طيب، الحمد لله رب العالمين، حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه كما يحب ربنا تبارك وتعالى ويرضى. اللهم ربنا لك الحمد ملء السماوات وملء الأرض وملء ما بينهما وملء ما شئت من شيء بعد. اللهم ربنا لك الحمد في الأولى والآخرة، ولك الحكم وإليك المصير. اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد.
يا أهلا وسهلا. استعينوا بالله ونستفتح المجلس العاشر من مجالس السيرة النبوية للمصلحين، وبداية نحمد الله الذي من علينا بأن سهل لنا تذاكر السيرة النبوية محاولة فهم كتاب الله سبحانه وتعالى في يعني بارتباطه بالسيرة النبوية وفهم السيرة النبوية بكتاب الله سبحانه وتعالى، ومحاولة التأمل فيما يحتاجه الإنسان المؤمن في طريقه إلى الله، والمصلح في طريقه الإصلاح من خلال السيرة النبوية. هذا اللقاء العاشر، ولا نزال في المرحلة المكية ونحن الآن في منتصفها تقريبا أو تجاوزنا المنتصف بقليل، المفترض يكون موقعنا من الخارطة هذه الزمنية، الخارطة الزمنية بس الخارطة المكانية وين المفروض نكون؟ بعد الهجرة إلى الحبشة؟ نعم. لا سنكون في الحبشة لسه، لسه ما خلصنا ضمن الحبشة.
فنحن اليوم سنكون في الحبشة بإذن الله من حيث الموقع الجغرافي؛ لنتأمل في بعض ما حصل هناك مما له ارتباط أساسي بالسيرة النبوية ومما له ارتباط أساسي بالسياق الإصلاحي والاستفادة من هذه العبر. ستكون وقفتنا اليوم وقفة مطولة مع حديث قد لا يكون في هذا اللقاء سوى هذا الحديث وربما يسع الوقت لنأخذ شيئا آخر. هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد رحمه الله في مسنده، وهو عن أم المؤمنين أم سلمة، وأم سلمة كانت من من؟ من المهاجرات إلى الحبشة، وكان معها زوجها الذي توفي بعد ذلك في المدينة في السنة الثالثة أو الرابعة للهجرة، وتزوجها النبي صلى الله عليه وسلم بعد ذلك. ماذا تقول أم سلمة رضي الله تعالى عنها؟ تقول: لما نزلنا أرض الحبشة، جاورنا بها خير جار النجاشي، أمنا على ديننا وعبدنا الله لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه.
الآن لما تقول هذه الجملة هي مستصحبة إيش؟ مستصحبة ما كان قبل ذلك، أنه ما كنا قادرين نعبد الله، ما كنا قادرين على أن نعبد الله ولا إذا عبدنا الله سبحانه وتعالى سلمنا من الأذى. فتحكي الآن أنه إحنا لما ذهبنا إلى الحبشة الحمد لله الوضع تغير وصرنا نستطيع أن نعبد الله سبحانه وتعالى بدون أن نؤذى، لا نؤذى ولا نسمع شيئا نكرهه. فلما بلغ ذلك قريشا ائتمروا على أن يبعثوا إلى النجاشي فينا رجلين جلدين، وأن يهدوا للنجاشي هدايا مما يستظرف من متاع مكة، وكان من أعجب ما يأتيه منها إليه الأدم. جلد من مكة كان يعني هذا أظرف شيء يهدى، بتعرفوا كل بلد يهدى منها ما تختص به أو ما تعرف به، فجعلوا له أدما كثيرا ولم يتركوا من بطارقته إلا أهدوا له هدية، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي، المخزومي هذا من أي أسرة يعني من أسرة من؟ مين في من المخزومين؟ خالد الوليد، لا ليس عمر.
طيب، الذي يهمنا الآن أنه من نفس أسرة أم سلمة، أم سلمة مخزومية، زين، ثم بعثوا بذلك مع عبد الله بن أبي ربيعة بن المغيرة المخزومي وعمرو بن العاص بن وائل السهمي، اللي مر معانا الذي أجار عمر اللي هو أبوه، طيب وأمروهما وقالوا لهما: ادفعوا إلى كل بطريق هديته قبل أن تكلموا النجاشي فيهم، ثم قدموا للنجاشي هدايا، ثم سلوه أن يسلمهم إليكم قبل أن يكلمهم، هذا أهم شيء اطلبوا منه تسليم هؤلاء المطلوبين إلى القوات القرشية اللي هم الصحابة الذين خرجوا من مكة قبل ما يسمع النجاشي منهم شيئا، يعني ضبطوهم بالهدايا، وخلوا البطارقة يضبطوا الوضع مع النجاشي، فإذا جاء الطلب لما تيجوا تطلبوا الطلب من النجاشي البطارقة يأيدوكم في هذا الطلب فيتم تسليم هؤلاء الخارجين عن القانون القرشي. جيد. يتم تسليمهم بدون أن يحدث هناك استماع من النجاشي لما عند المسلمين، عارفين هم إيش يسووا، عارفين الشغل كيف يمشي.
