تسجيل الدخول

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

كنا قد تحدثنا في الدرس الماضي عن كيفية تعامل النبي صلى الله عليه وآله وسلم مع النوم كعبادة. ذاك النقص البشري، إذ فقد الناس الرغبة والحاجة إلى النوم؛ كان الرسول عليه الصلاة والسلام ينام كما ينام الناس وهذا من كماله عليه الصلاة والسلام، ولكنه كان يتعامل مع النوم كعبادة، وذكرنا شيئاً من هذه السنن التي علمنا إياها النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

نتحدث اليوم عن تعامله صلى الله عليه وسلم مع الاستيقاظ، ونفاجأ بأنه كان يعامل الاستيقاظ بمثل الاهتمام الذي كان يوليه للنوم، إلا أن هنالك فارقاً عاماً. النوم إذا أردت أن تنام فأنت في وعيك، تعلم ما تقول وما تفعل، تستعد للنوم وأنت في وعيك؛ لكن أن تستيقظ من نومك وتأتي بهذه العبادات، فهذا لا شك أنه دليل على تعلق الإنسان بربه عز وجل. كيف يستطيع أن يستحضر الإنسان حال استيقاظه من نومه العميق أن يأتي بأذكار واعية يظهر فيها خضوعه وعبوديته لله عز وجل؟

كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا انتبه من نومه قال: «الحمد لله الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور». انظر إلى جميل تعبيره عليه الصلاة والسلام، يرى أن النوم هو الموتة الصغرى، وأن استيقاظه حياة بعد موت، فيحمد الله عز وجل على ذلك، ويقر بأن إلى الله تعالى النشور. وكان إذا قام من نومه، خلاف الأذكار، يتبع عدداً من السنن، فكان أول ما يبدأ به السواك، وذلك ليحسن رائحة فمه عليه الصلاة والسلام.

ثم بعد ذلك يبدأ بالوضوء، كما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه قال صلى الله عليه وآله وسلم: «يعقد الشيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد، يضرب على مكان كل عقدة: عليك ليل طويل فارقد، فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطاً طيب النفس». فإذا أول ما يصحو أو يستيقظ الإنسان ثلاث عقد على رأسه من الشيطان يثبته؛ لا تقبل قيام الليل، لا تستيقظ، ليل طويل. يقول عليه الصلاة والسلام: «فإن استيقظ فذكر الله انحلت عقدة، فإن توضأ انحلت عقدة، فإن هو صلى انحلت عقدة، فأصبح نشيطاً طيب النفس». هذا الذي أفلح في الاستيقاظ ومقاومة وساوس الشيطان وصل، فيصبح طيب النفس نشيطاً. قال عليه الصلاة والسلام: «وإلا أصبح خبيث النفس كسلان». لذلك إن وجد الإنسان في نفسه تثاقلاً أو ضيقاً أو اكتئاباً، فليعلم لأنه لم يقم الليل ولم يتوضأ ولم يذكر الله كما أوصى عليه الصلاة والسلام.

والرسول صلى الله عليه وسلم أوصانا إذا استيقظ أحدنا أن لا يجعل يده في الماء مباشرة؛ طبعاً أيام زمان ما كان عندهم الصنبور ليتوضأ منه، بل كان عندهم إناء فيه ماء مجموع، فكان إذا أراد أحدهم أن يتوضأ أدخل يده في الإناء واغترف منه، هذا منهي عنه في الشرع؛ لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أخبرنا أن الإنسان لا يدري أين باتت يده، فلا بد أن يغسل يده بدون أن يدخلها في الإناء ثلاث مرات، ثم بعد ذلك له أن يغترف مباشرة من الإناء. أين باتت يده؟ بعض أهل العلم قال ربما مس فرجه أو شيء من هذا القبيل، وهذا ليس بشيء؛ لأن الإنسان حتى لو تلبس قفازاً ونام ثم استيقظ، لا بد أن يغسل يده ثلاثاً؛ لأن هذه أمور تعبدية ولربما مس شيطاناً أو شيء من هذا القبيل. ولذا أمر عليه الصلاة والسلام أنه إذا استيقظ أحدنا أن يستنثر ثلاثاً، يعني يستنشق ويستنثر الماء في أنفه ثلاثاً، لماذا؟ قال: «لأن الشيطان يبيت على خيشومه». ونحن لم نرَ الشيطان، ولكننا نؤمن بهذا الحديث ولذلك نتبع أمره صلى الله عليه وآله وسلم.

