الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم لك الحمد لا نحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد. يستمر الحديث عن السيرة النبوية، أو المعنونة بالسيرة النبوية للمصلحين. ولا نزال في المرحلة المكية، ونحن الآن يعني اقتربنا أو بحدود السنة السابعة من البعثة.
كان الحديث في اللقاءين السابقين عن هجرة الحبشة، أليس كذلك؟ وأمس أو اللقاء السابق كان كله في حديث أم سلمة في الحبشة، وما الذي جرى بين النجاشي وبين الصحابة وما إلى ذلك. اليوم سنرجع إلى مكة. الحديث اليوم عن حدث جديد وابتلاء جديد من الابتلاءات التي حصلت في وقت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم. هذا الحدث هو -كما يذكر الإمام الزهري رحمه الله ورضي عنه- أن قريشا أرادت أن تقتل النبي صلى الله عليه وسلم، وبدأت تتجه حين أفلس كل شيء، خلاص، كل شيء لم يجدِ، بدأت تتوجه بثقلها لقتل النبي صلى الله عليه وسلم.
وأبو طالب الذي كان يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم كان قد استشعر أو نمى إليه هذا الأمر، فقرر أن ينحاز إلى الشعب، شعب بني هاشم. هذا شعب بني هاشم في جهة منطقة المسعى، يعني إذا خرجت من المسعى في الأمام جهة الجبل شعب بني هاشم. لما حصل هذا الدخول إلى شعب بني هاشم وعرفت قريش أنها لن تصل إلى النبي صلى الله عليه وسلم، أرادوا أن يضغطوا عليهم من كل النواحي حتى يخرجوا النبي صلى الله عليه وسلم ليقتلوه. وهذا الذي عملته قريش عرف بحصار الشعب، وهذا الحصار هو ليس حصار اللي هو يعني أنه فيه جيش محوط للشعب بحيث إنه ما أحد يقدر يخرج ولا يدخل، لا، هو حصار اجتماعي واقتصادي وضغط بحيث إنه ما يكون فيه ارتياح للنبي صلى الله عليه وسلم كما حصل له في السنوات الماضية. طبعا على افتراض أنه ارتياح، هو السنوات الماضية ما كانت ارتياح، لكن الفكرة أن النبي صلى الله عليه وسلم وبني هاشم الذين كانوا يدافعون عنه كانوا يبيعون ويشترون ويذهبون للأسواق وكذا. الآن أرادت قريش أن تضيق الخناق على البيئة الحاضنة للنبي صلى الله عليه وسلم بحيث إنها تضطر بعد ذلك إلى أن تسلم النبي صلى الله عليه وسلم إلى قريش.
تقاسم رؤوس قريش وتعاهدوا على الكفر، كما -من اللي وصف هذا الوصف؟- هذا الحصار هناك من وصفه بأنه تقاسم على الكفر، من الذي وصف ذلك؟ النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح، لما النبي صلى الله عليه وسلم كان أظن في الحج قال: غدا بخيف بني كنانة حيث تقاسموا على الكفر. يعني لما اجتمع ملأ قريش وتقاسموا وتعاهدوا على أن يحاصروا النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه.
هذا الحصار كان من بنوده أنه حصار اجتماعي: ما فيه زواج من بني هاشم ولا بني المطلب، وفي نفس الوقت ما يتزوجوا من بقية بطون قريش، ما أحد يبيعهم ولا يشتريهم ولا يشتري منهم، وإذا أتت قوافل أو تجارة أو بضاعة من خارج مكة يبادر أهل مكة فيشتروها، يشتروا هذه السلع دون بني هاشم بحيث إنهم يكونون يعني -خلنا نقول- كل أحراص وهم ليسوا كذلك، في حقيقة الأمر من حيث البيع والشراء والأكل والشرب. فاشتد الحال على النبي صلى الله عليه وسلم وعلى من معه بحيث إنهم دخلوا فيما يمكن أن يسمى بمجاعة، وبضيق الحال من الناحية الاجتماعية والنفسية. وإن كان النبي صلى الله عليه وسلم يؤنسه الله بما يؤنسه من القرآن.
