بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله الأمين نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
تحدثنا عن صفة قيام الليل لنبينا صلى الله عليه واله وسلم، وكيف كان يحيي ليله ويطيل القراءة فيه. والصوم يأتي مقروناً عادة بالصلاة، فكيف كان صومه عليه الصلاة والسلام؟ نحن نعرف أن صوم رمضان ركن من أركان الإسلام، ولكن ما هو هديه عليه الصلاة والسلام في صوم غير رمضان؟
روى البخاري عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه واله وسلم كان يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ويصوم حتى نظن ألا يفطر منه شيئاً. وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصلياً إلا رأيته، ولا نائماً إلا رأيته. عجيب هذا الحديث؛ كان عند النبي عليه الصلاة والسلام توازن، كان عنده التوازن كله. فكان ربما أفطر حتى أن الناس الذين يصومون في هذه الأيام الفاضلة أو النافلة يتعجبون كيف أن الرسول لا يصوم، وكان يصوم حتى يتعجب المفطرون أن الرسول عليه الصلاة والسلام لا يفطر؛ لأنه كان متوازناً في عبادته. ولا شك أن أفضل ما يتقرب العبد به إلى ربه هو صوم شهر رمضان، لأنه كما جاء في الحديث: «وما تقرب إلي عبدي بأحب إلي مما افترضته عليه».
عبد الله بن شقيق سأل أمنا عائشة رضي الله عنها عن صومه صلى الله عليه واله وسلم، فقالت: كان يصوم حتى نقول قد صام قد صام، ويفطر حتى نقول قد أفطر قد أفطر، وما رأيته صام شهراً كاملاً منذ قدم المدينة إلا أن يكون رمضان. والنبي عليه الصلاة والسلام كان يحث أمته على أقل القليل، وهو صيام ثلاثة أيام من كل شهر. فجاء عن معاذ -رحمه الله- قالت: قلت لعائشة رضي الله عنها: أكان النبي عليه الصلاة والسلام يصوم ثلاثة أيام من كل شهر؟ قالت: نعم. قالت: من أيها كان يصوم؟ قالت: كان لا يبالي من أيها صام. هذا حديث يدل على أن أقل القليل أن لا يمر عليك شهر إلا وتصوم منه ثلاثة أيام، وهذه الأيام قد تكون متفرقة. هل يشترط أن تكون الأيام البيض؟ هل يشترط أن تكون الاثنين والخميس؟ ابدأ، صم من أي شئت، ولكن هنالك أفضليات.
الرسول عليه الصلاة والسلام حث على صوم الأيام البيض، فعن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه قال: قال لرسول الله صلى الله عليه واله وسلم: «إذا صمت شيئاً من الشهر فصم ثلاث عشرة، وأربع عشرة، وخمس عشرة». هذا ما يعرف باسم الأيام البيض. طبعاً يستثنى من هذه الأيام البيض شهر ذي الحجة؛ لأن صوم الثالث عشر من ذي الحجة لغير الحاج الذي لا يجد هدياً هذا محرم؛ لأنها أيام العيد، وهي يوم العاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر وهي أيام التشريق، فهذه يحرم على المسلم صومها، فإنها أيام عيد وأكل وشرب وذكر لله كما جاء الحديث. لكن في خلافها أو في غيرها من الأشهر فهو مسنون للمسلم أن يصومها كما أوصى أبا ذر عليه الصلاة والسلام.
فإن لم يتيسر له أن يصوم ثلاثة الأيام البيض، صام من أي ثلاثة أيام من الشهر. جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه قال: أوصاني خليلي بثلاث. الصحابة لهم أن يتخذوا النبي عليه الصلاة والسلام خليلاً، ولكن النبي عليه الصلاة والسلام ليس له أن يتخذ أحداً منهم خليلاً لأنه خليل الرحمن، قال عليه الصلاة والسلام: «لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الرحمن». لذا يخطئ من يقول إبراهيم خليل الله ومحمد حبيب الله صلى الله عليه وسلم، بل محمد خليل الله أيضاً. أبو هريرة يقول: أوصاني خليلي بثلاث لا أدعهن حتى أموت: صوم ثلاثة أيام من كل شهر، وصلاة الضحى، ونوم على وتر أو أن أوتر قبل أن أنام. هذه من السنن الجميلة التي للأسف هجرها أكثر المسلمين اليوم. والسبب أن الناس يتعاملون مع الله بطريقة مادية بحتة؛ فهم يريدون الثواب، يريدون الأجر مع أقل القليل من الأعمال. يتصدقون بالقروش، لا يختمون القرآن إلا مرة كل خمسة أو ستة أعوام، لا يعرفون قيام الليل ولا الوتر إلا في الحالات النادرة، مع ذلك يسألون الله عز وجل الفردوس الأعلى.
