تسجيل الدخول

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

إن الله عز وجل يقول في محكم التنزيل: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى﴾ [النجم: 43]. الله عز وجل هو الذي يضحك عباده، وهو تعالى الذي يبكيهم، وفي كل من الفوائد وفي كل من الأحكام ما يكون فيه بحسب النية وبحسب الواقعة. ولقد تقدم معنا في درس سابق ضحك النبي عليه الصلاة والسلام ومزاحه وتبسمه صلى الله عليه وآله وسلم.

إلا أن ذلك لم يكن ديدن النبي عليه الصلاة والسلام، بل كما علمنا من سيرته ومن شمائله أنه بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام سيد التوازن؛ فكان متوازناً في كل أموره وأحواله. كما أنه كان يضحك ويتبسم ويتبسط مع أصحابه، إلا أنه كان أيضاً صلى الله عليه وسلم له عين سحاب بالدموع، كان يبكي عليه الصلاة والسلام. وبكاؤه ليس جزعاً ولا تذمراً؛ بكاؤه قد يكون تارة من خشية الله عز وجل، وتارة أخرى من رحمته وشفقته على أمته أن يصيبهم العذاب. كان يبكي إذا صلى صلاة الكسوف أو الخسوف من خشية الله عز وجل، وكان يبكي إذا فقد قريباً أو فقد حبيباً أو صاحباً، ربما بكى عند سماعه لآيات الله تتلى، وربما بكى إذا حضر جنازة. كل ذلك وهو صلى الله عليه وسلم من قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكان قلبه حياً.

قلوبنا نسأل الله لنا ولكم العافية، وقديماً قالوا: إن القلب إذا كان حياً فإن العين تمطر، ومطر العين البكاء؛ هذا القلب هو عبارة عن الأرض، أما إذا كان القلب ميتاً بمعنى أن الأرض جدباء فإن العين تكون كذلك، نسأل الله العافية. النبي صلى الله عليه وسلم في بكائه كما هو الحال في ضحكه لم يكن يتجاوز الحد، وكما كان في ضحكه متوازناً إذا ضحك لم تكد ترى لهواته عليه الصلاة والسلام، إذا ضحك كانت ضحكه تبسماً، وأكثر ما يكون أن ترى نواجذه عليه الصلاة والسلام، وكذا في بكائه لم يكن نواحاً أو طويلاً أو بشهيق، إنما كان بسيل أن العين بالدموع الحارة المعبرة عن عاطفة جياشة.

كان صلى الله عليه وآله وسلم يبكي شفقة على أمته؛ فهو بالمؤمنين رؤوف رحيم. من الأحاديث التي تبين لك تلك الرأفة والرحمة ما جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما: أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا ذات يوم آيات من كتاب الله، وتلا قول إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [إبراهيم: 36]، فدعا بالمغفرة والرحمة لمن خالف أمره وعصاه. وتلا قول الله عز وجل عن عيسى عليه الصلاة والسلام: ﴿إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: 118]، فرفع النبي عليه الصلاة والسلام يديه وقال: «اللهم أمتي أمتي»، وبكى. فقال عز وجل: «يا جبريل، اذهب إلى محمد وربك أعلم، فسله ما يبكيك؟»، فأتاه جبريل عليه السلام فسأله، فأخبره عليه الصلاة والسلام بما قال وهو أعلم. فقال الله عز وجل: «يا جبريل، اذهب إلى محمد، فقل: إنا سنرضيك في أمتك ولا نسوءك». النبي عليه الصلاة والسلام يرفع يديه داعياً ربه الرحمة بأمته قائلاً: «اللهم أمتي أمتي»، ويبكي؛ يعني يدعو الله عز وجل لا لنفسه بل لأمته من شفقته ورحمته لهذه الأمة، وللأسف منا من هو من أمة محمد صلى الله عليه وسلم ولا يكاد يصلي عليه ولا يذكره ولا يتبع سنته، نسأل الله العافية.

