بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
في درسنا التاسع من شمائل النبي صلى الله عليه واله وسلم نتحدث عن موضوع أفرد له العلماء أبواباً في كتبهم، وقد يبدو للوهلة الأولى أنه غير ذي بال، ولكن الواقع بخلاف ذلك. سنتحدث عن أمر فطري، ولكنه لارتباطه بالنبي عليه الصلاة والسلام أخذ وزناً نوعياً، وهو عرقه صلى الله عليه واله وسلم. وكلنا يعرق، ولكن عرق النبي عليه الصلاة والسلام أمر مختلف.
روى البخاري ومسلم عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: ما مسست حريراً ولا ديباجاً ألين من كف النبي عليه الصلاة والسلام، ولا شممت ريحاً قط أو عرفاً قط أطيب من ريح أو عرف النبي عليه الصلاة والسلام، والعرف هو الريح الطيب. وروى الإمام مسلم أيضاً عن أنس رضي الله عنه أنه قال: كان النبي صلى الله عليه واله وسلم أزهر اللون، كان عرقه اللؤلؤ، إذا كان صلى الله عليه وسلم يعرق، وكان كثير التعرق، يقول: ولا شممت مسكاً ولا عنبراً أطيب من رائحة رسول الله عليه الصلاة والسلام.
إذاً، هذه العلامة الفارقة أن عرقه صلى الله عليه واله وسلم كان أطيب من الطيب، وهذا أمر غير طبيعي ولكنه من خصائصه عليه الصلاة والسلام. وقد كان الصحابة يعرفون مجيء النبي عليه الصلاة والسلام ومروره بمكان ما عن طريق طيبه الذي يشم من بعيد. فعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه واله وسلم لم يسلك طريقاً فيتبعه أحد إلا عرف أنه قد سلكه من طيب عرقه، أو قال من ريح عرقه.
وروى البخاري عن أبي جحيفة رضي الله عنه قال: خرج رسول الله صلى الله عليه واله وسلم، ثم صلى الظهر ركعتين والعصر ركعتين، وبين يديه عنزة كان يمر الناس من ورائها. وقام الناس فجعلوا يأخذون يديه فيمسحون بها وجوههم، قال: فأخذت بيده فوضعتها على وجهي، فإذا هي أبرد من الثلج وأطيب رائحة من المسك. إذاً، هذه الرائحة جبلية رائحة فطرية من شمائله وخصائصه صلى الله عليه واله وسلم.
وروى الإمام مسلم عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: صليت مع نبي الله صلى الله عليه واله وسلم، ثم خرج إلى أهله وخرجت معه، فاستقبله ولدان فجعل يمسح خدي أحدهم، يمسح خدي أحدهم غلاماً غلاماً، قال: وأما أنا فمسح خدي، قال: فوجدت ليده برداً أو ريحاً كأنما أخرجها من جؤنة عطار. وجؤنة العطار هي ما يخلط فيه العطار الطيب والمسك وما إلى ذلك. قال إسحاق بن راهويه رحمه الله: هذه الرائحة كانت من غير وضعه للطيب.
إذاً، هذه رائحة جسده، هذه رائحة عرقه كانت أطيب من المسك والعنبر ومما يوجد عند العطار. قال الإمام النووي رحمه الله: وهذا من إكرام الله عز وجل له. ومع ذلك كان عليه الصلاة والسلام يتطيب مبالغة في طيب ريحه، لأنه كان صلى الله عليه وسلم يلاقي الملائكة ويأخذ الوحي ويجالس المسلمين، لذلك يضع الطيب على ما هو عليه من طيب ورائحة جميلة.
الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتعرق وكان كثير العرق، ونحن نرى من الناس من عندهم هذا العرق أمر طبيعي. والمؤمن يعرف موته بعرق الجبين كما جاء في الحديث، وهو من علامات حسن الخاتمة، كثرة العرق عند الاحتضار هذه من علامات حسن الخاتمة كما يقول العلماء.
جاء في الحديث أن النبي صلى الله عليه واله وسلم كان يدخل بيت أم سليم فينام على فراشها وليست فيه. قال: فجاء ذات يوم فنام على فراشها، فأتيت رضي الله عنها وقيل لها هذا نبي الله عليه الصلاة والسلام نام في بيتك على فراشك. قال: فجاءت وقد عرق ووقع عرقه على قطعة على الفراش، يعني من كثرة هذا العرق قد تكون مثل البركة الصغيرة على الجلد، تقول: ففتحت عتيدتها فجعلت تنشف ذلك العرق، فتعصر في قوارير، تأخذ هذا العرق وتعصره وتجعله في قوارير لها. ففزع النبي صلى الله عليه وسلم فقال: ما تصنعين يا أم سليم؟ فقالت: يا رسول الله نرجو بركته لصبياننا، قال: أصبت.
