بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلي اللهم على رسول الله. أما بعد، فهذا هو الدرس الحادي عشر من دروس شرح نزهة النظر لابن حجر.
طبعا اليوم ننطلق بعد التوقف الكبير أو الشرح الطويل لموضوع شروط الحديث الصحيح، يعني هي أخذت منا من الدرس الرابع أظن إلى العاشر ستة دروس، وكانت ستة دروس يعني مناسبة لخمسة شروط، والدرس السادس كان تطبيقيا فقط.
اليوم عندنا كلام جديد في النخبة ولكنه متعلق بالحديث الصحيح، تعرفون الشروط التي أخذناها هي شروط الحديث الصحيح، فبعد أن ذكر شروط الحديث الصحيح -طبعا نحن نقرأ النخبة ثم نقرأ النزهة- قال بعد أن قال: وخبر الآحاد بنقل عدل تام الضبط متصل السند غير معلل ولا شاذ هو الصحيح لذاته، قال: وتتفاوت رتبه بتفاوت هذه الأوصاف.
وتتفاوت رتبه، رتبه: الضمير يعود على إيش؟ الحديث الصحيح، بتفاوت هذه الأوصاف اللي هي الشروط الخمسة، ومن ثم -أي: ولأجل ذلك- قدم صحيح البخاري ثم مسلم ثم شرطهما. فإن خف الضبط فالحسن لذاته، هذا نأتيه إن شاء الله، يعني اليوم عندنا هاتان الجملتان: وتتفاوت رتبه بتفاوت هذه الأوصاف، ومن ثم قدم صحيح البخاري ثم مسلم ثم شرطهما؛ لأنه قضية الحسن لذاته هذه تحتاج... الحسن يحتاج درسا، وربما لا يكفي حتى درس واحد. طيب، طبعا نقرأ في النزهة وسنلاحظ أن النزهة فيها زيادات كثيرة على النخبة في هذا الموضع.
وكما قلت أكثر من مرة: التفريق بين أو معرفة النص الذي في المتن الأول ثم النص الذي في المتن الثاني والفروقات بين الكتب هذا أمر جيد، يعني يضيف تقسيما عند الإنسان بصورة جيدة.
طيب، يقول رحمه الله تعالى: وتتفاوت رتبه -أي: الصحيح- بسبب تفاوت هذه الأوصاف المقتضية للتصحيح في القوة؛ فإنها لما كانت مفيدة لغلبة الظن الذي عليه مدار الصحة، اقتضت أن يكون لها درجات بعضها فوق بعض بحسب الأمور المقوية، وإذا كان كذلك فما تكون رواته في الدرجة العليا من العدالة والضبط وسائر الصفات التي توجب الترجيح كان أصح مما دونه.
هذا الكلام السابق فيه يعني تنبيه يسير أشرنا إليه سابقا، قال: فإنها لما كانت مفيدة لغلبة الظن، اللي هي إيش؟ الأخبار الصحيحة، أخبار الآحاد، جيد، فجعلها كلها مفيدة لغلبة الظن وليس شيء منها مفيدا لليقين، وهذا فيه نظر؛ لأنه تقدم معنا أنه أخبار الآحاد منها ما يفيد اليقين ومنها ما يفيد الظن بحسب القرائن، أخبار الآحاد الصحيحة ما نتكلم عن أخبار الآحاد الضعيفة.
طيب، قال: فمن الرتبة العليا في ذلك ما أطلق عليه بعض الأئمة أنه أصح الأسانيد؛ كالزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، وكمحمد بن سيرين عن عبيدة بن عمرو عن علي، وكإبراهيم النخعي عن علقمة عن ابن مسعود.
طيب، فمن الرتبة العليا في ذلك -أي: من أصح الأسانيد التي حققت الدرجات العليا في شروط الصحة- هذه الأسانيد التي ذكرها. طبعا هو ذكر هنا ثلاثة أسانيد تعتبر من أصح الأسانيد، هذا الذي فعله ابن حجر رحمه الله هنا هو انتقاء وليس استقصاء أو استقراء، جيد، عفوا ليس جمعا، ليس استقصاء، وإنما هو فقط انتقاء؛ لماذا؟ لأنه ذكر مثلا الزهري عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه، هذا من أصح الأسانيد، ولكن هو عن ابن عمر، جيد؟ فهو من أصح الأسانيد عن ابن عمر ومن أصح الأسانيد مطلقا.
