تسجيل الدخول

السيرة النبوية للمصلحين 24 | غزوة بني قريظة

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، الحمد لله ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما، وملء ما شاء الله من شيء بعد. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.

تستمر هذه المجالس في هذه الليالي للحديث عن سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ضمن سلسلة السيرة النبوية للمصلحين. وفي المجلس السابق تدارسنا وتذاكرنا ما يتعلق بغزوة الخندق وأحداثها وما أنزل الله سبحانه وتعالى فيها من القرآن.

وتتمه لغزوة الخندق وما فيها، كانت هناك حادثة أخرى، وأيضا ذكرها الله سبحانه وتعالى في نفس السورة في سورة الأحزاب، وذكرها في نهايات الآيات المتعلقة بحادثة الخندق والأحزاب؛ مما يدل على أنها وقعت بعدها مباشرة. وهذه الحادثة والحدث الكبير هو غزوة بني قريظة.

وذلك أن اليهود كما تقدم، لما رأوا أن المدينة قد حوصرت بالمشركين وبالأحزاب، وأن العدد صار كبيرا، وأن المسلمين مع النبي صلى الله عليه وسلم كانوا مستنفرين غاية الاستنفار على حافة الخندق، لم يكن هناك يعني مساحة عند المسلمين في أن يرجعوا إلى بيوتهم وكذا، لما وجدوا ذلك وجدوا أو رأوا ذلك، وجدوا أن الفرصة مواتية لإحداث الهجوم من الخلف وزعزعة الصف الإسلامي.

وبالفعل فعلوا ذلك وغدروا وبداوا يتقدمون إلى حصون المسلمين، الأماكن التي وضعوا فيها النساء والصبيان وما إلى ذلك. وضاق الحال على المسلمين وعلى الصحابة واشتد بهم يعني الكرب واشتدت بهم الحال، كما قال الله سبحانه وتعالى: إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُهُنُونَا هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا.

لما هزم الله المشركين المحاصرين للمدينه وانكفأت قدورهم وقلعت خيامهم بتلك الرياح الشديدة، وكفى الله المؤمنين القتال، رجع النبي صلى الله عليه وسلم إلى بيته واغتسل ووضع نعمة الحرب، وكذلك الصحابه كل منهم بدأ يعود إلى بيته، بعد تقريبا قرابه الشهر، 25 يوما تقريبا، وهم في موضوع الخندق وحصار الخندق وما يتعلق به.

فالحمد لله وضعت الحرب أوزارها، ورجع للنبي صلى الله عليه وسلم ورجع الصحابة. وما فجأ النبي صلى الله عليه وسلم إلا جبريل أتاه عند باب بيته، وقال له: يا محمد، وضعت سلاحك؟ أو وضعت اللامة؟ قال: نعم. قال: أما نحن فلم نضعها. قال: إلى أين؟

وفي رواية قال له: انهض -يقول جبريل للنبي صلى الله عليه وسلم يعني أنهض قم-. قال: إلى أين؟ فأشار له جبريل جهة دياب بني قريظة.

سبحان الله يعني ما أدري تاتي فرصة ولا لا، ودي أنا أفرد مجلسا عن علاقة النبي صلى الله عليه وسلم بجبريل، يعني هذه علاقة عجيبة. علاقة النبي صلى الله عليه وسلم بجبريل علاقة عجيبة. احنا في ايش؟ في أشهر حادثة في طريق بني قريظة وقعت في الطريق إلى بني قريظة: لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة. صح، هذه أشهر حادثة والخلاف الذي حصل فيها، صح ولا لا؟ طيب، ايش نلمس من قول النبي صلى الله عليه وسلم: لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة؟ أنه يلا سريعا. ولذلك تعرفون في هناك شطر من المؤمنين صلوا في الطريق، صلوا في الطريق، ولما صلوا في الطريق قال لهم الآخرون: الرسول صلى الله عليه وسلم يقول: لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة وأنتم تصلون في الطريق! قالوا: يا ابن الحلال، ترى الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقصد يعني الصلاة عند بني قريظة، وإنما قصد أنه يلا يلا يعني الآن سريعا، للتو رجعتم بيوتكم، هيا، كان الوقت قبل العصر، لا تصلي العصر إلا في قريظة، يعني الآن نخرج.

