلها في داخل نفوسنا.
هذه القوى العلمية والقوى الإرادية مقتضاها ما معنى مقتضاها؟ يعني توجب علينا يعني بكون هذه القوى العلمية والإرادية في داخل نفوسنا وليست هي يعني نحتاج إلى أن نستجلبها من الخارج لا نحتاج إلى نظر ولا إلى استدلال. هذه القوى العلمية والقوى الإرادية التي في داخلنا هي توجب علينا، توجب علينا أن نقر بوجود الله سبحانه وتعالى بشرط ألا تكون قد تعرضت للتغيير والتبديل.
مثال الآن الطفل الصغير عندما تأتي له البسكوت كامل ثم هذا الطفل الصغير بمجرد أن يراك تريد أن تكسر البسكوتة يصيح، ما يريد النصف هو يريد البسكوتة كاملا. هذا أن النصف أصغر من الكل. هل هذا يعني الإنسان إلى تعلمه وإلا هذا من المعلومات البديهية التي زودها الله سبحانه وتعالى زود الله عز وجل الإنسان بها؟ هذه من المعلومات الفطرية.
مثلا عندما تأتي تضرب الطفل الصغير من الخلف يلتفت ويقول من ضرب؟ هو يعرف أنه طالما أنه ضرب فلا بد من ضارب، هذه أن الفعل الحادث لابد له من محدث، هذا أمر ضروري. ما المعنى من الضروري أن تقتضيه وتوجبه الفطرة؟ يوجبه المعلومات التي زود الله عز وجل الإنسان بها. بمجرد أن ينمو عقل الصغير يعرف أن النار محرقة وأن البراد هذا الحار خلاص هذا حار، يبدأ يعرف أن هذا حار. يرى تمرة ويرى جمرة يعرف أن التمرة تؤكل وأن الجمرة تحرق.
هذا الذي يعني هذه المعلومات هذه القوة العلمية التي عند الإنسان خلاص وزوده الله سبحانه وتعالى بها توجب عليه أن يعرف أن هذا نهار وأن هذا ليل وأن هذا حار وأن هذا بارد وأن هذا جوع وأن هذا مؤلم وأن هذا نافع وأن هذا حسن. هذه أمور قوة علمية زود الله سبحانه وتعالى الإنسان عليها. المعارف التي توجبها القوة العلمية والقوى الإرادية وتريدها ويريدها الإنسان، المعارف التي توجب القوى العلمية علينا الإقرار بها، والأسياء التي توجب علينا القوى الإرادية قصدها أو أخذ منها، يسمى هذه الأشياء تسمى معارف فطرية ومرادات فطرية.
فالمعلومات التي يحكم بصدقها بمجرد تصورها فلا نحتاج في إثبات صدقها إلى نظر وإلى استدلال، هذه تسمى معارف فطرية. هذه المعارف مفروضة على الذهن فرضا، لا يحتاج الإنسان فيها إلى استدلال وإلى نظر لكون القوى العلمية التي خلق الله الناس مزودين بها تحكم بصحتها. هذا يسمى المعارف الفطرية. النقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان في آن واحد، هذه تسمى معلومات معرفة فطرية يعرفها الإنسان.
طيب ما معنى أن معرفة الله سبحانه وتعالى وتوحيده أن معرفة الله وتوحيده فطرية؟ معنى ذلك أن معرفة الله وأن توحيد الله توجبه الفطرة بمقتضى الفطرة يجب حصوله في نفس الإنسان. فاذا لم يحصل ما يعوقها فحصوله فيها لا يقف على وجود شرط، بل على انتفاء مانع. يعني إذا ما في موانع من البيئة، من سيد، من الأصدقاء، من كذا، من كذا، إذا ما في بيئة تفسد فطرة الإنسان، فإن القوى العلمية والقوة الإرادية التي زود الله سبحانه وتعالى الإنسان بها موجب ذلك الإقرار بوجود الله سبحانه وتعالى وبتوحيده.
طيب عندما نقول أن معرفة الله سبحانه وتعالى وتوحيد الله فطرية ما معنى؟ معناها المعرفة الإجمالية، أن نعرف المعرفة الإجمالية المتعلقة بوجود الله، وأن الله عز وجل لابد أن يكون له الكمال المطلق، وأن الله سبحانه وتعالى هو المحبوب لأنه الخالق من العدم، مبدع أنواع النعم. هذا الخالق له الأسماء الحسنى وله الصفات العليا له الكمال المطلق، القلب الآن تتحرك الإرادة فيكون هذا الإله محبوب جل جلاله، وانه يكون مقصود بالشكر والعبادة وحده لا شريك له. هذا هو الرب وحده وهو المألوه وحده، هذا يسمى المعرفة الإجمالية. أما تفصيلات العبادة وتفصيلات صفات الله سبحانه وتعالى فهذه سبيلها الشرع.