ولكن تقريبا كل واحد من هؤلاء الصحابة، خاصة المكثرين، هناك إسناد عنه يعتبر من أصح الأسانيد، لست أستطيع أن أقول إن كل صحابي، ولكن كثير من الصحابة عنهم أسانيد هي في غاية درجة الصحة، جيد، فهو هنا انتقى ثلاثة أسانيد: واحد عن ابن عمر، وواحد عن علي بن أبي طالب، وواحد عن ابن مسعود. لكن مثلا عندنا من أصح الأسانيد التي لم تذكر مثلا: رواية الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، هذه من أصح الأسانيد. عندنا مثلا رواية مالك عن الزهري عن أنس، هذه من أصح الأسانيد. عندنا عن ابن عمر نفسه إسناد لم يذكره من أصح الأسانيد: مالك عن نافع عن ابن عمر وهو الأشهر، يعني الشاهد أنه هذه الأسانيد التي ذكرها من الرتبة العليا هي من الأسانيد الصحيحة جدا ولكنها لم تذكر هنا على سبيل الاستقصاء.
ودونها في الرتبة وإن كانت تشترك مع الأولى في الصحة ولكنها في درجة الصحة: كرواية بريد بن عبد الله بن أبي بردة عن جده عن أبيه أبي موسى، وكحماد بن سلمة عن ثابت عن أنس. التمثيل بهذا الإسناد حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس يعني جيد إلى حد ما، وليس جيدا مطلقا؛ لماذا؟ حماد بن سلمة، حماد بن سلمة صحيح أنه ليس من الرواة المتقدمين في التثبت والإتقان وإن كان متقدما في الإمامة، جيد، هو من الرواة الثقات أو الصدوقين، لكنه لم يعرف بكبير حفظ، جيد، بل عرفت عنه أوهام، ولكن هذا الإسناد خاصة -اللي هو حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس- هو من أجود أسانيد حماد بن سلمة وأصحها وأضبطها وأتقنها، بل إن من الحفاظ من يرجح حماد بن سلمة على شعبة بن الحجاج في ثابت البناني خاصة، جيد، لماذا؟ لأنه ضابط لحديث ثابت ضبطا متقنا جدا.
طبعا أما الذين أطلقوا الكلام بأنه حماد بن سلمة هو أثبت من روى عن ثابت، فهؤلاء يعني هذه نقول معروفة عن المتقدمين، من أشهرها كلام علي بن المديني وغيره، يعني تجدهم هم... بل هذا الإسناد من الأسانيد يعني القليلة التي تجد فيها تواردا من المتقدمين على النص بأن أصح إسناد إلى ثابت البناني هو إسناد حماد بن سلمة، يعني أثبت من روى عن ثابت، فربما هذا التمثيل يعني قد ينازع فيه.
ودونها في الرتبة: كسهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، وكالعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة. هذان إسنادان صحيحان، اللي هي سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، والعلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، هذان الإسنادان رواهما الإمام مسلم في الصحيح، أخرج بهذه السلسلة عددا من الأحاديث، تمام، عددا كبيرا، ولكن لم يخرج البخاري من هاتين السلسلتين شيئا.
وهذا يدلك على أنه الصحيح مراتب، تمام، فسلسلة سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة، وسلسلة العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة ليست ضعيفة، ولا أظن عند البخاري أنه يضعفها أصلا، وأحاديثها يعني حسنة، حسنة من جهة المعنى، ومن جهة يعني... يعني يحرص المحدثون على روايتها وإخراجها، فيها معاني لطيفة وفيها معاني جميلة وفيها أحكام وفيها آداب وفيها وفيها وفيها، ومع ذلك لم يخرج البخاري منها شيئا على سبيل الاحتجاج أبدا. لماذا؟ لأنها وإن كانت صحيحة إلا أنها في أدنى درجات الصحيح، نظرا لأن سهيلا والعلاء بن عبد الرحمن... سهيل بن أبي صالح ليسا في التثبت والإتقان بتلك المكانة، وقد عرف عنهما عدد من الأخطاء والأوهام.
