يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريده سهل النوال ميسراً، يأتيك ميسوراً بأي مكان. زاد أكاديمية ينبوعها صاف ليروي غلة الظمآن، والسير العلياء عطرة الشذى، طيب يفوح لأهل كل زمان. بشرى زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. في هذا الدرس السابع من شمائل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، نتحدث بإذن الله عز وجل عن أمر تكلم عنه أصحاب هذا العلم الشريف، ألا وهو عمامة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
العمامة كلمة فضفاضة عامة، هي كل ما يلبسه المرء على رأسه، سواء كانت مغفراً أو بيضة أو ما يلف على الرأس من عمائم كما تجمع، وعمامة المغفر هو مثل الخوذة التي توضع على الرأس يتقى بها الضرب في الحروب. ولذلك قالوا في أصل كلمة الاستغفار هو طلب الوقاية من عقوبة الذنب، ومنه كلمة المغفر يتقى بها الضرب. هذه العمامة كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يلبسها، وكان يلبس الألوان المختلفة منها، ولم يقتصر على لون واحد على الرغم من اتفاقنا أن اللون الأبيض هو اللون المحبب والمستحب والمسنون لبسه وارتداؤه، كما جاء في الحديث عن النبي عليه الصلاة والسلام وتكلمنا عن ذلك في درس ماض.
جاء عن عمرو بن حريث رضي الله عنه قال: كأني أنظر الساعة إلى النبي عليه الصلاة والسلام على المنبر وعليه عمامة سوداء قد أرخى طرفها بين كتفيه، معنى أرخى طرفها أي أرسل الطرف من وراء ظهره خلفه من بين كتفيه. وجاء في تحفة الأحوذي عن جابر رضي الله عنه في باب إرخاء العمامة بين الكتفين، قال جابر: دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة يوم الفتح وعليه عمامة سوداء، إذاً لبس العمامة ذات اللون الأسود هذا قد فعله النبي عليه الصلاة والسلام، لكنه أيضاً ثبت عنه أنه لبس العمامة البيضاء والسوداء والصفراء والخضراء، فكل هذه الألوان لبسها صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يعتم أي يلبس العمامة.
هل كان يلبس تحتها قلنسوة؟ وما هي القلنسوة؟ هي ما نعرفه بتعبير الدارجة اليوم بالطاقية. فقال ابن القيم رحمه الله: ربما النبي عليه الصلاة والسلام يلبس العمامة ومعها هذه القلنسوة، ما يلبس تحت العمامة، وربما لبس القلنسوة بدون عمامة، وربما لبس العمامة بدون قلنسوة، ففعله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لهذه الأمور كلها.
بالنسبة للذؤابة للطرف، لأنه كما نعلم أن العمامة لها طرفان، فطرف يكون في الداخل وطرف يأتي في النهاية، هل دائماً مكانها في الخلف أو أنها تخفى؟ الذي جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يرسل هذه الذؤابة أو العذبة من وراء ظهره بين كتفيه، وجاء في الأحاديث الصحيحة أنه ربما جعلها من أمامه فتأتي من الأمام، وربما تكون من الخلف وراء ظهره من بين كتفيه عليه الصلاة والسلام.
هل جاء شيء في طولها؟ لم يأتِ شيء في طولها محدد، أن العلماء قالوا إن من الآداب العامة أن تكون العذبة قصيرة فلا تطول طولاً فاحشاً، يعني ممكن للإنسان أن يتخذ عذبة وتكون طويلة مثل الذيل، وهذا الطول الفاحش ليس من الآداب العامة. قال الإمام النووي رحمه الله في شرح المهذب: إرسال العذب إرسالاً فاحشاً كإرسال الثوب يحرم للخيلاء ويكره لغيره، وهذه مسألة من الضروري أن ينتبه لها المسلم، كل ما يدخل على قلبه شيئاً من الخيلاء فهو محرم، سواء كان في لباسه، سواء كان في مشيته، سواء كان في مركوبه، هذه كلها تجتنب حفاظاً على القلب؛ لأنه لن ينفع أحداً شيئاً يوم القيامة إذا جاء ربه عز وجل أن يأتي بقلب سليم، والقلب الذي قد خالطه شيء من خيلاء والكبر ورؤية النفس على الخلق لا شك أنه ليس بقلب سليم.
