أكاديمية زاد.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم إنا نسألك علماً نافعاً، وعملاً صالحاً، وقلباً خاشعاً، ولساناً ذاكراً. اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، واجعله حجة لنا ولا تجعله حجة علينا يا رب العالمين.
أيها الأحبة في الله، أرحب بكم في الدرس التاسع من دروس العقيدة في المستوى الأول بأكاديمية زاد. توقفنا أيها الأحبة في الله عند ذكر الأدلة من الكتاب والسنة على دليل الفطرة، وأن دليل الفطرة مستخدم في القرآن على إثبات وجود الله سبحانه وتعالى ووحدانيته، وأن هذا الدليل وهذا النوع موجود في الكتاب والسنة، وبينا كيفية استخدامه، كيف تقول –يعني جاءك شخص تناقشه، أو لنفسك أنت– تقول: إن الإقرار بوجود الله ووحدانيته مفروض على ذهني فرضاً.
كيف مفروض على ذهني فرضاً؟ لأن القوى العلمية والقوى الإرادية التي خلقنا الله سبحانه وتعالى مزوداً بها، تقتضي وتوجب عليها الإقرار بوجوده وبوحدانيته، هذا المراد بدليل الفطرة.
هناك –يعني– من الأدلة نضيف دليلاً واحداً ثم نأخذ بعض المفاهيم الخاطئة في معنى الفطرة. من الأدلة كذلك ما أخرجه الإمام مسلم عن عياض بن حمار المجاشعي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ذات يوم في خطبته: «ألا إن ربي أمرني أن أعلمكم ما جهلتم مما علمني يومي هذا، كل مال نحلته عبداً حلال، وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم» –هنا الشاهد: «وإني خلقت عبادي حنفاء كلهم»– «وأنهم أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطاناً».
تعالوا يا إخوان، لاحظوا معي! قال الله عز وجل في الحديث القدسي هذا: «إني خلقت عبادي حنفاء كلهم، إني خلقت عبادي حنفاء كلهم». هنا حنفاء كلهم؛ يعني على الدين الحنيف، موحدين لله جل جلاله، لكن حدث لهم تغيير وتبديل من الخارج: أتتهم الشياطين فاجتالتهم عن ذلك فغيرت فطرتهم، فدل ذلك على أن الحنيفية جبلة خلقة، معرفة الله وتوحيده هذه خلقة، وأن الكفر بالله والشرك به طارئ على قلوب البشر من تأثير الشياطين.
هناك أيها الأحبة في الله مفاهيم خاطئة في موضوع الفطرة؛ من تلك المفاهيم الخاطئة يقولون: إن الفطرة ليست –آه– معناها معنى الفطرة مجرد القابلية للتوحيد، وليس أن هناك قوى علمية وقوى إرادية في داخل النفس البشرية خلقها الله عز وجل في داخلنا زودنا الله بها توجب علينا ذلك. قالوا: إنما يكون الإنسان قابل، الله عز وجل خلقه وجعله قابل للتوحيد. هذا القول يا إخوان أن المقصود بمجرد القابلية، هذا قول غير صحيح، ليس هو المقصود مجرد القابلية؛ لأن الله سبحانه وتعالى جعل الإنسان يقبل هذا وهذا ﴿وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 10].
ليس المراد بالفطرة القابلية؛ لأنه لو كان المعنى كل مولود يولد قابلاً للتوحيد وقابلاً للشرك، طيب، وش الفرق الآن في الحديث؟ مثلاً الحديث المعروف: «يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه»، لماذا ذكر ذلك؟ ما الفرق بين التهويد والتنصير وبين الإسلام؟ ما الفرق بين المعرفة وبين الإنكار إذا كانت القضية إنما –يعني– بحسب الأسباب؟ بمعنى: إذا كان الإنسان قابل للتوحيد وقابل للشرك وقابل للإسلام وقابل لليهودية والنصرانية، قابل للمعرفة وقابل للانكار، فالمقصود أن الله جعله قابل، قابل لهذا وهذا.
طيب، إذا أن قدم له ذلك، أن قدم له التوحيد قبله، قدم له الشرك قبله، إذا كان ينبغي أن يقال: فأبواه يسلمانه ويهودان وينصران ويمجسانه؛ لأن المقصود أن الأسباب. فلما ذكر في الحديث أن أبويه يكفرانه، وذكر من الفاسدة دون الإسلام، علم أن حصول الإسلام بسبب منفصل غير أصول الكفر، فحصول الكفر بالأسباب، أما حصول الإسلام بمقتضى فطري بمقتضى غير المقتضى الذي حصلت به اليهودية والنصرانية؛ المقتضى الذي حصلت به اليهودية والنصرانية هو مقتضى الأسباب الخارجية. لم يذكر الإسلام، فدل ذلك على أن حصوله بمقتضى آخر غير المقتضى الذي حدث به الكفر، فلا يصلح أن نقول: لا، هو المقتضى واحد، لو كان مقتضى واحد ما ذكر، لم يستثنى الإسلام من الذكر في الديانات المنحرفة.