الملاحظ أن الذين كانوا في الشعب مع النبي صلى الله عليه وسلم يحامون عنه ويدافعون لم يكونوا من المسلمين فقط، وإنما كانوا كذلك من المشركين من بني عمه من بني هاشم وبني المطلب. وليس عبد المطلب، لأنه بعد قليل نوضح الفكرة، إيش مين اللي دخله مع النبي صلى الله عليه وسلم وإيش تأثير هذا الدخول. طيب، استمر هذا الحال كما يذكر أهل السير ثلاث سنوات. ثلاث سنوات كما قلت، ثلاث سنوات هذي مو معناها ما فيه خروج ولا دخول، لكن ثلاث سنوات بهذه البنود الظالمة التي سماها النبي صلى الله عليه وسلم تقاسم على الكفر.
لتوثيق هذه القضية علقوا صحيفة البنود في الكعبة حتى ما تنقض ولا تخرم وهم كانوا يعظمون الكعبة. ثم بعد ثلاث سنوات أتى مجموعة من رؤوس قريش أو من أشرافهم ممن يشبه ما قالت فيهم أم سلمة يوم قصة الحبشة، تذكرون إيش قالت عن عمرو وعبد الله بن أبي ربيعة؟ هم جايين يكيدون بالمسلمين، لكن قالت عن عبد الله بن أبي ربيعة: وكان أتقى الرجلين فينا. فجاء أناس من أتقى قريش في المسلمين فقالوا: بالله يطيب لكم أنكم أنتم تأكلوا وتشربوا وتتزوجوا ورايحين جايين وأبناء عمومتكم في هذا الحال؟ هم كفار الآن والله ما يطيب لنا فلان، ما يطيب لنا كذا. تعاهدوا على أن ينقضوا هذا الحلف الظالم، وحصل بالفعل هذا النقض.
انتهى هذا الحصار بتدخل مجموعة من أشراف قريش الذين كانوا -خلينا نقول- أقل عداوة من بقية بطون قريش تجاه النبي صلى الله عليه وسلم وتجاه بني هاشم. بعد ما خرج النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من الشعب من هذا الحصار وكان هذا تقريبا في السنة العاشرة، لأنه إحنا قلنا إحنا بدينا من السنة السابعة للبعثة، السنة العاشرة للبعثة السنة التي خرج فيها النبي صلى الله عليه وسلم ومن معه من الشعب توفي فيها أبو طالب الذي كان يحامي عن النبي صلى الله عليه وسلم ويحوطه، وكما قال ابن إسحاق: حدب أبو طالب على ابن أخيه. ثم ما لبث أن تبع أبا طالب أو أن تبعت أبا طالب خديجة رضي الله تعالى عنها فتوفيت في فترة قريبة وقصيرة. وأبو طالب كان يشكل للنبي صلى الله عليه وسلم المؤازرة الخارجية، وخديجة كانت تشكل للنبي صلى الله عليه وسلم المؤازرة الداخلية. فلما توفي أبو طالب وتوفيت خديجة كان تأثير هذا على النبي صلى الله عليه وسلم عظيما، ولأجل ذلك لقب أهل السير هذا العام بعام الحزن.
ولا تظنوا أن النبي صلى الله عليه وسلم في هذا العام عام الحزن قد اعتزل وجلس في بيته وترك الدعوة إلى الله، لا، لم يترك شيئا مما أوجبه الله سبحانه وتعالى عليه. ولكن قريشا بعد وفاة أبي طالب ووفاة خديجة، خاصة بعد وفاة أبي طالب، تجرأت على النبي صلى الله عليه وسلم جرأة لم يكونوا ليتجرأوا بمثلها قبل وفاة أبي طالب. تذكرون الأذى الفعلي الذي تكلمنا عنه؟ لما جاء ووضعوا سلى الجزور، وعقبة بن أبي معيط خنق النبي صلى الله عليه وسلم خنقا شديدا، وما إلى ذلك. الأحاديث التي ذكرتها لكم في البخاري، من العلماء من يرى أن هذه الأحداث، الأذى الفعلي، كان متى؟ بعد وفاة أبي طالب. ليس هناك دليل صريح على أنه هذا كان بعد وفاة أبي طالب، لكن اجتهادا أنه يعني قريشا كانت تؤذي النبي صلى الله عليه وسلم في نفسه، لكن ذاك الأذى الذي كان فيه الضرب والاعتداء الفعلي من العلماء من يرى أنه إنما كان متى؟ بعد وفاة أبي طالب. قبل أن ننتقل إلى أي حدث آخر، دعونا الآن، ذكرت لكم هذا كله مجملا، الآن دعونا نعود فنرجع بشكل تفصيلي ونأخذ الدروس والعبر.