لماذا تجمع عرقه؟ رجاء البركة. وهذا ما حمل أهل العلم على أن يجعلوا في شمائله عليه الصلاة والسلام ذكر عرقه، لأنه كما هو معلوم أنه لا يجوز أن يتبرك بأحد من الأحياء ولا بآثار ولا بأجسادهم إلا بالنبي صلى الله عليه وسلم. لما تذهب إلى بيت أحد ويقول: يا شيخ زارتنا البركة، أو ما يفعله بعض العوام والجهال من التمسح بالمشايخ والعلماء، قالوا رجاء البركة، هذا كله أمر مبتدع ومحرم شرعاً.
ومثله من يأتي بقطعة قماش ويمسح بها مقام إبراهيم أو الكعبة أو الحجرة النبوية أو النافذة للحجرة النبوية، ويأخذها معه ويعتبر هذه القطعة من القماش قطعة مباركة، يعني يتبرك بها، هذا لا شك أنه أمر محرم. أما التبرك بالنبي عليه الصلاة والسلام وآثاره فكما تقدم معنا من قبل، هذا أمر مشروع ومعروف ومعلوم من الدين بالضرورة.
السلام عليكم ورحمة الله، إذاً التبرك بآثار النبي عليه الصلاة والسلام معروف؛ فمن الصحابة من كان يحتفظ بشعره، ومنهم من كان إذا توضأ تبادروا إلى وضوئه فمسحوا به وجوههم وأجسادهم، وكان إذا تنخم نخامة عليه الصلاة والسلام تحروا أن يضعوها في أيديهم ويمسحوا بها وجوههم. بل جاءت روايات أن من الصحابيات من شربت بوله خطأ وهي روايات ضعيفة لا تصح، وجاء عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما أنه شرب دم النبي عليه الصلاة والسلام بعد أن احتجم وأمره أن يغيبه في مكان لا يراه أحد فيه، فشربه وقال له عليه الصلاة والسلام: «ويل لك من الناس وويل للناس منك»، وأيضاً هذا لا يصح.
لكن جاءت أحاديث كثيرة في تبرك الصحابة بثيابه وبما مس جسده صلى الله عليه واله وسلم كما قالت أم سليم رضي الله عنها: نرجو بركته لصبياننا. لكن من هي أم سليم هذه التي ينام في بيتها وعلى فراشها وتأتيه وتمسح العرق عن وجهه؟ قال النووي: اتفق العلماء على أن أم سليم هي محرم للنبي عليه الصلاة والسلام.
ومن هي أم سليم؟ أم سليم تعرف باسم الرميصاء وقيل الغميصاء، وهي أم أنس بن مالك رضي الله عنه، وهي المرأة العاقلة التي أتت بولدها ليخدم النبي عليه الصلاة والسلام، فكانت بفعلها ذلك قد أسدت إلى ابنها أعظم معروف يسدى في هذه الدنيا لخدمته النبي عليه الصلاة والسلام عشر سنوات. وتزوجها أبو طلحة الأنصاري بعد ما مات زوجها ساخطاً على إسلامها في الشام، وكان مهرها إسلامه.
أم سليم كان لها أخت وهي أم حرام، وكان لهما أخ وهو حرام بن ملحان، وكان يعطف عليهما أو عليهم النبي عليه الصلاة والسلام؛ لأن حراماً هذا رضي الله عنه وأرضاه قتل أو استشهد بنجد، وهو الذي أتى عدو الله من خلفه فطعنه طعنة وهو يدعو كبير قبائل نجد إلى الإسلام، فأشار ذلك الطاغية إلى أحد جنوده فأتاه من خلفه وقتله غيلة، فلما أحس باختراق الحربة صدره قال: فزت وربي الكعبة، هذا هو حرام بن ملحان.
فكان النبي يشفق عليهما عليه الصلاة والسلام، قال الإمام النووي: اتفق العلماء على أن أم حرام وهي أخت أم سليم كانت محرماً له عليه الصلاة والسلام، واختلفوا في كيفية ذلك، فقال ابن عبد البر وغيره: كانت إحدى خالاته من الرضاعة. وقال آخرون: بل كانت خالة لأبيه أو لجده، لأن عبد المطلب كانت أمه من بني النجار. وقال أيضاً: أم حرام أخت أم سليم وقد كانتا خالتين لرسول الله عليه الصلاة والسلام محرمين، أما من الرضاع وإما من النسب، فتحل له الخلوة بهما، وكان يدخل عليهما خاصة لا يدخل على غيرهما من النساء إلا أزواجه، أي ما يدخل إلا على أزواجه صلى الله عليه واله وسلم.