طيب، لماذا صليتم في الطريق؟ لأن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا وفي مواقيت. الآن احنا ما وصلنا إلى هذا الحدث، أنا اللي لفت انتباهي هو كيف أنه النبي صلى الله عليه وسلم نتيجه أنه جبريل استعجله، كيف قابل هذا اللقاء مع جبريل بأنه يلا سريعا، لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة، وكان هذا كله انعكاس للقائه بجبريل الذي استنهضه استنهاضا سريعا. فهمتم الفكرة؟

لأن علاقة النبي صلى الله عليه وسلم بجبريل كانت علاقة عجيبة يعني كان له تأثيرها على النبي صلى الله عليه وسلم كبيرا جدا. ومن أبرز الأدلة على تأثير لقاء جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم على النبي عليه الصلاة وسلامه، الحديث المشهور الذي فيه: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، فلا رسول الله حين يلقاه جبريل أجود بالخير من الريح المرسلة. مع أنه أجود الناس دائما، لكن بعد لقاء جبريل ينشرح صدر النبي صلى الله عليه وسلم انشراحا لم يعد قبل ذلك، وتنطلق نفسه في الخير انطلاقا أكبر من انطلاقه السابق.

وهذا هكذا هنا، حين استعجله جبريل، قام النبي صلى الله عليه وسلم قياما سريعا قويا ونادى باصحابه نداء واضحا قويا: لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة.

كيف جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم؟ روي عنه: أتاه في صورة دحية الكلبي صحابي. وقد تكرر مجيء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم على صورة دحية. وأما على صورته الأصلية فلم يره النبي صلى الله عليه وسلم على تلك الصورة الأصلية إلا مرتين. مره حين بعد بعد أول مره ليست حين جاءوا في حراء، وإنما مرة وهو يمشي في مكة راه في الأفق. والمره الثانية متى؟ في المعراج. وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَىٰ عِندَ سِدْرَةِ الْمُنتَهَىٰ عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ إلى آخر الآية.

حقيقه كما قلت العلاقة بين جبريل والنبي صلى الله عليه وسلم علاقة عجيبة. طبعا الصحابة كانوا يرون دحية وهو جبريل، كانوا يرونه على ولكن يرونه بصورة دحية.

طيب، انطلق النبي صلى الله عليه وسلم إلى بني قريظة يعني ديار بني قريظة، الآن تعتبر ضمن المدينة، يعني حول ديار بني قريظة الآن يوجد بيوت ومساكن فهي متصلة. وبطبيعه الحال هذا يدل على أنه ليست بعيدة يعني في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، لكنها كانت منفصلة بينها وبين النبي صلى الله عليه وسلم، يعني بين جهة المسجد إلى ديار بني قريظة يوجد في بعد 4 كيلو، ماذا يوجد في الطريق؟ سيوجد بعد 4 كيلو تقريبا 4، 5 كيلو مسجد قباء. إذا هي بني قريظة جنوب ومسجد قباء جنوب قبلة جيد. فمسجد قباء ثم بعد ذلك تاتي ديار بني قريظة في إلى الجنوب زيادة تقريبا يعني على أية حال.

لما توجه النبي صلى الله عليه وسلم ومعه الصحابة إلى بني قريظة حاصروهم، وقفوا عند حصونهم. واليهود دائما ما يستغلون عن الحصون: لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاءِ جُدُرٍ. هذا دائما لذلك كونهم يعني يبنون جدار عازل أو يبنون كذا هذا ليس أمرا جديدا، يعني هو دائما يريدون أن يتحصنوا وأن يجعلوا بينهم وبين أعدائهم حاكما. عندهم قضية الخوف والتوجس كبيرة وعالية جدا، ولذلك حصونهم دائما متقنة وقوية.