طيب، إذاً الخلاصة أنه الآن قال لنا إنه الصحيح تتفاوت درجاته، وضرب لنا أمثلة على هذا التفاوت بسلاسل تمثل أعلى الدرجات، ثم سلاسل تمثل الوسط، ثم سلاسل تمثل الأدنى.
قال: فإن الجميع شملهم اسم العدالة والضبط، إلا أن المرتبة الأولى فيهم من الصفات المرجحة ما يقتضي تقديم روايتهم على التي تليها، وفي التي تليها من قوة الضبط ما يقتضي تقديمها على الثالثة، وهي -أي: الثالثة- مقدمة على رواية من يعد ما ينفرد به حسنا. يعني الآن لسه بتجينا مرتبة دونها وهي مرتبة رواة الحديث الحسن.
طيب، طبعا الدرس القادم من أهم الدروس؛ لأنه سنتكلم فيه عن الحديث الحسن بإذن الله، والتفريق هذا بين الحديث الحسن وبين الحديث الصحيح؛ لأنه فيه يعني مواطن اشتباك كذا تحتاج إلى فك نوعا ما: كمحمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر عن جابر. ليش أنا أقول هذا الكلام؟ لأنك قد تجد... تشوفون السلاسل هذه الآن التي مثلها بالحسن؟ هي الآن عند كل المتأخرين تقريبا أو عند أكثرهم يعني هي المثال البارز على الحسن. طيب، كمحمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر عن جابر هذه مثلا، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. محمد بن إسحاق لم يحتج به لا البخاري ولا مسلم، جيد، وأحاديثه تصنف دائما أنها أحاديث حسنة، وعمرو بن شعيب عن أبيه عن جده معروف، السلسلة أكيد مرت معك كثير في بلوغ المرام، سلسلة معروفة وفيها كلام كثير، وهي دائما تصنف بأنها حسنة.
طيب، ليش قلنا قبل شوي موضوع إنه في أشياء تحتاج تنبيه في قضية الحسن؟ قد تجد للإمام أحمد أو للبخاري أو لأبي حاتم الرازي -معنا يا شيخ عبد الكريم؟ نعم- أو لأبي زرعة أو لغيرهم من أئمة المتقدمين، قد تجد لهم في هذه السلاسل التي ذكرها ابن حجر هنا في صنف الحسن وفي نوع الحسن تجدهم يقولون عنها: صحيحة؛ لأن الحسن بمعناه الاصطلاحي هو في الحقيقة نوع من أنواع الصحيح، صحيح! يعني الحسن الذي تتوفر فيه شروط الصحة بخلاف الضبط، ما خف ضبطه، صح ولا لا؟ هذا في الحقيقة عند المتقدمين يعتبر نوعا من أنواع الصحيح، جيد.
فكلمة حسن عندهم -إحنا استعجلت أنا يا شيخ على الدرس الجاي- لكن باختصار: كلمة حسن عندهم لم تكن تعبر عن نوع من أنواع الحديث مستقل بذاته متميز بين الصحيح والضعيف، هذا ما كان موجودا، واضح؟ صحيح، ضعيف فقط، هذا الأصل. وكلمة حسن هنا قد تأتي مقارنة للصحيح، وقد تأتي مقارنة للغريب، وقد تأتي وحدها وتدل على أعلى درجات الصحة بعض الأحيان. بعض الأحيان مثلا حديث من أشهر الأحاديث الصحيحة حديث ابن عمر: رقيت على ظهر بيت لنا، فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم يقضي حاجته، حديث معروف عن ابن عمر، الشافعي قال: حديث حسن، وهو معروف من أحاديث البخاري ومسلم، معروف ما ينازع في صحته أصلا في العالم، فقال عنه: حديث حسن. وهكذا تجد أصلا عددا من الأحاديث المتفق عليها وكذا يقول لك: حديث حسن، فيكون لحظ معنى معينا جعله يعبر بحسن، ولا يعني تعبيره هذا أن هذا اللفظ دل على نزول درجة الحديث من مرتبة الصحة إلى مرتبة متوسطة، لا أبدا.