إذاً النبي عليه الصلاة والسلام كان يعرق، وكانوا يتبركون بعرقه، وعرقه كان أكثر من الناس عادة، كان يعرق إذا نزل عليه الوحي، ولو كان في يوم شديد البرودة. تقول أمنا عائشة رضي الله عنها: ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقاً، رواه الشيخان في الصحيح. وقال الحافظ ابن حجر في قولها في اليوم الشديد البرد دلالة على كثرة معاناة التعب والكرب عند نزول الوحي لما فيه من مخالفة العادة وهو كثرة العرق في شدة البرد، فإنه يشعر بوجود أمر طارئ زائد على الطباع البشرية.
أيضاً جاء في حديث البراءة من الإفك قول أمنا عائشة رضي الله عنها: حتى إنه يتحدر منه مثل الجمان من العرق في اليوم الشاتي من ثقل القول الذي أنزل عليه. والجمان هو حب من فضة يعمل على شكل اللؤلؤ، وقد يسمى به اللؤلؤ. إذاً عرقه صلى الله عليه واله وسلم كان كثيراً كثيفاً طيب الرائحة، وكانوا يجعلون من هذا العرق طيباً.
وكان صلى الله عليه واله وسلم يكره أن توجد منه رائحة غير محببة. فطرياً هذا غير ممكن، بمعنى أن الرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن له رائحة من جسده مكروهة أو غير محببة، لكن خارجياً كان هذا ممكناً، ولذلك كان يتجنب عليه الصلاة والسلام الأشياء التي قد ربما تسبب في صدور مثل هذه الروائح.
جاء في صحيح الإمام مسلم أنه حرم عليه الصلاة والسلام على نفسه أكل العسل، لماذا؟ عائشة رضي الله عنها وأرضاها تخبرنا والحديث في صحيح الإمام مسلم لا مرية في صحته، أنه عليه الصلاة والسلام كان ربما مكث عند زينب بنت جحش أم المؤمنين ويأكل عندها عسلاً، ونحن نعلم أن زوجات النبي عليه الصلاة والسلام كنا فريقين: فريق بزعامة عائشة وحفصة رضي الله عنهما ومن معهما، وفريق بقيادة وزعامة زينب بنت جحش.
وزينب بنت جحش هذه أمرها مختلف؛ لأن الله عز وجل زوجها النبي صلى الله عليه واله وسلم بعد فراقها لزيد بن حارثة، وكانت بينهما مشاكل، إذ إن زيداً كان مولى للنبي عليه الصلاة والسلام، كان عبداً فأعتق، ثم تبناه الرسول عليه الصلاة والسلام، ثم جاء تحريم ومنع التبني. بينما زينب بنت جحش هي ابنة عمة النبي عليه الصلاة والسلام، قرشية عربية، فوجدت في نفسها شيئاً، لكنها انصاعت لأمر النبي عليه الصلاة والسلام الذي زوجها بزيد بن حارثة كما ذكر الله عز وجل في سورة الأحزاب، والقصة معروفة.
ثم إن النبي عليه الصلاة والسلام تزوجها، وكانت امرأة جميلة، وكانت من أرحامه عليه الصلاة والسلام ومن قرابته. تقول أمنا عائشة: فكان يمكث عند زينب يأكل عسلاً، فتوايت أنا وحفصة، توايت بمعنى اتفقنا، أي إن أيتنا ما دخل عليها النبي عليه الصلاة والسلام فلتقل: إني أجد منك ريح مغافير، أكلت مغافير؟ يعني أن هذا العسل نحله أكلت في عشبة معينة وأنتجت هذا العسل، ربما طعمه طيب لكن رائحته ليست طيبة.
فدخل عليه الصلاة والسلام على إحداهما فقالت ذلك له، فقال: بل شربت عسلاً عند زينب ولن أعود، فنزل قول الله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1]. انظر إلى أي درجة النبي صلى الله عليه وسلم كان يهتم بما يصدر عنه من رائحة، أنه حرم على نفسه ما أحل الله عز وجل وما أباح الله له، كراهية أن يجد الناس منه ريحاً غير طيبة. طبعاً مسألة تواطؤ أمنا عائشة وحفصة واحتيالهما على النبي عليه الصلاة والسلام بسبب الغيرة، هذا أمره أمر آخر ويطول الحديث فيه، يكفي أن نعلم أن النبي عليه الصلاة والسلام قدر تلك الغيرة واحتواها وتغافل عنها، ومسائل الغيرة من.
