يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهل النوال ميسراً، يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد زاد أكاديمية، ينبوعها صاف ليروي غلة الظمآن، والسير العلياء عطرة الشذا، طيب يفوح لأهل كل زمان. بشرى نالت أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. في الدرس السادس من شمائل النبي صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين، تحدثنا في الدرس الماضي عن هديه في الثياب وفي اللباس. ومن الثياب واللباس ما يلبسه الإنسان في قدميه، فما ينتعله، ما يلبسه من خف أو نعل أو حذاء، هذا من ثيابه ومن لباسه.
وقد جاء عن قتادة رحمه الله، إمام من أئمة التابعين، أنه سأل أنس بن مالك رضي الله عنه، فقال: كيف كان نعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ صف لنا نعاله. فمن كتب في الشمائل، شمائل النبي عليه الصلاة والسلام، اعتنى بذكر وصف نعله، فقال أنس رضي الله عنه وأرضاه: لهما قبالان. والقبال هو زمام النعل، وهو السير الذي يكون بين الإصبعين، رواه الإمام البخاري في الصحيح. له قبالان يعني مو واحد؛ نحن النعال التي نعرفها نجد أن لها قبالاً واحداً، وهو ما يدخل بين الإصبع الكبير والذي يليه، النبي عليه الصلاة والسلام نعله كانت لها قبالان، أحدهما يدخل بين الإصبع الكبير والذي يليه، والثاني يدخل ما بين الوسطى والذي يليها. وهذا لا شك أنه أحكم عند ارتداء المرء للنعل، أحكم لأنه يؤدي إلى ثبوت القدم في النعل، فلا يكون هنالك اضطراب أثناء المشي أو إذا كد بها.
وفي الصحيحين أنه قيل لابن عمر رضي الله عنهما: رأيتك تلبس النعال السبتية، والنعال السبتية هي التي لا شعر لها أو لا شعر عليها، مصنوعة من جلود البقر المدبوغ. فهذا التابعي عرف أن ابن عمر رضي الله عنهما من أشد الصحابة حرصاً في اتباع السنة النبوية، فأراد أن يتثبت من هذا الأمر، فسأله عن سبب لبسه إياها، هل هو من عادته أو أنه يعرف في ذلك سنة؟ فأخبر ابن عمر رضي الله عنهما فقال: إني رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن ألبسها. فإذاً من سنته عليه الصلاة والسلام أنه يلبس من الجلد المدبوغ، جلد البقر المدبوغ، فلو أن رجلاً لبس نعالاً أو خفاً أو حذاءً من جلد لقلنا له هذا جائز فعله الرسول عليه الصلاة والسلام.
لكن لننظر هذا الجلد الذي صنع الحذاء منه، هل هو حلال أم حرام؟ هل هو طاهر أم نجس؟ فإن كان مدبوغاً من حيوان مأكول اللحم، كالبقر، الغنم، الإبل، حمار الوحش، هذه كلها حلال لنا أكلها، جاز له أن يلبس ذلك إن دبغ. أما ما لا يجوز له لبسه مثل جلود السباع، جلود الثعابين، وهذا أمر مشتهر أنه تكون محفظة أو حذاء مصنوعاً من جلد الثعابين، وهذا أمر محرم لأن الثعبان غير مأكول اللحم، ونحن مأمورون بقتله، فلا يجوز الانتفاع بجلده على الصحيح، دبغ أو لم يدبغ. وكان النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الأحاديث الصحيحة يلبس، بل ويصلي في نعلين مخصوفتين، وكان يخصف نعله بنفسه عليه الصلاة والسلام كما جاء عن أمنا عائشة وغيرها.
وكان هديه عليه الصلاة والسلام أن يمشي منتعلاً وأن يمشي حافياً، فقد جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لا يمشين أحدكم في نعل واحدة، لينعلهما جميعاً أو ليحفزهما جميعاً». في الصحيح معنى ذلك أنه لا يجوز للمسلم أن يلبس فرداً في قدم والقدم الأخرى حافية، يلبس مثلاً شراباً في رجل ورجل لا يلبس فيها شيئاً، حذاء في رجل وقدم لا يلبس فيها شيئاً، هذا ما يصلح، محرم، أما أن تلبس في القدمين أو أن تمشي حافياً. وأخبر عليه الصلاة والسلام أن الانتعال في قدم واحدة هذا من فعل الشيطان ومن لباسه. ولذلك لعله يكون من المفيد أن يمشي في بعض الأحيان الإنسان حافياً، وقد جاءت دراسات طبية تثبت أن المشي حافياً على الرمل له فوائد جسدية وصحية، هذا ليس بالضرورة أن يكون ثابتاً علمياً أو صحيحاً لأن الأصل عندنا اتباع السنة، فالمشي حافياً في بعض الأحيان قد يورث الإنسان تواضعاً، ويخلع عنه شيئاً من هذا الكبر والغرور الموجود عند كثير من الناس.
