تسجيل الدخول

الشرح المطول على نزهة النظر ٢٨

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم لك الحمد، لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صلّ وبارك على عبدك ورسولك محمد.

نستعين بالله، ونستفتح المجلس الثامن والعشرين من مجالس نزهة الشرح المطول على نزهة النظر، ونسأل الله سبحانه وتعالى القبول والتمام. آה، بدايةً نقرأ الكلام من النخبة، وبعد ذلك آה نلتقي، كما تعودنا إن شاء الله، إلى النزهة وما يتعلق بها.

رحمه الله: فإن خفي المعنى احتيج إلى شرح الغريب وبيان المشكل. فإن خفي المعنى احتيج إلى شرح الغريب وبيان المشكل. ثم الجهالة، وسببها: أن الراوي قد تكثر نعوته، فيذكر بغير ما اشتهر به لغرض، وصنفوا فيه الأفراد، أو الموضع. وقد يكون مقلاً، فلا يكثر الأخذ عنه، وصنفوا فيه الوحدان. أو لا يسمى اختصاراً، وفيه المبهمات. ولا يقبل المبهم، ولو أبهم بلفظه على الأصح. إلى آخر الكلام.

آه، أعتقد أن هذه الثلاثة أسطر أو الأربعة هي التي يمكن أن تتناولها الآن. طيب، ننتقل للنزهة ليوضح ابن حجر رحمه الله كلامه بنفسه، قال: فإن خفي المعنى، بأن كان اللفظ مستعملاً بقلة، احتيج إلى الكتب المصنفة في شرح الغريب، ككتاب أبي عبيد القاسم بن سلام، وهو غير مرتب. وقد رتبه الشيخ موفق الدين ابن قدامة على الحروف، وأجمع منه. كتاب أبي عبيد من الهروي، وقد اعتنى به الحافظ أبو موسى المديني، فتنقَّب عليه واستدركه. وللزمخشري كتاب اسمه الفائق، حسن الترتيب.

ثم جمع الجميع ابن الأثير في النهاية، وكتابه أسهل الكتب تناولاًَ مع إعواز قليل فيه. وإن كان اللفظ مستعملاً بكثرة، لكن في مدلوله ضد، احتيج إلى الكتب المصنفة في شرح معاني الأخبار وبيان المشكل منها. وقد أكثر الأئمة من التصانيف في ذلك، كالطحاوي، والخطابي، وابن عبد البر، وغيرهم.

ثم بعد ذلك ذكر شرح المتعلق بالجهالة. لكن آه، خلينا نبدأ بهذا المرتبط بالغريب وما إليه. آه، هو من المفترض أن يذكر هنا أيضاً مختلف الحديث، ربما ذكره سابقاً حاجة واحدة. طيب، الآن آه هذا استمرار في بيان أنواع علوم الحديث، والأصل في خلنا نقول استيعابية المحدثين أنهم حين نقدوا الأسانيد بما يتعلق بها، حاولوا أن ينظروا في جميع المداخل التي يمكن أن يدخل منها إلى صحة الحديث أو آه ضعفه، آه سواء من جهة الإناد أو من جهة المتن.

لما تتكلم عن جهة الإسناد، فالإسناد يتألف من إيش؟ من إيش وإيش؟ من هو؟ طيب الرواة وما يتعلق به من تألف من إيش وإيش وإيش وإيش؟ عدالة وضبط، صح؟ بس قبل العدالة والضبط في شيء، إيش هو؟ طولبة السنة، غير سماع الراوي نفسه، تعريف حاله، اسمه، أصله، واحد، إيه، تمييز الراوي. تمييز الرواة، هذا مبحث كبير في علوم الحديث، كبير جداً، وفي أنواع وأقسام؛ أن الراوي قد يشتبه.

في كتب مصنفة فقط الجواب عن سؤال: كيف نعرف الراوي؟ بغض النظر كيف نعرف حاله الآن في قوله: ضعيف. بس كيف نعرف من هو؟ وهذي كيف نعرف من هو؟ تأتي حينما يكون هناك إشكال في معرفة من هو. هذا الإشكال في معرفة من هو أنواع، أحياناً يكون الإشكال في معرفة من هو بسبب أنه لم يُسمَّ، ويقال: حدثني رجل، مثلاً. وأحياناً يكون الإشكال لأنه ذُكر بكنية أو باسم غير معروف، غير معروفة يعني عند النقاد، غير معروف هذا الاسم.

فمثلاً، طبعا مع أن الراوي نفسه قد يكون معروفا. يعني مثلاً من يسمي سفيان بن عيينة أبا محمد الهلالي؟ يقول: حدثني أبو محمد الهلالي. ليه؟ هو أبو سفيان بن عيينة، هو سفيان بن عيينة، لكن هذه الكنية غير معروفة، ولا ولا يجلس، هي ليست متداولة. وقد يشكل.

وأحياناً بعض الرواة يغير اسم الراوي، مثلاً يكون اسمه سليمان، فيسميه مثلاً عبد الملك، لا، اسمه عبد الملك وكل الناس، تمام. وأحياناً القبيلة العامة، يعني يكون معروف بقبيلة معينة، فمثلاً آه النخعي ولا الشيباني ولا كذا، فيختار، فقد الفِقْد الذي هو فيه، يعني هو مو مشغول فيه، فينسبون إليه. هذي كلها الآن مشكلات متعلقة بايش؟ بمعرفة، بس تمييز من هو الراوي أصلاً. هذا علم كبير جداً في علوم الحديث، قصة طويلة وليست هامشية بالنسبة للمحدثين، يعتنون بها أبلغ العناية.

فواحد مثل الإمام البخاري في كتاب التاريخ الكبير لما يجي يجمع أسماء الرواة، يدخل في في يعني يتعب في قضية من هو هذا الراوي أصلاً؟ ولذلك آه يحرصون على أن يذكروا اسم الراوي واسم والده وقبيلته والكنية، واذا انتقل من بلد إلى بلد يذكرونها في الاسم، فيقول لك مثلاً: الكوفي، المدني، مثلاً. ويذكرون تاريخ الوفاة، ويذكرون: روى عمن؟ وروى عنه من؟ هذي كلها طرق في ايش؟ تثبيت الهوية.