زوجاته شيء كثير، والحديث فيه يطول. لدينا فاصل وبعدها نواصل، فابقوا معنا.
عن أي شيء تبحث؟ وفي أي شيء ترغب؟ وماذا تطلب؟ وما هي همتك في هذه الحياة؟ فالمسلم يحب المعالي ويسعى إليها، قال صلى الله عليه وسلم: «إن الله يحب معالي الأخلاق ويكره سفسافها». واعلم أن طلب العلم لا ينتهي، بل هو مستمر إلى آخر العمر. قيل للإمام أحمد وهو يحمل محبرة: إلى متى؟ فقال: مع المحبرة إلى المقبرة. ولا يعوق كبر السن عن طلب العلم إذا توافرت الهمة، فلا أن تموت طالباً للعلم خير من أن تموت قانعاً بالجهل. وذو الهمة في الطلب يهتم بجمع الفوائد وقراءة المطولات. قال أبو عبيد: ربما كنت أستفيد الفائدة من أفواه الرجال فأضعها في الكتاب، فأبيت ساهراً فرحاً بتلك الفائدة. وقال الخطيب البغدادي: قرأت على إسماعيل بن أحمد صحيح البخاري جميعه في ثلاثة مجالس. ومن المهم المداومة على طلب العلم، فالقليل مع المداومة خير من الكثير مع الانقطاع. قال عكرمة: طلبت العلم أربعين سنة. وقال أبو العباس النحوي: ما فقدت إبراهيم الحربي من مجلس لغة من خمسين سنة. فاطرح عنك الكسل، واحرص على دراسة العلم وإحسان العمل، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت: 69].
السلام عليكم ورحمة الله. إذاً، النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان على أهبة الاستعداد لتحريم ما أحل الله له مقابل أن لا يجد الناس منه ريحاً مكروهة أو غير محببة، ولذلك كان صلى الله عليه وآله وسلم يتجنب بعض الأطعمة لهذا السبب. فكان يكره الثوم ويكره البصل، ويعلل ذلك بأنه يناجي من لا نناجي، كما في حديث عباد بن الصامت رضي الله عنه وأرضاه، عندما بُعث له بقدر فيها بقُول فامتنع، فأمسك الصحابة فامرهم أن يأكلوا، فقالوا: أنت لا تأكل؟ فقال: إني أناجي من لا تناجون عليه الصلاة والسلام؛ إنه يتحدث مع جبريل إذا جاءه بالوحي. ولذلك كان يحرص على أن لا يصدر منه أي ريح أو رائحة مكروهة، ولذا جاء في الحديث أن من سنن قيام الليل إذا قام الإنسان أن يستاك؛ لماذا قبل أن تبدأ بالصلاة نظف فمك وطهر رائحته. لأنه إذا قام العبد للصلاة يقرأ القرآن نزل الملك فوضع فاه على فيه، يضع الملك فمه على فمك وما يخرج من فمك من قرآن يدخل في جوفه. فلو يستحضر الإنسان هذا الحديث وهذا المنظر، والله صلاته بالليل يكون لها طعم خاص، الواحد فينا يقوم ويصلي وهو لا يستحضر هذه المعاني الجميلة ولا يأتي بهذه السنن النبيلة. النبي عليه الصلاة والسلام على خلاف ذلك، لأنه يعلم أنه يتحدث مع جبريل فإنه يحرص على أن يكون نفسه طيباً.
وقارن هذا مع كثير من المسلمين، يأتيك إنسان في المسجد وقد نهى الرسول عليه الصلاة والسلام من أكل ثوماً أو بصلاً أو كراثاً أن يدخل المسجد لأن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه بنو آدم. يأتيك أنت كإمام يتحدث عن مشكلة، وأنت والله ما تدري هل تضع الغطاء على أنفك أو تشيح بوجهك، وكلما ابتعدت يقترب لأنه ما يريد أن يرفع صوته ويسمع الحاضرين، وهو إذا اقترب منك تكاد تموت اختناقاً. بل وقارن هذا مع أحوال بعض الجهلة من العوام، عندما ينتقد امرأته؛ ينتقدها في شكلها، في بدانتها، في رائحتها، في عدم تصفيف شعرها، يكثر من الانتقاد كالذباب لا يقع إلا على القاذورات، ما يرى الشيء الطيب، ما يرى أم عياله، ما يرى ما فيها من حسنات، ما يرى إلا الانتقادات التي يقارنها مع ما يراه في القنوات الفضائية المحرمة وما يراه من نساء غانيات جميلات نسأل الله العافية، ويغفل عن رائحته الكريهة البغيضة؛ لأنه لم يغتسل منذ أيام، لا يتطيب، لا يغتسل، فمه رائحته خبيثة، وربما كان من المدخنين، ويأتي يريد أن يتحبب إلى زوجته وهو ينتقدها بهذا الشكل، لا شك أن هذا من الجهل.