طيب، فقدم على النجاشي تقول أم سلمة ونحن عنده بخير دار وعند خير جار، فلم يبق من بطارقته بطريق إلا دفع إليه هديته قبل أن يكلم النجاشي، ثم قال لكل بطريق منهم، شوفوا الكلام، شوفوا الكلام المرتب، شوفوا الكلام المكر والكيد كيف ممكن يكون، شوف الدرجة وين ها، وأتحدى أحد يقدر يقول زي هذا الكلام في مثل هذه الحالة، يعني ما في شوفوا الكلام كيف مرتب حتى يظفروا بالمسلمين. يشقى للبطارقة بعد ما أهدوهم الهدايا قالوا: إنه قد صبأ إلى بلد الملك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم تمام؟ فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينكم، وجاؤوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنتم، وقد بعثنا إلى الملك فيهم أشراف قومهم لنردهم إليهم، فإذا كلمنا الملك فيهم فأشيروا عليه بأن يسلمهم إلينا ولا يكلمهم، فإن قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم.
فقالوا لهما: نعم، تمام، أبشروا، يعني ثم أنهما قربا هداياهم إلى النجاشي فقبلها منهما، ثم كلماه فقالا له: أيها الملك، إنه قد صبأ إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك فيهم أشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم، لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه. قالت أم سلمة ولم يكن شيء أبغض إلى عبد الله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أن يسمع النجاشي كلامه، ما في شيء خايفين منه مثل ما أنه النجاشي يسمع شيئا من القرآن. طيب، فقالت بطارقته حوله: صدقوا أيها الملك، صدقوا أيها الملك، قومهم أعلى بهم عينا وأعلم بما عابوا عليهم، فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم.
قالت فغضب النجاشي ثم قال: لا هيم الله إذا، لا أسلمهم إليهما ولا أكاد قوما جاوروني ونزلوا بلادي واختاروني على من سواي حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذان في أمرهم، ملك عاقل عادل، ما قال ما راح أسلمهم ولا حسلمهم، قال بعد كل ما عملتم تمام خليني أول شيء آتي بهم وأسألهم عما قلتم، حتى أدعوهم فأسألهم ما يقول هذان في أمرهم، فإن كانوا كما يقولان أسلمتهم إليهما ورددتهم إلى قوم، وإن كانوا على غير ذلك منعتهم منهما وأحسنت جوارهم ما جاوروني. قالت ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فدعاهم، فلما جاءهم رسوله اجتمعوا الصحابة ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ الآن هذه أزمة كبرى وقعت للصحابة في الحبشة، سيترتب عليها إما الاستمرار في هذا البلد والأمان فيه وعبادة الله سبحانه وتعالى وتحقيق المقصد الذي هاجر لأجله، وإما التسليم إلى مكة وقريش يرجع كل شيء إلى الصفر. ما تقولون؟
فقالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به نبينا صلى الله عليه وسلم، وهذه مربط الفرس الذي سأعلق عليه في النهاية إن شاء الله، قالوا: نقول والله ما علمنا وما أمرنا به النبي صلى الله عليه وسلم كائن في ذلك ما هو كائن. فلما جاءوه وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله، سألهم فقال: ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم؟ قالت فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب فقال له، وانظروا ماذا قال، وانظروا الكلام الجميل الواضح المرتب الذي ينم عن فهم الرسالة، عن فهم الطريق، عن فهم المنطلق، عن فهم الغاية، الطريق واضح، الرسالة واضحة، القاعدة التي ينطلقون منها واضحة، اليقين لديهم كبير، فاهمين إيش يقولوا بالضبط، عارفين يعبروا عن نفسهم. انظروا ماذا قال جعفر متحدثا عن أو مجيبا عن السؤال الذي سئل.
فقال: أيها الملك، كنا قوما أهل جاهلية، نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار، يأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولا منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحده ونعبده، ونخلع ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمرنا بصدق الحديث وأداء الأمانة وصلة الرحم وحسن الجوار والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش وقول الزور وأكل مال اليتيم وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئا، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام، والصلاة والزكاة والصيام هنا الأمر المطلق ليس الأمر المحدد اللي هو الزكاة المفروضة بالأنصبة المعروفة، ولا الصيام اللي هو محدد بهذا الشهر، وإنما مطلق هذه العبادة.