جيد؟ طيب دعوني أطوي الصفحات قليلا وأنتقل إلى السنة السابعة للهجرة، من متى إلى متى؟ من السنة السابعة للبعثة، أريد أن أنتقل إلى السابعة للهجرة، تمام، يعني بعد كم؟ ثلاثة عشر سنة، سبعة هناك ستة ولا كم؟ ثلاثة عشر سنة. في السنة السابعة للهجرة كان في غزوة خيبر، صحيح؟ لما جاءت غنائم خيبر أعطى النبي صلى الله عليه وسلم من الغنائم غير الجيش، سهم في سهم ذوي القربى، قرابة النبي صلى الله عليه وسلم، أهل البيت لهم نصيب في ذلك. فالنبي صلى الله عليه وسلم في غنائم خيبر أعطى بني الهاشم وبني المطلب، ولم يعط بني عبد شمس وبني نوفل، وهم بنفس القرابة من النبي صلى الله عليه وسلم من قرابة بني هاشم. أو عفوا المغتربين، بني المطلب.
الآن عشان نفهم فكرة النسب هذي، ركزوا معايا، النبي صلى الله عليه وسلم اسمه محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. طيب، عبد مناف، طيب عبد مناف هذا ابنه اللي في نسب النبي صلى الله عليه وسلم من هاشم، هاشم عنده ثلاثة إخوان: المطلب، وعبد شمس، ونوفل، وخلاص المطلب وعبد شمس ونوفل. ممتاز، كلهم أبناء عبد مناف. تمام؟ عبد شمس هذا مين منه؟ من المشهورين في قريش؟ أبص فيها بني أمية كلهم من بني عبد شمس. تمام؟ يعني شف ترى بني أمية قرابتهم من النبي صلى الله عليه وسلم قريبة، هم أبناء عبد مناف، أبناء عبد شمس بن عبد مناف. تمام؟ طيب، وبنو نوفل هؤلاء منهم المطعم بن عدي الذي أجار النبي صلى الله عليه وسلم وجبير بن مطعم. وبنو المطلب اللي هم مين منهم؟ أخذناه في السابقين في البداية، عبيدة بن الحارث اللي في بدر اللي بارز، اللي استشهد اللي بارزوا وانه عبيدة بن الحارث.
طيب، الآن لما جاءت غنائم خيبر جاء اثنان إلى النبي صلى الله عليه وسلم، واحد من بني عبد شمس وواحد من بني نوفل. اللي من بني عبد شمس عثمان بن عفان، ومن بني نوفل جبير بن مطعم، فجاءوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم قالوا: يا رسول الله، أعطيت بني المطلب وتركتنا ونحن وهم منك بمنزلة واحدة. ما قالوا له أعطيت بني هاشم، لأنه بني هاشم إيش هم؟ اللي منهم النبي صلى الله عليه وسلم، ما قالوا شيء، لكن أعطيت بني المطلب اللي هم أبناء عمومتك، ونحن نفس المنزلة منك، أعطيت بني المطلب وتركتنا. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنما بنو المطلب وبنو هاشم شيء واحد. وذلك أنهم من أيام الجاهلية كان بينهم من القرب والحلف حتى إنهم دخلوا في حصار الشعب ودافعوا عن النبي صلى الله عليه وسلم، بنو المطلب وبنو هاشم كانوا من المحصورين الشعب اللي في شعب البيت، أما بنو عبد شمس وبنو نوفل فكانوا مع المحاصرين ضد المحصورين، فلاحظتوا كيف أثر هذا حتى تأثير أكثر من التأثير النسبي.
