تسجيل الدخول

الدرس 25 - المصلحة والاستحسان والاستصحاب

عامر بهجتالشيخ عامر بهجت
  • مدة الدرس:
  • قراءة

طيب، فيَّ مسألة وهي من آخر مباحث القياس، يعني أضعف أنواع الأقيسة في الدنيا هو القياس الذي يعلل فيه الأصل والفرع بالمصلحة؛ تقول يقاس هذا على هذا بججامع وجود المصلحة فيهما. فياتي إنسان ويقول النبيذ يقاس على الخمر في التحريم، ليش؟ لأن تحريم النبيذ يحقق المصلحة، كما أن تحريم أمر يحقق المصلحة. هذا أضعف أنواع الأقيسة، لكن لما تعلل بحكم خاص كالإسكر، وإلا المصالح تشمل كل شيء، لكن التعليل الأصل أن يكون بالوصف القريب لا بجنسه، هذا اللي يسمونه أن يؤثر جنس الوصف في جنس الحكم ونحو ذلك.

طيب، والمصلحة هي آخر الأدلة قبل الاستصحاب؛ آخر الأدلة قبل الاستصحاب، آخر دليل هو الاستصحاب، وهو عدم الدليل، يعني إذا ما وجدت الدليل على تتمسك بالأصل وهو الاستصحاب. جيد، آخر الأدلة هو إيش؟ المصلحة. بعض الناس في العصر الحاضر جعلوا أول الأدلة وأخرها هو المصلحة، تمام؟ هذا غلط. لماذا؟ أصلاً المصلحة ينشدها المسلم وغير المسلم، يعني هل تتصور أن الكافر في سياسته واقتصاده واجتماعه وإلى آخره ينشد المصلحة ولا ما ينشدها؟ ينشدها. إذا كان الإنسان يقول نبني الأحكام خلاص ننظر ما هو الأصلح فنحجوز بجوازه وبتحريمه كله بناء على النظر المصلحي، ما الفرق بين المسلم وغيره في بناء الأحكام؟

السلف والأئمة يبنون ينظرون في المسألة بالنص، إذا عدمه النصوص ما في نص ولا قرآن ولا سنة ولا قول صحابي ولا قياس قوي، يأتون إلى آخر شيء إيش؟ المصلحة، يقول لك والله هذا أصلح، ماشي. لكن يأتي واحد مثلاً يقول: اختلف العلماء في طلاق الثلاث، هل هذا يقع ثلاثاً ولا يقع واحدة؟ ليش اختلف العلماء؟ سبب الخلاف هل هو المصلحة؟ لا، يعني هل سبب الخلاف والله هل الأصلح للزوجين والله أنهم يتفرقون ولا أنهم يبقون؟ لا. فإذا جاء واحد قال: الراجح في المسألة أن طلاق الثلاث يقع واحدة، ليش هذا الراجح؟ قال: لأنه أصلح، يحافظ على بيوت المسلمين من التفرق. هل هذا بناء صحيح للحكم؟ أبداً ليس بناءً صحيحاً. واضح؟

لكن متى ممكن تستفيد من المصلحة؟ إذا تعارضت الأدلة وتكافأت، ولم يعد هناك إلا مرجح واحد هو المصلحة، نعم. لكن أن تقلب المعادلة ويصير المصلحة هي أول الطريق وآخره، هذا لا شك أنه جهل. واضح؟ وقد بالغ بعضهم في قضية المصلحة حتى أحياناً يظن طالب العلم لما يقرأ مثلاً كلام أهل العلم أن الدين مرجعه إلى قاعدة واحدة وهي جلب المصالح، كما قال بعض أهل العلم. هل معنى هذا أن خلاص تعلم جلب المصالح وطبق وأفت في الاحكام؟ لا، قطعا لا. واضح؟

الدين مرجع إلى المصالح يعني أن كل حكم ثبت فهو موافق للمصلحة، فاذا ثبت عندك اللفظ العام فه تحمله على استغراق الأفراد وتجزم أن هذا أو يحصل لك أن غلبة ظن بأن هذه هي المصلحة. واضح؟ ما تقول لا أنا أقول بالعموم هنا لأنه مصلحة وأخصص هنا وأخرج ما لا مصلحة فيه، تمام؟ هذا لا شك أنه مسلك خطير. ومما غذى هذا المسلك أن يأتي الطالب الذي لم يدرس أصول الفقه، ولم يعرف القرآن والقراءة الشاذة والمتواترة والآحاد ومذهب الصحابي والقياس ولا شيء، يأتي ويدرس إيش؟ قبل أن يدرس الفقه يدرس مقاصد الشريعة، ويعرف الضروريات الخمس وأن الضروري مقدم على الحاجي، فيبدأ يطبق بسم الله هذا ضروري وهذا حاجي يقدم الضروري على الحاجي، وهذا استحسان وهذا تحسيني. واضح؟ هذا مسلك آخر مسالك الاستدلال وجعل هو أول مسالك الاستدلال، لا شك أنه ليس مسلكاً عند أحد من أهل العلم.

طيب، المصلحة أنواع؛ عندنا مصلحة شهد الشرع باعتبارها وهذا لا إشكال في العمل بها، مثال ذلك الشرع شهد بتحريم الخمر، هذه مصلحة منع الخمر مصلحة لا إشكال فيها، شهد الشرع باعتباره. الثاني: مصلحة شهد الشرع ببطلانها؛ الخمر فيها مصالح ولا لا؟ فيهما إثم كبير ومنافع للناس، لكن شهد الشرع ببطلان هذه المصلحة وعدم جواز الالتفات إليها، فنقول لا يجوز العمل بها. الثالث: مصلحة لم يشهد الشرع باعتبارها ولا بالغائها، وهذه تسمى المصلحة المرسلة، وهي مراتب الضروريات ثم الحاجيات ثم التحسينيات. والضروريات كما تعرفون الضروريات الخمس: حفظ الدين، وحفظ النفس، وحفظ النسل، وحفظ العقل، وحفظ المال. والحاجيات ثم التحسينيات، والفرق بين الضروري والحاجي: الضروري يترتب على تركه ضرر على الإنسان، والحاجي يترتب على تركه مشقة بالغة على الإنسان، والتحسيني لا يترتب على تركه ضرر ولا مشقة، لكن فيه تحصيل لبعض المصالح.