الآن في الآثار والمعالم المتعلقة بالسيرة النبوية يمكن أوضح أو من أوضح المعالم التي بقيت كما هي من وقت النبي صلى الله عليه وسلم إلى الآن حصون خيبر. اللي يذهب إلى خيبر ويرى حصون اليهود هناك يتعجب، يعني صح أنها تغيرت قليلا، لكنك تراها تفهم طبيعة الحصن وطريقته وسمكه والغرف الموجودة اللي فيه وكذا. عجيب يعني، قوة في البناء وأتقان فيها عجيب جدا، وهي أصلا مبنية فوق فوق الجبال أو فوق التلال.

على أية حال، ذهب النبي صلى الله عليه وسلم باصحابه قرابه 3000 مقاتل، وحاصروا بني قريظة في ديارهم.

ماذا كان دور جبريل عليه السلام ومن معه من الملائكة لما قال: أما نحن فلم نضع السلاح وأشار إلى بني قريظة؟ ماذا كان دورهم؟ كان من أهم أدوار الملائكة في تلك المعركة: قذف الرعب في قلوب اليهود. والرعب سلاح عظيم يجعله الله سبحانه وتعالى وجعله نصرا لنبيه، كما قال في الحديث الصحيح: نصرت بالرعب مسيره شهر.

وقد ثبت يعني ليس فقط في السنة، حتى في كتاب الله. جاء في غزوة بدر في سورة الأنفال ايش؟ إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ. وفي سورة آل عمران غزوة أحد: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ. صح. طيب، في الأحزاب بني قريظة هل ورد في القرآن؟ هل ورد في القرآن ذكر رعب في سورة الأحزاب في بني قريظة تحديدا؟ وَأَنزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُم مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِن صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ.

إذا كان من جملة نصر الله للنبي صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين أن يقذف الله الرعب في قلوب أعداء في قلوب أعداء رسوله صلى الله عليه وسلم. وقذف الله سبحانه وتعالى في قلوبهم الرعب فلم يصمدوا، لم يصمدوا كثيرا. ما لبثوا أن رفعوا الراية واستسلموا، يعني صمدوا يعني فترة ليست طويلة أقل من شهر، ثم رفعوا الراية واستسلموا.

وهذه استسلموا عندهم فيها نسبة نجاة، لأنه سبق لما استسلم إخوانهم من اليهود سابقا سابقا، أنه النبي صلى الله عليه وسلم يعني نزلهم أنزلهم على حكم بعض الأنصار وبعض الأنصار حتى بعض يعني اهل المدينة حتى اللي كان حكم فيهم أول كان عبد الله بن أبي حليفهم. فهم يعني قالوا مع الرعب هذا ومع الحصار لعله إذا نزلنا الآن على حكم النبي صلى الله عليه وسلم أنه يحيل الحكم إلى بعض موالينا من الأنصار، لعلهم يراؤفون بنا ويرحموننا، فيعني ناخذ حكما مخففا.

سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه كان قد أصيب كما تعلمون بسهم في الخندق وبقي مصابا ومريضا، فجعل النبي صلى الله عليه وسلم الحكم اليه. فجاء به قومه يحملونه وهم محتفون به. وروي أنهم كانوا يحاولون إقناعه بأن يخفف الحكم على بني قريظة من باب أنه هم يعني كان بينهم حلف وكذا. وروي أن سعدا قال: إن لسعد ألا تأخذه في الله لومة لائم.

لما اقترب من النبي صلى الله عليه وسلم وهو بالساحة قريبا من بني قريظة قال عليه الصلاة والسلام لمن حوله: قوموا إلى سيدكم -اللي هو سعد بن معاذ- قوموا إلى سيدكم تكريما له وتقديرا لهذا الرجل العظيم.

جاء سعد بن معاذ فحكم في بني قريظة الذين غدروا وأسرفوا. بالمناسبة ترى سبق أنهم غدروا وعفا عنهم النبي صلى الله عليه وسلم كما في الحديث منا عليهم. الآن هذه الغدرة الثانية. ولكن هذا الغدر لا عفو بعدها. فحكم عليهم سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه بأن تقتل مقاتلتهم وأن تسبى ذراريهم. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: لقد حكمت فيهم بحكم الله ورسوله. وفي رواية: لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سماوات.