هذا الفعل الذي يؤيد هذا المعنى أن أبا طالب عنده لامية مشهورة تعرفونها؟ اللامية المشهورة التي قال عنها ابن كثير إنها أفخم من المعلقات، أفخم من المعلقات، يقول: ولا يمكن أن يقولها إلا من نسبت إليه، اللي هو أبو طالب، يعني طويلة اقرأوها جميلة مهمة، يشتكي فيها ويتألم ويتوجع ويتوعد ويعني يبرز أنواع التوثقات والتعهدات أنه لن يسلم النبي صلى الله عليه وسلم. ماذا يقول في هذه اللامية؟ يقول: جزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... عقوبة شر عاجلا غير آجل
فهمتوا الآن الفكرة؟ فهمتوها ولا ما فهمتوها؟ طيب، إذا من الذين حوصروا في الشعب؟ بنو هاشم وبنو المطلب، وهم الذين جرى عليهم بعد ذلك سهم ذوي القربى، الله سبحانه وتعالى ماذا يقول؟ وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُم مِّن شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى. النبي صلى الله عليه وسلم من هم الداخلون في هذا السهم؟ هم بنو هاشم وبنو المطلب، أما بنو عبد شمس وبنو نوفل فلا، وهذا مذهب الإمام الشافعي رحمه الله تعالى.
طيب، الآن من الأحداث الأخرى التي حصلت التي نحتاج أن نعود إليها وفاة أبي طالب، أبو طالب أمضى حياته من بداية البعثة أو لنقل من بداية الدعوة الجهرية إلى أن توفي وهو يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم، متحمل في سبيل ذلك أنواعا من الأذى، وأنواعا من الكلام، وأنواعا من الشدة، غير أنه لم يدخل في دين النبي صلى الله عليه وسلم. فلما حضرته الوفاة جاء النبي صلى الله عليه وسلم عند رأسه، ولم يكن أحب ولا أعز ولا أولى ولا أهم عند النبي صلى الله عليه وسلم من أن يتلفظ أبو طالب بلا إله إلا الله، يعني النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن عنده شيء في تلك اللحظة أولى ولا أحب إليه من أن يقول لا إله إلا الله.
فلما حضر أبا طالب للوفاة، جاء النبي صلى الله عليه وسلم عنده فجلس، وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم وأبو طالب قريب من الموت: يا عم، قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، يعني أنت يا أبا طالب ما أسلمت قبل كذا، ما صليت ولا فعلت ما يفعل المسلمون، كل السنوات هذي، الآن أنت حضرك الموت بس قول هذي الكلمة، إذا قلتها أحاج لك بها عند الله. وبجواره أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية يقولان لأبي طالب: أترغب عن ملة عبد المطلب؟ أترغب عن ملة عبد المطلب؟ شف ما قالوا له تترك اللات والعزى، لا، أتوا للعرق.
والعصب والجنب اللي يوجعه، الجنب اللي يوجعه وش هو؟ نسبوا القبيلة وأبوك وابن الطلب والآباء وابن عبد المطلب، أترغب عن ملة عبد المطلب؟ والنبي صلى الله عليه وسلم يقول له: يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله.
فيقول أبو طالب: والله لولا أن تعيرني قريش فيقولون إنما قلتها عند الموت جزعاً لأقررت بها عينك، لولا أن تعيرني قريش تقول إنما قلتها جزعاً لأقررت بها عينك.
فمات أبو طالب وأبى، كما في صحيح البخاري، وأبى أن يقول لا إله إلا الله، وكما في صحيح البخاري قال: هو على ملة عبد المطلب، هكذا قال على ملة عبد المطلب، وهكذا توفي أبو طالب. فقال النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري: لاستغفرن لك ما لم أنه عنه، فنزل قول الله سبحانه وتعالى: مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَىٰ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ، ونزل قول الله سبحانه وتعالى: إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ. وهذا الموقف العجيب العظيم فيه دروس وعبر كبيرة جداً.
أولاً بعض الناس لا يعجبهم هذا الكلام، تقول لي في صحيح البخاري، في صحيح مسلم، في مدري إيش، ما يعجبهم هذا الكلام؛ ونظراً لجهلهم ولتغليبهم العاطفة على العلم ها يقولون هذا يعني من كلامكم أنتم ومن إلى آخره، هذا يعني أشهر من عرفوا بذلك الشيعة، ويظنون أنهم إن قالوا وادعوا أن أبا طالب في الجنة أنه سيكون في الجنة فعلاً. هم لا يعلمون أن الجنة بيد الله وليست بأيدي أحد، ويظنون أن وفاة أبي طالب على ملة عبد المطلب أحب إلينا، يعني ليست أحب إلينا، بالعكس لا يوجد شيء يمكن أن يسعدنا في أحداث السيرة مما لم يحدث كما لو أسلم أبو طالب.