هل جاء شيء في حجم العمامة؟ وما الذي قد يؤدي بالإنسان إلى مثل هذا السؤال؟ الثقافات والعادات والتقاليد من بلد إلى آخر تختلف، وهنالك من يلبس العمامة الضخمة الكبيرة التي ربما عجز عن حملها، والعرب كانت تقول قديماً: إن العمائم تيجان العرب، فكانوا يجدون فيها شيئاً من الجمال وشيئاً من الاحترام، فبعض الثقافات والتقاليد ترى أنه كلما كبر حجم العمامة كلما ازدادت جمالاً وفضلاً، ومنهم من ربما يلبس العمامة كالقبعة طاقية ما ترى فيها أي فرق، إنما هي فقط قطعة قماش صغيرة، فهل جاء شيء في حجمها؟ قال السيوطي رحمه الله: وأما مقدار العمامة فلم يثبت في حديث، إذاً حجمها ما جاء مقدراً بحديث. وقال ابن القيم رحمه الله: ولم تكن عمامته عليه الصلاة والسلام كبيرة بحيث يؤذيه حملها، ولا صغيرة لا توفي الرأس حقه من الوقاية والحماية، بل كانت وسطاً بين ذلك، لم تكن عمامته كبيرة ولم تكن صغيرة، إنما خير الأمور الوسط، وبهذا نعلم أن الاعتدال في حجمها وفي شكلها هو من الأمور المحمودة.
لأن «يأخذ أحدكم أحبله ثم يأتي الجبل، فيأتي بحزمة من حطب على ظهره فيبيعها، فيكف الله بها وجهه خير له من أن يسأل الناس أعطوه أو منعوه». توجيه نبوي لعلاج أخطر المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في واقعنا المعاصر، وهي البطالة، وترجع أسبابها إلى احتقار بعض المهن أو رفضها بحجة عدم المناسبة، اعتماد بعض الشباب على الوالدين، المعدلات المنخفضة للنمو الاقتصادي، التقدم التكنولوجي والاستغناء عن العمالة، ضعف نظم التعليم والتدريب. وتكمن خطورة تلك الظاهرة في آثارها والتي منها الإصابة بالإحباط وعدم الثقة مما يولد اكتئاباً وقلقاً وشعوراً بالفشل، التوجه للجريمة والانحراف كالمخدرات والسرقة والتطرف، إهدار الطاقات الإنتاجية، الفراغ القاتل الذي يؤدي إلى عواقب لا تحمد نتائجها. ويتوقف علاج تلك الظاهرة على تنشئة الشباب على حب العمل والإيجابية، تقديم القدوات الجادة الناجحة، توفير فرص العمل المناسبة، تقديم الدورات التدريبية المؤهلة للمشاركة في سوق العمل، الإقراض الحسن للمشاريع الصغيرة والأعمال الفردية وإنظار المعسرين منهم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما أكل أحد طعاماً قط خيراً من أن يأكل من عمل يده، وإن نبي الله داوود عليه السلام كان يأكل من عمل يده».
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. الآن بعد أن تحدثنا عن العمامة ولونها وعن شكلها وحجمها وصفتها، يأتي السؤال الذي يشرع لنا كمتدينين أن نسأل عنه: هل لبس العمامة من السنة أو ليس من السنة؟ جاءت أحاديث كثيرة في فضل الصلاة بالعمامة عن الصلاة بدونها وفي فضل العمامة ولبسها عامة، ولا يصح في هذه الأحاديث شيء كما يقول أهل هذا العلم، إذاً لا يوجد حديث واحد في فضل لبس العمامة. والسنن كما يقول العلماء نوعان: سنن عادة وسنن عبادة، فسنن العادات هي أفعال اعتاد الناس في زمنه القيام بها ولم يأتِ فيها حديث باستحبابه. فكون النبي عليه الصلاة والسلام يركب البغل كما جاء عنه في مثلاً غزوة حنين، وهي غزوة الناس يركبون الجمال ويركبون الخيول المقدام التي تساعدهم على الكر والفر، لكن الرسول عليه الصلاة والسلام ذهب وهو متوكل على الله موقن بالنصر، فلا يحتاج إلى ركوب مثل تلك الدواب، ركب بغلة ويهجم على القوم عند فرار المسلمين ويقول: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». هل يستطيع إنسان أن يقول: أنا أذهب كل صباح إلى عملي أو إلى الجامعة على بغلة لأن هذا فيه أجر؟ لا شك أن هذا خلاف السنة وليس هو من السنة في شيء، فعله الرسول عليه الصلاة والسلام نقول: فعله عادة ولم يفعله قربة إلى الله عز وجل.