نعم، نحن نسأل الله عز وجل الفردوس الأعلى كما أمر عليه الصلاة والسلام: «إذا سألتم الله فاسألوه الفردوس، فإنه أعلى الجنة وأوسط الجنة». ولكن ليكن في وجه أحدنا شيء من الحياء، تسأل الله الجنة وتسأل الله الفردوس وقدم ما استطعت من عمل. ولم أرَ في القادرين عيباً كعجز القادرين على التمام. تستطيع أن تقدم أكثر لكنك تمتنع، يأتيك الإنسان صيام ثلاثة أيام صلاة الضحى الوتر قبل النوم، يأتيك الإنسان يتفلسف واجبة هي؟ لا يا أخي ما هي بواجبة، قال إذاً خلاص ما أبغى أسويها، أثم لما فعلها؟ لا ما تأثم، ولكن عجيب هذا الأمر؛ أنت تريد من الله عز وجل الشيء الكثير وتأبى أن تقدم النزر اليسير. فإذاً صيام ثلاثة أيام من كل شهر هذا أقل ما يقدمه العبد لربه، هذا طبعاً العبد المحب لله عز وجل المتبع لسنة النبي صلى الله عليه وسلم، أما الغافل، أما الساهي، أما المسكين، هذا ما يعرف إلا ما يملأ بطنه ويسعد فرجه للأسف الشديد. جيفة بالليل صخاب وحمار بالنهار كما جاء في بعض الأحاديث. عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما كما جاء معنا في الحلقة الماضية أخبرنا عن أمر النبي صلى الله عليه واله وسلم بتخير الأيام الثلاثة من كل شهر وعلل ذلك. كيف هذا؟ ما نعرف، سنعرفه إن شاء الله بعد فاصل، فابقوا معنا.
عندما اشتكى عمرو بن العاص ابنه عبد الله إلى النبي صلى الله عليه واله وسلم -ورضي الله عنهما- أمر به فأتي إليه، فقال: «يا عبد الله، ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟». فقلت: بلى يا رسول الله. فقال: «لا تفعل، صم وأفطر، وقم ونم؛ فإن لجسدك عليك حقاً، وإن لعينك عليك حقاً، وإن لزوجك عليك حقاً، وإن لزورك عليك حقاً. وإن بحسبك»، وهذا الشاهد، «وإن بحسبك» يعني يكفيك، «أن تصوم كل شهر ثلاثة أيام». هذا أقل القليل. طيب إيش العبرة في الثلاثة أيام هذه؟ قال عليه الصلاة والسلام: «فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها، فإن ذلك صيام الدهر كله». ما المقصود بالدهر؟ الدهر هو السنة كاملة، فالذي يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، والحسنة بعشر أمثالها، اضرب 3 في 10 الناتج 30 يوم، فإذاً أنت يكتب لك عند الله عز وجل إن صمت كل شهر ثلاثة أيام يكتب لك في آخر العام أنك صمت السنة كاملة؛ لأن الحسنة بعشر أمثالها. ونفس الموضوع يقال عن من صام رمضان وأتبعه بست من شوال؛ قالوا الحسنة بعشر أمثالها، رمضان شهر في عشرة يعني عشرة أشهر، ستة أيام من شوال في عشرة بـ 60 يوم يعني شهرين، هذه صيام الدهر. طبعاً المسلم ما يكتفي إنما يستكثر وما عند الله أكثر وأعظم.
