تسجيل الدخول

السيرة النبوية للمصلحين 25 | أذى المنافقين

أحمد السيدالشيخ أحمد السيد
  • مدة الدرس:
  • قراءة

الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. الحمد لله من السماوات ومن الأرض، وما بينهما، وما ما شاء الله من شيء بعد. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد، نسالك اللهم أن تغفر لنا وترحمنا، وأن تهدينا وتسددنا، وأنت عفو عنا وتعافينا.

نستعين بالله ونستفتح مجلسا جديدا من مجالس السيرة النبوية للمصلحين، وكان اللقاء الماضي عن يهود بني قريظة وعن حصارهم وعن يعني القضاء عليهم. ونحن في أي سنة نعتبر في السيرة الآن؟ السنة الخامسة للهجرة، السنة الخامسة يعني احنا الآن نعتبر في نهاية السنة الخامسة تقريبا، وسنخرج منها كذلك إلى اليوم يعني إلى السنة السادسة، إلى نهايات السنة السادسة.

حقيقة هناك أحداث كثيرة حصلت في هذه المرحلة، ليست المعارك فقط وإنما هناك أحداث أخرى. مثلا من الأحداث التي حصلت في هذه السنة أو قبلها بقليل حقيقة، نزول تحريم الخمر، وكان حدثا كبيرا في السيرة النبوية وحدثا مهما. والخمر يعني كانت نفوس العرب متعلقه بها إلى أبعد درجة، وكانت بالنسبة لهم ليست مجرد شراب لذيذ الطعم، وإنما كان ثقافة، ثقافة يعني ثقافة العربية متمحورة حول الفروسية والخمر والغزل والإغارات والحرب، يعني هي ثقافة من عدة أطراف، طرف أساسي منها الخمر، والدليل على ذلك ارجع إلى ديوان العرب.

ارجع إلى ديوان العرب، قصائد الجاهلية يعني إلا ما تجد في كل القصائد أو جل القصائد يعني التغزل بالخمر وبنائها وبألوانها وبشرابها، وأحنا إذا شربنا ما أدري ايش نسوي ونخلص الدنيا ونطلع وننزل، فكانت يعني جزءا وثيقا من الثقافة العربية. الله سبحانه وتعالى لم يحرم الخمر في بداية الإسلام يعني سواء في مكة أو حتى في بدايات المدينة، ولذلك لما قتل بعض الصحابه في أحد، ثم نزل بعد أحد تحريم الخمر، استشكل بعض الصحابة، قالوا: إخواننا الذين قتلوا كانوا يعني في يعني شربوا الخمر أو شيء، فنزل قول الله سبحانه وتعالى: لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا. وهذه الآية أتت بعد آيتين أو آية من قوله سبحانه وتعالى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.

وحقيقة يعني الدرس الذي يمكن أن يؤخذ من هذا هي دروس كثيرة، لكن من أهمها كيف ربى هؤلاء المؤمنون على قضية التسليم، بحيث إنه التسليم لله ولرسوله صار عندهم هو القضية المركزية. بعد ذلك ايش ممكن ياتي من أمر أو نهي من الله أو من رسوله فهو نازل على قلوب مسلمة. وبالتالي لما نزل تحريم الخمر، قال أنس: فرأيت الخمر يعني يسيل في سكك المدينة بعد أن أخذ الناس الآن الكبار التي يخزن فيها الخمر وأهرقوها. وهذا بالنسبة لمن يشرب الخمر ليس بالامر السهل أبدا.

ويعني من يتامل في الواقع وفي حياة الناس اليوم مثلا في حياة الأوروبية وغيرها يعني الناس البعيدين يجد أن الخمر يعني شيء أساسي في مكون الإنسان المادي، الذي ليس يعني من المؤمنين الذين عندهم التوكل على الله والإيمان به والاستغناء بكتابه. الخمر يعتبر شيء أساسي جدا بحيث انك لو تخيلت أنه ممكن تحرمه من هذا الخمر ممكن ما يتحمل أن يعيش في هذه الحياة. لما كان عند المؤمنين ما يغنيهم ووصلوا إلى مرحله من التسليم فجاء النهي فاستسلمت القلوب. هذا حقيقة ليس في السنه الخامسة وإنما هذا بعد أحد في السنة الرابعة.