والنبي عليه الصلاة والسلام كانت له أذكار وأدعية جميلة غاية في الجمال إذا استيقظ من نومه، فمثلاً كان يقول عليه الصلاة والسلام: «اللهم لك الحمد أنت نور السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت قيوم السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت ملك السماوات والأرض ومن فيهن، ولك الحمد أنت الحق، وقولك الحق، ووعدك الحق، ولقاؤك الحق، والجنة حق، والنار حق، والنبيون حق، ومحمد حق. اللهم لك أسلمت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت، فاغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت». دعاء يقوله إذا استيقظ من نومه عليه الصلاة والسلام؛ انظر كيف كان قلبه مرتبطاً بالله، كلمات غاية في الروعة، وقد أوتي جوامع الكلم. كلمات قل أن تجد في المسلمين من يدعو بها، بل قل إن شئت: قل أن تجد في المسلمين من يستيقظ في جوف الليل ليناجي ربه مستفتحاً بهذه الأدعية.

وكم من لديه حالة، من لديه ركبة دين، من عنده مريض، من عنده حاجة يريد أن يتضرع إلى الله عز وجل كي يعطيه حاجته ويقضي شغله ويفرج كربه، لا أحد إلا وعنده مسألة. أتريد أن تعرف كيف تدرك حاجتك ومسألتك؟ هذا ما سوف نعرفه إن شاء الله بعد الفاصل، فابقوا معنا.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. إنك أنت عندك حاجة تريد أن تدركها، فاستمع إلى هذا الحديث؛ روى الإمام البخاري عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من تعار من الليل، فقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، الحمد لله، وسبحان الله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله، ثم قال: اللهم اغفر لي، أو دعا، استجيب له؛ فإن توضأ وصلى، قبلت صلاته». أدعية بسيطة، الشهادة وهذه الأذكار، يقول عليه الصلاة والسلام: «ثم قال اللهم اغفر لي أو دعا استجيب له، فإن توضأ وصلى قبلت صلاته».

إذاً أنت إذا عندك حاجة، فاجتهد على أن تنام على وضوء، وأن تستيقظ في جوف الليل الساعة الثانية أو الثالثة، فأول ما تستيقظ قل هذا الدعاء. وأنا جربت هذا الموضوع وبفضل الله عز وجل ربما مكثت شهراً أو شهرين وأنا لا أدركه، أول ما يستيقظ الإنسان يذهب إلى دورة المياه وينسى تماماً، ثم إذا خرج تذكر، لكن بعد ذلك أكرمني الله عز وجل بأني أصبحت أقول هذا الدعاء، وما من حاجة أريدها إلا بفضل الله عز وجل يؤتيني الله تعالى إياها أو خيراً منها؛ لأن الله عز وجل يستجيب من قلب الإنسان الذي هو لربه مستقر، إليه محتاج، ونحن والله في أمس الحاجة إلى كرم الله عز وجل علينا، فما منا من أحد إلا وهو مفتقر إلى كرم ربه عز وجل، لكن اجتهد وحاول أن تلتزم بهذه السنة. قيام الليل كما وصفه عليه الصلاة والسلام شرف المؤمن، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «أفضل الصلاة بعد المكتوبة الصلاة في جوف الليل».

وابن عباس رضي الله عنهما يحكي لنا مرة أنه بات عند خالته ميمونة رضي الله عنهما، وتظاهر بأنه نام ليرقب فعل الرسول عليه الصلاة والسلام، وكان غلاماً صغيراً معلماً. يحكي أن الرسول نام حتى نفخ عليه الصلاة والسلام، استغرق في النوم، ثم استيقظ، ولما استيقظ على نصف الليل أو قبله أو بعده بقليل مسح النوم عن وجهه، وهذه من السنن أن تمسح النوم عن وجهك، ثم قرأ العشر الآيات الخواتم من سورة آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [آل عمران: 190] إلى آخر الآيات، ثم قام إلى شن، قام إلى شن يعني إلى قربة صغيرة، فتوضأ منها فأحسن وضوءه، ثم قام يصلي. إذاً هذا كان ديدنه صلى الله عليه وآله وسلم.