ثم أخبره عليه الصلاة والسلام عندما شدد عبد الله على نفسه، والرسول يشدد عليه وهو عبد الله يعني كالمسائل: يا رسول الله أنا أستطيع أكثر، أستطيع أن أصوم أكثر من ثلاثة أيام في الشهر، قال يا رسول الله إني أجد قوة. فقال صلى الله عليه وسلم له: «فصم صيام نبي الله داوود عليه السلام ولا تزد عليه». وبين له أن صيام داوود كان نصف الدهر، يعني يصوم يوماً ويفطر يوماً، ولا يجوز أن يتجاوز الإنسان ذلك، ما يجوز له أن يصوم أكثر. بعض الإخوة أعرفهم يصوم صيام داوود لكنه أيضاً يصوم الاثنين والخميس وربما الأيام البيض، هذا المحصلة النهائية لصومه في الشهر أكثر من 15 يوم، وهذا لا يجوز. إن أحببت أن تصوم الاثنين والخميس اخصم ذلك من الأسبوع الذي أنت فيه، فصم الاثنين والخميس وصم معه يوماً واحداً في الأسبوع بحيث إنك لا تتجاوز نصف الدهر أو نصف الشهر.
عبد الله رضي الله عنه وأرضاه راوي الحديث يقول بعدما كبر: يا ليتني قبلت رخصة النبي صلى الله عليه واله وسلم. شوف سبحان الله، كانوا إذا عملوا العمل أثبتوه إلى أن يلقوا ربهم عز وجل، لما كبر سنه وضعف شق عليه أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، ومع ذلك أبى أن يترك السنة التي ألزم نفسه بها على عهد النبي عليه الصلاة والسلام وتندم وقال: يا ليتني قبلت رخصة النبي صلى الله عليه واله وسلم.
النبي اللهم صل وسلم عليه قد جاء عنه أحاديث كحديث: «إن لكل عمل شرة، ولكل شرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد ضل وهلك»، أو كما قال صلى الله عليه وسلم. إن لكل عمل شرة، كل عمل يبدأ الإنسان حتى لو كان من أعمال الدنيا له قمة له فورة؛ فالإنسان الذي يهتدي للصلاة تجده متحمساً للصلاة يصلي قيام الليل. الذي يوسوس له الشيطان بعمل معصية تجده يفعل المعصية بشغف ونهم، مثلاً أولئك هداهم الله الذين يعزفون الآلات الموسيقية ويشتغلون بالفن الذي يسمونه فن، تجده ينفق ست ساعات سبع ساعات في اليوم في التمرين والتدريب؛ لكل عمل شرة ولكل شرة فترة، بعد فترة من الزمن تفتر هذه الهمة. هذا الذي كان يصلي ست ساعات سبع ساعات أصبح فاتراً، عنده نوع من الطفش السأم الملل، قال عليه الصلاة والسلام: «فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى»، بمعنى أنه عوض عن أن كان يصلي 11 ركعة في الليل ست ساعات، صار يصلي 11 ركعة في ربع ساعة، لا حرج السنة موجودة. ومن كانت فترته إلى غير ذلك، يعني إلى غير سنتي، فقد ضل وهلك، كيف؟ ترك الصلاة بالكلية، حتى الفجر ما صار يصلي في المسجد! هذا ضل وهلك بعد أن كان يصلي في الصف الأول وكان يحافظ على الصلاة، إذ به تماماً يندم ويتقهقر، نسأل الله الثبات والعافية والسلامة. إذاً عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما أحس بمعنى هذا الحديث لكنه ثبت حتى الممات، قال يا ليتني قبلت رخصة النبي عليه الصلاة والسلام. ولذلك ما ينبغي للمسلم أن يشدد على نفسه.
طيب صمنا رمضان وصمنا ثلاثة أيام من كل شهر، هل من سنته عليه الصلاة والسلام فعل شيء أكثر من ذلك؟ النبي عليه الصلاة والسلام حثنا على صوم شهر الله المحرم، فقال: «أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم، وأفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل». إذاً شهر الله المحرم وهو أول شهر في السنة الهجرية، التي للأسف الشديد ندر أن تجد من دول العالم الإسلامي من يتمسك بالتقويم الهجري، وهذا لضلال الناس وبعدهم عن السنة وعدم استشعارهم للهوية، الناس الآن أصبحوا يستخدمون التقاويم الميلادية النصرانية الشمسية نسأل الله العافية في كل أمورهم وهذا خطأ. المسلم المحب للنبي عليه الصلاة والسلام يستمسك بالتاريخ الإسلامي بالتقويم الإسلامي الذي تقوم عليه عباداته، من صوم ومن عبادة ومن معرفة العدة للمرأة المتوفى عنها زوجها والتي لا تعرف إلا بالشهور الهجرية، وكذا كفارات القتل الخطأ صيام شهرين متتابعين ونحو ذلك. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يحثنا على صوم شهر الله المحرم، وبالأخص كان يحثنا على صوم عاشوراء، وهو اليوم الذي أنجى الله فيه موسى من فرعون، فكان صلى الله عليه وسلم أول قدومه على المدينة بدأ في صوم عاشوراء، وصامه كل هذه السنين إلى أن كان في السنة التي توفاه الله تعالى بها في السنة الحادية عشرة من الهجرة.