قالت فعدد عليه أمور الإسلام فصدقناه، يقول جعفر فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاءنا به، فعبدنا الله وحده فلم نشرك به شيئا، وحرمنا ما حرم علينا وأحللنا ما أحل لنا، فعدا علينا قومنا فعذبونا وفتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان من عبادة الله، وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، فلما قهرونا وظلمونا وشقوا علينا وحالوا بيننا وبين ديننا خرجنا إلى بلدك، اخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك ورجونا ألا نظلم عندك أيها الملك. لو أنه ظالم بعد هذا الكلام ها، سائلين يعني شوف الكلام البيان وضوح فهم وسيأتي التعليق على هذا إن شاء الله في نهاية الحديث. لكن تذكروا هذا، هذه الفقرات.
قالت فقال له النجاشي: هل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قالت فقال جعفر: نعم، فقال له النجاشي: فاقرأه علي، فقرأ عليه صدرا من كۤهيعۤصۤ. قالت فبكى والله النجاشي حتى أخضل لحيته، وبكت أساقفته حتى أخضلوا مصاحفهم حين سمعوا ما تلى عليه، ثم قال النجاشي: إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، يذكركم بكلام ورقة بن نوفل لما قال إيش؟ هذا الناموس الذي أنزل على موسى. هنا يقول النجاشي إيش؟ إن هذا والذي جاء به موسى ليخرج من مشكاة واحدة، انطلقوا فوالله لا أسلمهم إليكم أبدا ولا أكاد.
قالت أم سلمة فلما خرجا من عنده قال عمرو بن العاص: والله لأنبئنه غدا عيبهم عندهم، ثم استأصل به خضراءهم. قالت فقال له عبد الله بن أبي ربيعة صاحبه وكان أتقى الرجلين فينا، هم جايين يكيدوا وكل شيء بس أنه في واحد كان يعني إيش؟ سيء جدا مخلص جدا في الكيد لهم، وواحد أخف شوية، قالت وكان أتقى الرجلين فينا قال: لا تفعل، فإن لهم أرحاما وإن كانوا قد خالفونا. قال: والله لأخبرنه أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد. النصارى، النجاشي تقول عيسى ابن مريم عبد، أنت الآن يعني جبت الطامة. قال: والله لأخبرنه أنهم يقولون، أنهم يزعمون أن عيسى ابن مريم عبد.
قالت ثم غدا عليه الغد فقال له: أيها الملك، إنهم يقولون في عيسى ابن مريم قولا عظيما، فأرسل إليهم فاسألهم عما يقولون فيه. قالت فأرسل إليهم يسألهم عنه، قالت ولم ينزل بنا مثلها، ما نزلت بنا أزمة مثل هذه أشد من أزمة أمس، يعني أمس كان الموضوع شديد جدا بس الآن، خلص يعني الآن الأزمة الحقيقية، قالت ولم ينزل بنا مثلها، فاجتمع القوم فقال بعضهم لبعض: ماذا تقولون في عيسى إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول والله فيه ما قال الله وما جاء به نبينا كائنا في ذلك ما هو كائن. كائنا في ذلك ما هو كائن. فلما دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب: نقول فيه الذي جاء به نبينا هو عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء العذراء البتول.
قالت فضرب النجاشي يده إلى الأرض فأخذ منها عودا ثم قال: ما عدا عيسى ابن مريم ما قلت هذا العود، تعني كلامك في عيسى ابن مريم، والله إنه لحق. فتناخرت بطارقته من حوله، ما عجبهم الوضع، ووصل إلى حد أنه خلاص يعني تمام؟ فتناخرت بطارقته حوله حين قال ما قال، فقال: وإن نخرتم والله! اذهبوا للصحابة فأنتم سيوم بأرضي، والسيوم الآمنون، من سبكم غرم ثم من سبكم غرم ثم من سبكم غرم، فما أحب لي، ما أحب أن لي درا ذهبا وأني آذيت رجلا منكم. قالت والدبر بلسان الحبشة الجبل، ردوا عليهما على عمرو وعبد الله ردوا عليهما هداياهما فلا حاجة لنا بها، فوالله ما أخذ الله مني الرشوة حين رد علي ملكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع الناس في فأطيعهم فيه.
قالت فخرجا من عنده مقبوحين مردودا عليهما ما جاء به، وأقمنا عنده بخير دار مع خير جار. قالت فوالله إنا على ذلك إذ نزل به من ينازعه في ملكه، قالت فوالله ما علمنا حزنا قط كان أشد علينا من حزن حزناه عند ذلك تخوفا أن يظهر ذلك على النجاشي فيأتي رجل لا يعرف من حقنا ما كان النجاشي يعرف منه. قالت وسار النجاشي يعني بجيشه وبينهما عرض النيل. قالت فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم: من رجل يخرج حتى يحضر وقعة القوم ثم يأتينا بالخبر؟ قالت فقال الزبير بن العوام: أنا، قالت وكان من أحدث القوم سنا، بتعرفوا الزبير لما أسلم كان عمره تقريبا ستة عشر، قالت فنفخوا له قربة فجعلها في صدره ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النيل التي بها ملتقى القوم، ثم انطلق حتى حضرهم، قالت ودعونا.
