بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد. السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. في درس اليوم نتحدث عن هديه صلى الله عليه وآله وسلم في تناول الطعام.
الأكل كغيره من الأمور هو من المباحات، وهو من نعم الله عز وجل علينا، وقد ضبط الإسلام هذا المباح وجعل له كغيره من الأمور سننا وواجبات، من أتى بها على وجهها تحولت من مباحات إلى عبادات وطاعات. فمن ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أرشد أمته إلى التواضع، فأمة محمد ليست أمة كبر وافتخار وبطر وأشر، بل هي أمة المتواضعين. نهى الرسول عليه الصلاة والسلام أمته عن الأكل في آنية الذهب والفضة، فقال: «إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الفضة والذهب إنما يجرجر في بطنه نار جهنم». وهذا الوعيد يشمل تناول الطعام والشراب في الصحون، الملاعق، الشوك، الكاسات، كل ما يتعلق بالطعام والشراب وفيه شيء من الذهب والفضة. ولأسف فان معظم الفنادق الخمس نجوم أو المطاعم الفاخرة الآنية فيها، الملاعق والشوك والسكاكين من فضة في الغالب، وتجد الدمغة التي تثبت ذلك على هذه الآنية، والمسلمون يأكلون فيها بعلم أو بغير علم، وهو أمر محرم عليهم لا شك.
هدي عليه الصلاة والسلام في الطعام أكمل الهدي، وقد جمع لنا آداباً؛ إذ رأى ذات يوم غلاماً يأكل معه تطيش يده في صحفة الطعام، فقال له: «يا غلام سم الله، وكل بيمينك، وكل مما يليك». وهذا فيه أدب رفيع؛ إذ إن النبي عليه الصلاة والسلام لم يكن ليرى منكراً ويسكت عنه، بل كان ينكر وينكر ليعلم، ينكر لينقذ من النار عليه الصلاة والسلام.
فبأد ذي بدء سم الله، فهو أمر مشروع لكل من بدأ في تناول الطعام أن يذكر اسم الله عز وجل عليه، وبين لنا العلة عليه الصلاة والسلام من وراء ذكر بسم الله عز وجل، إذ يقول: «إن الشيطان يستحل الطعام الذي لم يذكر اسم الله عليه». فماذا يفعل من شرع في الطعام ونسي ولم يتذكر إلا وهو يأكل؟ فضل الله عز وجل علينا أن الله جعل لنا ما نتدارك به مثل هذا النسيان للضعف والنسيان، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا نسي أحدكم اسم الله على طعامه فليقل إذا ذكر: بسم الله أوله وآخره».
ومن آدابه، أي آداب تناول الطعام التي أرشدنا إليها النبي صلى الله عليه وآله وسلم، أن المسلم لا يأكل ولا يشرب إلا بيمينه، ويحرم عليه استعمال الشمال في الأكل والشرب إلا أن يكون معذورا، كان يكون في يده علة أو مرض. قال صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تأكلوا بالشمال، فإن الشيطان يأكل بالشمال». فإذاً، هذه الأمور كلها تدلك على أن الشيطان مختلط بنا، يأكل الطعام إن لم نذكر اسم الله، وإن أكل أحدنا أو شرب بشماله شاركه في ذلك.
والعجيب أن من المسلمين من أصابته لوثة تقليد الغرب، فتراه لا يأكل ولا يشرب إلا بشماله؛ خاصة أولئك الذين يمسكون بالشوكة والسكين، يمسك الشوكة بشماله ويقطع اللحم وكذا، ويستنكر أن يمسك الشوكة مرة أخرى بيمينه فيأكل بشماله، وإن أنكرت عليه قال: يا اخي، انظر حولك، الناس يروني، أبدل الشوكة كل شوي، يضحكون علي، يقولون: هذا لا يعرف كيف يأكل! وهذا والله من الخلل.
بعض الناس تجده أثناء الاكل في الولائم إذا أكل بيده يأكل بفضل الله عز وجل بيمينه، ولكن المشكلة إذا أتى وقت الشرب، فهو يأكل بيمينه، يده فيها دسم، فيها زيت، ملوثة بالطعام، فيمسك بالكاس أو بعلبة المشروبات الغازية بشماله ويشرب بها! فإن أنكرت عليه قال: يا اخي، يدي هذه ليست نظيفة، واليمنى أو اليسرى نظيفة فأنا أشرب بها! وهذا أيضاً أمر محرم لا يجوز، لا في الشراب ولا في الطعام.