ولذلك يسأل البعض: هل يجوز للمسلم أن يتخير الجميل من الثياب، الجميل من الأحذية؟ لا شيء في ذلك أبداً، لأن المعول ليس على ما ترتديه، المعول هو ما يوجد في قلبك. جاء في صحيح الإمام مسلم وغيره أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال ذات يوم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر». حديث مخيف، فقام رجل فقال: يا رسول الله إن الرجل يحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة. يعني هذه إشكالية عندي يا رسول الله، أنا أحب أن أتزين وأن ألبس الشيء الجميل، فقال عليه الصلاة والسلام مبيناً له أن هذا أمر لا حرج فيه: «إن الله جميل يحب الجمال». هذا الذي تريده من طيب الثياب والنعال هذا شيء جميل طيب لا حرج فيه، لكن الكبر بطر الحق؛ أي رفضه ورده، وغمط الناس؛ وهو ازدراؤهم واحتقارهم، هذا هو تعريف الكبر لدينا.
الكبر هو بطر الحق وغمط الناس، أن يلبس الإنسان نعلاً جميلاً، حذاءً طيباً مريحاً، هذا لا حرج فيه ولا إشكالية مطلقاً. لكن الكبر هو ما يفعله كثير من المسلمين في هذه الأيام؛ تجد من يدفع الأموال الطائلة لشراء حذاء، وعادة عندنا نقول لشراء حذاء "أعزكم الله، أكرمكم الله"، لأن ذكر الحذاء أمر مستهجن غالباً عند الناس، أمر من الأشياء الدنية ما يذكره الناس بتبجيل وتكريم. الآن اختلف الوضع، أنا ربما أشتري هذه الغترة أو هذا اللباس بمئة ريال، مئة وخمسين ريالاً، الحذاء الذي أرتديه في قدمي قد يكون بمئتين أو ثلاثمئة ريال على حسب نوعه وراحته وشكله وجماله، وهذا أمر مباح. أما أن تجد بعض المسلمين يدفعون عشرة آلاف ريال، ما يعد راتب عائلة فوق المتوسط في الشهر، لشراء حذاء، ويعتنون اعتناءً بالغاً في أن يكون من ماركة، يا أنه مثلاً يكون للنساء أحذية برادا أو لوي فيتون أو جوتشي أو كوتش، أمور عجيبة؛ امرأة تشتري حقيبة يد بخمسة عشر ألف ريال أو عشرين ألف ريال، فقط لوجود قطعة حديدية تدل على الماركة. هذا من السفه، ولا يفعل هذا إلا إخوان الشياطين المبذرين، هذا من الإسراف، ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ [النساء: 5]، هذا من الأمور المحرمة. نعم، البس الجميل المريح المفيد، أما أن تلبس في قدمك أغلى مما تلبسه على رأسك وعلى بدنك، لماذا؟ إن قال قائل: أنا ثري وأنا غني وأنا أريد أن أستمتع بما أحل الله لي عز وجل، نقول يا أخي كيف تجد قلبك إن لم يوجد هذا الحذاء واضطررت أن تلبس ما يعرف باسم "الشبشب" هذا اللي بريال أو بريالين، تجده يتوضأ به الناس؟ كيف تشعر؟ قال: والله أشعر بخزي، أشعر بخجل، لا أريد أحداً أن ينظر إلي. إذاً أنت الذي يرفع قيمتك ويخفضها هذا النعل؟ أيما أغلى؟ هذه مصيبة. إذاً لا بد للمسلم أن يتوازن في استمتاعه بما أحل الله له، وفي البعد عما يبغضه الله ويغضب من إسراف وتبذير وسفه.
