نقول بعد بسم الله الرحمن الرحيم، النهي صيغته: لا تفعل، وهناك ألفاظ تدل على صيغة النهي كقول الصحابي: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، أو: نهينا عن كذا. فقول الصحابي: نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يدل على النهي واضح، وقول الصحابي: نهينا، شش يدل على النهي ولا لا؟ فقول أم عطية رضي الله عنها: نهينا عن اتباع الجنائز.
نقول أيها الإخوة الكرام، صيغة النهي: لا تفعل، قال الله عز وجل: وَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ، قال الله سبحانه وتعالى: لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً، واضح، فهذه كلها صيغة نهي بصيغة النهي: لا تفعل، ويدل على النهي أيضا قول الصحابة: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، ونهينا. فمثال ذلك قول أم عطية رضي الله عنها: نهينا عن اتباع الجنائز، فإن يحتمل أن يكون الناهي لهن أزواجهن أنهاهن عن اتباع الجنائز، يحتمل أن الذي نهاهن عن ذلك أزواجهن؟ صح احتمال، لكن هل هذا احتمال راجح؟ لا، احتمال مرجوح، والاحتمال الراجح أن يكون الناهي هو رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وأما دلالة النهي، فإن النهي بنفسه يدل على التحريم، فحينما: لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا، يدل على أن الربا محرم، ويدل على الفساد، قال النبي صلى الله عليه وسلم: نعم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: لَا يَبِعْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَيْعِ بَعْضٍ، فلو باع المسلم على بيع أخيه كان البيع فاسدا، واضح.
الثالـث: الفور، فيجب الانتهاء عن المحرم فورا، لا يجوز أن يقول الإنسان: والله لي سن، مثلا نزل تحريم الربا، يقول: أنا بايع، أكمل بس إيش أسبوع أسبوعين إلى أن تنتهي السنة المالية مثلا تمام، ثم السنة القادمة إيش نترك الربا، أما الآن سنة مالية نمشي على ما مشينا عليه، هل يجوز هذا؟ لا يجوز، ليش؟ لأن النهي يقتضي الفور.
وكذلك يدل النهي على التكرار، معنى التكرار هنا وجوب الانتهاء عن المحرم دائما، ما تقول والله تركت الربا سنوات الآن، معاملة واحدة ما يضر لأن امتثلت، نقول: لا، لا يجوز، لا يحصل الامتثال إلا بتركه مطلقا، وهذا معنى التكرار.
وأخيرا، الأمر بضده، فالنهي عن الشيء أمر بضده، فإذا قلت لك يا أبا الحسن: لا تجلس، فقد أمرتك بإيش؟ اجلس، بأن لا تجلس، أما تقوم ولا تنسدح؟ صح ولا لا؟ طيب، لكن إذا كان قلت لك: لا تجلس، وأردت بذلك أنك لابد لا تجلس لكيلا تنام، رحت نمت انسدحت على جنبك، نقول هنا مفهوم موافقة إيش؟ أولوية، فإذا نهيتك عن الجلوس من باب أولى أنهاك عن القيام، عن الجلوس من باب أولى أنهاك عن الاضطجاع، واضح، خلافا للظاهرية الذين قالوا: إذا دخل في وقت النهي، أو بعض الظاهرية قالوا: إذا دخل في وقت النهي، إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس، نهي عن الجلوس خلاص، طيب، وفي الحديث الآخر: لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ، فإذا دخل بعد العصر، إن صلى خالف لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ، وإن جلس خالف لا تجلس، فقالوا: يضطجع خروجا من الإشكال، يروى عادا الله أعلم.
طيب، وأما دلالته بغيره فبحسب ما دل عليه الدليل، بحسب ما دل عليه الدليل، فقد يدل الدليل على أن النهي يراد به الكراهة، وقد يدل الدليل على أن النهي يراد به التهديد، يراد التهديد، يرد هذا، يقول المعلم للطالب: لا تحل الواجب مرة ثانية، لا تحل، أبغاك إذا جئت غدا تعال ولا تحل الواجب، إيش يقصد فيه؟ إيه تهديد، صح ولا لا؟ نعم، هذا ما يتعلق بالنهي.
ننتقل بعد ذلك إلى مبحث آخر من مباحث إيش؟ الظاهر، خلينا نرجع نمسك الخريطة من أولها؛ لأن من أهم الأهداف والأغراض أنك تضبط خريطة العلم، قلنا: علم أصول الفقه أربع محاور، أولها: المدلول، عشان نعرف بس نحن في أي منطقة الآن، عندنا المدلول، والثاني: الدليل، والثالث: الدلالة، والرابع: المستدل.
قلنا: المدلول إن كان فيه طلب فهو حكم تكليفي، وإلا فهو حكم وضعي، والحكم التكليفي إن كان طلبا للفعل على وجه الإلزام فهو واجب، وإن كان من غير إلزام فهو مستحب، وإن كان نهيا على سبيل الإلزام فهو تحريم، وإن كان لا على سبيل إلزام فهو كراهة، وإن خيرك فهو إباحة، وعرفنا الحكم الوضعـي وتقسيمه.