جاء في صحيح الإمام مسلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم راى رجلاً يأكل بشماله، فأكده عليه الصلاة والسلام، أنكر عليه وهو الرسول وهو خير خلق الله عز وجل وهو المبلغ عن دين الله تعالى، فقال له: «كل بيمينك». الرجل فيه كبر وتعنت، وهو منافق في الغالب، فرد على النبي عليه الصلاة والسلام كاذباً فقال: لا استطيع -يعني اليمنى فيها شيء ما استطيع أن أكل بها-. فلما عرف النبي عليه الصلاة والسلام بوحي الله عز وجل له أن الرجل يكذب وأنه يستطيع أن يأكل بيمينه ولكنه امتنع عن الانصياع لأمره عليه الصلاة والسلام كبراً وتعنتاً، دعا عليه النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقال: «لا استطعت»، فشلت يده فلم يستطع أن يرفعها إلى فيه! وهذا يدلك على أن الأكل بالشمال ليس بالامر الهين الذي نقول: يا اخي، لا تدقق، والا ما كان النبي عليه الصلاة والسلام ليدعو على هذا الرجل بتلك الصورة. والله أعلم.
من هديه صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يأكل بثلاثة أصابع؛ الإبهام والسبابة والوسطى. هذا هديه صلى الله عليه وآله وسلم. قال عياض رحمه الله: والأكل بأكثر من ثلاث من الشره وسوء الأدب، ولانه غير مضطر لذلك لجمعه اللقمة وامساكها من جهاتها الثلاث. وإن اضطر إلى الأكل بأكثر من ثلاث أصابع، أما لخفة الطعام أو عدم تلفيقه بالثلاث، يدعمه بالرابعة أو الخامسة، ولا حرج.
طيب، النبي عليه الصلاة والسلام، كما جاء في صفة جلسته، كان يجلس مستوفزاً على عقبيه، جلسة الإقعاء، أو على ما نسميه بركبة ونصف، ينصب قدمه ساقه اليمنى ويجلس على قدمه اليسرى؛ هذا كله كي لا يسرف في الأكل. وأكله بثلاثة أصابع من هذا القبيل أيضاً؛ لأن المسلم إذا أكل بثلاثة أصابع لم يأكل الكثير، إنما يشبع بسرعة، بخلاف من يأكل بالخمس وربما يعني يضغط الطعام ويكبس ثم يلقيه في فمه -كما قالوا: يأكل بالخمس ويدفع بالراحة، نسأل الله العافية-، فهذا من الشره، وهذا من الأمور التي ما هي بالمناظر الصحية الطيبة، بخلاف من يأكل بثلاث أصابع، لا تجد القذارة والدهن على يده وكفه، وربما ساعده! فهذه من السنن التي يعني هجرها كثير من المسلمين.
ولا حرج ولا باس مطلقاً في أن يأكل الإنسان بالشوكة والملعقة والسكين، فإن هذه من الأمور المباحة. لكن الإشكالية في أنك ترى من الناس من ينكر عليك إذا أكلت بأصابعك؛ هذا خطأ! فقد كان يفعل ذلك النبي عليه الصلاة والسلام، وهو من السنن؛ لأنه جاء بأكله بثلاثة أصابع، وهو من الأمور التي فيها بركة أن لعق الانسان اصابعه بعد الفراغ. فلا يجوز لك أن تنكر وتقول: يا اخي، ايش هذا؟ كل بملعقة، لا تأكل بمثل هذا الاسلوب! فهذا من الأخطاء.