الآن تثبيت الهوية، هوية الراوي. بعد ما تثبت هوية الراوي، ينظرون من آه ما حالهم. وهذي قصة، هذا كله الآن متعلق فقط بعنصر من عناصر الإسناد اللي هو ايش؟ الراوي.

لما تنظر في صيغ الاتصال بين الرواة تجد أن هناك أمور كثيرة، أمور كثيرة أيضاً يبحثونها. لما تنتقل إلى المتن ستجد أن هناك أمور كثيرة أيضاً يبحثونها، من جملتها ما يتعلق بالمعنى، جملتها ما يتعلق بالمعنى، معنى معنى الرواية، معنى معنى الحديث، هل هناك ما يشكل هذا من عناية المحدثين؟

قد يقول قائل إن المحدثين لا علاقة لهم بما يتعلق بالدراية وإنما لهم علاقة بالرواية، لا، لهم علاقة أيضاً بالدراية، لهم علاقة بما يتعلق بالمعنى، يهمهم ذلك، يشتغلون فيه، يشتغلون به، ليس فقط يشتغلون به اشتغال تبيين المعنى، وإنما يشتغلون به اشتغال حل الإشكال، بمعنى أن الحديث من حيث المعنى، من حيث عدم وضوح المعنى، على قسمين: أما أن يكون غير واضح في ذاته، وأما أن يكون غير واضح إذا أضيف إلى غيره، واضح؟

أما أن يكون غير واضح لذاته، يعني في كلمة غريبة تحتاج، مثل حديث أم زرع، تعرفون حديث أم زرع؟ زوجي غيايا عيايا، كل داءٍ داءُ. زوجي لحم جمل غث على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل. زوجي العشنق، إن أنطق أطلق، ونسكت ألقِ. زوجي آه إلى آخره. هذي ألفاظ غريبة تحتاج إلى شرح، هذا القسم الأول.

هناك من الأحاديث ما هو واضح في ذاته، ولكنه غير واضح إذا أضيف إلى غيره. وعدم الوضوح هنا ليس عدم وضوح معنى اللفظ، وإنما عدم وضوح وجه الحديث. ما وجهه مقارنة بهذا الحديث الآخر؟ قد يكون هناك اختلاف بين الأحاديث، فالمحدثون اعتنوا بهذا أيضاً، اعتنوا بهذا أيضاً.

ولذلك علم الحديث من أوسع العلوم مساحة، ومن أكثرها تشعباً، ومن الصعب جداً أن يستوعب الإنسان علوم هذا العلم وأقسامه وفنونه إلا في مراحل زمنية طويلة جداً، وهي تحتاج إلى آه جد واجتهاد لتحصيلها، ولكن إذا حصلت فهي من أعظم العلوم نفعاً، وأكثرها ثمرة على عقل الإنسان، وآه حتى بالمناسبة آه على دينه وأحواله.

آه لذلك هذه فائدة مهمة جداً، ألا وهي أن سير المحدثين التي نقرأها في كتب الرجال، في كتب الجرح والتعديل، الآن لا أكلمكم عن كتب المطولة في السلوك وما إلى ذلك، ولا حتى عن سير أعلام النبلاء، فضلا عن كتب آه مثل حلية الأولياء وما إلى ذلك، لا، أنا أتكلم الآن عن كتب الجرح والتعديل المباشر، اللي هي مثل تهذيب التهذيب لابن حجر، لا يوجد أحد يشتغل بالحديث اشتغالاً حقيقياً لا يقرأ في مثل هذا الكتاب.

سير هؤلاء المحدثين، إذا قرأت فيها في كتب الجرح والتعديل، التي هي مختصرة تعتبر وتركز على حال العدالة والضبط، فيها من التهذيب للسلوك، وفيها من الحث على العمل، وفيها من إصلاح القلب والنفس، الشيء العجيب، الشيء العجيب جداً. سير المحدثين الموجودة في كتب الجرح والتعديل من أعظم ما يمكن أن يفيد الإنسان، من أعظم ما يمكن أن يفيد الإنسان، يثمر له حال صلاح في قلبه وفي نفسه.

آه ولذلك من الخطأ الكبير التعامل مع آه آه كتب الجرح والتعديل تعاملاً آلياً جامداً، انسان راح يقرأ في كتب الجرح والتعديل عشان يعرف ثقة ولا ولا ضعيف، لا خطأ، هذا مهم لكنه ناقص، من المهم جداً أن تقرأ بروح، وأن لا تعامل مع علم الحديث كآلة جامدة، وإنما يجب أن تتعامل معه بروح، فإذا قرأت في كتب الجرح والتعديل، حاول أن تفهم هذه السير، تنظر في أبعادها، وترى المواقف التي جعلت منهم آه أئمة وعلماء، وانظر في كثير من الأبعاد التربوية والسلوكية الموجودة في سيرهم.

ولذلك من يعني خلنا نقول من آه أجمل الثمرات التي يخرج بها القارئ لهذه الكتب، أنه آه يبعد عن العجب بنفسه، يجب أن يعيش بنفسه.

في الأيام الماضية آه اطلعت على مقطع لواحد آه يعني ما اريد أن يعني أن أتكلم فيه يعني، لكن واحد باختصار جاهل، جاهل، وصدر نفسه بطريقة عجيبة جداً، يعني آه يتكلم في الأمور الشرعية، ويسأل أسئلة وكأنه مفتي، ويجيب عنها بالمنطق الشرعي، ويعني آه باختصار شايف نفسه كثير يعني، وشاب صغير يعني، واضح من من أي أجيال عنده شيء من العلم ينظر في مثل هذه الحالة، يعرف أن هذا لم يقرأ سير العلماء، لم يقرأ سير العلماء، لم لم يعرف منطق العلم ولا سبيله ولا سلوكه ولا ولا إلى آخره.