السنة في النعال أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يبدأ بلبس اليمنى، وهذا قد تقدم معنا في حبه للتيامن في كل شيء، فكان يلبس اليمنى أولاً، وكان يخلع اليسرى أولاً، فإذاً اليمنى الأولى في الدخول والآخرة في الخروج بالنسبة للانتعال. كذلك السنة الثابتة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يصلي بنعله، جاء في الحديث الصحيح أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «خالفوا اليهود؛ فإنهم لا يصلون في نعالهم ولا خفافهم». فإذاً هذا الأمر ليس بمباح فقط بل هو سنة مستحبة، أن يصلي الإنسان في نعله، في حذائه، فيما تيسر له. وهذا بشرط أن لا يترتب عليه مفسدة أعظم، فإن ترتب عليه مفسدة شرع في حقه أن يترك المباح لوجود المفسدة التي هي أعظم، فلا يصلح للمسلم مثلاً أن يدخل مسجداً فيه سجاد وفيه فرش بحذائه فيصلي مع المسلمين وهم يرون ذلك، هذا فيه مفسدة عظيمة، قد يضربه بعض من لا يعرف السنة، وقد يسيء إليه، كذلك إن قال لهم إنها سنة، إن قال لهم إنها سنة ربما أدى بهم إلى جحودها وكفرانها، وهذه مصيبة أعظم. فلا بد للمسلم أن يكون حريصاً على أن يكون في دعوته على بصيرة وبحكمة وبأسلوب حسن.
وكثيراً ما تجد من الجهلة من ينكر هذه السنة لقلة علمهم، لكن للأسف قد تجد من بعض من يعرف السنة قد تجد منه تهييجاً للناس، ورغبة منه في فعل هذه السنة تؤدي إلى مفسدة أعظم منها، وهذا خطأ، لا بد للمسلم أن يكون حريصاً أشد الحرص على تجنب المفاسد؛ لأن الشريعة قد أتت بتحصيل المصالح وتكميلها، ودرء المفاسد وتقليلها. فهذا هو لب الشريعة ككل، أنك لا بد أن تحصل المصالح وأن تكملها ما استطعت، وأن تدرأ وتدفع المفاسد وتقللها ما استطعت. أما أن تفعل سنة وبهذه السنة تؤدي إلى تنفير الناس كما جاء في حديث معاذ رضي الله عنه: «إن منكم لمنفرين»، هذا ما يصلح، هذا أمر نهى عنه عليه الصلاة والسلام.
بقي أن نقول إن من بعض الطوائف الضالة من غلا وخرج عن النهج وربما خرج عن دين الله عز وجل لغلوه في نعل الرسول عليه الصلاة والسلام، يغلون في النعل! نعم بعض الطوائف الضالة يرون أن نعل النبي عليه الصلاة والسلام هذا يستشفى به من الأسقام والأوجاع، وهو دواء نافع للأمراض. ومسألة التبرك بآثار النبي عليه الصلاة والسلام لا شك أنها من المسائل المطلوبة بشرط أن يكون هذا الأثر عندي، فأنا لو أعلم علماً يقينياً أن هذا هو نعل الرسول عليه الصلاة والسلام أتبرك به، لو أني أعلم أن هذا الثوب ثوب الرسول عليه الصلاة والسلام أتبرك به، شعره، عرقه، كل هذه آثاره عليه الصلاة والسلام يتبرك بها بلا شك. هؤلاء الغلاة المبتدعة ذهبوا أبعد من ذلك، فقالوا إن المسلم بإمكانه أن يرسم نعل النبي عليه الصلاة والسلام، فرسموا نعلاً وقالوا هذا مثال يسمونه المثال المعظم؛ تأتي بورقة ترسم عليها نعل، شبشب، حذاء، وتنوي بقلبك أن هذا هو نعل الرسول عليه الصلاة والسلام، عجيب! ثم ماذا قالوا؟ إن فعلت ذلك نلت العلا، إن فعلت ذلك هذه الرسمة تستطيع أن تستشفي بها من أوجاعك، عندك مصيبة، عندك سرطان، عندك مرض، ارسم شبشب النبي عليه الصلاة والسلام وانوِ أن هذا نعله، ثم استشف به واطلب الشفاء من الله به. هل هذا كلام يقوله إنسان عاقل فضلاً عن أن يكون مسلماً؟ هذا ما سوف نتحدث عنه بعد الفاصل، فابقوا معنا.