فالمقصود ليس المراد بالفطرة مجرد القابلية كما يقوله البعض، إنما المراد بالفطرة القوى العلمية والإرادية التي في داخل نفس الإنسان، التي توجب عليه معرفة الله سبحانه وتعالى، وتوجب عليه وحدانية الله، وليس المقصود بأنه يكون قابل للأسباب التي تأتي من الخارج، ليس هو هذا المقصود، هذا إن شاء الله يكون واضحاً.
في مفهوم خاطئ للفطرة، قالوا: الفطرة هي موافقة القدر السابق؛ يعني كل مولود يولد على الفطرة، الفطرة المقصود بها ما قد قدره الله عز وجل عليه في الأزل، فإن كان الله قدر عليه الإسلام، فانه يولد على الإسلام، قدر الله عليه أنه الكفر، سيولد على الكفر، عاليهودية، عالنصرانية.
إذاً، حقيقة هذا القول: كل مولود فإنه يولد على ما سبق في علم الله أنه صائر إليهم. هذا المعنى معنى خاطئ؛ لأنه معلوم أن جميع المخلوقات بهذه المثابة، جميع البهائم مولودة على ما سبق في علم الله أنها ستصير إليه، الأشجار مخلوقة على ما سبق في علم الله لها أنها ستكون عليه. إذاً، بهذا المعنى كل مخلوق خلق على الفطرة، وهذا قطعا ليس هو المقصود في الحديث، لو كان هذا هو المقصود في الحديث، لم يكن لقوله صلى الله عليه وسلم: «فأبواه يهودانه وينصرانه أو يمجسانه» لم يكن له معنى، فإنهما –يعني الوالدان– فعلا بهما هو الفطرة التي ولد عليها!
وعلى هذا القول فلا فرق بين التهويد والتنصير حينئذ وبين تلقين الإسلام وتعليمهم، وبين تعليم سائر الصنائع، فإن ذلك كله داخل في فيما سبق به العلم إلا موانع الإيمان، النجارة يعلمها، الإنسان السباكة يعلمها. إذاً، المقصود فيكون الابوان سواء علمه أو علمه الصناعة أو علمه كله سواء، فما يصبح للحديث معنى، فهذا المعنى معنى خاطئ.
أيضاً في أحاديث أخرى أن النبي صلى الله عليه وسلم مثل هذا، مثل خلق الانسان بالبهيمة التي تولد جمعاء، ثم جدعت، فبين أن الابوين غيرا ما ولد عليه، غير ما ولد عليه، فدل ذلك على أنه ليس المقصود هو هذا، أنه يولد على الفطرة، والفطرة هي ما قد سبق في علم الله أن الإنسان سيصير إليه. طيب، إذاً أين التغيير؟ هناك خلق على شيء، ثم تغيره عن هذا الشيء الذي خلق عليه.
وأيضاً قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث: «كل ما ولد يولد على الفطرة، على هذه الملة»، هذا خلاص، هذا قطعا هذا المقصود بهم، يرد على أنه موافق للقدر السابق: «إني خلقت عبادي حنفاء» يخالف هذا. وأيضاً فلا فرق بين حال الولادة وسائر أحوال الإنسان حينئذ، فإنه من حين كان جنيناً إلا ما نال نهاية له من أحواله على ما سبق في علم الله، فتخصيص الولادة بكونها على مقتضى القدر تخصيص بغير مخصص، لأن ليست ما الفرق بين الولادة وبين لما كان يصير شباباً، لما يصير رجلاً كبيراً، وهكذا؟
إذاً، الفطرة هي موافقة القدر السابق هذا مفهوم خاطئ. هناك بعض المفاهيم في الفطرة –يعني– مثلاً عند المعتزلة، يقولون: لا يمكن أن يكون المراد بالفطرة الإسلام، لا يمكن أن يكون المراد بالفطرة أن الله سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان وزوده بهذه القوة العلمية والإرادية؛ القوة العلمية توجب معرفة الله، القوة الإرادية توجب قصد، قالوا: لا يمكن أن يكون الله عز وجل قد خلق الإنسان وزوده بذلك، لأنه سيكون بعد ذلك لا معنى للثواب والعقاب.
وهذا عندهم فهم خاطئ، يرون أن الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان ولا علاقة ليس هناك إعانة، هم ينكرون الإعانة، الإعانة من الله سبحانه وتعالى لعباده على التمسك بالإسلام دون ذلك، هذه مشكلة عندهم، مشكلة عند المعتزلة ونحن نؤمن بالإعانة، أن الله سبحانه وتعالى يعين عباده على.
الأفعال المطلوبة منهم يعينهم عليها قبل الفعل، ويعينهم عليها مع الفعل. يعينهم عليها قبل الفعل؛ ومن إعانة الله سبحانه وتعالى لعباده قبل الفعل أن زودهم بهذه الفطرة، هذه ينكرونها ويرون أنه يصبح لا معنى للثواب والعقاب إذا كان الله سبحانه وتعالى قد زودنا بذلك، وهذا من الضلال ومن عدم معرفتهم لله سبحانه وتعالى، من الخلل في معرفة الله وفي فضل الله جل جلاله.