آه لذلك من الفوائد في كتب الحديث أنك دائم الاتصال بالسير، دائم الاتصال بالسير، وإذا اتصلت بالسير وقرأت قراءة واعية وعشت بروح، فمن المفترض أن تكتسب معاني كثيرة، من أهمها أن تعرف أنك لم تفعل شيئاً، وأن الأوقات إذا أنت كنت مثلاً مثلاً تقدم أربع ساعات في اليوم ولا ست ساعات ولا ثمانية ساعات في طلب العلم، فلا تظن أنها يعني هي الذي لم يأت به أحد قبلك ولن يأتي به أحد بعدك، لا، تعرف أنه هي على الهامش في مقابل ما قدموا وفعلوا وو إلى آخره.

اقرؤوا مثلاً، احنا دائماً نفتح كتاب العلل لابن أبي حاتم، صح؟ ونقرأ: أن سئل أبيه، وسئل أبيه، سألت أبيه، اللي هو أبو حاتم، آه اقرؤوا أبو حاتم الرازي، أعطيهم صفحات من صبر العلماء، شوفوا هنا. قال لي: أخرج لعلي أخرج القصة سريعا. هنا عندك السير، أبو حاتم الرازي، أنت تقرأ آه علل وجرح وتعديل، لكن آه إيش اللي وراء؟ ما الذي وراء أبي حاتم الرازي حتى الإنسان يعرف أنه هو يعني يحترم نفسه؟

يقول هذا يعني نفسه ابن أبي حاتم يتكلم عن والده في كتابه كتاب الجرح والتعديل، يقول: سمعت أبي يقول: أول ما خرجت في طلب الحديث، أقمت سبع سنين، أحصيت ما مشيت على قدمي زيادة على ألف فرسخ. في الحاشية يقول: الفرسخ بمشي القدم نحو ساعة ونصف، وهو ثلاثة أميال، نحو خمسة كيلو مترات. خمسة كيلو مترات، يعني كم؟ خمسة آلاف كيلو مشياً على الأقدام! لم أزل آه لم أزل أحصي حتى لما زاد على ألف فرسخ تركته. هذي اللي اللي أحصاها خلال سبع سنوات، زين؟

وأما ما كنت سرت أنا من الكوفة إلى بغداد فما لا أحصي كم مرة. ومن مكة إلى المدينة مرات كثيرة، هذا كله على قدميه. وخرجت من البحر من قرب مدينة سلا، وذلك في المغرب الأقصى، إلى مصر ماشياً، ومن مصر إلى الرملة ماشياً، ومن الرملة إلى بيت المقدس ماشياً، ومن الرملة إلى عسقلان، من رملتي إلى طبرية، من طبرية إلى دمشق، ومن دمشق إلى حمص، ومن حمص إلى أنطاكية، من أنطاكية إلى طرطوس، ثم رجعت من طرطوس إلى حمص، وكان بقي عليّ شيء من حديث أبي اليمان فسمعته، ثم خرجت من حمص إلى بيسان، ومن بيسان إلى الرقة، من الرقة ركبت الفرات إلى بغداد. وخرجت قبل خروجي إلى الشام من واسط إلى النيل، ومن النيل إلى الكوفة. كل ذلك ماشياً!

هذا في سفري الأول، وأنا ابن عشرين سنة، تمام؟ أجو له سبع سنين، خرجت من الري سنة مئتين وثلاث عشرة في شهر رمضان. أنا عندي تعليق بس إني ماسكه، يعني تعلق بموضوع فين وصلنا، ورجعت سنة مئتين وواحد وعشرين، وخرجت المرة الثانية سنة اثنتين وأربعين، ورجعت سنة خمسة وأربعين. طبعا هذي مئتين مئتين اثنين وأربعين، مئتين وخمسة وأربعين، أقمت ثلاث سنين، وكانت سنين، وكانت سني في هذه الرحلة سبعاً وأربعين سنة.

طيب، هذا الان مثلاً مثال أبو حاتم الرازي، أنت تشوف كتاب العلل، أنت ببالك أن أبو حاتم جالس على المكتب وولده يسأله: ما رأيك في فلان؟ وما أدري ايش؟ ثقة، ضعيف. فهذي وراها خمسة آلاف، أكثر من خمسة آلاف كيلو مشياً على الأقدام! هذي مو عشان يصل إلى كل العلم، هذا عشان أخذ بعض العلم الذي أخذه.

وأيضاً، طبعا، ليست هذه القصة التي أردت أنا أذكرها عن أبي حاتم. آه، هناك قصة أخرى. أبو حاتم الرازي مئة وثمانية، يمكن تكون هنا. طيب، أبي عبد الله اهو مئتين وسبعة وثلاثين. طيب في الخبر مئتين وسبعة وثلاثين، شوف. طيب، اسمعوا هذه القصة، أيضاً هذه نقلها عنه ابنه في كتابه ثابتة.

يقول: باب ما لقي أبي من المقاساة في طلب العلم والشدة من الشدة. قال: سمعت أبي يقول: بقيت بالبصرة في سنة أربع عشرة ومائتين. أربعة عشر ومائتين هذا كان صغير أبو حاتم، والله، يعني كان شاب، ليس كبيراً، ثمانية أشهر، وكان في نفسي أن أقيم سنة، فانقطعت نفقتي، فجعلت أبيع ثياب بدني شيئاً بعد شيء، حتى بقيت بلا نفقة، ومضيت أطوف مع صديق لي إلى المشيخة وأسمع منهم إلى المساء، فانصرف رفيقي ورجعت إلى بيت خال، فجعلت أشرب الماء.

من الجوع، ثم أصبحت من الغد وغدا علي رفيقي، فجعلت أطوف معه في سماع الحديث على جوع شديد، فانصرف عني وانصرفت جائعاً. فلما كان من الغد غدا علي فقال: مر بنا إلى المشايخ. فقلت: أنا ضعيف لا يمكنني. قال: ما ضعفك؟ قلت: لا أكتُمك أمري، قد مضى يومان ما طعمت فيهما.