الشاهد أنه هاتان السلسلتان مثلا: عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، لا تتعجب إذا وقفت للبخاري على إسناد يقول لك مثلا الترمذي في العلل الكبير: وسألت محمدا -أي: البخاري- عن حديث رواه عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده كذا وكذا، فقال: صحيح. طبعا إذا كان محقق الكتاب أو ناقل هذا النص إذا كان ليس فاهما لكلام المتقدمين، إيش لابد أن يخرج هذه المعضلة؟ فبماذا يخرجها؟ غالبا سيقول: ربما صححه لأنه جاء من طريق آخر، واضح؟ فيكون صحيحا لغيره، هذا حسن وجاء من طريق آخر حسن فيكون صحيحا لغيره، مو صحيح، هذا كلام غير صحيح أبدا! قد لا يكون له إلا هذا الطريق، ويكون صحيحا عند الإمام، واضح؟
طيب، والمرتبة الأولى هي التي أطلق عليها بعض الأئمة أنها أصح الأسانيد، والمعتمد عدم الإطلاق لترجمة معينة منها، يعني تعرفون إنه مثلا البعض يقول: أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر، صح؟ دائما نسمعها. هنا يقول لك: المعتمد عدم الإطلاق، يعني لا تقل أصح الأسانيد على الإطلاق مالك... وهذا كلام صحيح، يعني كلام دقيق، يعني لا تكاد تجزم بأنه هذا الإسناد هو أصح إسناد، لكن قل مثلا: أصح إسناد إلى ابن عمر كذا، أصح إسناد إلى أبي هريرة كذا، أو قل مثلا: من أصح الأسانيد مالك عن نافع عن ابن عمر. وأما القطع بأن إسناد مالك عن نافع عن ابن عمر أصح من إسناد الزهري عن سالم عن ابن عمر أو الزهري عن سعيد عن أبي هريرة، فهذا فيه إشكال، يعني حتى عن ابن عمر نفسه قد ينازع شخص هل الأصح الزهري عن سالم عن أبيه أو مالك عن نافع عن ابن عمر؟ لأن كلا الإسنادين من أصح الأسانيد. وبالتالي فنقول مثلا: والله من أصح الأسانيد كذا، أو من أصح الأسانيد كذا، طيب.
قال: نعم، يستفاد من مجموع ما أطلق عليه الأئمة ذلك أرجحيته على ما لم يطلقوه؛ يعني كل ما قيل فيه: أصح الأسانيد من الأئمة هذا نستفيد منه حتى وإن لم نقل هو الأصح مطلقا، نستفيد أن هذه الأسانيد هي أرجح مما لم يقل فيها ذلك.
قال: ويلتحق بهذا التفاضل ما اتفق الشيخان على تخريجه بالنسبة إلى ما انفرد به أحدهما، وما انفرد به البخاري بالنسبة إلى ما انفرد به مسلم، لاتفاق العلماء بعدهما على تلقي كتابيهما بالقبول.
هذا أحد النصوص، نقل الاتفاق على قبول ما في البخاري ومسلم، وهناك نصوص قبل كلام ابن حجر وبعضها أقوى وأصرح، مثل كلام الجويني من أقوى النقول فيها؛ لأنه الجويني قال: لو حلف عندي إنسان بالطلاق على امرأته أن كل ما في البخاري ومسلم قد قاله الرسول صلى الله عليه وسلم، فقال: لم تطلق عندي؛ لأنه قال: لإجماع العلماء وكذا، فهذا نص يعني في غاية اليقينية عند الجويني والتثبت عندهم. وعلى كل حال اتفاقات كثيرة معروفة في هذا في ترجيح البخاري ومسلم، وفي الاتفاق على قبول ما جاء فيهما.
طبعا تجد من العلماء من يستثني من ذلك ما نوقش البخاري ومسلم فيه من الأحاديث، ومنهم ابن الصلاح رحمه الله، فإن ابن الصلاح في المقدمة، النوع الأول: الصحيح، أو نرجعوا إلى وقت قراءة ابن الصلاح؛ لأنه تعرف بعد النزهة نقرأ ابن الصلاح إن شاء الله، بس أنتم عاد جئتم على الشروط، فما كنا... إحنا في البداية كنا نقرأ بعد ما نقرأ النزهة نقرأ موضع الكلام من مقدمة ابن الصلاح، ونستفيد فوائد أكثر من كلام ابن الصلاح. الشاهد إنه ابن الصلاح استثنى الأحاديث التي انتقدت على البخاري ومسلم من الدارقطني وغيره. طيب.