كذلك كان صلى الله عليه وآله وسلم يبكي من خشية الله تضرعاً وشوقاً. دخل عطاء وعبيد بن عمير على أمنا عائشة فسألاها: ما أعجب ما رأيت من أمر النبي عليه الصلاة والسلام؟ قالت: لما كان ليلة من الليالي قال الرسول عليه الصلاة والسلام: «يا عائشة، ذريني أتعبد الليلة لربي»، فقلت له: والله إني لأحب قربك وأحب ما يسرك. قالت: فقام فتطهر وصلى، فلم يزل يبكي حتى بل حجره عليه الصلاة والسلام، قالت: وكان جالساً فلم يزل يبكي حتى بل لحيته، ثم بكى حتى بل الأرض. وجاء بلال يؤذنه بالصلاة، فلما رآه يبكي قال: يا رسول الله، تبكي وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: «أفلا أكون عبداً شكوراً؟ أنزلت علي الليلة آيات، ويل لمن قرأها ولم يتفكر فيها: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 190]»، إلى آخر الآية كلها. وقد علمنا من قبل أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يقرأ هذه الآية وما يليها من تسع آيات إلى آخر سورة آل عمران إذا استيقظ من نومه.

آيات عظيمة، التفكر في خلق الله عز وجل، التفكر في السماوات وفي الأرض وفي عظمتها بل وفي عظمة من خلقها سبحانه وتعالى؛ فكان يبكي عليه الصلاة والسلام ليله ويحيي ليله بالقراءة والذكر والاستغفار والبكاء، حتى إنه جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه كان إذا صلى من الليل سمع لصدره أزيز كأزيز المرجل، وهذا من البكاء؛ يعني الصوت الذي يصدره القدر فوق النار إذا استجمع غلياناً، هذا الصوت من البكاء كان يسمع للنبي صلى الله عليه وآله وسلم.

مليار وثلاثمئة مليون طن من الأطعمة تتحول إلى صناديق القمامة سنوياً، وهو ما يعادل ثلث إنتاج العالم من الطعام، ويتسبب هذا في خسارة مادية تقدر بـ 750 مليار دولار في كل عام، هذا ما أكدته منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة. يحدث كل هذا في ظل وجود 870 مليون من الجائعين يومياً، وصدق من قال: ما رأيت إسرافاً إلا وبجانبه حق مضيع. ففي الوقت الذي يموت فيه عشرات الآلاف من الأطفال جوعاً بسبب نقص الغذاء، نجد أن دولة غربية ترمي وحدها أطعمة تبلغ قيمتها تسعة عشر ملياراً من الدولارات في كل عام، ودولة أوروبية أخرى تهدر مئة طن من الطماطم في مهرجان سنوي يعرف بمهرجان التراشق بالطماطم. وفي دراسة لإحدى الشركات المتخصصة وجد أن ثمانين بالمئة من قمامة إحدى الدول العربية كانت عبارة عن طعام. قال تعالى: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: 31].

تدارك الأمر قبل أن يؤول بنا الحال إلى مصير المسرفين، فثمة دول معاصرة اشتهرت بشدة النعيم والإسراف ثم دارت الأيام واشتهرت بالمجاعة والقحط؛ فلنحرص جميعاً على الاقتصاد في الطعام، وأن نأتي به على قدر الاحتياج، وإذا تبقى منه شيء فلنحتفظ به للوجبة التالية، أو نعطي للمحتاجين بعد أن نغلفه، وإذا كان الطعام لا يصلح للإنسان فلنجمعه في صندوق ولنجعله غذاءً للطيور والحيوان، ففي كل كبد رطبة أجر، ولنتذكر دوماً قول الله تعالى: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾ [التكاثر: 8].

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. النبي عليه الصلاة والسلام كان يبكي عند سماع كلام الله عز وجل، إما تأثراً بما فيه وإما شوقاً وحباً لله عز وجل. جاء في الصحيح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم طلب منه أن يقرأ عليه القرآن، ونحن نعلم أن عبد الله بن مسعود أحد أربعة النبي صلى الله عليه وسلم أمر أمته بأخذ القرآن منهم: عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب، وسالم مولى أبي حذيفه. فقال: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل هذا القرآن؟ قال: «إني أحب أن أسمعه من غيري». وهذا دليل على أن سماع القرآن يجزي عن قراءته، فمن سمع سورة الكهف مثلاً يوم الجمعة أجزأه ذلك عن القراءة نظراً، بل إن من أهل العلم من ذهب إلى أن الاستماع أفضل من النظر للمتعبد. يقول: فقرأت سورة النساء حتى أتيت على قول الله عز وجل: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]. قال صلى الله عليه وسلم: «حسبك»، توقف. يقول: فنظرت فإذا بعيني النبي صلى الله عليه وسلم تذرفان؛ تأثر عظيم لكلام الله عز وجل. ثم ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ [البقرة: 74]. كم من الناس اليوم من يقرأ كتاب الله، من يسمع آيات الله تتلى عليه في الصلاة ولا تنزل منه دمعة، وإذا رأى في شاشات التلفاز فيلماً حزيناً أو موقفاً درامياً أو مجلساً عاطفياً، إذا به يبكي ويتأثر لما يرى! هل هذه قلوب ملؤها محبة الله والخوف منه؟