النبي عليه الصلاة والسلام عباداته كانت أكمل العبادات، ولكنه كان بالمؤمنين رؤوفاً رحيماً صلى الله عليه وآله وسلم، بمعنى أنه ربما أحب العمل ولكنه تركه خشية أن يشق على أمته: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة». الخشية من أن يثقل على أمته، وصلى بهم التراويح ثلاثاً وأربع ليال ثم امتنع عن الخروج للصلاة، فسألوه فقال: «إني خشيت أن تفرض عليكم». فكم كان يحب الأعمال ولكنه يتركها خشية أن يشق على أمته، ولذلك كان ينهى عن الغلو وكان يأمر أصحابه بالاعتدال والتوازن، «وإن المنبت لا أرضاً قطع ولا ظهراً أبقى».

كان ينهاهم عن التشديد ويقول: «إن منكم منفرين، من أم الناس فليخفف، فإن فيهم الضعيف وذا الحاجة والكبير». هذا ديدنه عليه الصلاة والسلام، الاعتدال والتوازن لكي لا تمل النفس ولا يكون هنالك مدخلاً للشيطان. والحديث الثلاثة الذين أتوا إلى بيوت أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم يسألون عن عبادته فكأنهم تقالوها، فقالوا: قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، حاله ليس كحالنا، ما يحتاج أنه يتعبد الله كثيراً، لذا أحدهم قال: أما أنا فأصلي ولا أنام، وقال الآخر: أما أنا فأصوم ولا أفطر، وقام الثالث فقال: وأما أنا لا أتزوج النساء. فلما بلغت مقولتهم النبي عليه الصلاة والسلام صعد على المنبر وخطب في الناس بعد أن حمد الله وأثنى عليه فقال: «ما بال أقوام يقولون كذا وكذا؟ إني أصلي وأنام، وأصوم وأفطر، وأنكح النساء؛ فمن رغب عن سنتي فليس مني». كلام صريح وقوي صلى الله عليه وآله وسلم يبين لأمته أن الاعتدال في العبادة هو الأفضل والأقرب إلى ربنا عز وجل.

كذلك حديث عبد الله بن عمرو بن العاص المعروف رضي الله عنهما، عندما أنكحه أبوه امرأة شريفة من قريش، وجاء يعوده أو يتفقد أحواله بعد أسبوع، ثلاثة أسابيع، فرأى زوجة ابنه فسأل عن حالها فقالت: نعم الحال، عبد الله يصوم النهار ويقوم الليل، تمدحه، ولكن في مدحها شيء من التذمر. وعمرو بن العاص رجل من عقلاء العرب، فهم مقصودها أن الرجل يصوم النهار ويقوم الليل لا حاجة له في النساء، فاشتكت النبي عليه الصلاة والسلام، فأمر هو والرسول عليه الصلاة والسلام أن يحضر عبد الله، فأتى عبد الله وسأله الرسول عليه الصلاة والسلام عن عبادته، فأخبره، وكان صلى الله عليه وسلم ينقص من تلك العبادة، سأله: «كم تقرأ القرآن؟» قال: أقرؤه في ليلة، كل ليلة يقوم بالقرآن كاملاً، فنهاه عن ذلك وأمره أن يختم القرآن مرة كل شهر. وسأله عن الصيام فقال: إنه يصوم كل يوم، فنهاه عن ذلك وأمره بأن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر. والحديث معروف، الشاهد أن الرسول عليه الصلاة والسلام أعطاه القاعدة الذهبية، فقال له: «إن لربك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك أو لضيفك عليك حقاً، وإن لجسدك عليك حقاً؛ فأعطِ كل ذي حق حقه».

مبدأ التوازن، مبدأ الاعتدال، هو الذي يعطي الإنسان بفضل الله تعالى النفس ليستمر على الطريق بدون انتكاس، وهذا التوازن موجود؛ لأن الثبات على الحق عزيز، ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل». كم من الناس من يبتدئ في القمم وينتهي في أسفل الوديان، لا بد للمسلم أن يحافظ على الثبات في هذه العبادات، ولذا الرسول صلى الله عليه وسلم كان إذا عمل عملاً أثبته حافظ عليه، وسياتي إن شاء الله شيء من هذا القبيل بعد الفاصل، فابقوا معنا.

النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان إذا عمل عملاً أثبته، يحافظ عليه، فإن فاته لعذر أو لحاجة أو لمرض فإنه يقضيه، ولذلك جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «من نام».