عفوا: لاتفاق العلماء بعدهما على تلقي كتابيهما بالقبول، واختلاف بعضهم في أيهما أرجح؛ فما اتفقا عليه أرجح من هذه الحيثية مما لم يتفقا عليه، وقد صرح الجمهور بتقديم صحيح البخاري في الصحة، ولم يوجد عن أحد التصريح بنقيضه. وأما ما نقل عن أبي علي النيسابوري أنه قال: ما تحت أديم السماء أصح من كتاب مسلم، فلم يصرح بكونه أصح من صحيح البخاري؛ لأنه إنما نفى وجود كتاب أصح من كتاب مسلم، إذ المنفي إنما هو ما تقتضيه صيغة أفعل من زيادة صحة في كتاب شارك كتاب مسلم بالصحة يمتاز بتلك الزيادة عليه، ولم ينف المساواة. وكذلك ما نقل عن بعض المغاربة أنه فضل صحيح مسلم على صحيح البخاري، فذلك فيما يرجع إلى حسن السياق وجودة الوضع والترتيب، ولم يفصح أحد منهم بأن ذلك راجع إلى الأصحية، ولو أفصحوا به لرده عليهم شاهد الوجود، فالصفات التي تدور عليها الصحة في كتاب البخاري أتم منها في كتاب مسلم وأشد، وشرطه فيها أقوى وأسد.
وأما رجحانه... وأما رجحانه من حيث الاتصال، شوف الآن بدأ يأخذ شروط الحديث الصحيح شرطا شرطا، تمام، يبغى يقول لك لماذا البخاري أصح من مسلم، تمام، فإما في شرط كذا من شروط الحديث الصحيح فالبخاري أصح من مسلم لأنه فعل كذا، وإما في شرط كذا فالبخاري أصح من مسلم لأنه فعل كذا.
طيب، قال: وأما رجحانه من حيث الاتصال، فلِاشتراطه أن يكون الراوي قد ثبت له لقاء من روى عنه ولو مرة، واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة. طيب، هل هذا الكلام هو نظري؟ يعني أقصد أنه والله شرط البخاري كذا وشرط مسلم كذا، لكن هل وقع اختلاف بينهما في حديث قبله مسلم ولم يقبله البخاري نظرا لاختلاف هذين الشرطين؟ واضح الكلام؟ الشرط في الصحيح طبعا، في الكتب الثانية قد يصحح أحاديث لا يرضى لكتابه الصحيح أن تكون فيه.
طبعا هذا يظهر خاصة في قضية الضبط، أما الاتصال فربما يكون شرطا مطردا عنده، يحتاج تحقيق، لكن ربما يكون مطردا. طيب، الجواب: إنه نعم، هناك اختلاف عملي في أحاديث في صحيح مسلم انفرد بها مسلم ولم يخرجها البخاري، وإذا تأملت في الحديث ففي الغالب لا تجد له علة أو إشكالا أو مدخلا إلا أن فيه طبقة -غالبا بين التابعي والصحابي- يقول لك: ما تقدر تثبت السماع فيها، لا تستطيع أن تثبت السماع ولا اللقاء وإنما المعاصرة.
ويحضرني الآن مثالان على ذلك، ولأحدهما للبخاري فيه كلام: المثال الأول: حديثان مشهوران جدا، واحد في عمدة الأحكام -بالمناسبة أخطأ المقدسي رحمه الله حين وضعه في العمدة؛ لأن العمدة تعرف متفق عليه، وهو انفرد به مسلم- حديث عائشة المشهور: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يستفتح الصلاة بالتكبير، والقراءة بالحمد لله رب العالمين، وإذا ركع لم يشخص رأسه ولم يصوبه ولكن بين ذلك... الحديث وكان يختم صلاته بالتسليم، الحديث المشهور في صحيح مسلم. هذا حديث رواه أظن أبو الجوزاء عن عائشة، تمام، أخرجه مسلم في الصحيح، يعني احتج به، ابن عبد البر قال: أبو الجوزاء لا يعرف له سماع من عائشة. البخاري لم يخرج الحديث، ما أظن إنه فيه مدخل إلا هذه القضية، اللي هي الاختلاف بين البخاري ومسلم في شرط الاتصال.