كان عليه الصلاة والسلام يبكي عند موت الأصحاب والأقرباء والأحباب، وهذه تكررت في حياته عليه الصلاة والسلام، وإن الله إذا أحب قوماً ابتلاهم، فكان صلى الله عليه وآله وسلم يبتلي من يحب بفقدانهم؛ إعلاء لدرجاته وتعييزاً لربط قلبه بربه عز وجل. عن أنس رضي الله عنه يقول: دخلنا على أبي سيف القين وكان حداداً، وكان ظئراً لإبراهيم، يعني زوجته كانت ترضع إبراهيم ابن النبي عليه الصلاة والسلام، وقد علمنا أن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن له إلا بنات، ثم رزق بإبراهيم من جاريته مارية القبطية على كبر فكان يحبه، وهذه طبيعة بشرية. يقول: فأخذ عليه الصلاة والسلام إبراهيم فقبله وشمه، هذا من فرط حبه عليه الصلاة والسلام بهذا الطفل الصغير. يقول: ثم دخلنا عليه بعد ذلك وإبراهيم يجود بنفسه، كانت المرة الثانية وكان إبراهيم يحتضر، فجعلت عينا رسول الله عليه الصلاة والسلام تذرفان. فقال له عبد الرحمن بن عوف: وأنت يا رسول الله؟ يعني: أنت يا رسول الله تبكي على هذا الطفل؟ أي نعم هو ولدك، ولكن نحن نعلم أن الرجال لا يبكون، وأن الرجال مواقف تظهر الشدة والجلد والصبر، فاستعجب من ذلك عبد الرحمن رضي الله عنه فقال: وأنت يا رسول الله؟ فقال عليه الصلاة والسلام مبيناً لهم الحقيقة التي ينبغي أن لا تغيب عن الرجال؛ إنما قوله: "الرجال لا يبكون" غير صحيحة، لأن سيد الرجال كان يبكي لكنه كان يبكي في موضعه. قال عليه الصلاة والسلام: «يا ابن عوف، إنها رحمة»، ثم أتبعها بأخرى، يقول شراح الحديث: ثم أتبعها بأنها رحمة مرة أخرى أو أتبع بكاءه الأول ببكاء آخر بدمعة أخرى، فقال: «إن العين تدمع والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضى ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون».

النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن فقط يبكي على أبنائه أو بناته أو أبناء من أبنائه، بل كان يبكي أيضاً على أصحابه. سيدنا عثمان بن مظعون أحد أوائل من هاجر وأحد أوائل من توفي بالمدينة، فقد مات في السنة الثالثة للهجرة، وأول من دفن بالبقيع الغرقد، له مواقف مشهودة وله زهد وعبادة، وكان يحبه النبي عليه الصلاة والسلام. تقول عائشة رضي الله عنها عندما مات: قبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم عثمان بن مظعون وهو ميت وهو يبكي، أو قالت: وعيناه تذرفان. هذا عثمان الذي استأذن النبي عليه الصلاة والسلام في أن يختصي كي يتجنب فتنة النساء، ولو أذن له لفعلنا ذلك.

أنس بن مالك أيضاً يخبرنا عن حال الرسول عليه الصلاة والسلام مع موت أهل بيته فيقول: شهدنا ابنة رسول الله عليه الصلاة والسلام وهو جالس على قبرها، فرأيت عيناه تدمعان. محبة الأب لابنته، محبة الأب لأبنائه تظهر جلية في تعامل الرسول عليه الصلاة والسلام وهو سيد المتوكلين. يخطئ الناس عندما يظنون أن البكاء يخالف التوكل أو يخالف الرضا بقضاء الله وقدره، حاشا وكلا؛ فالنبي عليه الصلاة والسلام بل إن نبي الله يعقوب كما ذكر الله لنا في سورة يوسف: ﴿وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ﴾ [يوسف: 84]. أليس لديه توكل؟ لا والله، لكنه شعور طبيعي جبلي لا ينجو منه الإنسان، والمنهي عنه هو التذمر، النياحة، التسخط، أما رضا القلب مع سيل ظرف الدمع فذلك من سنة الرسول صلى الله عليه وسلم.