فقال لي: قد بقي معي دينار فأنا أواسيك بنصفه ونجعل النصف الآخر في الكراء. فخرجنا من البصرة وقبضت منه النصف دينار. ثم قالوا ابن أبي، سمعت أبي يقول: لما خرجنا من المدينة من عند داود الجعفري صرنا إلى الجار -اللي هو ميناء أظن- وركبنا البحر وكنا ثلاثة أنفر؛ أبو غير المرو الروذي، وآخر نيسابوري.

ولما كنا في البحر احتلمت، فأصبحت وأخبرت أصحابي بذلك فقالوا لي: اغمس نفسك في البحر. قلت: إني لا أحسن، لا أحسن أن أسبح. فقالوا: أنا نشد فيك حبلاً وندلوك في الماء. فشدوا في حبلاً وأرسلوني في الماء، وأنا في الماء أريد إسباغ الوضوء. فلما توضأت قلت لهم: أرسل قليلاً، فأرسلوني فغمست نفسي في الماء فقلت: ارفعوني فرفعوني. وركبنا البحر ثم مشينا فكانت الريح في وجوهنا. فبقينا في البحر ثلاثة أشهر وضاقت بنا صدورنا وفني ما كان معنا من الزاد، وبقيت بقية فخرجنا إلى البر.

فجعلنا نمشي أياماً على البر حتى فني ما كان عانى من الزاد والماء، فمشينا يوماً وليلة لم يأكل أحد منا شيئاً ولا شربنا، واليوم الثاني كمثل واليوم الثالث، كل يوم نمشي إلى الليل إذا جاء المساء صلينا وألقينا بأنفسنا حيث كنا. وقد ضعفت أبداننا من الجوع والعطش والعياء. فلما أصبحنا اليوم الثالث جعلنا نمشي على قدر طاقتنا، فسقط الشيخ المرو الروذي مغشياً عليه، فجئنا نحركه وهو لا يعقل فتركناه، ومشينا أنا وصاحب النيسابوري قدر فرسخ أو فرسخين فضعفت وسقطت مغشياً علي، ومضى صاحب لصاحبي وتركني.

فلم يزل هو يمشي إذ بصر من بعيد قوم قد سفينتهم من البر ونزلوا على بئر موسى عليه السلام، فلما عاينهم لوح بثوبه إليهم فجاؤوه معهم الماء في إداوة فسقوا، اخذوا بيده فقال لهم: الحقوا رفيقين لي قد ألقوا بأنفسهم مغشياً عليهم. فما شعرت إلا برجل يصب الماء على وجهي ففتحت عيني قلت: اسقني، فصب من الماء في ركوة أو مشربة شيئاً يسيراً فشربت ورجعت إلي نفسي ولم يروني ذلك القدر، فقلت: اسقني، فسقاني شيئاً يسيراً وأخذ بيدي، فقلت: ورائي شيخ ملقى. قال: قد ذهب إلى ذاك جماعة. فأخذ بيدي وأنا أمشي أجر رجلي ويسقيني شيئاً بعد شيء حتى إذا بلغت إلى سفينتهم واتوا برفيقي الثالث الشيخ أحسن إلينا أهل السفينة فبقينا أياماً حتى رجعت إلينا أنفسنا إلى آخر الخبر.

هذه قصة من قصص أبي حاتم الرازي في طلب الحديث، هذي في طلب الحديث اه وغيرها يعني المحدثون وخبرهم مع الرحلة والمشي والتعب والنصب، الإمام أحمد مشى من بغداد إلى صنعاء، بغداد في العراق إلى صنعاء أحسب طريق مشى هو ويحيى بن معين راحوا يسمعوا من عبد الرزاق الصنعاني صاحب المصنف، مشى من بغداد إلى صنعاء إلى آخره. يعني من القصص هذي هذا العلم ورائه هذا النصب وهذا التعب، والنصب هذا والتعب ليس هو المعيار في صحته، وإنما هو دليل كاشف عن الجهد الذي بذل، معيار لصحته ما قدم فيه من قوانين ومعاني وأخبار.

الشاهد من هذا كله هو أن الفرصة لطالب الحديث عظيمة جداً في إصلاح حاله ونفسه وهو يقرأ في السير والتراجم، لذلك أنا أنصح أي طالب حديث، طلاب أكاديمية الحديث، أي طلاب حديث أنصحهم أنهم يقرؤون تهذيب التهذيب كاملاً أو تهذيب الكمال كاملاً. نعم ليست هذه سنة مسلوكة في كثير من الدروس المتأخرة، لكنها سنة مسلوكة ومطروقة عند المتقدمين. نعم ليست ليس بكتاب تهذيب التهذيب لأنه لم يؤلف إلا متأخراً، لكن هذا التأمل في سير المحدثين والقراءة يعني هو كل علم الحديث أصلاً كان قائماً على معرفة الرجال والرواة، لأنه نصف العلم، هو نصف علم الحديث كان معرفة الرجال والرواة. وجزء من هذه المعرفة هو المعرفة المرتبطة بسلوك وأعمالهم، لأن نحن في سياق الإسلام وعلماء الإسلام لما تقرأ في ترجمة العلماء أغلب ما يحتويه أو تحويه تلك التراجم هي الأمور السلوكية، مع أنك تدلف إليهم من نافذة المعرفة، صح؟ لما تقول عالم أنت تروح تقرأ عن الإمام مالك، أنت الإمام مالك تعريفه عندك أنه من أحد الأئمة الأربعة، صح ولا لا؟ وإمام المذهب المالكي ويعني فقه هذا اللي في بالك يعني.

لما تفتح كتاب سير أعلام النبلاء مثلاً وتقرأ الصفحات الكثيرة التي كتبها الذهبي عن مالك ستجد وكأنك تقرأ في كتاب في علم السلوك أو التزكية أو الأدب أو التعبد أو أياً كان، وتجد فيها شيئاً بلا شك العلم، لكن ليس مفصولاً في سياق الإسلام تراجم في سياق تراجم علماء المسلمين، لا يفصل السلوك عن العلم، العمل عن المعرفة. لكن يمكن أن تقرأ في السياق الغربي مثلاً في سير الفلاسفة الغربيين، يمكن أن تقرأ إنسان من أعظم رموز الفلسفة الغربية ومن من قام بنظريات كثيرة، ثم لا تقرأ في سلوكه، تجد أن الراجل ضايع يعني، تجد أنه يعني السلوك رايح فيها يعني، لا يتفق مع ما تظنه من لازم المعرفة.