نحن نؤمن بأن الله سبحانه وتعالى أعان عباده على الفعل قبل؛ بما أعطاهم الله سبحانه وتعالى من الفطرة، بما أعطاهم الله سبحانه وتعالى من العقول، بما أعطاهم الله سبحانه وتعالى من الجوارح والحواس، بما أعطاهم الله وتعالى من الشرع، هذه إعانة قبل الفعل. وأعانهم كذلك مع الفعل؛ فهذا الإنسان الذي يريد أن طاعة الله، هناك عون من الله سبحانه وتعالى له؛ شرح الصدر، وتيسير الأمر، وتقوية الإنسان على فعله، ودلالته على أشياء لم تخطر في باله.
فالله سبحانه وتعالى متفضل على عباده جل جلاله، متفضل عليهم قبله ومع سبحانه وتعالى. هذا عند المعتزلة هذا فهم منحرف، وأيضاً الأشاعرة عندهم بقايا بقيت من فكر المعتزلة في هذا الأمر، فأوجبوا على الإنسان أن ينظر، لماذا؟ لأنهم أنكروا هذه الفطرة، أنكروا هذه المعرفة الفطرية. هذا الأمر أيها الأحبة في الله يجرنا للكلام عن أول واجب على المكلف عند أهل السنة والجماعة.
لما كان الله سبحانه وتعالى تفضل على عباده بأن زودهم بهذه القوى العلمية والقوى الإرادية التي جعلها فيهم منذ أن ميزوا وعقلوا؛ القوى العلمية توجب معرفة الله، والقوى الإرادية توجب محبة الله وقصده بالعبادة، هذه القوى نحن عندنا أنها فطرية، فلا يحتاج الإنسان في الإقرار بوجود الله وبوحدانيته إلى نظر وإلى استدلال.
بناءً على ذلك، ما أول واجب على المكلف؟ أول واجب على المكلف ليس هو النظر في أدلة وجود الله ولا الاستدلال على وجود الله؛ لكون النظر والاستدلال على كون الله سبحانه وتعالى وربوبيته جل جلاله ووجوب إفراده سبحانه وتعالى بالعبادة هذا أمر فطري. فأول واجب على المكلف أن ينطق بالشهادتين، أن يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمداً رسول الله، فإن كان قد شهد فمن أول واجب عليه الصلاة، إن كان مصلياً فأول واجب عليه الصيام، وهكذا تأتيه شرائع الإسلام.
كما ورد في حديث ابن عباس رضي الله عنه: «إنك ستأتي قوماً أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه أن يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك فأخبرهم أن الله قد فرض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة» إلى آخر الحديث.
أما عند المتكلمين فإن أول واجب عندهم لكون الإقرار بوجود الله ليس فطرياً، فأول واجب عليه عندهم هو النظر والاستدلال في إثبات وجود الله، ثم بعد ذلك اختلفوا في التفصيلات حتى وصل بهم الأمر أن جعلوا أول واجب هو أن يشك في وجوده عياذاً بالله، فجعلوا أول واجب هو الكفر ثم بعد ذلك يدخل في الإسلام، فانحرفوا في هذا المنحى.
نأخذ فاصل ثم نستكمل بعده بمشيئة الله أدلة وجود الله الأخرى، استودعكم الله.
حرص الإسلام على زرع المحبة والود بين المسلمين، وعلى اقتلاع أسباب التباغض والشحناء من بينهم، ومن المعاملات التي تورث بين المسلمين بيع المسلم على بيع أخيه أو شراؤه على شراء أخيه؛ لذلك نهى عنها الرسول صلى الله عليه وسلم فقال: «لا يبع بعضكم على بيع أخيه»، والشراء مثل البيع، فيحرم شراء المسلم على شراء أخيه.
ومثال البيع على البيع: اشترى زيد من عمر سيارة بعشرة آلاف، فذهب رجل إلى زيد وقال له: أنا أعطيك مثلها بتسعة، أو أعطيك أحسن منها بعشرة، أو أبيعك مثلها بعشرة، فهذا بيع على بيع المسلم لا يحل. ومثال الشراء على الشراء: باع زيد لعمرو سلعة بتسعة، فجاء آخر وقال للبائع: بعتها على فلان بتسعة؟ قال: نعم. قال: أنا أعطيك فيها عشرة، أو بعها لي أنا بتسعة ودعك منه. والراجح أن البيع على بيع حرام، سواء كان ذلك في زمن الخيار أو بعد تمام البيع؛ لأنه مما يورث الشحناء والبغضاء بين المسلمين.
حياكم الله أيها الأحبة، وقفنا عند أن أهل السنة والجماعة أول واجب على المكلف النطق بالشهادتين، ولذلك الأنبياء والرسل كلهم دعوا أقوامهم إلى اعبدوا الله وحده لا شريك له، لكون الخلل والشرك وقع في توحيد الألوهية. حدث أن هناك بعض الناس يتخيل أن لابد أن يكون هناك واسطة بينهم وبين الله، فيتوجهون لهذه الوسائط بالقرى من أجل أن تشفع لهم هذه الوسائط عند الله سبحانه وتعالى، فجاءوا الأنبياء يعيدون الناس إلى التوحيد الخالص، لكن الإقرار بوجود وبربوبية الله لم يكن فيه انحراف عند غالب الأمم، ولذلك لم يكن هذا الأمر محوراً عند الرسل، لم يُعرف الرسول من الرسل أنه قال لقومه: أيها الناس إنكم مأمورون بطلب معرفة الخالق، فانظروا واستدلوا حتى تعرفوه.