المثال الآخر: الحديث يمكن أشهر، حديث أبي قتادة اللي هو فيه صيام يوم عرفة وصيام يوم الاثنين، سئل عن صيام يوم الاثنين فقال: ذاك يوم ولدت فيه، سئل عن صيام يوم عرفة فقال: أحتسب على الله أن يكفر السنة الماضية والسنة القادمة، سئل عن صيام يوم عاشوراء قال: يكفر السنة الماضية، حديث مشهور عن أبي قتادة في صحيح مسلم، هذا من طريق عبد الله بن معبد الزماني عن أبي قتادة، لم يخرجه البخاري، في التاريخ الكبير قال البخاري: عبد الله بن معبد الزماني لا يعرف له سماع عن أبي قتادة. ولم ينف الآن السماع، لم يقل: لم يسمع من أبي قتادة، واضح؟ وإنما قال: لم يعرف، يعني لم يثبت عندي أن عبد الله سمع من أبي قتادة. طيب هل ثبت عندك خلاف ذلك؟ لا، ما ثبت عنده خلاف ذلك، واضح؟ مسلم أخرج الحديث على شرطه، على اطراده: معاصرة، خلاص، معاصرة، أمكن اللقاء، ما فيه تدليس، ما فيه ريبة توجب هذا، خلاص انتهينا. واضح؟
إذاً فيه فرق عملي يعني وجوهري في أحاديث يعني... طبعا هذا ما يحضرني، حديثان، وربما الإنسان لو نقب وفتش ممكن يجد أحاديث أكثر وقع فيها خلاف بين البخاري ومسلم. نعم ممكن منها أحاديث سليمان بن بريدة عن أبيه، تذكر؟ تكلمنا عنها قبل كده، ما تذكروها؟ تكلمت عنها أظن مرتين في الدرس، تكلمت عنها قطعا مرة أكيد، وأظن مرة ثانية لما قلت: سليمان بن بريدة، البخاري أخرج لعبد الله بن بريدة عن أبيه، ولم يخرج لسليمان بن بريدة عن أبيه، تذكرت؟ أيوة، وإن عبد الله بن بريدة وسليمان كلاهما ثقتان، بل إن سليمان يعني لم أجد من... يعني ربما في الثقة أثبت وأوثق من عبد الله، ومع ذلك البخاري أخرج لعبد الله ولم يخرج لسليمان، وأحاديث سليمان مهمة، وأخرجها مسلم، ومن أشهرها الحديث الطويل في الغزو، مهم جدا، وحديث أظنه حديث أيضا: كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، أحاديث متعددة. تجد في البخاري نصا قال: سليمان لا يذكر سماعا عن أبيه، تمام. وهذا يحتاج تحريرا من جهة شرط البخاري، أنا يعني من تلك الحالة وأنا في بالي، لكني سبحان الله ما جاءتني فرصة أبحث أكثر في حالات أكثر وكذا، أنه ربما يعني البخاري يضيق أكثر من قضية اللقاء، واضح؟ ثبوت السماع يعني. فعلى كل حال هذا الآن تفاوت بين البخاري ومسلم في شرط الاتصال.
يقدم البخاري... يعني الآن الجواب التفصيلي هذا أو التفصيلات إيش فائدتها؟ لما يقول لك: لماذا قدم البخاري على مسلم؟ ما هو بس كلام كذا عام شرطه أقوى، لا، ترى في الاتصال تراه مقدما، وفي العدالة والضبط تراه مقدما، والدليل هذا المثال وهذا المثال وهذا المثال وهذا المثال، فإذاً نحن نعرف الآن لماذا البخاري أصح وأفضل. طيب.