أيضا من الأحداث التي حصلت في تلك المرحلة تشريع الحجاب، فنزل تشريع الحجاب مع زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها. وتحديد زمن زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب فيه خلاف مشهور جدا، أنه هل زواج النبي صلى الله عليه وسلم بزينب وأحنا أخذناه متى؟ بعد الأحزاب، وقلنا حتى أصلا وردت الآيات في سورة الأحزاب، ولكن هناك قول قوي جدا أنه كان قبل ذلك، كان في نهاية السنة الرابعة للهجرة، وفي خلاف طويل في القضية، ليس هذا موضع يعني النقاش فيه، لكنه هو الخلاف جميل، يعني الخلاف اللي فيه جميل، لأنه هذول عندهم أدلة، عندهم أدلة، وعشان تقدر توازن بين الأدلة فيها يعني قضية صعبة، فيبغى لها تفكير كبير، لأنه يعني المهم قصة طويلة فما ندخل فيها، طيب.

هذه من الأحداث التي حصلت أيضا، تشريع الحجاب، ولاحظ التشريع التشريع، وقبل ذلك بقليل شرع الصيام، وكذلك الزكاه، لاحظوا الآن احنا من السنة الثانية للسنة الخامسة تقريبا شرعت الزكاه والصيام وكذلك الجهاد. يعني خلينا نقول من أول أول خمس سنوات كانت مليئه بالتشريعات، وهذه منعكسة في القرآن المدني، يعني من يقرا القرآن المدني، السور المدنية، سيجد انعكاس التشريعات وتقريرها في القرآن المدني، وهذه قضية مهمة فيه الفقه والتدبر في كتاب الله العزيز.

طيب، من الأمور التي تلاحظ في السنة الخامسة للهجرة إلى السادسة: ازدياد بأس وكيد من اليهود، خلاص انتهوا مع قريظة يعني قطع دابرهم في قريظة، باقي بس أنهم صاروا في خيبر بعيدين شوية. لكن كيد المنافقين، المنافقون يعني لو تلاحظ هم من بعد بدر بدا النفاق القوي، بدا النفاق، لأنه بعد بدر غلب كلمة الإسلام، فاضطروا أنهم يدخلوا في الدين ويعلنوا انضمامهم إلى لواء النبي صلى الله عليه وسلم، ويستتروا بالكفر وبداوا يكيدون، يكيدون ظهر كيدهم في أحد، اليس كذلك؟

ظهر كيدهم في أحد، شوف بدر ما كان فيها منافقين، معركة بدر ما فيها منافقين، أحد في المدينة وقريبة وبعد ما عز الله المؤمنين في بدر، بعد ما دخل المنافقون في لواء النبي صلى الله عليه وسلم فجاءت أحد فظهر نفاقهم لما انسحبوا بثلث الجيش. ولذلك نجد أن الكلام عن المنافقين في آل عمران المتعلقة بأحد أكثر من الكلام عن المنافقين في الأنفال المتعلقة ببدر. بعد أحد ايش صار بعد أحد؟ تصاعد كيد المنافقين، بدا يرتفع أكثر يرتفع أكثر بشكل واضح وصار يبدو عندهم قدر من الخبرة والمناوارة والكيد صار عندهم يعني ايش معرفة كيف يعملوه، هذه مهمة جدا أن تتأمل في سياق السيرة النبوية.

من الأحداث التي حصلت في السنة الخامسة بعد بني قريظة وبني عفوا الأحزاب وبني قريظة، إما في نهاية السنة الخامسة أو في بداية السادسة، غزوة بني المصطلق. هل هي المريسيع وبني المصطلق؟ هذه صار فيها حدثان مهمان متعلقان بالمنافقين.