حكم فيهم سعد بن معاذ بهذا الحكم، وحفرت الخنادق لليهود في المدينة، وصف فيها مقاتلتهم، وضربت أعناقهم واحدا على إثر التالي، حتى طهرت منهم المدينة بعد الكيد والمكر والغدر والفساد والإفساد الذي كانوا يقومون به. كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِّلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ.

قتل المقاتلون من بني قريظة، وانتهت صفحة من صفحات الغدر والكذب والإفساد الذي كان يسعى به اليهود، وزاد الرعب في قلوب الكفار وفي قلوب المشركين، والله سبحانه وتعالى يريد أن يكون نبيه صلى الله عليه وسلم أن يكون له الهيبة، أن تكون له الهيبة وأن تكون له العزة، وأن يذوق الكفار منه ما يسوءهم، وأن يخوف الآخرون بما يصيب الأولين. هذا مقصد من المقاصد.

ولذلك الله سبحانه وتعالى لما ذكر مداولة الأيام بين الناس قال: وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ. يعني هذه من الحكم في تشريع المدافع بين الحق والباطل وفي تقدير المداولة مداولة الأيام بين الناس. ومتى كان الإسلام مهابا عزيزا له من يحميه ومن يقوم به ومن يدافع عنه، تكون له الهيبة، فيرتدع من لا يرتدع بالحجة والبيان والأدلة. البعض يرتدع بذلك والبعض يرتدع بالسنان. بعض يرتدع بالحجة باللسان والبعض ما يرتدع إلا بالسنان. ولذلك كما ذكر ابن تيمية رحمه الله: قوام الدين بكتاب يهدي وسيف ينصر، وكفى بربك هاديا ونصيرا.

هذه الحادثة كأنها حسم لمرحلة سابقة، حسم لمرحلة وانتقال إلى مرحلة جديدة. غزوة الأحزاب أو الخندق كانت حدا فاصلا في مراحل السيرة النبوية. ما بعد الخندق ليس كما قبلها، كما مر معنا يوم أمس في الحديث الصحيح: الآن نغزوهم ولا يغزوننا. نحن نغير عليهم، أو كما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: الآن نغزوهم ولا يغزوننا. مرحلة انتهت، يعني مرحلة لم تكن كسابقتها. ولعل كذلك حادثة بني قريظة يعني تتمة لأنهاء المرحلة السابقة والانتقال إلى مرحلة جديدة.

لما انتهى سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه من الحكم على يهود بني قريظة الذين غدروا وظلموا وأفسدوا، وضعت له خيمه يطبب فيها في المسجد، ولكنه دعا بدعائه المعروف الثابت عنه فقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس أحد أحب الي أن أقاتلهم فيك من قوم أخرجوا نبيك وكذبوه -يقصد قريشا-. واني أظن -هكذا يدعو- واني أظن انك وضعت الحرب بيننا وبينهم. شوف هذا يدل على أنه مرحله الناس كان مستوعبة أنه في مرحلة جديدة. واني أظن انك وضعت الحرب بيننا وبينهم، فإن كان ذلك أو فان كان كذلك فافجرها واجعل موتي فيها. فافجرها يقصد الدماء التي أمسكت، لأنه هو لما أصيب كان عنده نزيف يعني أظن مسح اليه النبي صلى الله عليه فاستمسك.

الدم لما حكم على بني قريظة وقرت عينه، وزال المشركون من المدينة، وظن أنه لم تعد هناك حرب يعني معركة مثل أحد أو بدر أو الخندق بقيت من المشرك مع المشركين، قال: اللهم إن لم يكن بقي منها شيء فافجرها واجعَلْ.

وفي المسجد خيمة لبني غفار في خيمة أخرى، قال: فلم يرعهم إلا الدم يسيل إلى خيمتهم، فقالوا بني غفار يا أهل الخيمة ما الذي يأتينا من قبلكم؟ فرأوا فإذا جرح سعد بن معاذ قد انفجر رضي الله تعالى عنه وفاضت روحه، وكان شهيدا من أثر السهم الذي أصيب به يوم.