بعد أن صام عاشوراء قال: «لئن عشت إلى قابل لأصومن التاسع». أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخالف اليهود، لكنه ما تسنى له ذلك بفعله، ولكنه أرشدنا إلى ذلك بقوله. فالسنة أن يصوم المسلم التاسع والعاشر، وإن زاد على ذلك فصام الحادي عشر فبها ونعمت. الشهر كله تصومه ليس هو من السنة، ولكن لا حرج فيمن أراد أن يصوم ذلك. أما صوموا يوما قبله ويوما بعده فهذا حديث لا يصح، لكن من أراد أن يحتاط وصام التاسع والعاشر وأضاف الحادي عشر فخير وبركة إن شاء الله.
ما هي خاصية صوم عاشوراء؟ يكفر ذنوب سنة كاملة، كما جاء عنه عليه الصلاة والسلام، وسيأتي إن شاء الله في حديث آخر معنا. فاصل قصير فابقوا، ونواصل بعده إن شاء الله في ذكر صومه صلى الله عليه وآله وسلم.
منذ أن فارقت النبي صلى الله عليه وسلم وهو لا يزال يذكرها بأرق الكلمات وأطيب العبارات وفاء لها واعترافا بجميلها، حتى قال لإحدى زوجاته حين غارت منها: «إني قد رزقت حبها». إنها أم المؤمنين خديجة بنت خويلد بن أسد القرشية رضي الله عنها، الزوجة الوفية والمؤمنة الصابرة التقية، أولى زوجات النبي صلى الله عليه وسلم وأم جميع أولاده سوى إبراهيم. ولدت بمكة سنة 68 قبل الهجرة، وكانت من أعرق بيوتات قريش نسبا وحسبا وشرفا، ولذا نشأت على الأخلاق الكريمة والصفات الحميدة، فكانت عفيفة رصينة ذات عقل وحزم.
وحين سمعت بخبر الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم رغبت في أن تجعله يعمل في تجارتها، فعمل فيها فربحت أضعاف ما كانت تربح مع غيره، فوسطت من عرض عليه الزواج منها فوافق عليه الصلاة والسلام وتزوجها. كانت رضي الله عنها تعد للنبي صلى الله عليه وسلم الزاد الذي يكفيه حينما كان يتعبد في غار حراء، وقد هرع إليها بعدما فاجأه الوحي وهو في الغار فطمأنته بقولها: كلا والله ما يخزيك الله أبدا. فكانت أول من أسلم من الناس قاطبة، وخير من وسته بنفسها ومالها.
ظلت مع النبي صلى الله عليه وسلم وفية صابرة على أذى قريش حتى وقع حصار قريش على بني هاشم وبني المطلب في شعب أبي طالب، فالتحقت بزوجها في الشعب وعانت معه في سبيل الله ما عاناه بنو هاشم من جوع ومرض مدة ثلاث سنوات. توفيت رضي الله عنها قبل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم بثلاث سنوات، فذهبت وبقي أثرها. ومن فضائلها ما جاء في الصحيحين عن أبي هريرة قال: أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، هذه خديجة قد أتتك معها إناء فيه طعام أو إناء فيه شراب، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها عز وجل ومني، وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب.
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. كذلك النبي عليه الصلاة والسلام كان يحب أن يصوم ما يقدر على صومه من شهر شعبان، وأخبر أنه شهر بين رجب شهر الله الحرام وبين رمضان، يغفل عنه كثير من الناس فهو يحب أن يصومه. جاء عن أمنا عائشة رضي الله عنها أنها قالت: لم يكن صلى الله عليه وآله وسلم يصوم شهرا أكثر من شعبان، فإنه كان يصوم شعبان كله؛ أي تقريبا كله، وقد جاء النفي عن أنه كان يصوم شهرا كاملا خلا رمضان، ولا حرج على من أراد أن يصوم الشهر كاملا فهذا أمر مباح بإذن الله.