الحدث الأول في الطريق، كان النبي صلى الله عليه وسلم في الطريق أما ذاهبا واما راجعا منها، فحصل سوء تفاهم بين رجل والمهاجرين ورجل من الأنصار، كسع رجل من المهاجرين رجل ضربه يعني أو العكس فنادى المهاجرين: يا للمهاجرين، ونادى الأنصاري: يا للأنصار. احنا عندنا صحابة مهاجرون، صحابة أنصار، هذا واحد من هؤلاء صار بين سوء تفاهم بين هذا، المهاجر طبعا هو اللي كسر الأنصاري صارت المناداة. بلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال: دعوها فإنها منتنة. دعوها فإنها منتنة، يعني دعوا هذا النداء المسبب للتفرق والذي تريدون فيه أو قد يؤدي إلى حشد اصطفافات داخلية داخل الصف الإسلامي، فهذا التفرق وهذه الجاهلية منتنة.

لاحظوا النبي صلى الله عليه وسلم قال ذلك مع أن الاسم الذي نودي به اسم شريف شرعي لا غبار عليه مذكور في القرآن، لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي ذكر المهاجرين وذكر الأنصار في القرآن، والنداء ما كان يا حزب كذا ولا يا جماعة كذا ولا يا بني فلان، لا، أتوا بالأسماء الشرعية: يا للمهاجرين، يا للأنصار. ومع ذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: إنها منتنة مع كون الأسماء شرعية، ولكن لما كانت داعية إلى التفرق فجعلها النبي صلى الله عليه وسلم سببا لأن توصف بذلك.

وهذا فيه أكثر من فائدة، الفائدة الأولى: أن وجود التسميات داخل الصف الإسلامي ليس أمرا محرما إذا ما كان يؤدي إلى الفرقة، لأنه كان في اسم مهاجرين وكان في اسم أنصار، طالما أنه ليست أسماء يتحزب حولها للتعصب وللولاء والبراء، جيد هذا واحد. اثنين: متى ما كانت الأسماء داعية إلى التفرق والتشردم فهذا الأمر محرم، بل وهو منتن، وهو من الأمور التي يجب أن تحارب وأن لا تبقى في الصف الإسلامي.

لما سمع عبد الله بن أبي بن سلول وكان في الجيش سمع هذا الامر ايش ايش اللي صار؟ قال لك والله في واحد المهاجرين ضرب واحد من أنصار، الحجيم أو قد فعلوها، إحنا استقبلناهم في المدينة وكذا والحين واحد أو قد فعلوه، لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل، يعني الأعز اللي هو الأنصار أهل المدينة ليخرجن الأذل قصدهم قصد هذا عبد الله النبي صلى الله عليه وسلم المهاجرين. هو منافق نفاقا أكبر طبعا عبد الله المعروف، والله لئن رجعنا إلى المدينة يقول لا يخرجننا الأعز منها الأذل.

فققال عمر بن الخطاب: تعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق؟ قال النبي صلى الله عليه وسلم: دعه لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل اصحابه. وهذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم فيه تأسيس لفقه عظيم جدا في الإسلام اسمه فقه ايش؟ فقه المصالح والمفاسد، الموازنة بين المصالح والمفاسد. سؤال: قتل عبد الله بن أبي بن سلول مصلحة؟ ليس كذلك. ولكن تترتب عليه مفسدة، فقدم النبي صلى الله عليه وسلم درء المفسدة الناتج عن قتله على جلب المصلحة المتحققة من قتله، مع أن تركه فيه مفسدة، اليس كذلك؟ ولكن قتله فيه مفسدة أعظم.

لماذا؟ هذا دليل على أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يراعي نفسيات الناس وأحوالهم، وكان على خبرة ومعرفة تامة بأحوال النفوس البشرية. قل لي هو رسول الله عنده الوحي، اللي عجبه عجبه واللي ما يعجبه الوحي إن شاء الله في مدري ايش، هذا ما كان في نظام النبي صلى الله عليه وسلم. في نظام النبي صلى الله عليه وسلم، وإن كان هو النبي، وإن كان عنده الحجة والبرهان، وإن كان يوحى إليه، إلا أنه يجب مراعاه الناس، الناس لها نفسيات معينة، أنت كداعية ومصلح لازم تراعي هذه النفسية بطبيعة الحال، ما لم تحل حراما أو تحرم حلالا، لكن قد تتخلى عن بعض المصالح الشرعية لتحقيق مصالح أكبر منها أو لدرء مفسدة، ولذلك إذا تزاحمت مصلحتان فانه يقدم أعلاهما ولو فوت أدناهما، وإذا تزاحمت مفسدتان فقد يرتكب أدناهما لدفع أعلاهما، وهذا فقه عظيم مؤسس من مثل هذا الحديث: لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه.