هذا المقصود بالمعرفة الفطرية لله ولتوحيد الله، يعني المعرفة الإجمالية أن الله هو الرب وحده، وأن الله سبحانه وتعالى هو الإله وحده المألوه وحده. هذه تسمى المعرفة الإجمالية. هذه القوى العلمية والقوى الإرادية التي زودنا الله سبحانه وتعالى بها نعبر بتعبير آخر حتى نميز هذا الأمر، نقول: الإنسان إذا ميز وعقل بمجرد أن يميز الإنسان وعقل لا يحتاج، ما يحتاج في إثبات وجود الله إلى نظر وإلى استدلال، بل إلى مجرد التصور. هل الله موجود؟ القوة العلمية التي عندنا: نعم الله موجود، هذا الإله هو الذي يقصد وحده.
عندما تقول نعم هذا هو المقصود وحده. بمجرد أن يميز الإنسان ويعقل، تصبح هذه المعرفة فورية، وتثبت له الكمال المطلق، توجب هذه المعرفة عليه أن يحبه وحده وأن يقصده وحده. هذا المقصود.
ما لم تتغير هذه الفطرة وتبدل، نعبر تعبيرًا ثالثًا حتى يعني تتضح القضية أكثر، نقول: الله سبحانه وتعالى من فضله وكرمه زود بقوى علمية وإرادة جعلها في أصل خلقته، هذه توجد معرفة الله، هذه توجب توحيد الله، ما لم تتعرض تلك القوى للتغيير. فإذا تعرضت تلك القوى العلمية والإرادية إلى التغيير فسدت هذه الفطرة بطارئ.
هنا يحتاج الإنسان إلى نظر وإلى استدلال، ويبقى ينظر ويستدل بأي الطرق؟ نقول: بالطرق الشرعية التي جاء الشرع بها، وليس بالطرق البدعية التي تبعد الإنسان عن معرفة الله المعرفة الصحيحة، وقد تحرفه كذلك عن توحيد الله التوحيد الحق. هذا المقصود به أن معرفة الله وتوحيده معرفة فطرية.
طيب، نريد الآن أن نوظف هذا الدليل توظيفًا صحيحًا مناسبًا لغة العصر. لو قال لك شخص من يردد دليل الفطرة، ما هو دليل الفطرة؟ يقول: المراد بدليل الفطرة أن الله سبحانه وتعالى خلقنا وزودنا بقوى علمية وإرادية توجب الإقرار بوجوده وبوحدانيته. تقول: الاعتقاد بأن الكون لابد له من خالق، وهذا الخالق محبوب، وهذا المحبوب لابد من عبادته وحده. تقول: هذه القضايا جعلها الله عز وجل في قلوبنا، القوى العلمية والإرادية التي جعلها الله عز وجل فينا توجب ذلك، فأصبح الإقرار بوجود الله وبوحدانيته في داخل نفوسنا.
فكيف تستدل بدليل الفطرة؟ الدليل على وجود الله ووحدانيته بالفطرة؟ فتجيب: إن الإقرار بوجود الله أمر مفروض على ذهني فرضًا، هذا تصور ضروري مفروض على ذهني فرضًا لكونه نابعًا من قوة داخلية، فما يحتاج فيه لا إلى استدلال ولا إلى نظر، غير مجرد التصور. واضح هذا؟ بوجود الله وبوحدانيته تصور مفروض على ذهني فرضًا، لا يحتاج إلى نظر ولا إلى استدلال.
هذا الدليل يظهر متى؟ يظهر في أوقات كثيرة، يظهر في وقت مثلا المصائب التي تحل بالإنسان، الفطرة تبدأ تتجلى، فيشعر أنه بحاجة إلى هذا الخالق الذي خلقه وهو جعله في هذه الحياة فيقول: يا الله. إذا رأى الإنسان أشياء مبهجة يقول: يا الله. على كل حال، هذا الدليل دليل فطري يقر به جميع الناس.
تعالوا إلى ذلك الأعرابي ويعطينا هذا الدليل ببساطة، يقول: البعير تدل على البعير، الأثر يدل على المسير. يعني لو رأينا آثار الأقدام، القوى العلمية التي عندنا التي زودنا بها، مباشرة نقول: لابد أن يكون شخص مر من هذا المكان، لأن هذه آثار أقدام لابد أن يكون شخص مر من هنا. فيقول هذا الأعرابي: أبراج وأرض ذات حجاج، ألا تدل على اللطيف الخبير؟ التي عندنا بمجرد أن ننظر إلى السماء، إلى الأرض، نقول: سبحان الله، لابد لها من خالق، سبحان الله.