بينما في الإسلام لا، ولذلك كانوا يستنكرون إذا وجد أحد عنده هذه العلوم ثم لم يكن عنده من السلوك ما يففيد، فلا يأخذون حتى عنه الحديث، لا يأخذ منه الحديث لك. إذا وجد في عمله ما يخالف علمه ولو كذب كذبة واحدة، كذبة واحدة المحدث لو إن شاء الله جلس طوال عمره يحدث ما لم يتب توبة صادقة نصوحاً، فحديثه كله لا يساوي شيئاً عند المحدثين، لا يساوي شيء لكذبك كذبة واحدة بس. فهذه القضية قضية مركزية وجوهرية، لذلك أنا أنصح بقراءة مثل هذه الكتب والسير.

فمثلاً أنا الآن هذه لطلاب الحديث خاصة، أما لعموم الطلاب فقراءة السير بلا شك مهمة، مهمة جداً لنفس المعنى والثمرة اللي هي ثمرة معرفة سلوك علماء المسلمين، ويريد أن يحترم الإنسان نفسه ويقدر نفسه ولا يعجب ويغتار، فلكن في طلاب الحديث جيد أن يضربوا عصفورين بحجر واحد، فيقرؤوا في مثل تهذيب التهذيب حتى يعرفوا أحوال الرواة جرحاً وتعديلاً وشيوخ الرواة وتلاميذهم، وفي نفس الوقت يقرؤون بعض الجوانب السلوكية في سيرهم.

طبعا ليس في بداية طلب الحديث يقرأ تهذيب التهذيب، لأنه يعني فيه عسر، فيه عسر أقصده من حيث ما يجهد الطالب في القراءة، خاصة إذا كانت الأسماء ليست معروفة لديهم. لكن بعد مدة من طلب الحديث ومعرفة الأسماء، أنتم الآن مثلاً في غيث الساري تمر عليكم أسماء كثيرة بمدارات يعني الإنسان أحياناً من الصعب أن يحفظها إن لم يراجعها ومراجعة مستمرة، لكن إذا قرأ سير هؤلاء في التهذيب أو في غيره يسهل عليه أن يحفظ أسماءهم.

أما غير المتخصصين في الحديث أو غير طلية الحديث فممكن من البدايات في هذه الصفحات؛ من صبر العلماء كتاب الجليل لعبد الفتاح أبو غدة رحمه الله تعالى، هذا الكتاب جميل جداً ومهم، مففيد كثيراً، وكذلك سير أعلام النبلاء، وسير أعلام النبلاء ليس بالضرورة أن يقرأ كاملاً، أنه يقرأ كاملاً. البعض يظن أنه كتاب مثل هذا لازم تقرأه ترجمة ترجمة، ليس صحيحاً، عادي ممكن تبدأ من البداية، بداية بالصحابة، ممكن تبدأ من البداية، بعدين تأتيك بعض التراجم ليس فيها إلا أمور حديثية؛ سمع من فلان، سمع منهم فلان، تجاوزها عادي طالما أنك لست مهتماً، ليس متخصصاً، لست تريد تخصص.

فلذلك طبعا في بعض التجارب في هذا الموضوع، في مثلاً جمال الدين القاسمي رحمه الله من علماء الشام المعروفين جداً، جمال الدين القاسمي قرأ تهذيب التهذيب كاملاً، تهذيب التهذيب مع الكتابة بالقلم أظن في عشرة أيام، عشرة أيام كتاب طبعا مضغوط، أربعة مجلدات مضغوطة جداً، اللي هو أصلاً مطبوع في عشرة أو اتناشر مجلد.

لا تتعجبون، يعني هذه قضايا، أمس كنت مع الشيخ حسين عبد الرازق في عرض الكلام هكذا يعني لم يذكره كخبر، وإنما في عرض الكلام كنا نتكلم عن الرجال والرواة وما إلى ذلك بعض الأمور الحديثية، فقال: لما كنا لما قرأنا الترمذي في الفترة الماضية، قلت: متى قرأت الترمذي؟ قال: قبل شهر أكملتوه، يعني قال: أكملنا الكتاب. قلت: فكم؟ قال: خمسة أيام، خمسة أيام قرؤوا الترمذي كاملاً، هذي خمسة مجلدات هادي هو اقرؤوها كاملة. خمس دروس في اليوم، الدرس الأول ست ساعات والدرس الثاني مدري ساعة أو ساعتين وكذا، خلص الخمسة خمس أيام، فهو أصلاً جاب عرضاً أنه أنه شي عادي، ما هو شي ترى عجيب يعني، مع تعليقات يسيرة جداً يعني ليس صعباً أن الإنسان يقرأ مثل هذه الكتب.

لكن المشكلة أنه إحنا ودنا علينا مطمعين، وجزء من تعويدنا على هذا النمط المدارس والجامعات، لأنها تقولب العلوم بطريقة وتقولب موقفك منها وطبيعة تفاعلك مع الكتاب ومع العلم بطريقة باهتة يعني باهتة، أذهبت الرونق والبهاء الذي كان عليه أهل العلم في التعامل مع مثل هذه الكتب. على أي حال لا يغفل طالب الحديث عن أن يعتني عناية خاصة بسير المحدثين.