حصل موقف هنا لأحد صغار الصحابة من الشباب في نفس هذه القصة، مين يعرفه؟ أحسنت، زيد بن أرقم وليس الأرقم، نجيب أعمار الصحابة المشهورين، وكيف أنه يعني من مثل الشباب اللي جالسين، كثير من شباب جالسين هنا، أنهم يعتبروا الآن يعني ما لهم يعني، لكن في وقت النبي صلى الله عليه وسلم تعرف تجنب كانوا معانا في الجيش ولهم مواقف وقصص. زيد بن أرقم معروف كان من صغار شباب الصحابة.

سمع كلمة عبد الله عبد الله بن أبي بن سلول وراح مباشرة للنبي صلى الله عليه وسلم، قال: يا رسول الله ترى أنا سمعت عبد الله بن سلول يقول: لئن رجعنا إلى المدينة ليخرجن الأعز منها الأذل. كلمة خطيرة، وإذا ثبتت فيها شيء خطير، استدعى النبي صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي بن سلول: أنت قلت هذه الكلمه؟ الله ما قلتها ولا خرجت من فمي أصلا ولا أنا أقول هذه الكلمه والله مستحيل. أيوه كما قال الله سبحانه وتعالى عنهم في القرآن: اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ. يحلفون بالله لكم لترضوه، يحلفون لكم، يحلفون في سورة التوبة كثير ذكر حلفان، مو في سورة المجادلة وغيرها.

فترك النبي صلى الله عليه وسلم ما قال زيد، وأخذ بظاهر ما قاله عبد الله بن أبي بن سلول. فجاء عم عم زيد بن أرقم قال: يا زيد ما يعني ليش أنت سويت كذا ورحت كلمت النبي صلى الله عليه وسلم في شيء؟ شوف النبي صلى الله عليه وسلم الآن ما صدقك، ما حملك على أن كذبك رسول الله صلى الله عليه وسلم ومقتك. وجلس زيد بن أرقم مسكين في حالة نفسية صعبة، هو هو حكى عن نفسه أنه كان فيه من الهم يقول، ماذا يقول؟ دعنا أنقرا عليكم نصها يعني.

قال زيد: وأنا ردف رسول الله صلى الله عليه وسلم فسمعت عبد الله بن أبي فخبرت عمي، فانطلق فأخبر رسول الله رسول الله صلى الله عليه وسلم. عمه هو اللي أخبر، فأرسل إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فحلف وجحد. قال: فصدقه رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبني. قال: فجاء عمي إلي وقال: ما أردت إلى أن مقتك رسول الله صلى الله عليه وسلم وكذبك والمسمون؟ قال زيد: فوقع علي من الهم ما لم يقع على أحد. قال: شوف الموقف هذا العجيب، قال: فبينما أسير مع الرسول صلى الله عليه وسلم في سفر في نفس السفر، قد خفقت برأسي من الهم مسكين في عمري هذا أصلا لم يتحمل يعني هذا الذي حصل وكان كذا يعني خافق يعني رأسه من الهم، إذ أتاني رسول الله صلى الله عليه وسلم فعرك أذني وضحك في وجهي، ما تكلم ولا شي بس من جنبه وعرك ابنه وضحك في وجهه عليه صلاة الله عليه وسلم.

قال زيد: فما كان يسرني أن لي بها الخلد في الدنيا. فالابتسامة ديك اللي شفتها، ما يسرني، خيرت بين الخلد في الدنيا وبين الابتسامة بعد الموقف اخترت الابتسامة، فما يسرني أن لي بها.

الخلد في الدنيا، ثم إن أبا بكر لحقني فقال: ما قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قلت: ما قال شيئا إلا أنه عرك أذني وضحك في وجهي، فقال: أبشر. ثم لحقني عمر، فقلت له مثل قولي لأبي بكر. فلما أصبحنا، قرأ رسول الله صلى الله عليه وسلم سورة المنافقين، نزلت سورة المنافقين في ذلك الحدث. ولذلك في البخاري قال النبي صلى الله عليه وسلم عن زيد بن أرقم: هذا الذي أوفى الله له بأذنه، هذا الذي أوفى الله له بأذنه. جاءت سورة المنافقين تصديقا لكلام زيد بن أرقم الشاب الصغير الذي كان مع النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء في نفس العبارة: يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَٰكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ.