سعد بن معاذ، كم عمره في الإسلام؟ تقريبا ست سنوات. ست سنوات، ما هي ست سنوات؟ يعني ست سنوات ماذا تعني؟ بالنسبة للإنسان في طريق الاستقامة وفي طريق الإيمان، ست سنوات يعني هذه بداية طلب العلم وبدايه يعني تمسك بالصح، ولا لا؟ ست سنوات يعني إيش؟ يعني ست سنوات. ست سنوات كان قبلها ليس أنه كان عنده يعني بعض العبادات، لا لا، كان مشركا، سعد بن معاذ كان مشركا، ثم دخل في الإسلام واستمر في ست سنوات، خلال الست سنوات هذه يقول فيه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: اهتز عرش الرحمن لموت سعد بن معاذ.

وأتي النبي صلى الله عليه وسلم مرة كما في البخاري بثياب من حرير، هذا بعدين، أوثي بثياب فاخذ أصحابه يتعجبون من لينها، يتعجبون شيء عجيب، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أتعجبون من لين هذه؟ لمناديل سعد بن معاذ في الجنة ألين منها وأحسن. هذا بعد ما توفي رضي الله تعالى.

طيب، سعد بن معاذ وهو لم يعش في الإسلام إلا ست سنوات، من أين حصل كل هذا؟ وكيف بلغ عند الله سبحانه وتعالى كل ما بلغ؟ هذا يذكرنا حقيقة يعني السحرة، سحرة فرعون، كم كان عمرهم في الإسلام؟ موقف يوم يعني حتى ربما نصف يوم أو شيء، أو أيام يعني إذا كان أجر ما في موقف ما، فعلوا شيئا، ما فعلوا شيئا سوى اليقين التام بوعد الله سبحانه وتعالى، والتصديق الجازم بخبره سبحانه وتعالى، ومن ثم الثبات والتضحية في سبيل الله، والشهادة في سبيل الله.

وسعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه منذ أن دخل الإسلام وهو واقف في الإسلام مواقف حميدة ومواقف حسنة، ليس أولها ما كان منه، ليس أول موقف منها ما كان منه في بدر يوم أن شاور النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، وقد تبين له أن القضية لم تكن اعتراض قافلة، وإنما هي قتال مع جيش كامل خرج من مكة، لما تبين له ذلك، حمل النبي صلى الله عليه وسلم هم أصحابه وحمل هم الأنصار أن يقولوا: يا رسول الله، إنما بايعناك على أن نحميك مما نحمي منه نساءنا وأبناءنا إذا كنت في بلدنا، أما وقد خرجت وصلت إلى هذا البلد التي هي بدر، فقد يعني ممكن ما تشمل بنود البيعة أن يكون أن تكون الدفاع والحماية إلى ذلك المكان.

خشي النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون كذلك، فقام النبي صلى الله عليه وسلم فطلب رأي الناس وطلب رأي الصحابه، فتكلم بعض المهاجرين، فاستمر النبي صلى الله عليه وسلم يطلب الرأي، وإنما يريد رأي الأنصار، فقام من جملة من قام سعد بن معاذ وتكلم بكلام حسن سر منه وجه النبي صلى الله عليه وسلم.

هذه المقامات في الإسلام التي قامها سعد بن معاذ وقيادته لقومه في سبيل الله، سعد بن معاذ كان سيدا من سادات الأوس، وغيرته كذلك على رسول الله صلى الله عليه وسلم في حادثة الإفك لما قال: يا رسول الله، إن كان منا من الأوس ضربنا عنقه، وإن كان من إخواننا من الخزرج أمرتنا فيه بما شئت.

هذا الذي قام فيه سعد بن معاذ رضي الله تعالى عنه، قربهم من رسول الله صلى الله عليه وسلم ودفاعه عنه، وقيادته لقومه في سبيل الله وتضحيته وبذله وصدقه وإخلاصه هو الذي بلغه عند الله سبحانه وتعالى ما بلغه، ولذلك الفائدة من هنا هي أنه لا تقل فاتني، وأنا إنما أدركتكم متأخرا وقد ذهب الناس بأرزاقهم، والناس الذين أدركوا مرحلة ما أدري كذا، أو عمل ما أدري كذا، أما أنا ففاتني كل هذا، لا تقله وإنما اجتهد في أن تدرك بصدق نيتك وصدقك مع الله سبحانه وتعالى ما لا يدركه غيرك وإن طال به الزمن، فالشان كل الشان هي كما يقول ابن القيم بالهجرة، أو في الهجره بالقلب إلى الله سبحانه وتعالى.