آخر يذهب إلى عمله وهو يلبس الإزار والرداء كما كان يفعل ذلك الرسول عليه الصلاة والسلام، أو يلبس البرنص، أو يلبس بردة ملحاء، أو يلبس ما كان يلبسه عليه الصلاة والسلام، نقول هذه من سنن العادات. سنن العبادات ما جاء في استحبابه أحاديث أو في فرضيته ووجوبه كقوله: «أعفوا اللحى»، «أكرموا اللحى»، «أسبلوا وأرخوا اللحى»، هذه أوامر، فإذا أنت التحيت وأطلقت لحيتك هذه سنة واجبة تثاب على فعلها، وإن لم تفعلها أثمت على ذلك. عندما كان يدخل المسجد برجله اليمنى هذه عبادة وليست عادة؛ لأنها متعلقة بمسجد ببيت من بيوت الله. إذاً لبس العمامة مسألة مردها إلى العرف، ما تعارف عليه القوم في تلك البلاد، فإن كانت من عاداتهم فبها ونعمة، وإن لم تكن، أصبحت إن اتخذت عبادة بدعة. وأضرب لكم مثالاً: بلد أهلها لا يلبسون العمائم، لكنه إذا أقيمت الصلاة أخرج كل منهم أي شيء يضعه على رأسه، وقد رأيت من الناس من إذا جاء وقت الصلاة أخرج منديلاً ووضعه على رأسه وربط أطرافه بحيث يثبت على رأسه، وإذا انتهت الصلاة خلعه، لا شك أن هذه بدعة؛ لأن هذا الفعل جعل مرتبطاً بالصلاة وليس هو منها، ففعل هذا الأمر أمر منكر ينبغي التنبه عليه.
الآن النبي عليه الصلاة والسلام عمامته كما جاء في وصفها، منه أو من الأوصاف أنه كان يلبس العمامة ويتحنك بها، والتحنيك هو أن يجعل طرف العمامة من تحت حنكه، وهذا يعني نوع من أنواع تثبيت العمامة بحيث لا تسقط، فكان أنها على الرأس مربوطة كالخوذة التي ربما يطرحها البعض أثناء الوضوء. هل أستطيع أن أمسح على العمامة كما أمسح على الخفين؟ جاء عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أن الرسول عليه الصلاة والسلام مسح أثناء الوضوء على ناصيته وعلى عمامته وخفيه، وجاء عن عمرو بن أمية رضي الله عنه أن الرسول عليه الصلاة والسلام مسح على عمامته وخفيه ولم يذكر الناصية. لذا اختلف أهل العلم: هل يجوز المسح على العمامة فقط أم لا يجوز؟ الجمهور على عدم جواز المسح على العمامة. الإمام الشافعي مثلاً ذهب قال: إذا مسح على الناصية والعمامة جاز متبعاً للحديث. ومن أهل العلم، وهو قول عند الإمام أحمد، وهو اختيار ابن حزم، أن المسح على أي شيء على الرأس جائز، قلنسوة كان أم قبعة أم غير ذلك. والقول الثالث، وهو الأرجح، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية والشيخ العثيمين رحمهم الله، أنه إن كانت هنالك مشقة في نزع ولبس العمامة جاز المسح عليها، والأولى أن يمسح على شيء من رأسه، مذهب الشافعي أنك إذا مسحت على جزء من الرأس أجزأ، والصحيح أنه لابد من أن يمسح على الرأس كله، فالقول الثالث هو القول الأرجح. قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: وعلى كل حال إذا كان هناك مشقة، إما لبرودة الجو أو لمشقة النزع واللف مرة أخرى، فالتسامح في مثل هذا لا بأس به، وإلا فالأولى ألا يمسح، ولم ترد نصوص صحيحة في الباب.