طبعا سميت السورة بالمنافقين، وهذا يدل على ما ذكرته قبل قليل أنه المنافقون في تلك المرحلة يبدو كانوا يعني في الذروة، أو يعني في مرحلة عالية جدا من كيدهم وسعيهم ومكرهم. المصيبة الأعظم من هذه أنه في نفس الغزوة حدثت حادثة الإفك؛ يعني في نفس الغزوة عائشة رضي الله عنها لما صار الموقف بينها وبين صفوان وتأخروا عن الجيش وكذا، نفسه عبد الله بن سلول اللي كان قبل شوية يقول: لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ، والغيظ يعتمل في صدره، هو الذي أثار قضية الإفك في نفس السفر. هذا يدل أيضا على أن القضية واصلة إلى يعني موصل كبير.

وحادثة الإفك يعني ما أريد أن أقف معها كثيرا؛ لأنه الحديث عنها يطول جدا، وربما يعني يتداول أو يعني الإنسان تحدث عن هذا الموضوع في أكثر من موضع. غير أنه يعني هناك بعض المواقف السريعة التي ممكن الإنسان يشير إليها: أولا، نفس قصة حادثة الإفك يعني لن أذكرها معروفة، نفس القصة ايش اللي صار فيها وكذا وإلى آخره. لكن هناك فوائد كثيرة وعبر من هذه القصة، منها: أن المنافقين لا يفتؤون ولا يفترون في توليد الأذى وتوليد الكيد وتوليد فت عضد المسلمين.

يعني لازم نفهم أنه في تخصص لناس ينتمون إلى هذه الأمة، في تخصص، هذا التخصص اسمه بث الشائعات والكذب والارجاف وتفريق الصفوف وتحريض الكفار على المسلمين، والسعي دائما في مصلحة الكفار، هذا دائما موجود. وأناس ما يفيد معاهم ولا شيء، يعني لو كان يفيد مع أحد منهم عبرة لاستفادوا من وجودهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم. يعني أنت ايش تبي تقول لهم الآن؟ مهمة مع الرسول صلى الله عليه وسلم! لا، ومع الرسول صلى الله عليه وسلم حتى في السفر اللي هو في الجهاد، يخرجون معه ويرجعون معه، ويحضنون خطب الجمعة معه، ويسمعون كلام النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة ومواعظه وكلامه عن الجنة والنار وعن الله سبحانه وتعالى، وهم في بواطنهم كفار، بل ويحملون العداء له عليه صلاة الله وسلامه.

ومتى وجد المسلمون في مرحلة من المراحل، وجد المسلمون العاملون لدين الله وهم غير مستبصرين في سبيل المنافقين، فاعلم أنهم على خطر كبير جدا. ولذلك إنما أكثر الله من الحديث عن المنافقين في كتابه حتى يعلم سبيلهم وحتى يتقى شرهم. أما أن يكون المصلحون والعاملون في غفله عن المنافقين فهذا فساد عريض. ولذلك الله سبحانه وتعالى بين لنا أحوالهم وكشف لنا عن صفاتهم وسماتهم، فليسوا بالناس المجهولين من حيث العمل والصفات.

هذه الفائدة الأولى. الفائدة الثانية: أن وجود المنافقين في الصف المسلم أو في الصف الإسلامي يؤثر على أناس من أهل الفضل، يؤثر على أناس من أهل الفضل. والدليل على ذلك أن الكلام في عائشة رضي الله تعالى عنها قد وقع فيه بعض الصحابه؛ لا من باب الكيد برسول الله صلى الله عليه وسلم، وإنما من باب التأثر بالشائعات التي انتشرت. وهذا يدل -احنا الآن ننظر القضية من بعيد أنه لا مستحيل كيف كذا- هذا يدل على أن الشائعات كانت قوية ومنتشرة إلى درجة مهولة، إلى درجة مهولة، إلى درجة أن تأثر بعض الصحابة وتكلموا، وأقام النبي صلى الله عليه وسلم الحد على الصحابة الذين تكلموا اللي هو حد القذف.