لم يُعرف ذلك، ولم يكلف أولاً بنفس المعرفة ولا بالأدلة الموصلة إلى المعرفة، إذ كانت قلوبهم تعرفه وتقر به، وكل مولود يولد على الفطرة، لكن عرض للفطرة ما غيرها، فإذا عرض للفطرة ما غيرها فالانسان إذا ذكر تذكر ما في فطرته.
ماذا قال الله سبحانه وتعالى في خطابه لموسى؟ قال له: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾ [طه: 44]؛ يتذكر ماذا؟ ما في الفطرة من العلم الذي به يعرف ربه، ويعرف إنعامه عليه، وإحسانه إليه، وافتقاره إليه، فذلك يدعوه إلى الإيمان، أو يخشى ما ينذره به من العذاب فذلك أيضاً يدعوه إلى الإيمان. وكما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]؛ فالحكمة تعريف الحق فيقبلها من قبل الحق بلا منازعة، ومن نازعه هواه وعظ بالترغيب والترهيب. العلم بالحق يدعو صاحبه إلى اتباعه، فإن الحق مطلوب في الفطرة، وهو أحب إليها وأجل فيها وألذ عندها من الباطل الذي لا حقيقة له، فإن الفطرة لا تحب ذلك.
المقصود إذاً أيها الأحبة في الله أن أول نوع من أدلة وجود الله: دليل الفطرة. ما المراد بالفطرة؟ الفطرة هي الخلقة، في الشرع هنا يعني دليل الفطرة أن هناك قوى علمية وإرادية جعلها الله عز وجل في خلقتنا زودنا الله عز وجل بها، وليست هي اكتساباً من الخارج، إنما هي زودنا الله سبحانه وتعالى بها توجب معرفة الله وحدانيته سبحانه وتعالى.
كيف استدل بدليل الفطرة؟ تقول: إن الإقرار بوجود الأمر مفروض على ذهني فرضاً بحيث لا أحتاج فيه إلى استدلال وإلى نظر، وأنت وغيرك أيها الملحد من الناس هذا هو الأصل في فطركم، إلا أنكم قبلتم أن تغير هذه الفطرة وتبدل واستسلمتم لذلك، فلو رجعتم إلى فطركم لوجدتم أن الإقرار بوجود الله أمر هذا هو الذي توجيه عليكم بهذه الفطرة.
ننتقل إلى النوع الثاني من أدلة وجود الله، هذا النوع يسمى: دليل الخلق والإيجاد. بعض الناس ما يريد الأشياء اليسيرة السهلة، يريد أشياء فيها صعوبة، يريد أشياء فيها تعقيدات، وهكذا. نقول: عندنا دليل آخر يسمى دليل الخلق والإيجاد. ما المراد به دليل الخلق والإيجاد؟ المراد به أن الله سبحانه وتعالى جعل وجود كل مخلوق من مخلوقات الله جعله دليلاً على وجود الله.
إذاً هذا النوع من الأدلة كم عدد أفراده؟ عدد أفراد هذا النوع من الدليل بعدد مخلوقات الله سبحانه وتعالى، أي مخلوق تنظر إليه من مخلوقات الله تقول: لابد أن يكون هناك خالق سبحانه وتعالى. هذا المراد بدليل الخلق والإيجاد. قال ابن تيمية رحمه الله عن في تفسيره الحمد لله رب العالمين: العالم بالفتح مثل الخاتم، العالم ما يُعلم به كما أن الخاتم ما يختم به، فيسمى كل صنف من المخلوقات عالماً. إيش السبب؟ ذا خاتم يختم به، وهذا عالم صنف من مخلوقات عالم؛ لأنه علم وبرهان على الخالق سبحانه وتعالى، فكل المخلوقات كل العالم عالم، العالم علم وبرهان على الخالق سبحانه وتعالى. الحمد لله رب العالمين، العالمون جمع عالم، والعالم هو هذه الأصناف من مخلوقات الله سبحانه وتعالى، عالم الجن كلها هذه تدل على وجود الله سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبّاً﴾ [الأنعام: 164].
وهو رب كل شيء سبحانه وتعالى، خالق كل شيء. وجه الدلالة من الآية في لفظ الربوبية، فإنه يتضمن السيادة والملك والتدبير، والخلق من لوازم ذلك، وهو رب كل شيء. الله رب كل شيء، رب كل شيء يعني سيده، الملك، مدبره، إذا لابد أن يكون هو خالقه سبحانه وتعالى. قال ابن أبي العز الحنفي: فان العلم كلما كان الناس إليه أحوج، كانت أدلته أظهر، رحمة من الله بخلقه. فلما كان العلم بوجود الله كل الناس إليه أحوج، جعل الله سبحانه وتعالى أدلته أظهر. ما هي أدلته في عندنا هنا الآن الذي سنتحدث عنه؟ كل مخلوق من مخلوقات الله يدل على وجود الله. تعالوا نبدأ في تفصيل هذا الدليل.