هي القضية ليست أن خزائن أو أبواب النار بأيدينا ففتحنا أبواب النار وأدخلنا، لا. القضية ليست هكذا، القضية دين، والقضية أن رب العالمين سبحانه وتعالى لا يقبل من أحد عملاً إذا لم يكن قد دخل في الاستسلام لله والإذعان له بأنه لا إله إلا هو، ولذلك في صحيح مسلم عائشة رضي الله تعالى عنها تقول للنبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، ابن جدعان واحد من أشراف قريش كان يصل الرحم ويفعل ويفعل في الجاهلية، فهل ترى ذلك نافعه شيئاً؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إنه لم يقل يوماً رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين. طيب ماذا لو أسلموا؟ سئل النبي صلى الله عليه وسلم كما في الصحيح أيضاً: أرأيت صدقات كنت أتصدقها وأفعل وكذا في الجاهلية ها إذا أسلمت؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أسلمت على ما سلف من خير.
طيب الآن الدرس الأعظم المستفاد من هذا أن الدين ليس فيه مجاملات وليس فيه محسوبيات ولا وساطات، لو كان أحد نافعاً أحداً نفعاً يخرجه به من عذاب الله لكان أولى الناس بذلك النبي صلى الله عليه وسلم مع أبي طالب، النبي صلى الله عليه وسلم نفع أبا طالب؟ نعم، ولكنه نفعه نفعاً لم يدخل به الجنة، وإنما ماذا؟ خفف به عنه العذاب. وهذا أيضاً في صحيح البخاري، قالوا: يا رسول الله أنفعت أبا طالب في شيء؟ قال: نعم، هو في ضحضاح من نار، لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار. وقال أيضاً كما في الحديث الصحيح: إن أهون أهل النار عذاباً أبو طالب، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم من العذاب الذي هو في أهون الدرجات ما يكون كافياً لأن يفر الإنسان منه فراراً شديداً. وثبت في صحيح البخاري أيضاً عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: إن الجنة لا يدخلها إلا نفس مسلمة، لا يدخلها إلا نفس مسلمة.
لذلك أعظم نعمة يستمسك بها الإنسان ويدركها الإنسان هي لا إله إلا الله، هذه لا إله إلا الله التي نقولها صباح مساء كثير منا لا يدرك قيمة هذه الكلمة ومقدار هذه الكلمة عند الله سبحانه وتعالى. ولذلك من لا يهتم بهذه النعمة ولا يحتفي بها ولا يشكر الخالق سبحانه وتعالى عليها فهو مغبون خاسر، قال الله سبحانه وتعالى: وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لِّيَقُولُوا أَهَٰؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّن بَيْنِنَا ۗ أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ. قال بعض العلماء الشاكرون هنا الذين يعرفون يقدرون نعمة الإيمان فيشكرون الله عليها، يمنون عليك أن أسلموا، قُل لَّا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُم ۖ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ.
إذن القول في أبي طالب ليس قولاً عاطفياً وإنما قول عقيدة، وهذه العقيدة متعلقة بحق الله سبحانه وتعالى، وحق الله سبحانه وتعالى لا يتغاضى عنه بالنسب وبالعلاقة بالصالحين. لكن لو أن الإنسان أتى بالشرط الأساسي بعد ذلك قد تنفعه شفاعة من يشفع أو من يأذن الله لهم بالشفاعة يوم القيامة، أليس كذلك؟ ولذلك ثبت في الصحيح أيضاً من وجوه أن هناك أو أن أناساً من أهل لا إله إلا الله ممن لم يرعوا حقها حق الرعاية يدخلهم الله النار ها، ثم يأتي أناس من المؤمنين فيشفعون لأناس يعرفونهم، يا ربي هؤلاء كانوا بيننا إخواناً نعرفهم، يعرفونهم بوجوههم، فيخرجهم الله من النار، يخرج يخرج يخرج يخرج يخرج، حتى إذا انتهت شفاعة الشافعين يقول الله سبحانه وتعالى: وعزتي وجلالي وكبريائي وعظمتي لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله، هذا أيضاً في البخاري، لأخرجن منها من قال لا إله إلا الله حتى لا يبقى في النار إلا من كان من أهل الخلود في النار.