كما تقدم قبل الفاصل، هنالك من يدعي، وهذا من الغلو والتطرف، أنه يمكن الاستشفاء بالمثال المعظم، إيش المثال المعظم؟ تأتي بورقة ترسم عليها شخابيط، وتقول هذا هو نعل النبي عليه الصلاة والسلام، وأنت لم تره في حياتك، لكن فقط انوِ بالنية ثم استشف به، ضعه على عينك تشفَ من.
يقول قائلهم: ولو لم يحصل للمثال المعظم من الشرف إلا محاكاة نعل من ليس لمجده حد ولا طرف، سيد ولد آدم، وعمدة من تأخر أو تقدم، صلى الله عليه وشرف وكرم، لكان ما حصل له من ذلك كافياً وبالمنى وافياً، فكيف وجد غداً للأوشا شافياً وللإسلام نافياً؟ فخواطرنا تقول: هل هذا واجب؟ هل هذا دين؟ هل هذا ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام؟ لا.
ويقولون عند رسمهم للنعل أبياتاً شعرية، فيقولون: على رأس هذا الكون نعل محمد علت، فجميع الخلق تحت ظلاله. لدى الطور موسى نود بخلع، وأحمد على القرب لم يؤمر بخلع نعاله. اللهم صل وسلم عليهما. قول مثال حكى نعلاً لأشرف مرسل، تمنت مقام الترب منه الفراقد، ضرائرها السبع السماوات كلها غيارة، وتيجان الملوك حواسد. هذا يتكلم عن صورة النعل، ويقول: ولما رأيت الدهر قد حارب الورى، جعلت لنفسي نعل سيده حسنا، أي يتحصن بنعل سيدي النبي عليه الصلاة والسلام عند المشاكل والمصائب. يقول: تحصنت منه في بديع مثالها، أي في بديع هذه الرسمة، بسور منيع نلت في ظله الأمن، أني خدمت مثال نعل المصطفى لأعيش في الدارين تحت ظلالها، سعد ابن مسعود بخدمة نعله، وأنا السعيد بخدمتي لمثال أي للصورة.
هذا لا شك أنه غلو في دين الله، وإطراء للنبي عليه الصلاة والسلام بما لم يكن ليرضى والله في حياته ولا بعد مماته، وهذه كلها مستقاة من بعض كتبهم المعتمدة التي فيها من الكفر البواح الشيء العجيب. يتكلمون عن زعمهم أن هذا حب منهم للرسول عليه الصلاة والسلام، فيقولون: الحجرة النبوية بدون جسده الشريف عليه الصلاة والسلام، الحجرة التي حوت الجسد الشريف، هذه الحجرة المقتطعة من الأرض هي أطهر من الكعبة. عجيب هذا الكلام! يقولون في هذا الكتاب: هي أشرف، أي البقعة، لا جسده الشريف أشرف وأطهر من عرش الرحمن. هل يقول هذا مسلم؟ هم يقولون: نحن نقلنا هذا الكلام من كتب العلماء، ونقل الكفر ليس بكافر. هذا كلام غير مقبول.
يقولون إذا أتيت إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام فقل: السلام عليك يا أول، السلام عليك يا آخر، السلام عليك يا ظاهر، السلام عليك يا باطن. هل يقول هذا مسلم؟ والله عز وجل يقول في الآية الثالثة من سورة الحديد: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ﴾ [الحديد: 3]. هذا الله عز وجل، لكن يقولون: هذا حبنا له عليه الصلاة والسلام، ونحن نؤول بأنه الأول ممن تنشق عنه الأرض، والآخر من كذا. هذا كلام غير مقبول مطلقاً، ولا يصدر من مسلم عاقل، إنما هو الغلو والخروج عن دين الله عز وجل.