الله للنجاشي بالظهور على عدوه والتمكين له في بلاده، واستوثق عليه أمر الحبشة. فكنا عنده في منزل حتى قدمنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بمكة، هذه الدفعة التي رجعت والنبي صلى الله عليه وسلم بمكة.
انتهى الحديث. وها هنا وقفات: الوقفة الأولى وقفة في قضية جانبية. الآن الحديث الطويل هذا من متى مكتوب عندنا في كتب الإسلام؟ له ألف ومئتين سنة تقريبًا؛ لأنه في مسند الإمام أحمد.
جيد، ومن متى مروي؟ نيف ومئة سنة من أيام أم سلمة رضي الله تعالى عنها. طيب، هل فهمتم الكلام الذي قرأته؟ الحديث؟ فهمتموه صح، واضح، سلس، بين، ونحن الآن بعد كل هذه القرون؛ وانظروا إلى الكلام العربي الجميل اللطيف السهل السلس.
فهمنا القصة كاملة بتفاصيلها بدون تكلف، بدون، أليس كذلك؟ وهذا حقيقة يجعلنا نراجع أنفسنا في قضية اللغة العربية؛ اللغة العربية جميلة ومحافظة على مكانتها وجودتها وهيبتها منذ تلك القرون إلى الآن.
بسلاسة وهدوء، وهذا مر معنا كثيرًا، كان عندنا دروس "غيث الساري من هدايات البخاري"، كنا دائمًا إذا قرأنا الحديث غالبًا ما نحتاج نشرح شيئًا من حيث الكلمات، والحمد لله الكلام واضح، وهذه أول نقطة وأول قضية.
الأمر الثاني: من أعظم الدروس التي تهم المصلحين من هذا الحديث هي أن رسالة الإسلام كانت بالنسبة للمؤمنين واضحة، واضحة تمامًا؛ لما تحدث جعفر بن أبي طالب وعرّف النجاشي بالدين الذي هم عليه.
استطاع أن يصف له الدين في غاية الوضوح: إحنا كنا كذا، وجاءنا نبي هذه صفته، فعبدنا الله سبحانه وتعالى بهذه الطريقة. وهذا الذي نرجوه وهذا الذي نأمله، الدين واضح، ومع الأسف أيها الكرام نحن نفقد كثيرًا من الوضوح تجاه ديننا، نفقد كثيرًا من التصور الصافي تجاه ديننا نظرًا لأسباب كثيرة؛ ليس هذا وقت ذكرها، لكن أحيانًا الإنسان، إذا قلت له: ما هو هذا الدين الذي أنت عليه؟
يعني ترى خلينا نجيبها بهذه الطريقة: الآن لو واحد منا سافر أو التقى بنصراني أو شخص وثني أو ملحد ممن لم يتعرف على الدين ولم يدخل فيه سابقًا، فقال لك: إيش الإسلام؟ يمكن أول مرة الواحد يصطدم بهذا السؤال، يبدأ يفكر إيش يقول، بتقولوا: الإسلام؟ الإسلام يعني أن نعبد الله وحده، أن نصلي الخمس صلوات، صح، يبدأ الإنسان، إيش راح تجاوب في الإسلام؟ كيف حتختار؟
إيش راح تختار؟ الأساسيات، المركزيات، الأصول الكبرى، صح؟ أليس كذلك؟ طيب هذه المركزيات والأساسيات والأصول الكبرى كثير من المسلمين لم ينتبه إلى مركزيتها وثقلها وقيمتها إلا إذا سئل من خارج الإسلام، بينما وهو داخل الإسلام لم ينتبه لعظمتها ومكانة هذه القضايا، وهذا نقص شديد وإشكال كبير.
والله يريد منا أن نعظم أساسيات الدين، ولا تكون فقط في باب الخطاب، وإنما في باب السياق الذي يكون عليه الإنسان المؤمن في حياته، ولذلك في البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث القدسي: وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ.
طيب، هذا الوضوح أيها الكرام كان، يعني لا تحسبوا أنه هو بس لأنه جعفر بن أبي طالب، لا، هو هذه الرسالة كانت واضحة للجميع، فدعوني مثلاً أقرأ عليكم الآن تعريفًا آخر لصحابي آخر في مرحلة لاحقة مع شخص كافر، انظروا كيف التعريف الذي عرّف به.