سدل الستار على تلك المرحلة، وقد خاب سعي المشركين ورجعوا من المدينة محبطين بعد أن لم ينالوا ما أرادوا، وسدل الستار على تلك المرحلة وقد سقطت أو أسقطت رؤوس اليهود الذين كانوا يكيدون للنبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه، ومن ثم استقبل الناس واستقبل المسلمون مرحلة جديدة، بعد الخندق مباشرة وبعد حادثة بني قريظة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش التي كانت زوجة من، التي كانت زوجة ابنه بالتبني زيد بن حارثة.

في سورة الأحزاب، سورة الأحزاب ذكر هذا الزواج، ليس كذلك؟ وهذا يدل على أنه هو مرتبط أصلا بحادثة يعني بعد مباشرة. جيد، أول شيء، في أول صفحة من سورة الأحزاب إيش؟ لا، أول صفحة من سورة الأحزاب، أول صفحة أنا ما أسأل أنه إيش يعني إيش الآية المتعلقة بهذا الحدث، مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ، هذه أول صفحة من الأحزاب، متاكد؟ ادعوه لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين ومواليكم إلى آخره.

جيد، ثم بعد ذلك يعني هذا في الإشارة إلى قضية التبني وإبطال قضية التبني، ثم كان الإبطال العملي لأمر استمر في ثقافة العرب مددا طويلا، كان الإبطال العملي لهذه الثقافة التي أبطلها الله سبحانه وتعالى بأن تزوج النبي صلى الله عليه وسلم من كان ابنه، قد ابنه بالتبني قد تزوجها وهو زيد بن حارثة لما طلقها، فزوجه الله سبحانه وتعالى، وكانت زينب تفاخر على أمهات المؤمنين فتقول: زوجكن آباؤكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات، لانه قال الله فيها: فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا، لذلك تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم زواجا استثنائيا يعني بلا ولي وبلا إلى آخره؛ لأن الله سبحانه وتعالى زوجه إياها من فوق سبع سماوات، وكان يعني هذا الزواج فيه ملابسات يعني قد تكون جعلت في صدر النبي صلى الله عليه وسلم شيئا من الحرج وعاتبه الله سبحانه وتعالى: وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَن تَخْشَاهُ فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا.

هذه كما قالت عائشة: لو كان النبي صلى الله عليه وسلم كاتما آية لكتم هذه الآية، ولكنه يبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم كلما أنزل إليه. في اللقاء القادم إن شاء الله ننتقل إلى المراحل أو المرحلة الجديدة والأحداث المتعلقة بتلك المرحلة.

بقي يعني فقط وقفة أخيره مع حدث، الحدث الذي حصل في الطريق إلى بني قريظة لما قال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: لا يصلين أحد منكم العصر إلا في بني قريظة. وتعلَمون أن الصحابة قد انقسموا إلى فريقين؛ منهم من صلى في الطريق، ومنهم من لم يصلِّ حتى وصل إلى بني قريظة.

والمسألة المختلف فيها، هي مسألة مركزية ولا فرعية؟ مسألة متعلقة بقضية مركزية، متعلقة بالصلاة، جيد، ومتعلقه بوقت الصلاة، (ليست متعلقة بوضع اليد بعض الرفع من الركوع في الصلاة اللي هو بالقبض أم، ليست متعلقة بالإشارة بالأصبع أثناء التشهد، هل يشار يعني عند التشهد ولا طول كذا، هل تحرك الأصبع ولا ما تحرك، هذه كلها مسائل فرعية)، لكن المسألة متعلقة بأداء الصلاة، هل نؤديها الآن في وقتها أم متأخر عن وقتها؟ ليست المسألة، والعصر لا تجمع معه الصلاة التي بعدها. ومع ذلك لما كان لكل منهم اجتهاد معتبر في فهم النص الصادر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن لا يصلي أحد منكم العصر إلا في بني قريظة، هناك أناس لم يبصروا إلا هذا النص واضح ومحدد ومباشر وصريح، في أسرع من كذا؟