ثم هنالك حديث أبي قتادة رضي الله عنه، وهو حديث جميل وفيه من الفوائد والعبر الشيء الكثير. جاء عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم سئل عن صومه، فغضب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقال عمر: رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا. لماذا يغضب عليه الصلاة والسلام؟ قال العلماء: سبب غضبه عليه الصلاة والسلام أنه كره مسألته؛ هذا الذي يسأله عن صومه كرهها صلى الله عليه وسلم لأنه يحتاج إلى أن يجيبه ويخشى من جوابه مفسدة، لو أجابه عن صفة صومه عليه الصلاة والسلام لربما ترتب عليه مفسدة.
ما هي المفاسد؟ ربما اعتقد السائل وجوب الصوم مثل صومه عليه الصلاة والسلام، أو أنه يستقل عمله، فيرى أن هذا شيء قليل. أو إذا قال له إني أصوم كذا، اقتصر عليه فلم يزد عليه، وكان الرجل أو السائل يستطيع أن يفعل أكثر من ذلك. وإنما اقتصر النبي عليه الصلاة والسلام على صومه الذي كان يصومه لشغله بمصالح الناس وحقوقهم وحقوق أزواجه وضيوفه والوافدين إليه، فاقتصر على ذلك وكره إجابة الرجل لئلا يقتدي به كل أحد فيؤدي إلى الضرر في حق بعضهم، وكان الأولى بالسائل أن يسأله عن نفسه فيقول: يا رسول الله كيف أصوم؟ أو ما هو أفضل الأيام لصومه؟ فالنبي عليه الصلاة والسلام غضب لذلك.
ثم سئل عن صيام الدهر، فقال: «لا صام ولا أفطر». هذا الذي يصوم السنة كاملة لا أنه صام حقيقة لأن الله ما يؤتيه أجر هذا الصوم المخالف، ولا أنه أفطر واستمتع بالطعام والشراب. وسئل عن صوم يومين وإفطار يوم، قال: «ومن يطيق ذلك؟» وهو منهي عنه. وسئل عن صوم يوم وإفطار يومين؛ أي أن يصوم عشرة أيام من كل شهر، قال: «ليت أن الله قوانا لذلك». وسئل عن صوم يوم وإفطار يوم، بمعنى أنه يصوم 15 يوما من كل شهر، قال: «ذاك صوم أخي داوود».
وسئل عن صوم الاثنين، قال: «ذاك يوم ولدت فيه ويوم بعثت أو أنزل علي فيه»، إذا هو مشروع ومستحب أن نصوم الاثنين. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «صوم ثلاثة من كل شهر، ورمضان إلى رمضان، صوم الدهر». من فعل ذلك فكأنما صام السنة كاملة. سئل عن صوم يوم عرفة فقال: «يكفر السنة الماضية والباقية»، وسئل عن صوم يوم عاشوراء قال: «يكفر السنة الماضية».
هل كان النبي عليه الصلاة والسلام يصوم يوم عرفة ونحن نعلم فضل العشرة أيام من ذي الحجة؟ تقول بعض أزواج النبي عليه الصلاة والسلام: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصوم تسعة ذي الحجة ويوم عاشوراء وثلاثة أيام من كل شهر، وحددت في هذا الحديث تلك الأيام فقالت: أول اثنين من الشهر والخميس. يعني كان الرسول عليه الصلاة والسلام يصوم أول اثنين ثم الخميس الذي بعده ثم الخميس الذي بعدهم، خلاص هذه الثلاثة أيام التي يحافظ عليها. وعن أمنا عائشة قالت: كان عليه الصلاة والسلام يتحرى صوم الاثنين والخميس، وأخبر عليه الصلاة والسلام أن الأعمال تعرض فيها على الله ويحب أن يعرض عمله وهو صائم.
تنبيه صغير وهو أنه جاء في المنهج الذي بين أيديكم لهذه المادة حديث عن أمنا عائشة أنها قالت: كان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس. أخرجه الترمذي وصححه الألباني، هذا كلام صحيح وهو موجود في كتبه رحمه الله كمختصر الشمائل وفي السنن. لكن الألباني رحمه الله تراجع في آخر حياته وضعف هذا الحديث، ضعفه في السنن وضعفه في كتاب تمام المنة وهو من آخر ما ألفه، لذا تنبهوا إلى أن هذا الحديث ليس بصحيح.