تقول رقم واحد: العالم مخلوق. ما الدليل على كون العالم مخلوق؟ تقول: المشاهدة، وهذه ضرورة حسية. فمثلا الإنسان، أي إنسان تنظر إليه الآن لو سألتكم أنتم: ما الدليل على كونك مخلوق؟ تقول: أنا مخلوق، دليل على أني كنت معدوما ثم ولدت، بعد وجود آدم هذه واضحة وصريحة. ترى شجرة، تقول: هذه الشجرة ستموت. ترى هذا الحجر، تقول: هذا الحجر سيفنى. وكل ما قبل الفناء دل ذلك على أنه يقبل العدم، كان معدوما. أي شيء كان معدوما ثم بعد وجوده يعدم، وكذلك سيفنى بعد وجوده، فإن هذا يسمى مخلوق.
طيب، نحن نقيس شخصا، نأخذ واحدا من الناس، كانوا معدوما ثم وجد. رأينا هذا الطفل كان معدوما ثم وجد، فكل الناس كذلك، وكل الشجرة كذلك، وكل الحجر كذلك. نسلط النظر على جزء من السماء، فرأينا أشياء لم تكن موجودة ثم وجدت، فكل السماء كذلك. سيصبح الآن نقيس ما غاب عنا من المخلوقات على ما شاهدناه منها، إذا فكل المخلوقات كل العالم مخلوق. الدليل قلنا إيش؟ ضرورة حسية المشاهدة. هذا رقم واحد. هنا نريد أن في رقم واحد نأتي بنص لابن تيمية رحمه الله يقول: نفس حدوث الحيوان والنبات والمعدن والمطر والسحاب ونحو ذلك، أن الحيوان والنبات والمعدن والمطر والسحاب معلوم بالضرورة. لماذا نحن نؤكد على هذا؟ لأنه للأسف بعض المتكلمين هذه الأشياء المشاهدة الضرورة الحسية التي تثبتها، ذهبوا يبحثون لهم عن أدلة أخرى، تلك الأدلة ورطتهم في موضوع الأسماء والصفات، ورطتهم في موضوع الربوبية، وسببت لهم ضلالا في تلك الأشياء. لو استخدموا هذه الطريقة الشرعية، أن الحيوان والنبات والمعدن والمطر بالضرورة الحسية، ماذا يقول؟ يقول: إن هذه الأمور محدثة مخلوقة، فلا تحتاج إلى دليل تثبت أن الحيوان والنبات والمعدن والمطر والسحاب أنها مخلوقة، لأنه بمجرد أن ترى تعرف أنها مخلوقة بالدليل، ما لم تقل مثلا كما يقول هو: وإنما يعلم بالدليل ما لم يعلم بالحس وبالضرورة. فلما كان عندنا الضرورة واضحا، فما نحتاج أن نبحث عن أدلة خارجية.
فالعلم بحدوث هذه المحدثات علم ضروري لا يحتاج إلى دليل. هذه الضرورة تسمى الضرورة الحسية، المشاهدة. رأينا أشياء معدومة ثم وجدت، فهذه ضرورة حسية، فما الآن نأتي نقول مثلا: العرض لا يبقى زمانين، هذه جمل متكلمين دخلوا بها في تفصيلات إثبات أن العرض حادث. سمعت حادثة خلاص عرفناها هذه ضرورة حسية ننبه إلى هذا. العالم مخلوق عند أهل السنة والجماعة، ما الدليل؟ الدليل هو الضرورة الحسية المشاهدة.
اثنان: المخلوق لابد له من خالق. الدليل: المخلوق لابد له من خالق. العالم مخلوق والمخلوق لابد له من خالق، ما الدليل؟ ضرورة عقلية. هنا الذي يجادل في هذا الأمر في كون الحادث لابد له من محدث، ضربة لابد لها من ضارب، ضربت طفلا صغيرا لابد يقول: من ضربني؟ لابد يكون هناك من ضارب. هذه لا يجادل في كون الحادث لابد له من محدث إلا من فقد العقل. فإذا جاء شخص فقد عقله، يعني هذا ما يحتاج خلاص، ما نستطيع أن نجادلهم فلابد أن يسلم. إذا سلم أن هذا العالم مخلوق، فلابد أن يسلم أن المخلوق لابد له من خالق.
لابد النقاش هناك: هل الانسان مخلوق أم لا؟ هل الشجر مخلوقة أم لا؟ هل السماء مخلوقة أم لا؟ هل الأرض مخلوقة أم لا؟ فإذا قررنا أن هذا العالم مخلوق وأثبتنا أن الضرورة الحسية دليل على ذلك، سننتقل معه أنه إذا أثبت أن هذه الأمور مخلوقة، فلابد أن يكون لها خالق. هذه ضرورة عقلية. نحن عندما نريد أن نناقش شخصا، لابد أن يكون عندنا أشياء نحتكم إليها. قال الله، قال رسوله، هو لا يحتمل ذلك، إذا سنحتكم إلى الضرورات، الضرورات التي زود الله سبحانه وتعالى الإنسان بها. فهل الضرورة أن المخلوق أو الحادث لا بد له من محدث؟ المخلوق لا بد له من خالق، هذا ضرورة لا بد أن نحتكم إليها. إذا لم يسلم بهذه الضرورة فهذا مجنون نحاوره. العالم مخلوق، اثنان: المخلوق لابد له من خالق. العلم بأن المحدث لابد له من محدث، علم فطري معلوم بالفطرة التي فطر الله عليها عباده بصريح العقل أن الحادث لا يحدث إلا بمحدث أحدثه.