طبعا ابن حزم بعدين ابن حزم ظاهري، ابن حزم قال: وتالله لو كنت في ذلك المقام لما صليت العصر لله. وهناك أناس نظروا إلى النص مع مجموع النصوص الأخرى، ونظروا إلى المقصد من النص، وقالوا: بما أن الصلاة أصلا محدده ومواقيتها محددة، واحنا عايشين في السياق ونعرف النبي صلى الله عليه وسلم، واضح أن القصد هو الاستعجال وليس إلغاء قضية وقت الصلاة، فصلوها في الطريق.

الإمام ابن كثير يقول: موقف هؤلاء هو الأصح. الحين ما يهمنا من الأصح، مو هذا موضوعنا، اللي يهمنا إيش؟ اللي يهمنا هو كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يثرب على هؤلاء ولا على هؤلاء، وهذا فيه تأسيس، أنا أظن أن هذا أوضح حدث في السيرة النبوية لتأسيس الخلاف المعتبر في هذه الأمة.

هذا الحدث أوضح حدث في السيرة النبوية لتأسيس الخلاف المعتبر في هذه الأمة، وأن وجود الخلاف ووجود مساحة فيه هو وجود مقصود ومعتبر، بدليل أنه لو كانت القضية شرا لحسم فيها النبي صلى الله عليه وسلم، ولا قال لأحد الطرفين إنه أنتم أخطأتم، حتى لو كان رفع عنهم الحرج في الآخرة أو شيء، لكن كان بين، لكن بما أنه لم يبين ولم يثرب على أي من الطرفين، فهذا يدل على أن هناك مساحة من الخلاف.

والاختلاف في القضايا الشرعية مقصودة في الشريعة، مقصودة أن تبقى وليس المقصود أن ترفع، ولذلك ليس صحيحا ونحن نبحث في قضية تفرق هذه الأمة الإسلامية، ليس صحيحا أن نبحث عن الحل في قضية الوحدة في أنه نزيل الخلافات من حيث المسائل التي يقع فيها الخلاف المعتبر، اللي هو متعلق بفهم دلالة النص كذا، الجمع بينه وبين بعض النصوص الأخرى، وإنما باحداث حالة من الوعي بالموقف من الخلاف والموقف من المخالف.

وأما إزالة الخلاف فهي مستحيلة، بل وهي غير متسقة مع المقصد الشرعي طالما أنها في هذه الحدود، أما إذا كان الخلاف غير معتبر ويعرف ذلك بالفقه في أصول الشريعة، فإن المتوجه هو إزالة هذا الخلاف وبيان الحق وهدم القول الشاذ أو القول المناقض لأصول الشريعة، وبالتالي تخرج لنا دائرتان؛ دائرة في الخلاف المعتبر، ودائرة في الخلاف غير المعتبر.

فدائرة الخلاف المعتبر يتعامل فيها بهدوء، يعني إشاعة أو ترك المساحة للمجتهدين فيها ولمقلدي المجتهدين، ودائرة الخلاف غير المعتبر تعامل بقضية النقد والنقد والابعاد؛ لأنه الخلاف غير المعتبر مذموم، يمزق صفوف الأمة ويفرق بينها.

لكن إذا أنزل الخلاف المعتبر منزلة الخلاف غير المعتبر، كان هذا من التفرق المذموم، وإذا أنزل الخلاف المعتبر منزلة الخلاف غير المعتبر، كان هذا من إلغاء حدود الشريعة. كان هذا من إلغاء حدود الشريعة، والفقه التفصيلي لهذا الكلام المجمل يعني يفقه في مواضعه من كلام الأئمة والعلماء.

نسأل الله سبحانه وتعالى العون والتوفيق والتسديد، وأن يغفر لنا ويرحمنا، وأن يهدينا ويسددنا، ونسأله أن يصلي ويسلم على عبده ورسوله محمد، وأن يحشرنا في زمرته، وأن يرزقنا الشرب من حوضه، وأن يرزقنا مرافقته في جنته إنه ولي ذلك وهو أرحم الراحمين، وهو الولي الحميد. سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ، وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.