من السنن، كما جاء في الحديث السابق، أن يأكل المسلم من أمامه. لماذا؟ الصحن عادة ما يكون كبيراً، يتحلق عليه مجموعة من الناس، وهذه السنة؛ لأنه من الخطأ أن يفعل البعض ويضع الطعام في صحنه ويذهب. الرسول أمر بالاجتماع على الأكل، وأن يأكل من إناء واحد، وأخبر أن البركة تنزل في وسط الطعام، فقال: «إن البركة تنزل في وسط الطعام، فكلوا من حافته ولا تأكلوا من وسطه». إذاً، السبب في النهي عن الأكل من غير ما يليك هو ألا تزول البركة عن الطعام، وقد حرم الإمام الشافعي رحمه الله الأكل من وسط الطعام لهذا الحديث، وهذا في حق الثريد والمرق ونحوها من المطبوخات.
بعض الأحيان ترى أشياء هكذا تريد أن تنتقيها من أمام الناس أو من وسط الطعام، أما ما يختار منه كالفاكهة ونحوها فليس منه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد. الرسول على سبيل المثال للحصر أمرنا بأن نأكل سويا وألا نأكل متفرقين، وهذا جاء في هديه وأمره لصحابته عندما اشتكوا أن الطعام لا يكفيهم، فسألهم، قال: «لعلكم تأكلون متفرقين؟» قالوا: نعم. فامرهم بأن يجتمعوا على الأكل، وبعدها وجدوا البركة في طعامهم، قال: «كلوا جميعاً ولا تفرقوا، فإن البركة مع الجماعة».
ومن هديه عليه الصلاة والسلام أنه كان يلحس أو يلعق أصابعه بعد الفراغ، وهذا من السنن الثابتة، وذلك بحثاً عن البركة، فقال عليه الصلاة والسلام: «ولا يمسح يده بالمنديل حتى يلعق أصابعه، فانه لا يدري في أي طعامه البركة». وفي صحيح الإمام مسلم عن أنس رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام أمرهم أن يسلت القصعة، أمرنا أن نسلت القصعة وقال: «إنكم لا تدرون في أي طعامكم البركة». فسلت القصعة أو الصحن أو الإناء يكون بتتبع الطعام وأخذه وألا يترك فيه شيء، وأن يمسح الطعام المتبقي. وكما تقدم، من الناس من الجهله من يتقزز إذا راى من يلحس أو يلعق أصابعه طلبا للبركة! وهذا خطأ؛ أنت إذا عرفت سنة النبي عليه الصلاة والسلام اطمأنت لذلك نفسك، وما همك الناس ماذا يقولون! لكن لو لم يكن لك علم أو كانت عندك عقدة نقص، فترى أن الغرب الكافر هو مقياس الحضارة، فتريد أن تأكل مثلهم وتفعل مثلهم وتتحدث مثلهم، أنذاك فاقرأ على -يعني- عقيدتك والتزامك وانتمائك للإسلام، اقرأ عليه السلام.
هنالك أخطاء شائعة وليست هي من هديه عليه الصلاة والسلام في الطعام؛ فالبعض إذا كان على طعام وانضم إليهم أحدهم فسلم، قالوا: لا سلام على طعام! والبعض قد لا يجيب من يتحدث معه ظناً أنها من السنة ألا يتكلم! هذا خطأ؛ فقد كان الرسول عليه الصلاة والسلام يعلم اصحابه وهو يأكل معهم، كما جاء في الحديث: «يا غلام سم الله»، كانوا يأكلون ومع ذلك علمه وتحدث صلى الله عليه وآله وسلم. والسلف كذلك كانوا يتحدثون ويتدارسون العلم وهم يأكلون، وهذه حال الناس -يعني- عادة أنهم يتسامرون على وجبات الطعام.
كذلك من الأخطاء الشائعة المخالفة لهديه وسنته عليه الصلاة والسلام أن الناس إذا وجد أن الطعام حار أو ساخن فإنهم ينفخون عليه أو على الشراب ليبرده، لأن الرسول صلى الله عليه وسلم جاء في الحديث الصحيح أنه نهى عن النفخ والنفس في الطعام. فالنفس في الإناء هذا منهي عنه؛ لأن الإنسان لا يدري ماذا يخرج مع نفسه إذا نفخ على الطعام، وهذا تفعله الأمهات كثيراً إذا أرادوا أن يطعموا أولادهن، وهو خطأ، هذا عليه جماهير أهل العلم من علمائنا. وهم قله من ذهب إلى أنه إن كان النفخ لضرورة جاز؛ مثل أن يكون الطعام ساخناً ويريد الإنسان أن يبرده لطفل أو لنحو جاز. ولكن الأسلم والأولى الوقوف عند النص؛ فالرسول عليه الصلاة والسلام عمم ولم يستثني، نهى عن النفخ وأنت لا تدري ماذا يخرج من نفسك! ولربما جاءت دراسة في المستقبل وأثبتت أن شيئاً من الميكروبات يخرج مع النفس أو الجراثيم التي تخرج عادة ولا تضر، ولكنها إن لاقت محيطاً أو بيئة حارّة كالطعام الساخن فإنها تتكاثر وتعظم بطريقة مرضية أو موبئة أو -يعني- شي من هالقبيل. الله أعلم، نحن لا نحتاج إلى تبرير طبي، نحن نقف مع النص وجوداً وعدماً، والله أعلم.