لذلك هذه القضية بالعكس تبرز عظمة هذا الدين، البعض يظن يتعامل مع موضوع أبي طالب يقول له يعني كيف كذا؟ مو قضية كيف كذا، بالعكس هذه القضية تبرز أن هذا الدين الحق الأول والأعظم فيه هو لله وليس لأحد آخر، الحق لله للخالق سبحانه وتعالى، هؤلاء الرسل الذين هم أشرف الخلق إنما هم رسل ومبلغون عن الله، لكن المرسل هو الله، والذي أنزل هذه الكلمات والآيات هو الله، والذي أمر الرسل بأن يبلغوا هو الله، والرسل مأمورون أمراً مكلفون تكليفاً بأن يبلغوا رسالات الله، فالقضية ليست عاطفية وإنما القضية قضية عقدية إيمانية عميقة الاتصال بحقائق الإسلام الكبرى.
ثم بعد هذا كله يأتي الآن القول إنه ومع ذلك -وهذه الآن جهة أخرى جهة تبرز قيمة النبي صلى الله عليه وسلم ومكانته عند الله وفضل نصرة النبي صلى الله عليه وسلم- أن أبا طالب مع أنه مشرك ومع أنه فرط في حق الله إلا أنه لأجل نصرته للنبي صلى الله عليه وسلم فقد خفف عنه العذاب. فهمتوا القضية من طرفيها يعني؟ طرفها الأول لأجل حق الله لم يدخل أبو طالب الجنة ولم يخرج من النار، ولأجل حق رسول الله صلى الله عليه وسلم وعظمة هذا الحق ومقدار ما فعل أبو طالب في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم ومع كونه فرط في حق الله إلا أنه خفف عنه العذاب حتى صار أهون أهل النار عذاباً. فكيف إذا أفنى الإنسان عمره في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم وفي نصرة سنته ودينه وهو يقول لا إله إلا الله ويشهد بها ويكررها صباح مساء؟ فليحسن الظن بالله أن يكون الجزاء عند الله سبحانه وتعالى عظيماً.
طيب، في هذه القصة من الدروس والعبر خطورة أثر الأصدقاء، يعني ما يحتاج تجيب أبيات شعرية في خطر الصحبة الفاسدة، ما يحتاج، بس جيب قصة أبي طالب، ما فيه... الآن حتى لو ما كانوا موجودين ممكن، ما دام أن أبا جهل وعبد الله بن أبي أمية كانا موجودين وهما اللذان أثرا أو دفعا بأبي طالب دفعاً لم يجعله يقدم حق الله سبحانه وتعالى في ذلك المقام الذي ينبغي أن يقدم فيه حق الله، ولذلك الصحبة الفاسدة مخيفة. وقد قال الله سبحانه وتعالى: وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَىٰ يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا * يَا وَيْلَتَىٰ لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي ۗ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا. لذلك احذر، انتبه، الصحبة الفاسدة كالجليس السوء، كحامل الكير؛ إما أن يحرق ثيابك وإما أن تجد منه ريحاً خبيثة. لذلك خاصة الشباب الذين يتربون حتى يكونوا مصلحين بإذن الله في المستقبل، لا تساوموا ولا تجاملوا في موضوع الصحبة، اختر من الأصحاب من يوصلك إلى الله، يا حسام أنت والشباب اللي جنبك، اختر من الأصحاب من يوصلك إلى الله سبحانه وتعالى لا من يبعدك عن الله سبحانه وتعالى أو يقطع عنك وعليك الطريق.
طيب، هذا الآن درس آخر مهم مستفاد من قصة أبي طالب. ثم بعد ذلك توفيت خديجة رضي الله تعالى عنها، ولم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يتذكر أثرها عليه، ويتذكر قيمتها عنده، ويتذكر تلك الليالي التي كان يجد النبي صلى الله عليه وسلم فيها أو يرجع فيها إلى البيت وقد سمع من المشركين ما سمع من أنواع التكذيب والاتهام، فكانت تؤازره وتمسح عنه وتخفف وتسري عنه ما يجد، عليه صلاة الله وسلامه.
ولذلك عائشة رضي الله تعالى عنها التي تزوج النبي صلى الله عليه وسلم بعدها -بعد عائشة تزوج النبي صلى الله عليه وسلم أغلب زوجاته، أكثر زوجاته، لأن عائشة تزوجها النبي صلى الله عليه وسلم مبكراً- تقول عائشة رضي الله تعالى عنها مع أن زوجات النبي صلى الله عليه وسلم كنَّ أحياء، إلا أنها قالت: ما غرت من أحد غيرتي من خديجة، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج عائشة بعد ما ماتت خديجة، ما غرت من أحد غيرتي من خديجة من كثرة ما كان النبي صلى الله عليه وسلم يذكرها.