فانتهينا من واحد لاثنين. طيب، ماذا نستنتج من واحد واثنين؟ العالم مخلوق، وكل مخلوق لابد له من خالق. ما النتيجة؟ العالم لابد له من خالق. خلونا مثلا نقول: الخمر مسكر، وعندنا كل مسكر حرام، إذا الخمر حرام. العالم مخلوق، وكل مخلوق لابد له من خالق، إذا العالم لابد له من خالق. العالم لابد له من خالق لأنه مخلوق، فكل من سلم بأن العالم مخلوق لزمه التسليم بأن العالم لابد له من خالق. هذا انتهينا منه.
طيب الآن سننتقل للحديث عن من هو الخالق؟ من هو هذا الخالق؟ هل الخالق هو العدم؟ يعني من غير خالق، خلقوا من غير خالق، وجدوا من غير خالق؟ هذا لا يمكن، لماذا؟ لأن الأشياء التي تكون معدومة كيف ستوجد؟ فالمعدوم كيف سيوجد الأشياء؟ فاقد الشيء لا يعطيه. عندما نقول إن هذه الضربة جاءت من غير جاءت، يعني من نفسها، من ذاتها، لا يمكن ذلك. لا يمكن أو يكون العدم أوجدها، هو أصلا لا شيء، فهذا واضح أن العدم لا يمكن يوجد الأشياء، لأن العدم هو أصلا غير موجود، وغير الموجود كيف يوجد الموجودات؟ إذا العدم هذا مستحيل.
سيبقى كلمة أخرى يستخدمونها ويقولون: الطبيعة. أو خلونا الطبيعة ناخذها ثالث شيء. هذه الأشياء مخلوق آخر أوجدها، مثلا الإنسان خلقه أبوه، طيب والابن من أوجده؟ من أوجد الأب؟ من أوجد؟ فلابد أن نقف، ما يمكن أن نقول مخلوق آخر، لأن مخلوق آخر كان معدوما. لا يمكن أن نقول مثلا: السماء خلقت الأرض، والأرض خلقت الإنسان، لا يمكن، لأن هذا أنت سلمت أن السماوات مخلوقة، أن الأرض مخلوقة، أن الإنسان مخلوق. فهل هذه المخلوقات كانت معدومة؟ فكيف ستوجد الأشياء؟ فالتسلسل لابد أن يقف، فلا يمكن أن يكون المخلوق هو الذي أوجد المخلوقات. فماذا بقي؟ قالوا: الذي أوجد المخلوقات الطبيعة، يعني أوجدت ذاتها، أوجدت نفسها بنفسها. هذا ما سنتحدث عنه بعد الفاصل بمشيئة الله، ناخذ فاصل ونعود إليكم.
إذا كنتم ثلاثة فلا يتناجى اثنان دون صاحبهما فإن ذلك يحزنه. أدب يعلمنا إياه نبينا صلى الله عليه وسلم من خلال النهي عن التناجي وهو أن يستأثر اثنان بالحديث سرا دون الثالث، أو ثلاثة دون الرابع، أو أربعة دون الخامس، وهكذا. فإن هذا لون من إلحاق الأذى بالمسلم، لأنه يعود عليه بالحزن والخوف وربما ظن أن ذلك لاحتقاره والحط من كرامته فيزيده ذلك غما وحزنا. لذا حرم الإسلام التناجي كما قال تعالى: ﴿يَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المجادلة: 8]. ومن صور التناجي المحرمة أن يتكلم اثنان بلغة مختلفة لا يفهمها الثالث، أو أن يكتب أحدهما للاخر في ورقة والثالث جالس ولا يمكنه الاطلاع على ما كتب. قال النووي رحمه الله: وفي معناه، أي معنى التناجي، ما إذا تحدث بلسان لا يفهمه لأن العلة موجودة. فاذا كان الحديث دائرا بين اثنين في بداية ثم أتى ثالث وأراد أن يدخل بينهما فإن ذلك لا يجوز إلا باذنهما لقول النبي صلى الله عليه وسلم.
إذا كان اثنان يتناجيان فلا تدخل بينهما، واعلم أنه إن دعت الضرورة إلى التناجي فإنه يكون مباحاً بشرطين: الأول أن تكون هناك مصلحة راجحة على مفسدة التناجي، الثاني أن يكون ذلك بإذن الشخص الثالث ورضاه، وإلا حرم. فالتناجي من تسويل الشيطان وتزيينه، فإذا أحسست بحزن من جراء تناجي بعض الناس أمامك فاستعذ بالله وتوكل عليه، إنه كافيك من كل سوء وكيد، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المجادلة: 10].