النبي صلى الله عليه وآله وسلم كما تقدم مراراً كان هديه التخفيف من الطعام. الناس في أيامنا هذه يعيشون للطعام، فيوم الإنسان عند البعض منا قد يتمحور على ما هو الغداء وما هو العشاء، ومن العوائل من تعيش يومها وليلها: أين نتعشى هذا المساء؟ فما تسالهم عن مطعم من المطاعم في البلد إلا ودلوك عنه وقالوا: هذا فيه كذا.
وعيوبه كذا، حتى إنك لا تتعجب؛ يعني الناس يمضون حياتهم في هذه الأمور ومنهم من لا يستطيع إلا أن يتناول الطعام في الخارج. وهذا ليس من هدي النبي عليه الصلاة والسلام ولا هدي السلف الصالح، ولا نقول إنه حرام، ولكنه مخالف للهدي النبوي، وفيه إسراف وفيه ركون إلى الدنيا. الرسول عليه الصلاة والسلام لا يرد موجوداً ولا يطلب مفقوداً؛ إن وجد شيئاً أكله وإن لم يجده تركه، ما هي مسألة اليوم أكل كذا وأكل كذا وأكل كذا، ويتكلف ويذهب ربما ساعة ليذهب إلى بعض المطاعم. وبعض المطاعم ترى الصف خلفها خارجها، يقفون الناس بالنصف ساعة وربما أكثر ينتظرون دورهم ليتناولوا الطعام؛ أي ذل واستعباد هذا؟
قال صلى الله عليه وآله وسلم: «ما ملأ ابن آدم وعاءً شرا من بطنه، بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه» وفي رواية: «بضع لقيمات يقمن صلبه»، يكفيك يا ابن آدم. أما قال ربنا عز وجل في الآية الجامعة: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا﴾ [الأعراف: 31]؟ قال الحكماء: هذه الآية جمعت الطب كله: وكلوا واشربوا ولا تسرفوا. فالنبي يقول عليه الصلاة والسلام: «بحسب ابن آدم أكلات يقمن صلبه، فإن كان لا محالة -يعني غصب عنك حتاكل حتاكل- فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه». إذا الإنسان ما يملأ بطنه، ولو اتبع كل منا هذه الوصية النبوية لما رأينا ما نراه من الأسقام والأوجاع وانتشار السمنة حتى في الأطفال الصغار، تجد الطفل ما شاء الله عبوة اقتصادية، لماذا؟ من كثرة الأكل والحلوى والأمور الغير صحية، ما كان هذا من هديه صلى الله عليه وآله وسلم. فكان يقلل من الطعام وكان عنده الشيء الكثير من الزهد في هذه الأمور التي قد تؤدي للإسراف، مع الشيء الكثير من التوازن.