أنتم تتذكروا الآن كلام جعفر ولا ما تتذكروه؟ تذكروه صح؟ وكنا في جاهلية وأنا ما أدري إيش وكذا تذكروه، طيب انظروا الآن الصحابي الآخر في موقف آخر تمامًا يريد أن يعرف مع شخص غير مسلم، انظروا مقدار التشابه بين التعريفين، وإن كان لكل مقام ما يقتضيه، يعني ذاك كان مقام فيه ضعف ومحاولة إقناع الملك، وذاك كان في مقام جهاد في سبيل الله ومخاطبة الفرس.
قال الحديث عن جبير بن حيا قال: بعث عمر الناس في أثناء الأمصار إلى آخره، بعدين قال: واستعمل علينا النعمان بن مقرن، حتى إذا كنا بأرض العدو وخرج علينا عامل كسرى في أربعين ألفًا.
فقام ترجمان فقال: ليكلمني رجل منكم. فقال المغيرة: سل عما شئت، سل عما شئت إيش تبغى؟ تفضل الحين نكلم مين هو، أهلاً وسهلاً. عامل كسرى إمبراطورية الفرس العظيمة العريقة التاريخية. ومن غيره من فين طالع؟
مكة هذول اللي أصلًا في خلفية ذهنية عند الفرس أن هذول مجموعة بدو حفاة عراة ما عندهم بالنسبة للفرس أنهم يروحوا تجارة، يروحوا يتاجروا ويطلع، بس هذا أعلى شيء عندهم تمام.
فيطلع له المغيرة يقول له: سل عما شئت. فقال: ما أنتم؟ قال: نحن أناس من العرب كنا في شقاء شديد وبلاء شديد، نمص الجلد والنوى من الجوع، ونلبس الوبر والشعر، ونعبد الشجر والحجر.
فبينما نحن كذلك إذ بعث رب السماوات ورب الأرضين تعالى ذكره وجلت عظمته إلينا نبياً من أنفسنا، تذكروا كلام جعفر، نعرف أباه وأمه، فأمرنا نبينا رسول ربنا صلى الله عليه وسلم، هذا الجزء الماضي هو الذي قصدت في التشابه، الآن سيتغير المقام لأنه هنا مقام جهاد.
تمام؟ هناك مقام تعريف، بس شوف أنه رسول من نعرف أباه وأمه وكنا، طيب ما الذي قال عن المغيرة؟ قال: فأمرنا نبينا رسول ربنا صلى الله عليه وسلم أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله وحده أو تؤدوا الجزية، وأخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم عن رسالة ربنا أنه من قُتل منا صار إلى الجنة في نعيم لم يرَ مثله قط، ومن بقي منا ملك رقابكم.
ومن بقي منا ملك رقابكم، وهذا الحديث في صحيح البخاري، جيد. طيب تعرفوا موقف هرقل مع أبي سفيان، أليس كذلك؟ هرقل مع أبي سفيان ماذا؟ هرقل سأل أبا سفيان عن غير النسب، إيش بما يأمركم؟ أليس كذلك؟ ماذا قال أبو سفيان وقد كان كافرًا؟ لكن شوف وضوح الرسالة حتى بالنسبة للكفار.
ماذا قال لما قال: ماذا يأمركم؟ قال قلت: أبو سفيان يقول، يقول أي محمد صلى الله عليه وسلم: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به شيئًا، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة وبالصدق والعفاف والصلة.
طيب الدرس المستفاد أيها الكرام هو أنه ينبغي للمسلم وخاصة الإنسان المصلح الذي يسير على طريق النبي صلى الله عليه وسلم أن يكون قادرًا على التعبير عن هذا الدين وعن حقائقه وعن ما يدعو إليه، ولا أقصد بهذا فقط فيما يتعلق بغير المسلمين، وإنما حتى فيما يتعلق بخطاب المسلمين.
كثير من المسلمين عندهم إشكال، عندهم التباس، عندهم كثير من المفاهيم فيها خطأ، لا يمكن أن تعالج المفاهيم الخاطئة إذا كانت أذهاننا فيها من الالتباس ما فيه تجاه الدين، لا بد أن تكون حقائق الدين بالنسبة إلينا واضحة، فلا بد أن ننظر إلى هذا الدين نظرة من يريد أن يفهم حقائقه، ثم نبلغ هذا الدين تبليغ من يرتب أولوياته من أساساته ومركزياته.
الدرس الثالث أو الرابع هو أن المسلم والمصلح الذي يسير على طريق الأنبياء لا ينفك عنه الابتلاء في طور من أطوار حياته، يعني الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا في مكة في أنواع الابتلاء، فلما أمنوا في الحبشة ابتلوا بشيء آخر، وهو أن أرسلت إليهم رسل قريش حتى يرجعوهم إلى مكة، وكانوا متماسكين أمام هذا الابتلاء وأمام هذا التحدي، لكن الذي يلفت الانتباه هو تجدد البلاء على أثره.