طيب، هذا ما تعلق بالمصالح، ننتقل بعد ذلك إلى مبحث الاستحسان. ومبحث الاستحسان اختلف فيه العلماء في ضبطه وحقيقته اختلافا كبيرا جداً، يعني تجد خلاف في أصول الفقه في حكم العمل بالاستحسان، لكن هناك خلاف شديد آخر: ما حقيقة الاستحسان الذي نتنازع في حجيته؟ جيد، هناك من يقول: الاستحسان هو العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص، وحينئذ مرجع هذا إلى تخصيص العموم، ماشي لا إشكال فيه. هناك من يقول: الاستحسان هو دليل ينقدح في ذهن المجتهد لا يمكنه التعبير عنه، وهذا الغزالي رحمه الله يقول هذا هوس، تمام؟ وهذا قال بعضهم هذا لا يقول به أحد من أهل العلم، لكن أيضاً الشيخ قبح حسين شيخنا في كتابه الاستحسان تكلم عن هذه المسألة وقال إن هذا هذا الدليل دليل مظلوم أو أو كلمة نحوه، قال إنه دليل ينقدح في ذهن المجتهد لا يمكنه التعبير عنه، تجد أحياناً المجتهد مثل ما تعرفون في علم الحديث الصيرفي تأتي إلى الحديث يقول لك أنت لو ذهبت إلى الصيرفي الآن تقول كيف تميز الذهب المغشوش من الذهب الأصلي، يقدر يشرح لك؟ ما يستطيع التعبير عنه، لكن هو أمر أدركه بطول الدربة، تمام؟ فبعضهم يقول هذا كذلك. الثالث هو ما استحسنه المجتهد بعقله وهذا ليس بحجة، وهذا خلاصة باب الاستحسان وفيه بحث طويل وفيه كتاب شيخنا الشيخ يعقوب حسين في هذه المسألة.

ننتقل بعد ذلك إلى الاستصحاب. والاستصحاب آخر الأدلة؛ الاستصحاب هو حقيقته التمسك بدليل عقلي أو شرعي لم يظهر عنه ناقل، إذا لم تجد في المسألة دليل جزئي تتمسك بالأصل. فإذا قال لك قائل لبس الشماغ محرم، تقول عندك دليل؟ يقول ما عندي دليل. تقول أنا متمسك بالأصل، هذا يسمى استصحاب، جيد. لكن جاءك قائل وقال: الله عز وجل يقول: وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا، الربا محرم. تقول لا أنا عندي دليل، المسالة اجتهادية، أنت لك دليل وهو القرآن محرم ربه، وأنا عندي دليل آخر وهو الاستصحاب وأن الأصل الإباحة. يصح هذا؟ أقول لا يصح، الاستصحاب لا يجوز ولا تتحقق حقيقه الاستصحاب إذا وجد الدليل الجزئي في المسألة.

إذاً هذا تعريف الاستصحاب، وهو نوعان: استصحاب حال البراءة الأصلية، الأصل هو الوجوب أو عدم الوجوب؛ لو قال لك قائل إن صلاة الضحى واجبة، تقول عندك دليل؟ يقول ما عندي دليل. تقول أنا متمسك بالأصل وهو عدم الوجوب. واضح؟ لو قال لك قائل الجوال محرم، تقول عندك دليل؟ يقول لك لا. تقول أنا متمسك بالأصل وهو إيش؟ الإباحة. فالأصل والاستصحاب البراء الأصلية يقصد به الاباحه، وهذا حجة حتى أن ابن قدامة رحمه الله في الروضة ذكره من الأدلة المتفق عليها، صح ولا لا؟ نعم.

والثاني من أقسام الاستصحاب هو استصحاب الاجماع في محل النزاع، وهذا ليس بحجة، ليش؟ قالوا لأن حقيقة الاجماع استصحاب الاجماع في محل النزاع حقيقة الإجماع هي عدم النزاع، فكيف تستصحب إجماع في محل النزاع؟ تناقض. يعني يمثلون له بمسألة نعطيك مثال، خلنا نعطيك مثال يمكن يقرر القضية؛ رجل عقد على امرأته عقداً صحيحاً توفرت فيه جميع الشروط، عقد نكاح فيه شهود وولي وشاهدين وإعلان وكل الأمور، هذا عقد نكاح صحيح بالإجماع، خلاص. طيب، جاء هذا الرجل وطلق امرأته في حال الحيض، تمام؟ طلق امرأته في حال إيش؟ الحيض. قال قائل: هذا التطليق في الحيض فيه إجماع ولا خلاف؟ في خلاف، وإن حكي الاجماع، لكن خلينا نقول إنه من مسائل الخلاف، هل يصح لمن يقول بعدم وقوع الطلاق يقول أنا أستصحب الإجماع؟ هذا الرجل دخل على نكاح صحيح بالإجماع فلا يرتفع، نحن متمسكون بالإجماع على صحة نكاحه. يصح هذا الاستصحاب؟ لا يصح، لأن هناك تناقض وتباين بين الإجماع والنزاع فلا يمكن أن.

تستصحب إجماعاً في محل متنازع فيه، واضح؟ طيب، ننتقل بعد ذلك إلى التطبيقات.