ولكن هنا لفتة أيضاً تربوية أختم بها في هذا المبحث، وأيضاً كانت من ضمن التدارس يوم أمس مع الشيخ حسين، وهي أن أحياناً كما أن هناك جفاء في الوقوف عند سير المحدثين من الناحية السلوكية والتزكوية والمعنوية في السياق الحديثي، فهناك أحياناً قلوب يعني أحياناً الإنسان ما يستطيع أن يضع مسافة بينه وبين هذه السير ويأخذ أحسنها ويوظفها توظيفاً حكيماً في واقعهم. لأنه في أنا أحياناً يقرأ الإنسان هذه السير فينعزل عن واقعه، لأن في هذه السير من الزهد في الدنيا ومن خلنا نقول أحياناً عدم أحياناً احتقار النفس، أحياناً الإنسان إذا لم يأخذ هذه السير بوعي يقع في إشكالية أخرى، تقع في إشكالية أخرى.

جيد وحصل، حصل أن بعض طلاب الحديث أو حتى بعض مشايخ الحديث يقرأ في مثل هذه السير وسير السلف وسير عبادتهم وزهدهم وكذا، أحياء وينظر أحياناً للواقع فيجد فجوة هائلة، فأحياناً يحصل في حالة انعزال أو ما إلى ذلك. شوف الصوت هناك، الإنسان ينتبه فلا يجفو، يعني كما قلت لا أتعامل مع كتب الحديث على أنها مجرد آلة ويقرأ السير قراءة جامدة جداً، ثقة ضعيف وما إلى ذلك. وفي نفس الوقت لا يغلو، يعني يقرأ تلك السير قراءة ويريد أن يطبقها بحذافيرها على الواقع، الواقع مختلف والهمم مختلفة والنفوس مختلفة، لكن خذ أحسن ما فيها وطبقه بوعي وبحكمة وباتزان وباتزان.

لكن أنا برأي أن من أهم وأعظم الثمرات التي تخرج من قراءة السير: عدم الإعجاب بالنفس. لما تشوف واحد في مرحلة معينة بس من مراحل عمره مشي خمسة آلاف كيلومتر -هذا اللي عدها واللي فوق أكثر- خمسة آلاف كيلومتر مشاها مشياً على القدم في طلب الحديث، بعدين تشوف أنت إيش سويت خلال نفس المدة، تهدأ شوية، تهدأ، تقول يعني واحد يحترم نفسه ويقدره كذا. ولما تشوف أن واحد عالم بعد كل بعد كل رحلة طلب العلم بعدين يقول لك والله أنا يعني حتى في البخاري في شسمه في كتاب العلم لما قال أدركت عشرين منصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وكذا كلهم يخاف النفاق على نفسه، كلهم يخاف النفاق على نفسه.

وكذلك في تدافع الفتيا، وهذا هذا باب معروف من أبواب العلم، من أبواب سير العلماء، تدافع الفتيا؛ أنه يجي يفتى، يستفتى العالم أو الشيخ وهو يكون من العلماء المشهورين أو الأئمة، فيدفع الفتيا إلى غيره ثم يدفعها الثاني إلى الثالث، ويدفعها الثالث إلى الرابع وهكذا. فالذي يقرأ في تلك السير ويتربى على سير أولئك يحدث عنده قدر من مضادات العجب والغرور.

سبحان الله اللي يتربى على هذي السير يحصل عنده مضاد للعجب والغرور، وتجد أنه يتحرز كثيراً وتوقع كثيراً، حتى لو طلب العلم خمسة وعشرين سنة، ثلاثين سنة -هذا تخيلوا نتكلم عن ربع قرن طلب علم جاد تمام- لا تحسب أنه بعد هذي النتيجة هو سيشعر في نفسه أنه شيخ الإسلام أو أنه العالم النحرير وأنه يعني يلا اسألوني وأنا سأجيب عن كل مسألة، لا بالعكس، ستجده نعم يتصدر ويعلم الناس ويربيهم وو لكن في نفس الوقت تجده يحترم نفسه، وإذا جاءت أبواب لا يعرف يقول لك: لا أعرف، الله أعلم، لا أدري، قد يكون، ربما، لعل الله أعلم وهكذا.

هذا تجد الإنسان، كما قلت لكم المقطع الذي رأيته قبل أمس رأيته قبل أيام، وكمان رأيته شاب صغير، أنت تعرف انت جيداً أنه ليس عنده علم، هو ليس لا أتكلم عن مجرد صغر السن، أتكلم عن مسيرته في القناة، ثم بعدين يتكلم بهذا بهذا الأسلوب وكأنه المفتي الأعظم، أبداً أسلوب من لم يتأدب بأدب سير العلماء أبداً من الخطأ والنقص الكبير جداً، وهذا يحصل عند طلاب الحديث أنهم لا يستفيدون من سير المحدثين، وإنما يتعاملون -هذا أقصد كثير من الطلاب- يتعاملون مع علم الحديث الذي هو مظنة أن تتأدب وأن تسير على هذه المبادئ الذي يؤطر علم الحديث تأطير الآلة، لا يستفيد مثل هذي المعرفة. وكثير من أهل الحديث ممن اعتنوا بهذا الإطار السلوكي والتزكوي

تأدبوا بهذا الأدب، أدب أول شيء النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن الحديث هو في الأخير حديث النبي صلى الله عليه وسلم، ثم بأدب نقلت الحديث، وبهمتهم، وبعلومهم، وبحكمتهم، ما أورث لهم حالة من الصدق والحكمة والاعتدال والإمامة في الدين.

وإذا رأيت مثل الإام البخاري، ستجد قطعا أن الإمام البخاري تأثر بسير الأئمة والعلماء وقبل ذلك بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم أحاديثه، فالذي كان عليه الإمام البخاري مثلا لا يمكن أن يكون عليه الإنسان بمجرد أن يكون ابن تلك المرحلة فقط إذا لم يكن قد انتمى أو قد مد إلى أئمة الإسلام بحبل وبسبب، يعني يجب وجوبا على طالب العلم أن لا يهمل هذا الباب وأن يتعامل معه باعتدال كما ذكرت.