ومع كل هذا الصوم وهذه العبادة وهذه الصلاة، مع ذلك كان الرسول عليه الصلاة والسلام في غاية التذلل والعبودية لله عز وجل. فعوضا عن أن يدخله العجب لقيامه بهذه العبادات الجليلة التي قد لا نقدر عليها، كان صلى الله عليه وسلم كثير الاستغفار والتوبة، يقول: «إنه ليغان على قلبي، وإني لأستغفر الله في اليوم مائة مرة».
ننتقل إلى قراءته للقرآن عليه الصلاة والسلام، النبي صلى الله عليه وسلم كما يقول ابن القيم كان له حزب يقرؤه ولا يخل به. كيف كانت قراءته؟ كانت ترتيلا لا هذر ولا عجلة، بل قراءة مفسرة حرفا حرفا، وكان يقطع قراءته آية آية، وكان يمد عند حروف المد فيمد: ﴿الرَّحْمَنِ * الرَّحِيمِ﴾. وكان يستعيذ بالله من الشيطان الرجيم عند بدء قراءته، فيقول: أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أو يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزه ونفخه ونفسه.
وكان صلى الله عليه وآله وسلم يحب أن يسمع القرآن من غيره، فقرأ عليه في مرة كما أمره عبد الله بن مسعود، قال: أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «أحب أن أسمعه من غيري». قرأ عليه بداية سورة النساء وخشع عليه الصلاة والسلام لسماع القرآن منه حتى ذرفت عيناه، وفي هذا دليل على أن استماع القرآن يجزئ عن القراءة، فمن استمع سورة الكهف مثلا وأنصت لها يوم الجمعة أجزأه عن قراءتها. كيف كان يقرأ القرآن؟ يقرؤه قائما وقاعدا ومضطجعا، كان يقرؤه متوضئا ومحدثا، لكنه ما كان يقرأ القرآن وهو على جنابة.
وكان يرجع في قراءته، فعن عبد الله بن مغفل رضي الله عنه قال: رأيت النبي عليه الصلاة والسلام يوم الفتح على ناقة وهو يقرأ سورة الفتح فرجع فيها. الترجيع هو ترديد الصوت كالذي يرتجف أو كالذي يكون على ناقة، فيقول: ولا غير المغضوب عليهم ولا الضالين. هذا التردد هو الترجيع كما جاء عن أهل العلم، وهو تقارب ضروب الحركات في القراءة. يقول الحافظ ابن حجر: وكان عليه الصلاة والسلام يفعل كما أمر الله عز وجل: ﴿وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَٰلِكَ سَبِيلًا﴾ [الإسراء: 110].
تدخل المسجد تجد من يقرأ القرآن كأنه في مسرح يرفع صوته ويؤذي غيره، ومن الناس من لا يرفع صوته مطلقا ولا يسمع هو نفسه تلاوته، لا، الأصل الوسط. كان يسر بالقراءة وكان يجهر بها عليه الصلاة والسلام، فعن أبي قتادة قال: إن النبي عليه الصلاة والسلام خرج ليلة فإذا هو بأبي بكر يصلي يخفض من صوته، ومر بعمر وهو يصلي رافعا صوته، هذا يخفض وهذا يرفع. فلما اجتمعا عند النبي عليه الصلاة والسلام قال: يا أبا بكر مررت بك وأنت تصلي تخفض صوتك؟ قال: يا رسول الله قد أسمعت من ناجيت؛ يعني أنا أناجي من ربنا وربنا يسمع. فقال لعمر: مررت بك وأنت تصلي رافعا صوتك؟ فقال يا رسول الله -يبرر لماذا يرفع صوته- أوقظ الوسنان، هذا النايم لما أرفع صوتي يستيقظ فيصلي، وأطرد الشيطان، أي أبعد عني وساوس الشيطان عندما أرفع صوتي. فقال عليه الصلاة والسلام: يا أبا بكر ارفع من صوتك شيئا، وقال لعمر: اخفض من صوتك شيئا. وهكذا كانت قراءته عليه الصلاة والسلام، وربما أسمع من في الغرفة المجاورة، يسمعهم قراءته ويناجي ربه بها. هذا والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد.
الشيخ عاصم الحكيم