بلاء في مكة ثم بلاء في الحبشة، حتى فرج الله سبحانه وتعالى عنه. الدرس الرابع هو عظمة النبي صلى الله عليه وسلم وقيمة المعنى الذي ربى عليه أصحابه في الفترة اليسيرة التي مكثوا فيها قبل أن يخرجوا للحبشة.
حتى لما تعرضوا لذلك الابتلاء الشديد والمفاوضات التي تنازعهم في أساس دينهم كانوا قادرين على أن ينطلقوا من المعنى الذي رباهم عليه النبي صلى الله عليه وسلم، وكانت لديهم قاعدة معرفية ومنهجية واضحة، استطاعوا أن يتعاملوا فيها وحدهم مع الأزمة التي حصلت لهم.
لذلك لما قالوا لبعضهم: ماذا تقولون؟ قالوا: نقول ما قال ربنا وما أمرنا به رسولنا، وهم الآن في وحدهم بدون توجيهات الرسول صلى الله عليه وسلم المباشرة، لكن كان معهم من الزاد ما يكفيهم.
الدرس المستفاد هو أن الإنسان المصلح في طريقه الإصلاحي يحتاج في بداية طريقه إلى قاعدة معرفية ومنهجية قوية يبني فيها نفسه، حتى إذا واجه الأزمات يكون عنده نبراس ودليل يتعامل به مع تلك المشكلات، ولا ينطلق إلى مواجهة المشكلات وليس عنده من القاعدة المعرفية ولا المنهجية ما يتعامل به معها فيقع في، طيب.
لأنه أحيانًا الإنسان ترى يسير في الطريق أموره تمام، إذا مر بأزمة يضطرب، لماذا يضطرب؟ ليس عنده من الزاد السابق ما يستعين به على مواجهة هذه الأزمة، الصحابة لما واجهوا تلك الأزمة وحدهم بدون قائدهم وموجههم، النبي عليه الصلاة والسلام استمدوا من البناء الذي بنوه سابقًا في مواجهة التحديات الجديدة.
طيب يا شباب، نحن الآن في واقع الأزمات فيه متجددة، نحن الآن ما شاء الله الشباب الحاضرين والذين يستمعون سواء من الرجال أو من النساء الكثير تربى في محاضن تربوية، في حلقات تحفيظ قرآن، مر في بعض الدروس الشرعية وكذا.
المعلم حين يعلمك أو المربي حين يربيك أو المدرس أو أيًا كان، أحيانًا يجعلك قابلًا يعني خلينا نقول الوقاية من التأثر بالمشكلات الموجودة في مرحلة المربي، لكن من النقص الموجود أنه لا يربى الطالب على أن يكون فيه المناعة للأزمات المستقبلية، لذلك نجد أن من الناس من إذا كان في سياق طلابي تجده ثابتًا ومستقيمًا، إذا ذهب وحده وتعرّض لأزمات جديدة لم يربَّ سابقًا على مواجهتها يسقط.
صرنا نسمع والله كان طالب تحفيظ بعدين انتكس، بعدين ألحد، بعدين ما أدري إيش صار بعدين كذا، ليش؟ والله تعرض لأزمات كثيرة ما كان يعرفها ولا كان متوقعًا لها.
لذلك من أعظم علامات نجاح المصلح المربي أن يربي طلابه على مستوى يستطيعون به أن يواجهوا ما يمكن أن يستجد من مشكلات لم يخبرهم عنها بتفاصيلها، وإنما رباهم تربية يكون من علاماتها أنهم يكونون قادرين على استخراج المعاني المنهجية في مواجهة تلك الأزمات، واضح هذه الفكرة؟
طيب، من الدروس المستفادة من هذا الحديث أيضًا هو أن الإنسان المسلم والمصلح يحتاج إلى أصدقاء وأعوان له في الطريق يستنير برأيهم ويتقوى بهم، وذلك أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم لما واجهوا تلك الأزمة وكانوا في أرض البعداء البغضاء كان من أكبر ما صبّرهم هو أنهم مع بعضهم.
ولما جاءت الأزمة مباشرة اجتمعوا كما في الحديث، فاجتمع أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأخذوا يتشاورون، ماذا تقولون؟ ما رأيكم في كذا كذا؟ إلى آخره، ثم اجتمعت كلمتهم على هذا المعنى.