أبو حنيفة رحمه الله أتاه الناس من الملاحدة وأراد أن يستخدم معهم دليل الفطرة، يحرك ما في قلوبهم، يذكرهم بما زودهم الله سبحانه وتعالى من قوى توجب عليهم هذه القوى معرفة الله وقصده. فقال: أخبروني عن سفينة في دجلة تذهب فتمتلئ من الطعام والمتاع وغيره بنفسها، وتعود بنفسها، فترسي بنفسها، وتفرغ وترجع، ترجع كل ذلك من غير أن يدبرها أحد، سفينة تذهب ثم تمتلئ طعامًا ومتاعًا ثم تعود، تنزل الطعام والمتاع، ثم ترجع تمتلئ بالطعام والمتاع وتعود من غير أن يكون هناك بشر يدبرها؟ قالوا: هذا محال، لا يمكن أبدًا. فقال لهم أبو حنيفة رحمه الله: إذا كان هذا محالاً في سفينة، فكيف بهذا العالم كله؟
هذا مستحيل، هذه القصة دائمًا ولدها، مرة من المرات سمعت بأحد نسأل الله سبحانه وتعالى له الهداية، من تشوه تشوش ذهنه بهذا الفكر، فجلسنا في غرفة فقال: أرجو ألا تضيع وقتي ولا تضيع وقتك، ما يجعل يكون هناك فرصة للتعارف ولا أي شيء، مباشرة قال: أنا جئت أريد أن أسمع منك أدلة على وجود الله سبحانه وتعالى، وما يقول سبحانه وتعالى الأدلة على وجود الله. فهو ينكر وجود الله. فقلت له: أنت تريد مني أدلة على وجود الله؟ أنا اتحداك الآن ونحن في هذه الغرفة أن تثبت لي أن هذه الغرفة قد بناها باني. قال: ماذا تريد أن تقول؟ قلت: أريد أن أقول إن هذه الغرفة قد بنت نفسها بنفسها، هذه البلوك جاءت وركبت بعضها البعض، ثم ضربت بوية، ثم صارت الكهرباء، ثم المكيفات، ثم الأشياء حدثت هكذا بنفسها من غير أن يكون هناك باني، لا مقاول ولا عمال ولا أي شيء. قال: هذا استهزاء وهذا سخرية، هذا استهزاء وهذا سخرية، هذا لا يجوز.
فكنت أقول له: سبحان الله! يعني أنت ترى أن عندما أطلب منك أن تثبت لي أن هذه الغرفة قد بناها باني تقول هذا استهزاء وسخرية، وأنت تطلب مني أن أثبت لك أن هذا الكون بسماءه وشمسه وقمره وكواكبه وهذه الأرض فيها من جبال وأشجار ونار وشجر وحجر وأنس وجن تريد أن تقول إن هذه الأمور وجدت هكذا من غير أن يكون لها باني؟ فكنت أقول له: يعني إذا أنت ترى أن هذا استهزاء وسخرية، فطلبك قمة الاستهزاء، قمة السخرية.
فالمقصود يا إخوان، هذه أمور تسمى أمور فطرية. نعود للآية التي ابتدأنا بها هذا الدرس، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 30]. الآية هذه دليل على أن دليل الفطرة قد استخدم في الدلالة على وجود الله سبحانه وتعالى، أن الله فطر خلقه على معرفته وتوحيده وأنه لا إله غيره.
ثم قال الله عز وجل: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، هنا يأتي بمعنى أن هذه الخلقة هي التي خلق الله الناس عليها، ومعنى آخر: إياكم أن تفسدوا فتغيروا هذه الفطرة التي أعطاكم الله سبحانه وتعالى إياها وجعلها في داخل نفوسكم.
ناخد فاصل ونعود إليكم مرة أخرى بمشيئة الله سبحانه وتعالى.
لقد شرع الله الدين للناس رجالاً ونساءً، ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قام بواجبه، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
وقد جاء الإسلام فأكرم المرأة وحملها مع الرجل مسؤولية النهوض بالمجتمع وحسن الرعاية له، فقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكاناً رفيعاً لمشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية، وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع وصياغة هوية الأمة والمحافظة على ثوابت الدين.
ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة وأم المؤمنين عائشة ونسيبة بنت كعب وأم حرام بنت ملحان وحفصة بنت سيرين وفاطمة بنت عبدالملك وزبيدة بنت جعفر وغيرهن رضي الله عنهن ورحمهن. ومن هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع، مما أكسبها قيمة واعتباراً واحتراماً لا مثيل له في المجتمعات الأخرى.
كما اعتترف بذلك المنصفون من الغربيين، وبأنهم إنما تعلموا احترام المرأة من مسلمي الأندلس. يقول المفكر الفرنسي مارسيل بويزارد: إن الشعراء من المسلمين هم الذين علموا مسيحي أوروبا عبر إسبانيا احترام المرأة.
فللمرأة على ثغر الحياة الزوجية أثر خطير، وفي التربية على الدين والخلق دور كبير، وفي التعليم سوى الدعوة والطب والرعاية مكانة ومسؤوليات، وقيام المرأة المسلمة بهذا وغيره له أثره الإيجابي في إصلاحه، في المجتمع كله أسرًا وأفرادًا، وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: «إنما النساء شقائق الرجال».
حياكم الله أيها الأحبة من جديد، نأخذ أدلة أخرى من الكتاب والسنة أن دليل الفطرة مستعمل في الشرع، منها قال الله سبحانه وتعالى: ﴿قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكَّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ۖ يَدْعُوك لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى ۚ قَالُوا إِنْ أَنتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِّثْلُنَا تُرِيدُونَ أَن تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ﴾ [إبراهيم: 10]. قالت رسلهم: أفي الله شك؟ هنا في معنى أفي الله شك يحتمل شيئين، الشيء الأول: أفي وجوبه شك؟ الأمر الثاني: أفي ألوهيته شك؟
أفي وجود شك، أفي الله شك؟ فالفطرة لا شك في وجودها، والفطرة شاهدة بوجوده ومجبولة على أنه، فإن الاعتراف به ضروري في الفطر السليمة، ولكن قد يعرض كما ذكرنا لبعضها شك واضطراب؛ فتحتاج إلى النظر في الدليل الموصل إلى وجوده.
هل الله سبحانه وتعالى أعطانا الطريقة؟ لا. في الآية قال: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. إذن، الفطرة التي عندك حاملة لإزالة الالتباس، وإذا بدا عندك شك في وجود الله، انظر للسماوات والأرض؛ هذا النظر في السماوات والأرض يسمى نظراً شرعياً، بمجرد النظر في السماوات والأرض ينجلي عن الفطرة هذا الشك.
وتقول: لا يمكن أن تكون السماوات والأرض من غير موجد، ولابد لها من خالق. هذا الخالق ما يمكن أن يكون مثل السماوات والأرض، ولا مثل الشجر والحجر، ولا مثل البشر؛ لابد أن يكون هذا الخالق مخالفاً لهذه المخلوقات في ذاته، في وجوده، في أسمائه وصفاته. إذن ليس في وجوده شك.
فما معنى هذه الآية؟ أفي الله شك؟ أفي وجوده شك؟ لا يمكن أن يكون في وجوده شك. فالمعارف التي زودكم الله سبحانه وتعالى بها توجب عليكم الإقرار بوجود الله سبحانه وتعالى، لكن إذا حصل لكم شك، مباشرة انظروا للسماوات والأرض. قال الله: ﴿فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُم مِّن ذُنُوبِكُمْ﴾، فإن السماوات والأرض شواهد الحدوث والخلق والتسخير ظاهر عليها، فلابد لها من صانع وهو الله.
أهو لا إله إلا هو خالق كل شيء وإلهه ومليكه؟ المعنى الثاني: أفي الله شك؟ أفي ألوهيته وتفرده بوجوب العبادة له شك؟ أفي ألوهيته شك؟ ثم استعمل الإقرار بالربوبية الذي هو في فطرة الإنسان على هذه الألوهيّة. كيف يكون عندكم شك في وجوب عبادة الله وحده لا شريك له، وهو المنفرد بخلق السماوات والأرض، الذي فطر السماوات والأرض خلقها من غير مثال سابق، هو الخالق لجميع الموجودات، فليس له شريك في الخلق، فهو وحده الذي يستحق العبادة؟
غالب الأمم كانت مقرة بالخالق سبحانه وتعالى، لكن كانت تعبد معه غيره من الوسائط التي يظنونها تنفعهم أو تقربهم من الله زلفى. الله سبحانه وتعالى حرك عندهم هذه القوة العلمية التي زودهم بها، فقال: أفي ألوهيته شك؟ في وجوب انفرادي بالعبادة شك، وأنتم تعلمون ذلك، إن هو المنفرد بخلق السماوات والأرض خلق جميع المخلوقات. إذن هذا دليل شرعي أيضاً.