طبعاً هذا القول يتفق ويتسق مع المسح على غطاء الرأس بالنسبة للمرأة، لأن الشيخ رحمه الله عليه كان يرد أو يجيب على السؤال: هل يجوز للمرأة أن تمسح على خمارها؟ فهذا القول الثالث هو الأرجح، وقد ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه مسح على عمامته، ولا فرق بين عمامة الرجل وخمار المرأة، بل المرأة أولى بالجواز لما ذكره شيخ الإسلام من أسباب. وعليه فليس كل غطاء للرأس يمسح عليه، بل ما كان الرأس مستوراً به وثمة حرج في نزعه، كامرأة تخشى رؤية شعرها، أو كانت تغطي رأسها المخضب بحناء، أو كان ثمة برد تخشى على نفسها منه، ومثل هذا من الأعذار، هذا كلام الشيخ ابن عثيمين رحمه الله عليه. والذي يظهر العلم عند الله عز وجل، أن إذا وجدت المشقة بالنسبة لوضع العمامة وخلعها، كما يوجد عند إخواننا من السودان على سبيل المثال؛ فإنهم يلفون العمامة مرات عديدة على الرأس ويصعب عليهم وضعها وخلعها، آنذاك إن كانت هذه هي الحال فلا حرج إن شاء الله في المسح عليها في الوضوء. بالنسبة للمرأة كثيراً ما تسأل الأخوات عن هذا الحكم، وقد تقدم إليكم جواب شيخ الإسلام والشيخ ابن عثيمين بأنه إذا وجدت المشقة، ولكن المرأة لابد أن تكون صادقة هل حقيقة توجد مشقة أو لا توجد؟ إن زعمت أنها تخشى رؤية الرجال لها، فكيف سوف تغسل ذراعيها إلى مرفقين؟ لا شك أن مسح الرأس من تحت الغطاء أو من تحت الحجاب هكذا تذهب وترجع أسهل من غسل اليدين إلى المرفقين، فهي حجيجة نفسها وهي أعلم بحالها. الحكم كما تقدم بالنسبة للمشقة من عدمها، والله عز وجل أعلى وأعلم.
إن أردت النجاح في الدنيا والسعادة في الآخرة فاسلك طريق العلم، لكن الآفات على هذا الطريق كثيرة، منها الرياء بأن يراد بالعلم الشهرة وثناء الناس، قال صلى الله عليه وسلم: «من طلب العلم ليماري به السفهاء، أو ليباهي به العلماء، أو ليصرف وجوه الناس إليه، فهو في النار». ومنها الكبر والعجب، قال مجاهد: لا يتعلم العلم مستحٍ ولا مستكبر. ومنها الحسد، قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ [آل عمران: 19]، أي بغى بعضهم على بعض فاختلفوا في الحق لتحاسد وتباغض. ومنها الانشغال بالدنيا وملهياتها وإشغالها عن تحصيل العلم النافع. ومنها التعالم والتصدر قبل التأهل، فإن التصدر يمنع من تلقي العلم، قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: تفقهوا قبل أن تسودوا. ومنها الفتور والكسل، قال صلى الله عليه وسلم: «إن».
لكل عمل شِرة، ولكل شِرة فترة، فمن كانت فترته إلى سنتي فقد أفلح، ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك؛ فالزم طريق العلم ولا تكن من الآفات، واحذر من قطاع الطريق. قال تعالى: ﴿يَصُدُّوكُمْ عَنِ السَّبِيلِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ﴾ [الزخرف: 62].
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. ننتقل الآن إلى مسألة أخرى، ألا وهي إزرة النبي عليه الصلاة والسلام وما جاء من أحاديث فيها؛ فالرسول صلى الله عليه واله وسلم تحدث في هذا الموضوع وأسهب فيه، وكل من أراد أن يتبع سنة الرسول عليه الصلاة والسلام، وكل محب للنبي عليه الصلاة والسلام، وكل راغب في اتباع سنته، يجب عليه أن يدرس هذه الأحاديث ويطلع عليها ويفعلها ويؤديها وينصح الناس بها.