ثم بعد ذلك انتقلنا إلى الدليل، وقلنا: الدليل نقلي وعقلي، فالنقلي هو القرآن والسنة والإجماع لا وقول مذهب الصحابي وشرع من قبلنا، ثم عرفنا القرآن فيه متواتر وهو القرآن، وآحاد وهو القراءة الشاذة، وعرفنا الخلاف فيه، ثم قلنا السنة: قول وفعل وتقرير، القول سياتي في دلالات الألفاظ وشغالين فيها، والفعل إن كان على سبيل الاختصاص فلا يحتج به في حقنا، وإن كان فعله النبي صلى الله عليه وسلم بيانا لمجمل فحكمه حكم ما بين، وإن فعله النبي صلى الله عليه وسلم بمقتضى الجبلة أو العادة فهو جائز، وإن فعله النبي صلى الله عليه وسلم تعبدا فقيل بوجوبه وقيل باستحبابه، وإن أقر النبي صلى الله عليه وسلم شخصا على فعل فهو يدل على الجواز، ومن جهة السند عندنا متواتر وهذا ثابت ما فيه إشكال، وعرفنا شروط التواتر، والآحاد فيه مقبول وفيه مردود، وعرفنا شروط القبول وما سواه فمردود، ثم عرفنا الإجماع، وعرفنا أركان الإجماع: المجمع وشروطهم، وفي الثانية الواقعة، والثالثة الحكم، والرابعة الصيغة، والخامسة مستند الإجماع، وكل شرط كل ركن هذه الأركان له شروط ذكرت في محله، وعرفنا الإجماع السكوتي والإجماع الصريح.
ثم انتقلنا بعد ذلك إلى مذهب الصحابي، وعرفنا أنه خمس مراتب: ما له حكم الرفع وما هو إجماع صريح وما هو إجماع سكوتي، وقول الصحابي الذي لم يشتهر ولم يعلم لهم خالف وهذا هو محل الخلاف في حجية قول الصحابي، والخامس إذا خالفه صحابي غيره فليس بحجة.
ثم عرفنا شرع من قبلنا، وهو أربع مراتب: شرع من قبلنا إذا جاء شرعا بوفاق فهو حجة، إن جاء شرعا بخلافه فليس بحجة، إن نقل في شرائعهم فليس بحجه، إن نقل في شريعتنا ولم يوجد ما يؤيده ولا ما يخالفه فهو حجة عند جمهور العلماء، وكل هذه الأدلة النقلية تنقل لنا بالفاظ، فما هي دلالات الألفاظ؟ عرفنا دلالات الألفاظ باعتبار القوة ثلاثة أنواع: إن كان لا يحتمل إلا معنى واحد فهو النص، وإن احتمل عدة معاني فهو له حالتان: إن كان أحدها أرجح فهو الظاهر، وإن كانت متساوية فهو المجمل، تمام.
هذا من ناحية القوة، ومن ناحية محل الدلالة، قلنا: أما أن يدل في محل النطق فهو منطوق، فان كان بالمطابقة أو التضمن فهو الصريح، وإن كان باللزوم فهو المنطوق غير الصريح، وإن استدل بالنص في غير ما سيق له فهي دلالة إشارة، وإن استدل به مع تقدير محذوف لا يستقيم الكلام بدونه اقتضاء، وإن استدل بالارتباط الحكم بالوصف على وجه لو لم يكن هذا الوصف علة للحكم إذا كان بعيدا عن الفصاحة دلالة الإيماء والتنبيه، ما شاء الله عليكم والله متقنين، ما شاء الله.
طيب، ثم انتقلنا إلى مفهوم، قلنا: دلالة المفهوم على نوعين، إن كان المسكوت موافقا للمنطوق فهو مفهوم موافقة، فإن كان المسكوت أولى بالحكم من المنطوق فهو مفهوم موافقة إيش؟ أولووي، وإن كان مساويا له فهو مساو، ومفهوم المخالفة عرفنا أنه أقسام، عندنا الأول الذي قلنا إنه منطوق هو الحصر بإنما، والحصر بتعريف الجزئين خلاص، ثم الثاني من المفهوم وعرفنا أن هذا ثم الصفة ثم الغاية ثم التقسيم ثم العدد ثم اللقب، خلاص، هذه أنواع المفاهيم.
شروط العمل بالمفهوم، أي مفهوم يا أبا الحسن تعمل فيه على طول؟ قال لك: لا، في شروط: الأول: ألا يكون خرج مخرج الغالب، ألا يكون خرج مخرج التفخيم، ألا يكون خرج جوابا على سؤال أو حادثة معينة، وألا يكون لمزيد الامتنان، واضح، الخامس وهو مهم، أول واحد: ألا يكون المسكوت أولى أو مساويا؛ لأن إذا كان أولى أو مساويا صار مفهوم موافقة ما صار مفهوم مخالفة.
ثم رجعنا إلى الظاهر، وقلنا من دلالات الظاهر: دلالة الأمر وظاهره الوجوب، وعرفنا صيغه وانه يدل على الوجوب والفور والتكرار، والأمر بقضاء المؤقت إن فات وقته، والنهي عن ضده، تمام.
وبعد ذلك دخلنا في النهي، وعرفنا أن النهي يقتضي التحريم والفساد، والفور والتكرار، والأمر ضده.
والآن ندخل في المطلق والمقيد، كذا ماشيين تمام إن شاء الله. طيب.
الشيخ عامر بهجت