ننتقل إلى مسألة أخرى، وهي خاتم النبي عليه الصلاة والسلام. وكثيراً ما نرى من الناس من يلبس الخاتم ويقول: هو سنة. فهل هو سنة؟ الجواب أن التختم ليس بسنة؛ النبي عليه الصلاة والسلام تختم للحاجة وليس للزينة صلى الله عليه واله وسلم. والبعض قد يغلو ويذهب إلى مذاهب عجيبة فيتختم زاعماً أنها من السنة، ويتخير أنواعاً من الحجارة؛ فهنالك العقيق وهنالك عين النمر، وهنالك شيء أحمر وشيء أسود وشيء بني، وهذا اعتقاد معروف عند الرافضة يفعلونه تديناً، وهو من الأمور الشركية. فيقولون: هنالك الخاتم الذي يساعد على الحصول على الولد، وآخر يزيد في الرزق، وثالث يمنع من الضر، وآخر يجلب النفع. هذا كله الشرك بالله عز وجل ولا أصل له ولا حقيقة، لأنها حجارة لا تضر ولا تنفع، ولم يصح عن النبي عليه الصلاة والسلام فعل ذلك أبداً.
جاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان خاتمه من ورق، يعني كان يتختم بالفضة، وكان فصه حبشياً. قيل كان له أكثر من خاتم، وقيل هو خاتم واحد وهو الصحيح، ولكن الذي صاغ هذا الفص صنعه حبشي فنسب إليه. هذا الخاتم لماذا اتخذه عليه الصلاة والسلام؟ جاء في الحديث المتفق على صحته أن الرسول عليه الصلاة والسلام عندما أراد أن يكتب الرسائل يدعو فيها الأكاسرة والقياصرة، احتاج إلى ختم، فاصطنع خاتماً صلى الله عليه وآله وسلم.
هذا الخاتم أو المهر الذي يمهر به يختم به، ماذا كان مسطوراً عليه؟ كان نقشه محمد، سطر، رسول، سطر، الله، سطر. لا كما هو مشتهر الآن للأسف الشديد شعاراً للجماعات الإرهابية والخوارج، تجده على أعلامهم قاتلهم الله أنى يؤفكون، الذين وصفهم الله عز وجل، الذين وصفهم الرسول عليه الصلاة والسلام بأنهم كلاب النار، تجد عندهم هذه الأعلام السوداء وعليها الله رسول محمد، ويقولون إن هذا ختمه عليه السلام. هذا غير صحيح، ما ثبت في السنة أنها كانت مقلوبة هكذا، إنما الثابت أنها كانت محمد، سطر، الأول الفوقاني، ورسول، ثم لفظ الجلالة الله. هذا ختمه صلى الله عليه وآله وسلم.
وهذا الخاتم كان عند النبي عليه الصلاة والسلام حتى مات، ثم كان في يد أبي بكر، ثم كان في يد عمر، ثم كان في يد عثمان رضي الله عنهم أجمعين فترة من خلافتهم، ووقع منهم في بئر أريس. هذه البئر المعروفة بئر أريس، هذه هي البئر التي أبو موسى الأشعري كان بواباً للنبي عليه الصلاة والسلام، وقد دخل عليه صلى الله عليه وسلم أبو بكر وعمر بجانبه ولم يكن هنالك مكان، فأدلوا أرجلهم في البئر، فجاء عثمان وجلس في مقابلة هم. كان يبشر أبا بكر وعمر بالجنة، قال: ائذن له وبشره بالجنة على مصيبة تصيبه، أو كما قال عليه الصلاة والسلام، فاسترجع، ودخل. هذه البئر موجودة بالقرب من مسجد قباء، وكانت معروفة إلى وقت قريب، ثم إنها دخلت في التوسعة الأخيرة في الجهة الغربية منه.
والرسول عليه الصلاة والسلام كما جاء في الحديث الصحيح أنه كان يتختم في اليمنى، لكنه نهى عن التختم في هذين الإصبعين، في السبابة وفي الوسطى. حرم ذلك النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في كتاب اللباس من صحيح الإمام مسلم عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أنه نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن التختم في الوسطى والسبابة. والصحيح أن هذا النهي خاص بالرجال، أما النساء فلها أن تتختم كما شاءت.
وبالنسبة للتختم بالذهب فهو أمر محرم كما جاء في الحديث الصحيح أنه نزع خاتماً من ذهب من يد أحد أصحابه وهو مغضب عليه الصلاة والسلام، وقال: يعمد أحدكم إلى جمرة من النار فيضعها في يده. كما جاء النهي عن التختم بالحديد، وهذه مسألة فيها خلاف، والذي يظهر والعلم عند الله أن التختم بالحديد مباح ولا شيء فيه، والله أعلم ونسبة العلم إليه أسلم. وإلى أن نلقاكم في حلقة أخرى استودعكم الله عز وجل، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عاصم الحكيم