حياكم الله أيها الأحبة، وقفنا عند استقرار من هو الخالق، فقلنا: الخالق هو العدم؟ هذا لا يمكن، مستحيل. أن يكون الخالق مخلوقاً آخر، هذا مستحيل؛ لكوننا قلنا مخلوق، مخلوق إذاً لابد أن يكون هناك نهاية لهذه السلسلة. قالوا: الطبيعة، انتبهوا يا إخوان هنا لهذه القضية، الطبيعة! قالوا: العناصر فيها الرطوبة والبرودة واليبوسة، طبيعة الأشياء هي التي أوجدت الأشياء، فوجودها وجود ذاتي عند الفلاسفة، فلاسفة ما قبل أرسطو قالوا: هناك عناصر المادة كانت موجودة. طيب، من أين وجدت هذه المادة؟ قال: وجودها ذاتي، وهناك هذه المواد فيها عناصر، هذه العناصر دائمة الحركة بفعل حركة هذه الدائمة حدث الاصطدام فتكون هذا العالم، فلا ينكرون وجود الله وقالوا ذلك. يا إخوان الملاحدة المعاصرون، انتبهوا لهذه القضية، كثير من الناس يظن أن الملاحدة المعاصرين لا سيما من كان منهم مشتغلاً بالطب، من كان مشتغلاً منهم بعلم الأحياء، يقول: هذه العلوم التي يشتغلون بها مبنية على الحس والتجربة، فإذا تكلم في الفلسفة يظن أن كلامه في الفلسفة مبني على الحس والتجربة، هذا غير صحيح. هو لا شك أنه يتحدث في الأمور المتعلقة بعلم الأحياء على الحس والتجربة، فإذا تفلسف يعني دخل في الفلسفة وأراد أن يبحث ما وراء هذا الكون وجود الخالق، اعلموا أنهم الآن ليس لتخصصاتهم -كونه في الأحياء، كونه في الطب، كونه في الهندسة- ليس لتخصصاتهم تعلق بالفلسفة التي يتحدثون بها، إنما هم يعودون في فلسفتهم إلى ما قبل أرسطو، ويستمدون الماضي ويأتون به في فلسفتهم، لا علاقة للمناهج العلمية التي يستخدمونها في الطب والهندسة أو الفيزياء أو نحو ذلك لا علاقة لها بفلسفتهم، إنما هم يعودون للجاهلية القديمة، بل جاهلية ما قبل أرسطو، سيعودون إلى تلك الفلسفة ويذكرونها للناس.
فما تسمعونه منهم من هؤلاء الملاحدة عندما يتحدثون عن الطبيعة إنما هم يعودون إلى فلسفة العناصر الأولى وأنها كانت دائمة الحركة وأنها كذا. نقول يا إخوان هذا الكلام أنه تكون الطبيعة هذا كلام مضحك، مضحك من أي ناحية؟ من ناحية أن هذا الأمر إجابة عن كيف وليست عن من، هذه إجابة عن كيف وليست عن من، نحن نسأل عن من أوجد هذا الكون، هم يتحدثون عن كيفية يعني تكون العناصر وتكون المواد، فهم يتحدثون عن الكيفية ونحن نتحدث عن من، والكيفيات التي يتحدثون عنها ما كان مبنياً على حس وتجربة نحن لا نخالف فيه، وأما ما كان يتحدث عن خيالات وعن ظنون وعن تخمين ونحن عندنا الكيفية هذه واردة في الكتاب والسنة، فنحن لا نبالي بتخمينهم وبكلامهم في هذه القضية البتة، لا نبالي بذلك. مثالهم، مثالهم يا إخوان دائماً نذكر هذا المثل، الذين يقولون بالطبيعة مثلهم مثل إنسان كان يعيش في الصحراء، يستغرب الإنسان! أنت تشبه العلماء هؤلاء بإنسان يعيش في الصحراء؟ نقول: نعم هذه حقيقتهم في قولهم، مثلهم مثل إنسان يعيش في الصحراء ليست له وسيلة للحصول على الماء إلا الآبار ويمد الدلو تماماً ويخرجه ويخرج الماء، فعندما جاء إلى المدينة وجد أن الماء ينبع من الجدران، ماسورة وهناك حنفية يفتحها وإذا بالماء يصب، فقال هذا الذي يعيش في الصحراء: لأعرفن من أحضر الماء داخل المنزل؟
إذاً البحث الآن عن من، من أحضر الماء داخل المنزل؟ فبدأ يتتبع الماسورة فوجدها في الخزان، فوجدها مثلاً هذا الإنسان يسكن في جدة فوجدها في التحلية، وهكذا، فصاح صيحته وقال: عرفت من أحضر الماء داخل المنزل! من أحضره؟ قال: أحضر الماء داخل المنزل المواسير! إجابة صحيحة وخاطئة؟ بعض الناس يلتبس عليه الأمر يقول: إجابة صحيحة، لا، هذه ليست إجابة صحيحة، كلامه صحيح عن ماذا؟ عن الكيفية، لكن ليست عن من، هذه حيدة عن الجواب، فيحدث المستمع في حال غفلته المغالطة الذهنية ويظن أن كلامه صحيح وأنه خلاص عرف من، وهو في الحقيقة ما عرف من، وعرف كيف أحضر الماء إلى داخل المنزل، أحضر الماء إلى داخل المنزل عن طريق المواسير، هذه المواسير صبت الماء ضخته في الخزان، ثم هذه المواسير أخذت الماء إلى الخزان العلوي، ثم من خلال الخزان العلوي توزعت المياه إلى داخل المنزل، هذه الكيفية نحن ما سألنا عن كيف ولا هو كان يبحث عن كيف، هو كان يبحث عن من، من هو الذي يحضر الماء داخل المنزل؟ الإنسان صاحب المنزل والحكومة والسباك، الإنسان الذي...