وجاء أيضاً أن ابناً لابنته -يعني حفيداً له- حضرته الوفاة، فوضع في حجر النبي عليه الصلاة والسلام ونفسه تقعقع، فيقول أسامة بن زيد وفي القوم سعد بن عبادة وأبي وغيرهم، ففاضت عيناه صلى الله عليه وسلم، فقال له سعد منكراً عليه: ما هذا يا رسول الله؟ مثل عبد الرحمن بن عوف ينكر، فقال عليه الصلاة والسلام: «هذه رحمة يضعها الله في قلوب من يشاء من عباده، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء». البكاء رحمة، إظهار لحياة القلب. معنا فاصل وبعدها نواصل، فابقوا معنا بإذن الله عز وجل.

هل أنت حريص على تصحيح عبادتك؟ هل ترجو أن يتقبلها الله؟ اطلب العلم إذ لا تصح العبادة إلا به، قال تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19]. وشرط قبول طلب العلم الإخلاص فيه بأن لا تريد به إلا وجه الله، قال تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: 3]، ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي﴾ [الزمر: 14]. بالإخلاص ترزق صحة الفهم وقوة الاستنباط، قال صلى الله عليه وسلم: «من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين». وبالإخلاص يذعن المتعلم للحق ويقبل النقد، قال الذهبي: علامة المخلص أنه إذا عوتب لا يبرئ نفسه، بل يعترف ويقول: رحم الله من أهدى إلي عيوبي. ويجب أن يتوفر الإخلاص في التعلم والتعليم.

والتأليف، قال أبو داود الطيالسي: ينبغي للعالم إذا حرر كتابه أن يكون قصده بذلك نصرة الدين، لا مدحه بين الأقران لحسن التأليف، فأخلص النية واحذر من فتات كالطلب العلم لأجل المال والثروة أو الجاه والشهرة أو المراء والجدل، فإن ذلك يفسد العمل. قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَىٰ مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَّنثُورًا﴾ [الفرقان: 23].

النبي عليه الصلاة والسلام كان يبكي إذا تذكر الأيام الخوالي، إذا تذكر الأحباب. جاء في الحديث الصحيح أنه استأذن ربه في أن يستغفر لأمه فلم يأذن له، فبكى عليه الصلاة والسلام وبكى بكاءً شديداً. وأمه لم يدركها عليه الصلاة والسلام إذ توفيت وهو ابن ست سنوات. وكم من المسلمين اليوم من أدرك أمه عند كبر سنها وهو من أعق الناس بها، فشتان ما بين قلب مليء بالأحقاد ومليء بالبغضاء ومليء بالعقوق، وبين قلب ذلك النبي صلى الله عليه وسلم، قلب الحي الذي مُلئ بالحب والرحمة والشفقة.

حادثة أخرى جميلة تبين لنا مدى محبته صلى الله عليه وآله وسلم لأمنا خديجة رضي الله عنها وأرضاها، أحب الناس إلى قلبه وهي المرأة الوفية، سيدة نساء الجنة. أبو العاص بن الربيع ابن خالة زينب، خالة أبي العاص هي خديجة بنت خويلد، تزوج ابنة خالته. أمه أبو العاص هي هالة بنت خويلد التي كان يستبشر الرسول عليه السلام لصوتها إذا سمعها لما تذكره بأيام خديجة. وقع في الأسر أبو العاص مرتين، مرة في غزوة بدر ومرة قبيل فتح مكة. في غزوة بدر كانت تحته زينب، إذ لم يحصل تحريم أو وجوب الفصل بين المسلمة والمشرك، فكانت زينب تحته في مكة عندما وقع في الأسر، هو خرج مع الجيش ولم يقاتل، فالرسول عليه الصلاة والسلام قبل بالفداء، فبعث كل من كان له أسير بمال.

فلما جاء فداء أبي العاص، زينب رضي الله عنها بعثت بمال وبعثت مع المال قلادة، هذه القلادة ألبستها إياها خديجة يوم زفافها بأبي العاص، فتذكر الرسول عليه الصلاة والسلام حفل الزفاف، وذكرته بوجود خديجة معه، فلما رأى القلادة رَقَّ لها رِقَّةً شديدة، تأثر عليه الصلاة والسلام وعرض على المسلمين أن يقبلوا هذا المال وأن يردوا على ابنته زينب قلادتها، وأن يفرجوا عن أبي العاص، فرضوا بذلك. وهذه حاله عليه الصلاة والسلام كلما تذكر أمنا خديجة رضي الله عنها وأرضاها.