فهذه فائدة مهمة يعلم من خلالها أنه المسلم عليه أن ينتبه لمصادر التلقي، وينتبه لوجهة مع من يجعله، ينتبه يسمع الكلام ممن؟ هذا الآن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ما بالكم في زمن شبكات التواصل؟ زمن شبكات التواصل، زمن يعني فكرة الفضائح فيه هي فكرة يعني من أبرز سماتها؛ يعني شبكات التواصل من أبرز ما يغري فيها أنه فضيحه المشهور الفلاني أو فضيحة المدربين أو فضيحة الكذا، شيء حقيقي وصح، وشيء تأليف وفبركة، وشيء كذا. ولذلك هذا الباب في غاية الخطورة.

وإذا كان المنافقون في زمن النبي صلى الله عليه وسلم قد عملوهم عن النبي صلى الله عليه وسلم ومع عائشة، فالمنافقون في زماننا هذا أنا برايي أنهم أكثر خبرة وتخصصا وقدرة على صناعة الشائعات الموجهة تجاه المصلحين؛ يعني في تخصص في نشر مثل هذه الافتراءات والكذب والزور على عباد الله العاملين المصلحين الدعاة. فلأجل ذلك ينبغي على المصلحون أن يكونوا على هذا القدر من الوعي، وأن كما قال الله سبحانه وتعالى: لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَٰذَا إِفْكٌ مُّبِينٌ.

الفوائد والدروس في قصة كثيرة، وفعلا يعني يطول بها المقام لو إنسان تتبعها. ربما قريبا قبل أيام ذكرت شيئا منها في فيديو مقاصد سورة النور في موقف مهم جدا، في موضوع أبي بكر الصديق وكيف موضوع منع الصدقة. الكلام كثير جدا، لكن هذه فقط إشارة سريعة إلى هذا الأمر وهذا الحدث.

طيب، كم صار لنا الحين بدايه الدرس؟ كم؟ ما نطول على الناس. كملنا يا جماعة؟ خمسة وعشرين، يعني باقي لنا كم؟ عشر دقائق، نص ساعة.

طيب. طيب، ننتقل إلى حدث عظيم ومهم جدا، وما أظن نستطيع أن نوفيه اليوم، ممكن نبدأ فيه فقط؛ حدث كبير جدا جدا في السيرة النبوية، وهو حدث الحديبية. بدأ برؤية؛ رأى النبي صلى الله عليه وسلم أنه وأصحابه يطوفون بالبيت آمنين محلقين رؤوسهم ومقصرين لا يخافون. قص النبي صلى الله عليه وسلم الرؤيا على أصحابه، أصحابه محرومون من الكعبة والبيت الحرام والعمرة من فترة سنوات، ويعلمون أن رؤية النبي صلى الله عليه وسلم وحي وأنها حق. فتحمسوا، وأخبرهم النبي صلى الله عليه وسلم من يتجهزوا إلى العمرة، وخرجوا من المدينة وعددهم ألف وأربعمائة.

وهنا وقفه مع العدد: ألف وأربعمائة. بعد كم سنة يتميم من بداية النبوة؟ ثلاثة عشر سنة في مكة، وستة سنوات في المدينة. بعد تسعة عشر سنة تقريبا من بداية النبوة، كم اللي معه؟ ألف وأربعمائة. ألف وأربعمائة في ميزان العدد؛ كثير ولا قليل؟ قليل جدا جدا في ميزان تسعة عشر سنة من الدعوة والحجة. هذول هم كانوا خلاصة الإسلام، على ألف وأربعمائة هم خلاصة الإسلام، هؤلاء هم الحملة كما يقال؛ يعني حمله الدين مع النبي صلى الله عليه وسلم المدافعون عنه، الحاملون لهذا الدين الذين تربوا عنده، هؤلاء هم الألف.