طيب، هذا كله الآن مقدمة يعني تعتبر أو مدخل أو استطراد خلينا نسميه كله استطراد في سياق الحديث، يعني المدخل الذي ولجت منه إلى الاستطراد هو أن علماء الحديث تناولوا مختلف الأبواب، فتناولوا ما يتعلق بالرواة وتناولوا ما يتعلق بالمتون، وتكلمت عن الرواة بعض الأشياء اللي تناولوها والمتون كذلك، فمما تناولوه في المتون قضية الغريب، فتتبعوا الأحاديث تتبعوا الألفاظ الغريبة في الحديث وأفردوها بالتصنيف والتأليف.

فإذا قرأت كتب السنة ستجد أن كتبا قد جمعت لك أي لفظ غريب يمر عليك في السنة وشرحوا هذا اللفظ وبينوه، والكتب المؤلفة في ذلك كثيرة كثيرة، وبعضها مفرد وبعضها تابع، فأما التابع؛ لأن المفرد هو الذي عليه الشأن، فالتابع أشير إليه إشارة سريعة.

أما التابع فمن أشهره ما كتبه ابن حجر في مقدمة فتح الباري، ومقدمة فتح الباري نموذج للدراسات العلمية المحكمة المتينة الشمولية لكتاب ما، حتى إن أي شخص يريد أن يتحدث عن البخاري اليوم، أو مثلا حتى يشرح صحيح البخاري إذا لم يعرف بالكتاب وبصحيح وبالامام البخاري كمثل تعريف ابن حجر أو مقارب أو حتى نصف سواء أو حتى ربع المستوى فلا يعرف؛ لأنه بعد ما كتبه ابن حجر عن صحيح البخاري أيضا يحترم الانسان نفسه، ويعرف أن الكلام عن هذه الأبواب فيه مستويات مرموقة.

فما كتبه ابن حجر في هدي الساري اللي هو مقدمة فتح الباري خدم صحيح البخاري خدمة عجيبة، غير أنه خدمه بالشرح كاملا هذه المقدمة خدمها خدمة عجيبة، من جملة ما خدمه وبه أنه أتى لكل الكلمات الغريبة في صحيح البخاري فشرحها في المقدمة، شرحها في المقدمة واحد من العناوين في المقدمة فقط والعناوين في المقدمة كثيرة، سواء ما يتعلق منها بالمعلقات، بترتيب الأبواب، في سيرة الإمام البخاري أمور كثيرة جدا تكلم عنها في المقدمة، الرجال الذين انتقدوا على الإمام البخاري وجابهم واحد واحد وناقش القضية، الأحاديث التي انتقدها الدارقطني وأتى بها واحدا واحدا وناقشها واحدا واحدا نقاش أسانيد وعلل، كله في المقدمة.

ثم بدأ بسم الله الرحمن الرحيم في شرح الفتح، وشرح آخر حديث في صحيح البخاري كمثل ما شرح أول حديث بنفس النظام نفس السعة والمستوى على غير عادة بعض الشراح الذين يبدأون بهمة وتوسع ثم يضمر كمية الشرح ومستوى الشرح في آخر الأحاديث، يعني مثلا اقرؤوا المنهاج على أنه من أهم الشروح المنهاج شرح مسلم، الإام النووي رحمه الله اقرؤوا في المنهاج في البدايات توسع، توسع في نصف الكتاب أو في آخر الكتاب تجدون أن الشرح ضمر جدا والتعليقات يسير.

وابن حجر كتب هذا الشرح في ربع قرن خمسة وعشرين سنة فتح الباري، طيب هذه التابعة، أما المفردة فهناك كتب كثيرة أفردت غريب الحديث بالتصنيف، أفردت غريب الحديث بالتصنيف، من جملتها كتاب أبي عبيد القاسم وهو من أجل الكتب وهو من الكتب المعروفة من أشهر الكتب، كتاب أبي عبيد القاسم سلام وهو أبو عبيد من المتقدمين، أبو عبيد من أقران الإمام أحمد بن حنبل، وجمع في غريب الحديث وهو جمعه ممتاز ومهم جدا.

ثم الفت الكتب بعد كتاب أبي عبيد كتب كثيرة جدا إلى أن جاء ابن الأثير رحمه الله في كتاب النهاية وهو هذا الكتاب في مجلد واحد مطبوع مطبوع في مجلدين، هذا الكتاب النهاية في غريب الأثر والحديث وهو من الكتب الجليلة جدا، وهو كتاب كما قلت في تهذيب التهذيب عصفورين بحجر يمكن أن يضرب فيه عصفوران بحجر؛ عصفور في الجرح والتعديل وعصفور في السير السلوكية، فهذا كذلك يضرب فيه عصفوران بحجر.

العصفور الأول اللغة، فهو كتاب للإثراء اللغوي الكبير حتى لغير المشتغل بالحديث، يعني كأنك تقرأ مثلا في لسان العرب معجم جيد ومعجم لغوي، هذا معجم لغوي، لكنه معجم لغوي خاص بألفاظ الحديث، العصفور الثاني هو شرح الحديث، شرح الحديث والسنة، يعني هو طريقته بديعة يأتي بأصل الكلمة ثم يأتي بكل تصريفاتها في الروايات.

مثلا خلينا نشوف مثلا كلمة رضخ تمام؟ يقول لك في حديث عمر: وقد أمرنا لهم برضخ فاقسمه بينهم، قال: الرضخ العطية القليلة، ومنه حديث علي: ويرضخ له أو يرضخ له على ترك الدين إلى آخره، رضيخة قال: عطية، ثم قال: وفي حديث العقبة فقال لهم: كيف تقاتلون؟ قالوا: إذا دنا القوم كانت المراضخة، قال: هي المراماة بالسهام، من الرضخ الشدخ والرضخ أيضا الدق والكسر، لاحظ الآن نفس الكلمة لكن المعنى الأول عطية والآن الرمي، والرضخ قال: ومنه حديث الجارية المقتول على الأوضاع فرضخ رأس اليهودي قاتلها بين حجرين، ومنه حديث بدر شبهتها النواة إلى آخره من تحت المراضخ، قال: هي جمع مرضخ وهي حجر يرضخ به النوى، وفي حديث صهيب أنه كان يرتضخ لكنة رومية وكان سلمان يرتضخ لكنة فارسية، أي كان هذا ينزع في لفظه إلى الروم وهذا إلى الفرس ولا يستمر لسانهما على العربية استمرارا.