طبعا قال: واكتفى مسلم بمطلق المعاصرة، وألزم البخاري بأنه يحتاج أن يقبل عنعنة المدلس أصلا، وما ألزمه به ليس بلازم. ابن حجر عاد الآن نزعة عِرق! ابن حجر فتح الباري والبخاري، فلازم يدافع عن البخاري، طبعا مسلم ناصر شرطه نصرا عظيما، بخلاف البخاري، أصلا البخاري لم ينص على هذا الشرط، وإنما عرف عنه، لكن لم ينص، لم يقل شرطي في الكتاب أن يكون هناك لقاء وكذا، ما فيه. مسلم لا، مسلم في المقدمة حارب وناضل ورد وسفه القول الآخر وسفل به وانتهى ونقل الإجماع على خلافه، مرة يعني كان ناصر القضية بشكل كبير جدا. قال: وما ألزمه به ليس بلازم؛ لأن الراوي إذا ثبت له اللقاء مرة لا يجري في رواياته احتمال أن يكون لم يسمع؛ لأنه يلزم من جريانه أن يكون مدلسا، والمسألة مفروضة في غير المدلس.
طبعا من أفضل من ناقش المسألة ونقل كلام المتقدمين الإمام المميز في كتابه الفذ شرح الترمذي، ابن رجب، طبعا هذا الكتاب يستحق أنه في كل درس أصلا نتكلم عنه؛ لأنه كتاب عظيم جدا، فناقش القضية وبعد ما ذكر الكلام قال: وجمهور المتقدمين على خلاف قول مسلم. بدأ ينقل لك عن أحمد وعن أبي حاتم، كلها نصوص كيف أنهم يعني بعضها فيها معاصرة وفيها كذا ولم يقبلوها.
طيب، قال: وأما رجحانه من حيث العدالة والضبط، فلأن الرجال الذين تُكُلِّم فيهم من رجال مسلم أكثر عددا من الرجال الذين تكلم فيهم من رجال البخاري، مع أن البخاري لم يكثر من إخراج حديثهم، بل غالبا من شيوخه الذين أخذ عنهم ومارس حديثهم، بخلاف مسلم في الأمرين. هذا... أما هذا فظاهر جدا، ظاهر بشكل واضح، مع أن البخاري انتقد عليه بعض الرواة، لكن ليس مثل الذين انتقدوا على مسلم، جيد. وكما قال ابن حجر هنا: حتى الرواة الذين انتقدوا على البخاري ينتقي لهم، حتى مسلم ينتقي، طبعا ليست قضية... لكن مسلم ينتقي في بعض الرواة الذين فيهم إشكال قوي، تمام؟ خلينا نفرق بين صورتين: هناك رواة فيهم إشكال قوي، جيد، هذا مسلم ينتقي لهم، هناك رواة مختلف فيهم: هل هم ثقات أو ليسوا... هل هم يعني أقوياء أو دون ذلك؟ فهنا مسلم قد لا ينتقي لهم بشكل عام، وإنما ما يرجح أحد القولين، فلو يرجح القبول خلاص يقبل الحديث، جيد، ثم قد يستثني، هو لا ينتقي انتقاء كذا، لا، قد يستثني من بعض حديثهم ما أُنكر عليهم.