النبي عليه الصلاة والسلام كما جاء في أحاديث كثيرة صحيحة، إزاره، ما هو الإزار؟ الإزار هو كل ما يتزر به الإنسان أو ما يلبسه الإنسان في الجزء السفلي من جسده، فالرداء هو للجزء العلوي، والإزار هو ما يربطه وما يلبسه على حقويه وعلى وسطه، فإذا نزل فهذا اسمه إزار؛ مثل البنطال، مثل الفوطة، مثل الثياب كلها، القميص هذا قطعة واحدة ولكنه أيضاً يأخذ حكم الإزار فيما نزل.
جاءت الأحاديث أن النبي عليه الصلاة والسلام كان إزاره إلى نصف الساق، تخيل! الرسول عليه الصلاة والسلام ما بين ركبته وما بين قدمه النصف، هذه العظمة الساق نصفها كان يلبس إزاره، لم يكن يتجاوز ذلك. وجاء في أحاديث كثيرة بعض الصحابة النبي عليه الصلاة والسلام يأتيه ويطلب منه أن يرفع إزاره، ثم يبين له عملياً صلى الله عليه وسلم، فيأتي إلى الركبة ويضرب بأربعة أصابع تحت الركبة فيقول: «إزرة المؤمن هاهنا» أربعة أصابع تحت الركبة، ثم يقول: «فإن أبيت فهاهنا» ويزيد عليها أربعة، يعني أصبح ثمانية أصابع، إذاً إزرة المؤمن هاهنا، فإن أبيت فهاهنا ثمانية أصابع، قال: «ولا حظ للإزار في الكعبين، فهي عفو لا حرج فيها، ولا يجوز لك أن تسبل أسفل من الكعبين».
إذاً مسألة عظيمة، هذه السنة إذا رأيت أنت رجلاً وهو يرتدي ثوبه إلى نصف الساقين، كيف تشعر به؟ الآن كثير من الناس يشعر بالاشمئزاز، إيش هذا؟ ومنهم من ربما يستهزئ لجهلهم بالسنة، قال: هذا لابس ثوب "ماكسي"، هذا يتشبه بالنساء! سبحان الله العظيم، أصبح الآن من يلبس الثوب المتفق مع السنة والموافق لأمر الرسول عليه الصلاة والسلام إلى أنصاف الساقين يتشبه بالنساء، وذاك الذي يجر ثوبه خلفه ويستر قدميه ويتجاوز الكعبين هذا ماشي صح مع الموضة! كيف اختلت المقاييس؟ المرأة تلبس القصير هذا شيء طيب، الرجل يلبس القصير أعوذ بالله! فلا يعرف الناس الآن المعروف من المنكر، اختلطت الأمور للجهل بسنة النبي عليه الصلاة والسلام. والغالبية العظمى من الناس اليوم ثيابهم بناطيلهم سراويلهم كلها تتجاوز الكعب.
فما حكم تجاوز الكعبين بالإزار أو بالثوب؟ أولاً ما هو الكعب؟ الكعب هو العظمان على جانبي القدم حيث يلتقي الساق بالقدم، هذان العظمان أو النتوءان البارزان هذان هما الكعبان. أضف إلى ذلك أن تجاوز هذين الكعبين بالثوب له أحكام، أخفها أن من فعل ذلك عوقب في نار جهنم، بمعنى هذا الكعب إذا الإنسان لبس ما بين الكعب وعقبه، إلى هنا هذه المنطقة في النار، إلى هنا هذه المنطقة في النار، كلها هذه المنطقة في النار، ما أسفل الكعبين في النار كما قال عليه الصلاة والسلام.
وهذه عقوبة عظيمة، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أخبرنا أن أهون الناس -أخف الناس- عذاباً يوم القيامة رجل يوضع في نعله جمرة من النار يغلي من حرها دماغه، هذا أخف إنسان في العذاب، وهذا الذي يعذب بسبب إسبال الإزار، لا شك أن عذابه سيكون إما مثل أخف الناس عذاباً يوم القيامة أو أعظم، نسأل الله العافية. هذا هو أخف عقوبة للإسبال، هل هناك عقوبة أعظم؟ نعم.