لاحظ الآن أنت اخذت فوائد لغوية وكذلك اخذت شرح ستة أحاديث يمكن في عدة أسطر وهكذا يسير في ألفاظ الحديث، طبعا الكتاب ليس مصدرا لصحة الحديث ضعفي ويأتيك بما روي يعني، وأيضا كذلك في قضية شرح الألفاظ من النواحي العقدية ليست دائما يكون صوابا، لكن الفكرة هي في أصل الباب وأصل المعنى، فهذا من جملة ما ألف، وكذا كتاب الخطابي وغيره من الكتب الكثيرة في غريب الحديث، مثل ما هو في بالقرآن في كتب جماعات غريب القرآن.

طيب ممكن أقرأ في ابن الصلاح، احنا تعودنا مفترض أنه تعودنا نقرأ في ابن الصلاح في غريب في نفس المبحث بعد القراءة من النخبة ومن النزهة مئتين واثنين وسبعين يقول رحمه الله تعالى ابن أبو عمرو عثمان الصلاح يقول: معرفة غريب الحديث وهو عبارة عن ما وقع في متون الأحاديث من الألفاظ الغامضة البعيدة من الفهم لقلة استعمالها، قال: هذا فن مهم يقبح جهله بأهل الحديث خاصة ثم بأهل العلم عامة.

لاحظ هذه فكرة أن علم الحديث ليس خاصا بالرواية وإنما أيضا للدراية، وأن المشتغل بالحديث من المفترض أن يكون له اشتغال بهذا وبهذا، قال: والخوض فيه ليس بالهين، والخائض فيه حقيق بالتحري جدير بالتوقي، روينا عن الميموني قال: نحن نحمل عن حرف من غريب الحديث، قال: سلوا أصحاب الغريب فاني أكره أن أتكلم في قول رسول الله بالظن فأخطئ.

والإمام أحمد في تورعه توجيه عجيب عجيب جدا، وأعني أن في كثير من الشباب الآن اليوم يحتاجون يقرؤوا سيرة الإمام أحمد فقط من باب التأدب حتى في المسائل الحديثية المحضة الإسنادية المحضة اللي تقول الإمام أحمد اللي تقول أنت الآن الطالب يأخذها في أولى أولى ابتدائي أحيانا الإمام أحمد يتوقف فيها، توقف فيها.

فمسألة مثل مسألة رواية مثل مسألة عنعنة المدلس، يعني كثير ممن يدرس علم الحديث يأخذها معلومة باردة باهتة، وهي أن المدلس إذا أن فإن حديثه مردود جيد حتى يصرح بالتحديث وبالسماع، سئل الإمام أحمد مد عن المدلس لا يقول حدثنا وإنما يقول عن أيكون حديث حجة؟ فقال: لا أدري، هذه في مسائل أبي داوود الإمام أحمد، داوود صاحب السنن، قال: لا أدري، ثم قال له أبو داوود: الأعمش أين تصاد له الألفاظ أو متى تصاد له الألفاظ؟ قال الإمام أحمد: يضيق هذا أي أنك تحتج به، وكذلك سئل مرة عن تفرد أظن شريك هل يحتج به؟ فقال: لا أدري وغير ذلك وأحيانا يتهيب ببعض الألفاظ، يعني مثلا شي يكون ثابت في الإسلام في الشريعة لكن يتهيب أن يقول فيه مفروض فرض، وإنما وأحيانا لا ينبغي كذا، يعني الإمام أحمد يتورع.

فهنا يقول لك لما سئل عن مسألة في الغريب فقال: سلوا أصحاب الغريب فاني أكره أن أتكلم في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم بالظن فأخطر، طبعا هو فسر غريب كثير، فسر غريب كثير، لكن هذا من المواطن التي سئل فيها.

قال: ثم إن غير واحد من العلماء صنفوا في ذلك فأحسنوا، وروينا عن الحكم بن عبد الله الحافظ قال: أول من صنف الغريب في الإسلام النضر بن شميل، ومنهم من خالفه فقال: أول من صنف فيه أبو عبيدة معمر بن المثنى، وكتاباهما صغيران، وصنف بعد ذلك أبو عبيد القاسم بن سلام كتابه المشهور، فجمع وأجاد واستقصى.

هنا أنا بس كان عندي ملاحظة على كلام الحجر ابن حجر رحمه الله لما ذكر أبي عبيد قال: ككتاب أبي عبيد وهو غير مرتب وقد رتبه الشيخ إلى آخره، كان بودي أن يذكر شيئا في الثناء على الكتاب قبل أن يقول غير مرتب، ليس لي شيء، وإنما لأن كتاب أبي عبيد تحديدا هو من أجل الكتب في هذا الباب، ومن حتى كتاب النهاية ترى لا يغني عنه، لا يغني عنهم، يعني هو ماشي، الكلمات قد يكون استوعب كل ما في أبي عبيد وزاد عليه من كلمات، لكن في طبيعة النظام تأليفه بعبيد.

لكن انظر ابن الصلاح هنا ماذا قال؟ قال: فجمع وأجاد واستقصى، فوقع من أهل العلم بموقع جليل، كتابه وقع من أهل العلم بموقع جليل وصار قدوة في هذا الشأن إلى آخر، ثم قال: ثم تتبع القتيب بما فات أبا عبيد فوضع فيه كتابه المشهور، ثم تتبع أبو سليمان الخطابي ما فاتهما فوضع في ذلك كتابه المشهور، فهذه الكتب الثلاثة أمهات الكتب المؤلفة في ذلك، ووراءها مجامع تشتمل من ذلك على روائد أو زوائد، مكتوب روائد لكن هي زوائد المفترض وفوائده كثيرة، ولا ينبغي أن يقلد منها إلا ما كان مصنفوها أئمة جلة.

وأقوى ما يعتمد عليه في تفسير غريب الحديث أن يظفر به مفسرا في بعض روايات الحديث إلى آخر الكلام، وصل اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.