بعد وفاته من كثرة ما كان يذكر النبي صلى الله عليه وسلم خديجة، حتى إن عائشة رضي الله تعالى عنها من غيرتها قالت جملة يعني: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش؟ تتكلم عن خديجة، يعني إيه تعرفوا خديجة أصلاً كانت كبيرة في السن، فتقول النبي صلى الله عليه وسلم: ما تذكر من عجوز من عجائز قريش؟ ها؟ تقول يعني خلاص. والنبي صلى الله عليه وسلم ما كان يسكت عن ذكر خديجة، خديجة كان لها من الدور ما لم يكن لأحد من زوجات النبي صلى الله عليه وسلم.
ولذلك استأذنت مرة هالة بنت خويلد على النبي صلى الله عليه وسلم بعد وفاة خديجة، هذه أخت من؟ خديجة، فتذكر النبي صلى الله عليه وسلم خديجة، استئذان خديجة، قالت في الرواية في البخاري: فارتاع لذلك عليه الصلاة والسلام وقال: اللهم هالة، إذ فاهم الفكرة يعني كأنه تذكر خديجة وارتاع النبي صلى الله عليه وسلم لتلك الذكرى. خديجة كانت في ذاكرة النبي صلى الله عليه وسلم، وكما في الحديث الصحيح كان النبي صلى الله عليه وسلم يتصدق بالصدقات ويبعثها إلى خلائل خديجة، صديقات خديجة، يبعث بالصدقات إلى خليلات خديجة ذكرى لخديجة رضي الله تعالى عنها.
ولخديجة فضل لم ينله أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم، بغض النظر طبعاً تعرفوا في خلاف بين العلماء من أفضل خديجة أم عائشة كذا، بغض النظر، لكن لخديجة فضل لم ينله أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم وإن كان قد حصل لبعضهن شيء منه قريب منه، لكن بالمشهد الكامل هذا لم يحصل إلا لخديجة. وهذا حديث أيضاً صحيح، نعم، في الصحيح قال النبي صلى الله عليه وسلم، ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن جبريل جاءه فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: هذه خديجة قد أتت، كانت في البيت داخل، ستأتي الآن للنبي صلى الله عليه وسلم أو أتت، معها إناء من ماء أو كأس من ماء وإناء من تمر أو كما قال نسيت الآن، قال: فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، شوف، فاقرأ عليها السلام من ربها ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب، القصب اللؤلؤ المجوف، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب، وهذا في البخاري وفي مسلم، هذه خديجة قد أتت كذا كذا فاقرأ عليها السلام من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب، هذا فضل لخديجة يعني صعب أن يدركه أحد، صعب، لا أريد أن يتحول الدرس كله عن خديجة رضي الله تعالى عنها، لأن الحديث عنها يطول يطول، ولكم أن تتخيلوا ما فقده النبي صلى الله عليه وسلم بموتها، وفي نفس الوقت كان قد فقد الحماية الخارجية المتمثلة في أبي طالب.
وإن شاء الله في اللقاء القادم سأتحدث عن ما الذي حصل بعد هذا الفقدان من النبي صلى الله عليه وسلم، الحماية الخارجية وللأنس الداخلي من الناحية الاجتماعية، وأتحدث إن شاء الله عن ما سعى إليه النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك، فصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه. ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يرزقنا حبه والعمل بسنته، أسأل الله أن يجعل حبنا لنبينا أحب إلينا من أهلينا وأموالنا وأولادنا ونفوسنا، وأن يرزقنا حسن العمل بميراثه، وأن يرزقنا الورود على حوضه ومرافقته في الجنة بفضل الله ورحمته وكرمه وجوده وإحسانه، اللهم اغفر لنا وارحمنا واهدنا وسددنا وثبتنا واعف عنا وعافنا.
اللهم ربنا أعنا ولا تعن علينا، وانصرنا ولا تنصر علينا، وامكر لنا ولا تمكر علينا، واهدنا ويسر الهدى لنا، وانصرنا على من بغى علينا. اللهم صل وسلم وبارك على عبدك ورسولك محمد.
الشيخ أحمد السيد