عن حزبه من الليل أو عن شيء منه، فقرأه ما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر، كُتب له كأنما قرأه من الليل؛ رواه الإمام مسلم.

وأمنا عائشة تخبرنا رضي الله عنها أن الرسول عليه الصلاة والسلام إذا نام عن وتره، قضاه في النهار في وقت صلاة الضحى، ولكنه كان يقضيها شفعاً؛ فبدل إحدى عشرة ركعة كان يصليها اثنتي عشرة ركعة، لماذا؟ لأن الوتر خاص بالليل وهو الآن يصليها في النهار فيزيد لها ركعة. وكان عليه الصلاة والسلام يحافظ على قيام الليل، لكنه كان يطيل فيه كثيراً.

عن عوف بن مالك رضي الله عنه قال: قمت أي صليت مع النبي عليه الصلاة والسلام، فتوضأ وقام فصلى، فاستفتح بالبقرة، لا يمر بآية رحمة إلا وقف وسأل، ولا يمر بآية عذاب إلا وقف وتعوذ، ثم ركع فجعل يقول في ركوعه: «سبحان ذي الجبروت والملكوت والكبرياء والعظمة»، ثم سجد بقدر ركوعه يقول في سجوده كذلك. هذا وصف صلاته عليه الصلاة والسلام؛ يقرأ مسترسلاً، يمر بآيات الرحمة فيسأل، ويمر بآيات العذاب فيتعوذ، وركوعه وسجوده بقدر قيامه أو مقاربه له. أي صلاة هذه؟ هذه صلاة الليل، هذا وقت المناجاة.

وعن حذيفة رضي الله عنه قال: صليت مع النبي عليه الصلاة والسلام، ونحن نرى هنا عوف بن مالك وحذيفة وعبد الله بن مسعود يقومون مع النبي عليه الصلاة والسلام قيام الليل، فهل قيام الليل مع الأصحاب مشروع؟ هل يُشرع أن كل ليلة نتصل ببعض ونقوم في بيت أحدنا سوياً؟ العلماء يقولون: هذا إن كان عارضاً لا حرج فيه، إنسان نزل عندك في زيارة فتقومون الليل كما فعل سلمان الفارسي وأبو الدرداء، لا حرج، أما أن يُجعل ذلك ليلياً أو كعادة متبعة أو سنة مهجورة، فهذا لا يجوز، هذا يدخل ضمن البدع إلا في حالة التراويح قطعاً.

حذيفة يقول: صليت مع النبي عليه الصلاة والسلام فافتتح البقرة، فقلت في نفسي: يأتي عند المائة ثم يركع، فمضى حتى ختمها، فقلت يركع، ثم انتهى بها ثم افتتح النساء فقرأها، ثم افتتح آل عمران فقرأها؛ يقرأ مترسلاً، إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، سؤال سأل، استعاذة تعوذ، ثم ركع فجعل يقول: «سبحان ربي العظيم»، فكان ركوعه نحواً من قيامه. من أهل العلم من قال: ركوعه وسجوده نحواً من قيامه، ليس المقصود بها قراءة سورة البقرة والنساء وآل عمران، بل إنما المقصود بها القيام؛ إذا رفع من الركوع قال: سمع الله لمن حمده، هذا هو الذي يكون متساوياً، الركوع والسجود والاعتدال من الركوع يكون أطول فيهما، والجلسة بين السجدتين يكون المكث فيهما متساوياً. أما أن الركوع بقدر قراءته لسورة البقرة فهذا لا يتصور وليس هو المقصود، كما نرى أن الرسول قرأ سورة البقرة ثم النساء ثم آل عمران، وهذا ليس كترتيب المصحف، مما يدل على أنه يجوز للمسلم إذا قرأ في الصلاة أن يخالف بين ترتيب المصحف، فكان يقرأ ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَىٰ﴾ في الركعة الأولى، و﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ في الركعة الثانية على الرغم من أن الترتيب مختلف عما في المصحف، ولا شيء في ذلك بإذن الله عز وجل.

عن المغيرة بن شعبة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي حتى تنتفخ قدماه من طول القيام، فيقال له: أتكلف هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ فيقول: «أفلا أكون عبداً شكوراً».