أفي الله شك؟ أفي وجوده شك؟ فإن حصل لكم شيء من التغيير والتبديل أو التشويش؛ انظروا إلى السماوات والأرض. الإرادة القوى الإرادية التي زودكم الله بها بدا عليها شيء من الغبش فتوجهتم إلى غيره بشيء من أنواع العبادة، أفي الله شك؟ أفي التأله له شك؟ حركوا ما عندكم فتذكروا المعرفة التي هي موجودة عندكم، أن المنفرد بالخلق والملك والتدبير هو الذي تقصدوه وحده بالعبادة، إذن استخدم هذا الدليل في القرآن.
أما النظر للسنة: فعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه». ما معنى الفطرة؟ الفطرة أيها الاحبة في الله معناها الإسلام، معناها الدين الحنيف، معناها الإقرار بوجود الله وإرادته ومحبته وقصده وحده لا شريك له، هذا يسمى الإسلام الحنيفية الدين الحنيف.
أما التفصيل، كيفية الصلاة، كيفية الصوم، الزكاة، الحج، الأمور هذه؛ يأتي الوحي يبينها. لكن القوى العلمية والقوى الإرادية التي فينا هي تسمى الفطرة، القوى العلمية والقوى الإرادية التي خلقنا الله عز وجل وزودنا بها هذه توجب معرفة الله وتوجب قصد الله وحده بالحب والعبادة، هذه داخل نفوسنا، هذا يسمى الدين الحنيف، يسمى الفطرة، يسمى الإسلام. قال صلى الله عليه وسلم: «كل مولود يولد على الفطرة»، الفطرة هي الإسلام الذي ذكرنا الإقرار بوجود الله وبوحدانيته.
سيقول قائل: ما دليلكم على أن الفطرة هذا هو المراد بها؟ نقول: الدليل من نفس الحديث، قال صلى الله عليه وسلم: «يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه» فلم يذكر الإسلام، فدل ذلك على أن المراد هو الإسلام. فلو كان الإسلام يعني ليس هو الإسلام، كما قال: فأبواه يسلمانه (أي يجعلانهم مسلماً)، فدل ذلك على أن عدم ذكر الإسلام في نص الحديث على أن المراد بالفطرة هي الإسلام، والمراد بالاسلام هنا معرفة الله وتوحيده.
والرغبة في هذه الشريعة وما جاءت به الشرائع يجدها الإنسان موافقة لما في فطرته، لهذه القوى العلمية والارادية التي جعلها الله عز وجل في نفسه. هناك دليل آخر من خارج الحديث، الدليل الآخر أن هناك رواية للحديث: «يولد على الملة»، كل مولود يولد على الملة، الفطرة المقصود بها الملة الدين، وفي رواية أخرى تصريح أكثر على هذا، وهذا يدل على أن الله خلق الانسان مجبولاً على معرفته ومحبته وقصد عبادته.
نأخذ دليلاً أيضاً، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ * أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ * وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: 172-174].
قال الله عز وجل: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ هذه الآية بينة في إقرار الناس جميعاً وشهادتهم على أنفسهم والمعرفة التي فطروا عليها. ما هي المعرفة التي فطروا عليها؟ أن الله هو ربهم، وأن الله موجود وهو الخالق والمالك والمدبر، إذن هو سبحانه وتعالى المستحق للعبادة.
طائفة من العلماء جعلوا هذا الإقرار لما استخرجوا من صلب آدم عليه السلام أن الله مسح على ظهر آدم فاستخرج ذريته مثل الذر، وأشهدهم على أنفسهم: أَلست بربكم؟ قالوا: بلى، ثم أعادهم في ظهر آدم، أنه إقرار مقالي. فسواء كان الإقرار هذا المقالي أو الإقرار الحالي وهو إقرار الفطرة، المقصود أن هذه الآية دليل على أن الإقرار بوجود الله سبحانه وتعالى هو قد زود الله عز وجل الناس به، سواء زودهم بما جعله في الفطرة أو عندما أخرجهم من ذرية آدم قررهم على أنه سبحانه وتعالى هو خالقهم جل جلاله فأقروا بذلك.
المقصود أن هناك نصوصاً شرعية كثيرة من الكتاب والسنة تدل على فطرية معرفة الله وتوحيده. نكتفي في هذه الحلقة بهذا القدر، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يجعلني وإياكم من المؤمنين الصادقين، وأن يجعلني وإياكم من العلماء العاملين، ومن الهداة المهتدين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وإلى لقاء في حلقة أخرى بمشيئة الله سبحانه وتعالى.
د. أبو زيد مكي القبي