هم يا إخوان يبحثون في الكيفية، كيفية يعني خلق الإنسان خلق من نطفة ثم علقة ثم... صاحب صيحتهم عرفوا أن من خلق الإنسان كذا، النطفة ثم علقة ثم مضغة، هذا الأمر هو المضحك، هذه المغالطة عندما يقولون الطبيعة من خلق الشمس والقمر والارض؟ يقولون الشمس تجري في فلك ما ويبدأ يتحدث عن الشمس ويتحدث عن الأرض ويتحدث عن القمر ويتحدث عن كذا وانه بمجرد أي خلل يحدث يحدث الخسوف والكسوف. طيب هذه الكيفية التي يعني ليس حتى الكيفية التي خلق الله عز وجل بها هذه، إنما الكيفية التي يسير الله سبحانه وتعالى بها هذه الأمور وأنت تنسب هذه الكيفية إلى أن الله أنها هي الخالق، وهذا خطأ، هذه أمور كيف يسير يسير هذا الكون، كيف خلق هذا الشيء، فليس هذه إجابة عن من. مثل مثلاً نخرج إلى الطريق فنجد سيارة عندنا، فننسأل هذه السيارة صنع من؟ يعني نريد هذه صنعت في أمريكا، صنعت في كوريا، صنعت في اليابان، صنعت في كذا، فيأتي شخص يشرح لنا كيفية عمل السيارة! ليس سؤالنا عن كيف تعمل السيارة؟ سؤالنا عن من صنع السيارة؟ فهو يجيب عن كيف صنعت السيارة؟ نقول: هذه حيدة عن الجواب.
وهكذا من يقول الطبيعة. يقول ابن تيمية رحمه الله: معلوم أن الشيء لا يوجد نفسه، فالممكن الذي ليس له من نفسه وجود ولا عدم لا يكون موجوداً بنفسه، بل إن حصل ما يوجده وإلا كان معدوماً، وكل ما أمكن وجوده بدلاً من عدمه وعدمه بدلاً من وجوده فليس له من نفسه وجود ولا عدم. وهذا بيان ما بقي إلا أن نقول إنه لابد أن يكون الخالق مخالفاً لجميع المخلوقات في وجوده وفي أسمائه وفي ذاته وفي أسمائه وصفاته، فوجوده لم يسبق بعدم ولا يلحقه فناؤه، لابد أن يكون الخالق الأول الذي ليس قبله شيء، ولابد أن يكون الخالق هو الآخر الذي ليس بعده شيء، ولابد أن يكون هو الظاهر الذي ليس فوقه شيء، ولابد أن يكون هو الباطن الذي ليس دونه شيء، ويكون في ذاته وأسمائه وصفاته لا ند له فيها ولا نظير، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ۖ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]. من هذا؟ إنه هو الله سبحانه وتعالى.
الخلاصة: الخالق هو العدم من غير خالق مستحيل لكونه غير موجود فكيف يوجد غيره وهو أصلاً لا يستطيع إيجاد نفسه. الطبيعة وجود ذاتي يقصد به القوانين والسنن والأسباب، فهذه إجابة عن كيف وليست عن من وهذا مستحيل ضرورة عقلية. مخلوق آخر هذا مستحيل لأن هذا تسلسل لقولنا مخلوق فهو كان معدوماً فهو محتاج إلى من يوجده، تسلسل الفاعلين ممتنع ضرورة، إذاً ماذا بقي؟ أن يكون الخالق قديماً أزلياً غير محدث مخالفاً لجميع المخلوقات في وجوده وفي ذاته وأسمائه وصفاته، وهذا هو الله سبحانه وتعالى، قال عز وجل: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ ۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾ [الطور: 35-36]. أم خلقوا من غير شيء؟ العدم. أم هم الخالقون؟ خلقوا أنفسهم بأنفسهم. أم خلقوا السماوات؟ والمخلوق يخلق مخلوقاً؟ كل هذه باطلة، ماذا بقي؟ أن يكون الخالق مخالفاً وهو الله سبحانه.
فلم يذكره لبداهته وللزومه. نكتفي بهذا القدر في هذا الدرس، ونستودعكم الله على أمل اللقاء بكم في حلقة أخرى، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد، وجزاكم الله خيراً، والسلام عليكم.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته بواضح البرهان.
د. أبو زيد مكي القبي