هذا الذي يسبل بدون خيلاء، بدون فخر ولا تكبر، إنما تهاوناً كسلاً، رؤية للخلق، اتباعاً لهم، هذه عقوبته أنه ما أسفل من الكعبين في النار. طيب لو كان بخيلاء؟ لو كان بخيلاء هذا أمره أمر آخر، استمع إلى شيء من هذه الأحاديث؛ روى البخاري أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «ما أسفل من الكعبين إزار ففي النار»، هذا بدون خيلاء. وقال عليه الصلاة والسلام كما روى الإمام مسلم في صحيحه: «ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة» هذه عقوبة رقم واحد، «ولا ينظر إليهم» اثنين، «ولا يزكيهم» ثلاثة، «ولهم عذاب أليم» أربعة، أربع عقوبات، منهم يا رب؟ قال عليه الصلاة والسلام: «المسبل والمنان والمنفق سلعته بالحلف الكاذب». إذاً المسبل هنا له أربع عقوبات مش "ما أسفل من الكعبين في النار" فقط.
وقال عليه الصلاة والسلام: «الإسبال في الإزار والقميص والعمامة، من جر منها شيئاً خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة». أيوه الآن الخيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة، بالإضافة إلى ما أسفل من الكعبين في النار. وعن ابن عباس أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله عز وجل لا ينظر إلى مسبل الإزار». إذاً عدم النظر والنار، وقال عليه الصلاة والسلام: «لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطراً»، وقال: «إياك وإسبال الإزار فإنها من المخيلة، وإن الله لا يحب المخيلة»، وقال: «من جر ثوبه خيلاء لا ينظر الله إليه يوم القيامة». إذاً هذه الأحاديث كلها تدلك على أن الإسبال عقوبته ما أسفل من الكعبين في النار، أما إن صحب ذلك الخيلاء والكبر والفخر فإن هذا عقوبته أنه لا ينظر الله عز وجل إليه ولا يزكيه، إلى آخره ما جاء من عقوبات.
قد يقول قائل: سيدنا أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه كان يفعل ذلك، كان يسبل؟ فنقول هذا غير صحيح؛ أبو بكر عندما سمع هذه الأحاديث رضي الله عنه وأرضاه قال: يا رسول الله، إني رجل نحيل، أولاً أنا إنسان نحيف، وإني أتعاهد إزاري، يعني دائماً كل شوية أترقب وأتعاهد أحد جانبي يسترخي، ومع ذلك أحد الطرفين يرتخي، فأنا أخشى أن أكون منهم، فقال عليه الصلاة والسلام: «إنك لست ممن يفعله خيلاء». فإذاً هذا جاءه التبري وجاءته البراءة من النبي عليه الصلاة والسلام، أنت من يوجد كي يمنحك شهادة البراءة من هذا الخيلاء؟ إذاً لا يجوز لمسلم أن يفعل هذا الفعل وهو يعلم أن عقوبته تتراوح ما بين تعذيب هذا العضو في النار إلى العقوبات الرباعية سابقة الذكر، ولا شك أن المسلم يحرص أشد الحرص على تجنب والابتعاد عن هذه الكبيرة، وهي ليست من صغائر الذنوب بل هي من الكبائر.
وهي ليست خاصة بالرجال فحسب، بل وأيضاً في النساء؛ جاء عن أم سلمة رضي الله عنها أنها عندما سمعت هذه الأحاديث قالت: يا رسول الله، كيف تصنع النساء بذيولهن؟ طب أنت تقول لا تجروا الثياب، ماذا تفعل المرأة بآخر الثوب؟ فقال: «ترخينه شبراً»، قالت: إذاً تنكشف أقدامهن، قال: «ترخينه ذراعاً لا تزدن»، يعني ما يغطي قدميها بحيث لا تنكشف لكن لا تزد. قارن هذا بفعل النساء الآن في مثلاً فساتين الأفراح، حيث تجد أن فستان الفرح ربما كان له ذيل بمتر أو مترين، لا شك أن هذا من سخط الله عز وجل، وأن هذا أمر لا يرضي الله سبحانه وتعالى ولا يجوز في شرعه.
بقي معنا مشية الرسول عليه الصلاة والسلام، لعلنا نؤخرها للدرس الثامن بإذن الله، هذا والله أعلم ونسبة العلم إليه أسلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد.
الشيخ عاصم الحكيم