وهذا فيه بركة اجتماع الكلمة أيضًا، ما حصلت يا جماعة الأزمة كبيرة، ما حصلت نزاعات فيما بينهم، لا ما نقول كذا، لا تقول كذا، تشاوروا ثم اتفقت كلمتهم وقدموا المعبر عنهم، وتجاوزوا تلك الأزمة ببركات متعددة، من جملتها بركة اجتماع الكلمة وتآزر الصف الداخلي.
ولذلك من أعظم ما يمكن أن نواجه به الأزمات هو ائتلاف القلوب واجتماع الكلمة وعدم تفرقها، وبعكس ذلك من أكثر المشكلات الموجودة في واقعنا اليوم مع الأسف، أنه حتى والأزمات الكبرى تأتينا من كل مكان نجد أن هناك قدرًا كبيرًا من التفرق والتشتت، وهذا بطبيعته لا يمكن أن تحصل معه النتائج الحسنة.
الدرس الآخر المستفاد من هذا الحديث هو أن من أعظم مركزيات هذا الدين أن تكون حقائقه غير ملتبسة بغيره، وأن لا يقوم أصحاب الحق بتشويه الحق وقصقصة أجنحته ليتواءم ويتناسب مع أزمة من الأزمات أو حالة من الأحوال، وهذا المعنى من المعاني المركزية الكبرى.
وأمس تكلمت عنه لما ذكرت أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبلغ الحق واضحًا ولم يكن يجامل فيه، وذكرت حديث عمرو بن عبسة، أليس كذلك؟ والله سبحانه وتعالى قال في سورة القلم: وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ.
وفي سورة الإسراء: وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا. وقيل في سورة الكافرون أن من أسباب نزولها أنه قالوا: نعبد إلهك سنة وتعبد إلهنا سنة، فأنزل الله سبحانه وتعالى: قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ.
ومن التشوهات التي لا علاج لها إلا بالكي أو بصعوبة شديدة، ومن التشوهات العجيبة جدًا أنه تؤخذ آية: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ من هذه السورة التي هي للبراءة المستحكمة من الكفر وأهله، تؤخذ ويعبر بها للتقريب بين الكفر والإسلام.
انظروا إلى سماحة الدين الذي يقول: لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ، إيش اسم السورة؟ الكافرون. تمام، إيش بدايتها؟ قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ. طب أنت مستعد تقول هذا الكلام؟ تقول له: يا كافر؟ مستعد تقول له: لا، قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَّا عَبَدتُّمْ * وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ.
واقرؤوا في تفسيرها، التفريق هذا التكرار فيه أنواع من النفي كله للبراءة، لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ، هذه براءة، وروي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه وصف هذه السورة أنها براءة من الشرك.
جيد، ثم يأتي يقول لك أنه الإسلام ما قال شيء في لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ، إيه، إذا قصدك أنه التعامل بالإنصاف والعدل، تمام، هذا صحيح، الإسلام لا يظلم أحدًا، جيد، وخاصة إذا كان الإنسان جارًا لك أو ترجو حتى صلاحه، فهذا شيء.
ولكن أن يكون قصدك أن تعمي الحقائق، وأن تقول له إنه أنت لك دينك، وإن شاء الله إنه بإذن الله نتقابل في الجنة، إحنا ماشيين من الطريق السريع هذا وأنت ماشي من الطريق اللي ورا، الأمان في بس حنفترق في الدنيا بس وبعدين نتقابل في الجنة، لكم دينكم ولي دين، كلها توصل إلى الله، هذي اسمها خيانة، هذي اسمها خيانة وغش للآخر، أنت جالس تخونه، أنت ما أنت جالس تطفئ نار جهنم، نار جهنم موجودة.
والذي يحكم بمن يدخل النار ليس أنت؛ لأنك أنت عبد، لست من خلق النار ولا من جعلها متقدة، ولست أنت من خزنة جهنم، ولن تمنع أحداً من الدخول فيها، ولن تمنع نفسك من الدخول فيها، أنت عبد وأنا عبد ونحن عبيد لله، الذي يحكم على هذه النار من يدخلها هو خالقها، وخالقها سبحانه وتعالى قال لنا هذا كفر وهذا كذا وهذا كذا إلى آخره، فأنت لما تجي تلتف على القضية وتقول له يا حب الشباب والله الأمور طيبة، هذي خيانة له.
النبي صلى الله عليه وسلم لما زار الغلام اليهودي اللي كان مريض، حاول معه أن يقول لا إله إلا الله، لما قال لا إله إلا الله النبي صلى الله عليه وسلم فرح وقال: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار. هذه الفكرة، هذا المعنى، يعني ما جاء قال له آه إيش تحتاج علاجات، إيش تحتاج كذا إلى آخره، ويلا والحمد لله الحمد لله مات يهودي بس أهم شي أعطيته علاج، ما هو كذا غلط، بالعكس أهم شيء حرص النبي صلى الله عليه وسلم أنه يدخل في الإسلام، لما دخل في الإسلام قال: الحمد لله الذي أنقذه بي من النار، هي هذا المعنى الأساسي الذي يعيش لأجله.