طبعا غير النساء، ولكن هذا هؤلاء الرجال الآن ألف وأربعمائة. هؤلاء كم صار عددهم؟ كم صار عدد المسلمين؟ خلينا نقول كم صار عدد المسلمين بعد سنتين من هذا الحدث؛ يعني بعد فتح مكة، بعد فتح بعد فتح مكة كان بعد فتح مكة سنة سنتين، احنا نقدر نقول أن الجزيرة العربية كلها دخلت في الاسلام. حتى أنه تعرفوا في بعض الروايات في حجة الوداع كم كان المعاني النبي صلى الله عليه وسلم أنه مائة ألف؟ يعني الفرق النسبي بين العدد اللي تكون في تسعة عشر سنة وبين العدد الذي يتكون في سنتين فرق هائل جدا جدا جدا، اليس كذلك؟ بين ألف وأربعمائة وبين مية ألف ولا مية وعشرين ألف ولا حتى يمكن أكثر من ذلك، الناس اللي ما حجت.

طيب، لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم اللي صار أن هذول اللي أسلموا بسرعة ارتدوا، وهذول ألف وأربعمائة رجعوهم للإسلام. فاهم الفكرة؟ يعني اللي صار أن هذول الألف هم الذين حملوا الدين بعد النبي صلى الله عليه وسلم، هم الذين ثبتوا وهم الذين جاهدوا وهم الذين أرجعوا الناس إلى حاربوا المرتدين. أما أولئك الذين أسلموا بعد فتح مكة؛ كثير منهم بل أكثرهم ارتد عن الإسلام، أكثرهم؛ لأنه ما بقي من المسلمين إلا أهل مكة وأهل المدينة والطائف وجواتها في البحرين، والباقي الجزيرة العربية هذه القبائل كلها التي دخلت والتي تألفهم النبي صلى الله عليه وسلم بالإسلام، وأعطاهم اللي أعطاه مائة من الإبل واللي أعطاه كذا واللي أعطاه، هذا اللي رجعوا؛ لأنهم أصلا هم كانوا ينتظرون فين الموقف الأقوى، وكانوا يتحينون موقف قريش، لما فتح النبي صلى الله عليه وسلم مكة دخل أهل الجزيرة العربية في الدين.

ها هنا موقف، وهو أن العبرة ليست بالعدد، وإنما العبرة في السمات وفي الصفات وفي النوع، في ماذا؟ على ماذا تربوا؟ على ماذا أسسوا؟ على ماذا صنعوا؟ نفس الشيء اليوم نقول في واقع المسلمين اليوم؛ ممكن واحد يجي يقول: المسلمون اليوم عددهم كبير جدا وكذا وإلى آخره. احنا نتذكر قول النبي صلى الله عليه وسلم: ولكنكم غثاء كغثاء السيل. طيب، كيف يصلح حال المسلمين؟ من أهم ما يصلح به حال المسلمين هو الذي صلح به حال العرب وقت النبي صلى الله عليه وسلم؛ إذ كون من الناس -كما يقال باصطلاحنا- نخبة من الصالحين المصلحين الذين تربوا على معاني الإسلام وعاشوا الدين وصبروا وثبتوا وضحوا وقاموا وصلوا وجاهدوا في سبيل الله وإلى آخره حتى صار الواحد منهم أولا في ميزان الله يعدل الكثير، فينزل الله عليهم رضوانه ومعيته ونصره وتاييده ورحمته.

وليست المراهنة على الاعداد الكبيرة، ثم أن الاعداد الكبيرة واستجابتها في حال وجود الثبات والصبر من الاعداد القليلة أمره سهل، أمره سهل، والمعول ليس عليه، والمراهنة ليست عليه. أظن نكتفي بهذه الفائدة؛ لأنه لسه ما بدأنا القصة، نعتبر القصة طويلة جدا جدا، هو من أطول الأحاديث في صحيح البخاري أصلا قصة الحديبية، فلعلنا نقف معها إن شاء الله في اللقاء القادم.

نسأل الله سبحانه وتعالى العون والتوفيق والتسديد، وأن يهدينا ويسددنا، وأن يصلي ويسلم على عبده ورسوله محمد، وأن يرضى عن أصحابه الكرام، وأن يجزيهم عن هذه الأمة خير الجزاء، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يجمعنا بنبيه صلى الله عليه وسلم في جنته، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.