مثال ذلك العلاء بن عبد الرحمن اللي ذكره قبل قليل ابن حجر، العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة أخرج له مسلم كثيرا جدا، أحاديث كثيرة، لكن فيه حديث تُنُكِّر على العلاء خاصة بنفس السلسلة بنفس الطريق ما فيه شيء، مسلم ما أخرجه، وهو حديث مشهور مر عليكم جميعا: إذا انتصف شعبان فلا تصوموا، الحديث اللي في السنن، حديث أبي هريرة، الإسناد على شرط مسلم ما فيه: العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة، إسناد أخرج مسلم بهذا الإسناد عشرات الأحاديث، لكن هذا بعينه مسلم لم يخرجه؛ لأن الحفاظ استنكروه على العلاء خاصة، جيد. طبعا هذه منهجية لا يفهمها من لا يعرف الحديث، المشككون والمادري إيش ما يفهمون قضية النفس النقدي هذا، أنه القضية ليست رياضيات واحد، اثنين، ثلاثة، لا! قد أنا أقبل حديث الراوي، لكن هذا الحديث ما أقبله، كذا بحسب القرائن، بحسب النقد، بحسب بحسب. طبعا هذا أصلا من نقد المتن، أصلا وجه استنكارهم -ليش أنكروا على العلاء؟ ما قالوا له: أنت ما سمعته، لا- أنكروه عليه لأنه يخالف الأحاديث التي أصح، فهو في الحقيقة نقد للمتن، يعني أكبر سبب للاستنكار عندهم أنه يخالف حديث أبي هريرة نفسه؛ لأنه هذا العلاء بن عبد الرحمن عن أبي هريرة، الحديث الأصح منه اللي في البخاري ومسلم معروف: لا يتقدمن أحدكم رمضان بصوم يوم ولا يومين، فقالوا: مفهوم الحديث أنه يجوز تقدم رمضان بصوم ثلاثة أيام أو أربعة أيام أو خمسة أيام، طيب وفي حديث العلاء يقول: إذا انتصف شعبان فلا تصوموا، واضح؟
طبعا من صحح الحديث يحاول يجمع بين الحديثين، فيقول لك: المنطوق مقدم على المفهوم، تمام، وكذا من العبارات هذه، أو هذا مثلا فيمن تعمد الصيام بعد النصف من شعبان، وعاد تأتي لطرق الجمع. وأيضا يعارض من الأحاديث التي قيل إنه يعارضها أو تذكر دائما: حديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصوم أكثر شعبان، أو كان يصوم شعبان إلا قليلا، أو كان يصوم شعبان كله، حديث مشهور طبعا، معروف أن (كل) قد تطلق على الأغلب يعني. فمن نقدهم للمتن، من نقدهم للمتن ضعفوا هذا الحديث واستنكروه على العلاء، وقالوا: أنت لست بمستوى من الضبط والإتقان يؤهلك ويخولك أن تصادم أو تخالف ما روي من وجوه متعددة أصح مما رويت أنت، واضح؟ الشاهد أنه كلاهما ينتقي، مسلم طبعا نص على الانتقاء؛ لأنه حين قيل... انتقده بعض الحفاظ، قال: أخرجت لفلان وفلان من رؤوس أهل البدع؟ قال: أنا أنتقي من حديثهم.
طيب: وأما رجحانه... الحين نتكلم عن رجحان البخاري على مسلم من حيث الاتصال، من حيث العدالة والضبط، الآن من حيث عدم الشذوذ والإعلال، قال: فلأن ما انتقد على البخاري من الأحاديث أقل عددا مما انتقد على مسلم. الدقة هنا في الكلام: تذكرون يا جماعة، تذكرون لما قلنا: شروط الحديث الصحيح الثلاثة تعود إلى ظاهر الإسناد، صح؟ والشرطان الآخران يعودان إلى الحكم على الحديث عامة بعد الحكم على الظاهر، هنا شوفوا لما قال العدالة والضبط، قال: الرجال الذين انتقدوا في البخاري أقل من الرجال الذين انتقدوا في مسلم، لما جاء الشذوذ والعلة ما قال الرجال والرواة، قال: لأن الأحاديث التي انتقدت... واضح الربط؟ قال: الأحاديث أقل عددا مما انتقد على مسلم، هذا مع اتفاق العلماء على أن البخاري كان أجل من مسلم في العلوم، وأعرف بصناعة الحديث منه، وأن مسلما تلميذه وخريجه، ولم يزل يستفيد منه ويتبع آثاره، حتى لقد قال الدارقطني: لولا البخاري لما راح مسلم ولا جاء. ومن ثم -أي: ومن هذه الحيثية، وهي أرجحية شرط البخاري على غيره- قدم صحيح البخاري على غيره من الكتب المصنفة في الحديث، ثم صحيح مسلم؛ لمشاركته للبخاري في اتفاق العلماء على تلقي كتابه بالقبول أيضا، سوى ما عُلل. هنا استثناء، تمام؟
ثم يقدم في الأرجحية...
طيب، أنا يعني متعب اليوم شوية، فكان ودي أكمل، لكن أخشى أن يزداد التعب، فذكروني ضروري أول شيء بالموضع، علموا على الموضع عشان الدرس القادم ضروري نكمل من
نفس المكان، وذكروني أيضًا ضروري نقرأ من المقدمة؛ لأنه خلاص الآن وصلنا تسلسل المقدمة الصباح.
الشيخ أحمد السيد