هذا المعنى لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعله، الصحابة اللي كانوا معه في السنوات الأولى بعدين ذهبوا للحبشة كان هذا المعنى واضحاً، لما جاءت الأزمة وقالوا: ماذا تقولون في عيسى؟ قالوا: ما فيه، يعني عيسى عليه السلام عبد الله ورسوله، ما فيه، أعطوا الحقيقة كما هي، لكن كيف البيان؟ هذا البيان شيء آخر، أما الحقيقة تقدم كما هي، الدروس حقيقة كثيرة، أختم بدرس واحد من هذا الحديث وهو أهمية البيان بالنسبة للإنسان المصلح في طريق الإصلاح، أهمية البيان.
أحيانا يؤتى الإنسان من عجزه عن التعبير عن نفسه، أحيانا يؤتى الحق بسبب عجز حامل الحق عن أن يقوم بالحق، أحيانا يؤتى الإسلام من قبل شخص يناظر ملحداً أو مشككاً وهو لا يكون أهلاً لمثل هذه المناظرة، فلو نظرنا إلى خطاب جعفر بن أبي طالب مع النجاشي، نص يدرس، الجواب اللي جاء به جعفر للنجاشي نص يدرس في البيان، يدرس عجيب، يعني طبعاً هو مو يدرس أنه في تشبيهات بلاغية دقيقة، ترى بالمناسبة في ناس تفهم البيان غلط، في ناس تظن أنه البيان يعني أن تحفظ أنواعاً من الجمل الغريبة، وأن تستعمل أنواع التشبيهات الدقيقة، ولا يا جماعة مو هذا هو البيان، هذي جماليات في قضية الخطاب.
البيان والبلاغة هي أن تؤدي المعنى الذي تريد أن تتحدث به وينبغي أن يتحدث به في مثل هذا المقام بالقوالب اللفظية والجمل التي تتناسب وتنتظم هذه المعاني، إذا استطعت أن توجد من الألفاظ والجمل والعبارات ما يحمل المعاني التي تريد أن تبلغها فأبلغتها بهذه الألفاظ هذه بلاغة وبيان، الجملة التي قالها الجمل التي قال جعفر بن أبي طالب ما فيها تشبيهات صح ولا لا؟ خلص لا كنا وكن، بس البيان أين كان؟ البيان في القدرة على إقامة الحجة وتوضيحها، ترتيب المعنى، وليست في يعني اختصار القضية في مثل هذا المعنى، ما أخذ القضية استعطافاً، إحنا مساكين، إحنا ما أدري إيش، إحنا كذا، وضح توضيحاً كما قلت، لو كان الملك ظالماً لربما لان قلبه.
آه على أية حال، هذا الحديث من الأحاديث المهمة جداً في بيان أحوال المدرسة النبوية وكيف ربى النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه، وهذه نتيجة من نتائج التربية النبوية، كيف استطاع الصحابة أن يتجاوزوا تلك الأزمة بذلك الوضوح، بذلك المعنى، بذلك الاجتماع في الكلمة، القدرة على الحديث والدفاع عن النفس والإبانة والإفصاح والمحافظة على حقائق الدين، واجهة الكيد القرشي في تلك المرحلة، يعني خلنا نقول حالة عظيمة من النجاح.
حقيقة كما قلت الدروس كثيرة، يعني يخطر في بالي باختصار شديد مثلاً التفريق بين مقامات المعتدين والمحاربين للدين، قالت وكان أتقى الرجلين فينا، وهذي أحيانا يستفاد منها في تفكيك حالة الأعداء، وهذي لها شواهد في السيرة النبوية، الحديث مليء بالفوائد والعبر، لكن أكتفي بهذا القدر، وأسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح الأعمال.
قالوا أن يغفر لنا ولكم، إن شاء الله في اللقاء القادم خلصنا نكون انتهينا مما يتعلق بالحبشة والهجرة إليها، وننتقل بعد ذلك بإذن الله تعالى إلى يعني أن الثلث الأخير من المرحلة المكية، آخر يعني خلنا نقول أربع سنوات أو خمس سنوات في تلك المرحلة، نسأل الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منا ومنكم صالح العمل، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يبارك لنا في هذه المجالس وأن يزيدنا من العلم والفقه، وأن يرزقنا العمل بما نتعلم، وأن يبارك لنا في هذا الشهر وأن يعيننا فيه على حسن العمل، ونسأل الله سبحانه وتعالى أن يعافينا وأن يصرف عنا السوء والشر، وصلي اللهم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ أحمد السيد