كذلك من هديه صلى الله عليه وآله وسلم ما فرط فيه كثير من المسلمين اليوم؛ أدب رفيع ما يصدر إلا من خيار الناس، وهو خيرهم صلى الله عليه وآله وسلم. أمنا عائشة تحدثنا عن هذا فتقول رضي الله عنها وأرضاها: «ما عاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم طعاماً قط، إن اشتهاه أكله وإن كرهه تركه». وأنت إن ذهبت تقارن هذا الهدي الشريف بحالنا لرايت عجباً؛ من الناس من لا يسلم أحد من لسانه، إن دعي إلى وليمة أكل مثل الحيوان المفترس وشرب شرب الهيم، وبعد أن فرغ من ذلك كله يبدأ ينتقد الطعام، اللحم كان يحتاج إلى طهي زيادة، الملح قليل، الفواكه ليست متنوعة، كذا، يعيب هذه الأمور. وهذا ليس من أخلاق الكرام، هذا سوء أدب ونقص في الأخلاق، المسلم يكون سمح الأخلاق خاصة مع أهل بيته. وكم من جهلة ضعاف الإيمان معدومي الأخلاق من ينتتقد عمل امرأته التي أمضت ساعات طوال في المطبخ تحاول إرضاءه، وهذا خطأ، إن كان يمكن تدارك الخطأ فبها ونعمة؛ كان يكون الأكل يحتاج إلى تسخين فتطلب بلطافة أن سخنوا الطعام مرة أخرى لا حرج، أما إذا كان الأكل لا يمكن تدارك الخطأ فيه؛ محروق، فلا خير إلا في التغاضي والتغافل وعدم جرح المشاعر، ثم بعد ذلك باسابيع بفترة إن استطعت أن تتحين الفرصة المناسبة للتذكير أو لابداء النصيحة فهذا من الأمور الطيبة.
كما يسن، كما أرشد عليه الصلاة والسلام، يسن للمسلم أن يغسل يديه، أهل العلم يقولون غسل اليدين قبل الطعام وهذا من الأمور البديهية الامور التي لا تحتاج إلى معرفة بالسنه أنه من النظافه ومن اللائق طبيا أن تغسل يديك، لكن غسل اليدين بعد الطعام هذا من السنة الثابتة. قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إذا نام أحدكم وفي يده ريح غمر» بمعنى أي ريح دسم اللحم «فلم يغسل يده فأصابه شيء فلا يلومن إلا نفسه». إذاً غسل اليدين هذا من السنة بعد الفراغ من الطعام.
والله عز وجل هو أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين، هو الذي يدبر أمورنا وهو الذي يرزقنا الطعام والشراب من غير حول منا ولا قوة، ومع ذلك أرشدنا إلى حمده، ومع ذلك جازانا إن حمدناه بمغفرته ورضوانه. قال الرسول صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الله ليرضى عن العبد يأكل الأكلة ويشرب الشربة فيحمد الله عليها». سبحان الله، هو الذي يرزق فإن حمدناه يرضى؛ فأي رب أكرم من هذا الرب عز وجل؟ بل إن الله تعالى جعل شكرك ورضاك وحمدك على ما رزقك إياه سببا لغفران الذنوب. الأصل أنه يرزقنا ويطلب منا أن نعمل وأن نجتهد، كما قال سفيان الثوري: كان إذا جاء الليل أكل أكلاً كثيراً ثم يقوم يحيي الليل إلى الفجر، يقول: أعلف العبد أو اطعم العبد ثم قده، شغلها. لكن الله عز وجل يرزقنا وبعد ذلك يغفر لنا. قال صلى الله عليه وسلم: «من أكل طعاماً ثم قال: الحمد لله الذي أطعمني هذا الطعام ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر له ما تقدم من ذنبه». وهنا أدعية كثيرة أخرى يقولها الإنسان، الأفضل والسنَّة أن يُبدِّل ما بين هذه وتلك.
ومن هديه صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يجيب دعوة الداعي إذا دعاه بغض النظر عن نوعية الطعام، من دعاه أجابه تطييباً لخاطره. فإذا أكل عند من دعاه دعا لمضيفه، وهذه من السنة؛ فكان يقول عليه الصلاة والسلام: «أكل طعامكم الأبرار، وأفطر عندكم الصائمون، وصلت عليكم الملائكة». دعاء جميل، وربما دعا بدعاء آخر فقال: «اللهم بارك لهم فيما رزقتهم، واغفر لهم وارحمهم». وهذه أيضاً من الأمور التي تشرح صدر المضيف أن يسمع مثل هذه الكلمات الطيبة الجميلة والدعوات الرقيقة، تشرح صدره وتجعله مستبشراً بها، فهي سنة ينبغي علينا أن نتبعها.
هذا والله أعلم ونسبة العلم إليه أسم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عاصم الحكيم