وعائشة رضي الله عنها وأرضاها سئلت عن صلاته صلى الله عليه واله وسلم بالليل في رمضان خاصة فقالت: ما كان عليه الصلاة والسلام يزيد في رمضان ولا في غيره على إحدى عشرة ركعة، يصلي أربعاً فلا تسأل عن حسنهن وطولهن. وهذه العبارة أوهمت البعض بجواز صلاة الليل أربع ركعات متتالية، وهذا خطأ، فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي الصبح فأوتر بواحدة». فصلاة الليل لا تكون إلا ركعتين منفصلة، إلا في أمور الوتر، فهذه حالة خاصة؛ فالإنسان له أن يوتر بثلاث ركعات متصلة يجلس في آخرها فقط لا يجلس في التشهد الأول لكي يخالف عن المغرب، وله أن يصلي بخمس يجلس في الخامسة، أو بسبع يجلس في السابعة، أو بتسع يجلس في الثامنة ثم يقوم ويتشهد في التاسعة ويسلم منها.

وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه الحديث الذي تقدم معنا يقول: صليت ليلة مع النبي عليه الصلاة والسلام، فلم يزل قائماً -أي أطال القيام جداً- حتى هممت بأمر سوء. قيل له: وما هممت به؟ قال: هممت أن أقعد وأدع النبي عليه الصلاة والسلام؛ أي أتركه قائماً. طبعاً هذا ليس بأمر سوء لأنه مباح، يجوز للمسلم أن يصلي قاعداً، لكنه استحيا أن يصلي قاعداً والنبي أساساً قائم، والرسول عليه الصلاة والسلام كان يصلي آخر حياته جالساً بعدما كبر في السن. رواه الإمام البخاري ومسلم عن عائشة أنها قالت: إنها لم ترَ رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الليل قاعداً حتى أسن، يعني حتى كبر في السن. وروى مسلم عن أمنا عائشة تقول: لما بَدُن رسول الله صلى الله عليه وسلم وثقل، كان أكثر صلاته جالساً. لما بدأ بعض الناس يخطئ ويقرأ لما بَدَن؛ بَدُن بمعنى ثقل في جسمه وكثر لحمه، وذكرنا نحن في صفته وفي شمائله أنه لم يكن كثير اللحم ولم يكن سميناً عليه الصلاة والسلام، فهذا خطأ، أما بَدُن بمعنى كبر في السن فهذه معناها أنه كبر في السن. فلما بَدُن كبر في السن وثقل، كان أكثر صلاته جالساً، وجاء في بعض الروايات أنه ما صلى جالساً عليه الصلاة والسلام إلى أن حطمه الناس، أي حملوا همومهم وأثقالهم عليه، فأصبح مثقل الكاهل صلى الله عليه وآله وسلم بأبي هو وأمي.

حفصة تقول: ما رأيت الرسول عليه الصلاة والسلام صلى في صحته -أي نافلته- قاعداً، حتى كان قبل وفاته بعام فكان يصلي في سبحته قاعداً. والجلوس ليس له صفة محددة، أفضلها أن يتربع لأنه أوقع وأكثر إمكانية للتركيز والاطمئنان في الصلاة، ولا شك أن من صلى قائماً كما جاء في الحديث فهو أفضل.

وهذا خاص بالنافلة، أما الفرض فهذا ركن أن يصلي الإنسان قائماً إن كان قادراً، وأتعجب من بعض الإخوة الذين يصلون في المساجد تجده يمشي ويسرع في المسجد بلا أي إشكالية، وتجده يأخذ الكرسي من آخر المسجد الأول ويضعه ثم يجلس يصلي عليه الفريضة، لماذا لا تقوم؟ تستطيع تمشي، تستطيع أن تقف، تستطيع أن تحمل الأشياء، فإذا جاء في الفريضة جلس، هذا صلاته مرفوضة مردودة لأن ركن من أركان الصلاة القيام مع القدرة. قال عليه الصلاة والسلام: «ومن صلى قاعداً فله نصف أجر القائم، ومن صلى نائماً فله نصف أجر القاعد».

ويخطئ البعض من ضمنهم أنها سنة، فتجد الإخوة يصلون سنة المغرب وهم جالسون، هذا لهم نصف الأجر، وإذا سألتهم لماذا تفعلون ذلك؟ قالوا: كان الرسول يصلي السبحة أو النافلة قاعداً، وهذا جهل منهم بسنته صلى الله عليه وآله وسلم. هذا والله أعلم، ونسبته العلم إليه أسلم، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.