هذا كان في معركة بدر، ومعركة بدر أُحيطت بالبكاء قبل المعركة وبعد المعركة. يخبرنا علي رضي الله عنه، يقول: لقد رأيتنا وما فينا قائم ليلة بدر قبل القتال إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم تحت شجرة يصلي ويبكي حتى أصبح. ليلة القتال التي يستريحون فيها ليستعدوا، النبي عليه الصلاة والسلام استعداده كان بكاء الليل وتضرعاً إلى ربه وافتقاراً إلى نصرته.

حتى بعد المعركة كان هنالك موقف، استشار النبي عليه الصلاة والسلام أصحابه فيما يفعل في أسرى بدر، أبو بكر أشار عليه بأن يقبل الفداء، وعمر أشار عليه بأن يضرب أعناق الأسرى بحيث يكون عبرة لمن خلفهم، فمال الرسول عليه الصلاة والسلام لاختيار أبي بكر فقبل الفداء. فجاء عمر رضي الله عنه وأرضاه وإذ النبي عليه الصلاة والسلام وأبو بكر يبكيان، فسألهما عن سبب البكاء، إذ كان سبباً مقنعاً، فبكى معهما وإلا تظاهر بالبكاء اقتداءً بهما. قال عليه الصلاة والسلام: «لو نجا أحد من عذاب الله لنجا عمر»، وأنزل الله تعالى قوله: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَىٰ حَتَّىٰ يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ ۚ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ۗ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ * لَّوْلَا كِتَابٌ مِّنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [الأنفال: 67-68]. فأشفق عمر رضي الله عنه على النبي صلى الله عليه وسلم من كثرة بكائه.

والنبي عليه الصلاة والسلام أيضاً كان إذا زار أصحابه ووجدهم يتألمون لمرض ونحوه كان يبكي تأثراً ومواساة، كما فعل مع سعد بن عبادة رضي الله عنه عندما دخل عليه فوجده في غاشية أهله، فسأل: «أقد قضى؟» قالوا: لا يا رسول الله، فبكى عليه الصلاة والسلام. فلما رأى القوم بكاءه بكوا، فقال: «ألا تسمعون إن الله لا يعذب بدمع العين ولا بحزن القلب، ولكن يعذب بهذا»، وأشار إلى لسانه «أو يرحم، وإن الميت يعذب ببكاء أهله عليه».

كذلك بكى عليه الصلاة والسلام عندما بلغه خبر السماء بما حصل لأصحابه في غزوة مؤتة، فقال صلى الله عليه وآله وسلم وهو يخبر الصحابة: «أخذ الراية زيد فأصيب» أي استشهد «ثم أخذها جعفر» أي جعفر بن أبي طالب -طبعاً زيد بن حارثة هو في السابق كان متبنى للنبي عليه السلام وهو حبه عليه رضوان الله عليه، وجعفر بن أبي طالب أشبه الناس بخلقته عليه الصلاة والسلام ومشيته وهو ابن عمه- قال: «فأصيب، ثم أخذها عبد الله بن رواحة فأصيب»، وعينا رسول الله عليه الصلاة والسلام تذرفان.

وكان إذا جلس على قبر يبكي، فكان في جنازة كما جاء في حديث البراء بن عازب وجلسنا حول القبر أو على طرفه، فبكى حتى بَلَّ الثرى صلى الله عليه وسلم، قال: «يا إخواني لمثل هذا اليوم فأعدوا». ولذلك زيارة القبور ترقق القلب، عندما ترى هذا القبر المفتوح وتعلم أنك اليوم حامل لهذه الجثة وغداً أنت على الأكتاف محمول، ترقق القلب: لمثل هذا اليوم فأعدوا.

وعليه نفهم أن البكاء لم يكن أبداً في حياة النبي عليه الصلاة والسلام مظهراً من مظاهر الضعف أو علامة من علامات النقص، حاشا وكلا، وهو أكمل الخلق صلى الله عليه وآله وسلم. هذا البكاء إنما هو علامة على يقظة القلب وعلى حياته وعلى صدق الرحمة والشفقة والعاطفة، وهو أمر محمود بشرط أن يكون منضبطاً بالسنة النبوية المطهرة، فلا يكون فيه رفع صوت ولا يكون فيه تسخط ولا يكون فيه ما لا يرضاه الله عز وجل. أسأل الله سبحانه وتعالى أن يحيي قلوبنا بذكره، وأن يجعلنا من الذين يخافونه في السر والعلانية، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.