الرسول عليه الصلاة والسلام كان إذا دخل بيته أول ما يبدأ به السواك، لأنه كان يقبل زوجته، ومن الناس من قد لا يقبل زوجته بالأسابيع والشهور، لكن النبي عليه الصلاة والسلام كان إذا خرج قبل زوجته، وعروة بن الزبير يضحك فيقول: هي أنت يا أمة؟ فتضحك ولا تجيب. كان يقبل أزواجه ويذهب إلى الصلاة بدون أن يعيد الوضوء صلى الله عليه وآله وسلم. إذاً رائحة الرسول عليه الصلاة والسلام طيبة، وكان الصحابة يتخذون من عرقه طيباً يتطيب به ويخلطونه مع طيبهم، كما جاء في حديث أنس بن مالك الذي رواه الإمام مسلم وهو رواية أخرى لحديث أم سليم قال: دخل علينا النبي عليه الصلاة والسلام فقال عندنا، والقيلولة كما تقدم هي نومة قصيرة قبيل الظهر وقيل بعد الظهر، قال عندنا أي نام وقت القيلولة فعرق، وجاءت أمي بقارورة فجعلت تسلت العرق فيها، فاستيقظ عليه الصلاة والسلام فقال: يا أم سليم، ما هذا الذي تصنعين؟ قالت: هذا عرقك نجعله في طيبنا وهو من أطيب الطيب.
إذا قرأت في كتب الشمائل عرفت لماذا أفرد العلماء الحديث في هذا الموضوع وصنفوا فيه المصنفات، وكان صلى الله عليه وسلم يحب الطيب سوى طيب جسده الشريف، فقال في الحديث الصحيح: «حُبِّب إلي من دنياكم ثلاث: الطيب والنساء، وجعلت قرة عيني في الصلاة». إذاً الطيب هذا من الأمور التي يحبها النبي عليه الصلاة والسلام، ونهى أن يُرد المسلم الطيب إذا أراد أحد أن يطيبك، فمن حسن الخلق أنك لا ترد هذا الطيب إذا أعطاك أحد وسادة لتتوسدها لا تردها، وكذا في اللبن كما جاء في بعض الأحاديث. طيب، الآن لو واحد أراد أن يقتدي بالنبي عليه الصلاة والسلام ولا يخرج إلا وهو متعطر متطيب، فالتعطر يدل على أن ذلك ليس من الكبر، بل قد يكون مندوباً. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم عندما عرج على الكبر وقال: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر»، قام رجل فقال: يا رسول الله، إن أحدنا ليحب أن يكون ثوبه حسناً ونعله حسنة؟ فقال: «إن الله جميل يحب الجمال». إذاً أن ترتدي الطيب من الثياب لكي لا يساء الظن بالإسلام -ولا أقول ما يدعو إلى الكبر أو إلى الإسراف والمخيط المعتاد- وأن تضع العطر أو الطيب على جسدك وعلى ثيابك كي يجد الناس منك ريحاً طيبة، هذا ليس من الكبر، بل هو من الأمور المندوبة فيندب كالتجار والجماعات، وأيضاً في حق العالم هو مشروع، لأن العالم يأتيه أقوام كثيرون فيسألون ويتعلمون منه، فمن هيبة العلم أن يكون العالم يلبس الحسنة من الثياب وأن يكون دائماً على طيب.
وديننا بالمناسبه دين نظافة، ما يقولون إن النظافة من الإيمان هذا لا أصل له ولا يصح كحديث، لكن الحقيقة ديننا دين نظافة إلى درجة أن غسل الجمعة سبب منشئه ومشروعيته النظافة، جاء عن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت: كان الناس ينتابون يوم الجمعة من منازلهم والعوالي فيأتون في الغبار، يصيبهم الغبار والعرق فيخرج منهم العرق، فأتى رسول الله عليه الصلاة والسلام إنسان منهم وهو عندي في بيتي، فقال عليه الصلاة والسلام: «لو أنكم تطهرتم ليومكم هذا». فإذاً يشرع التطيب والاغتسال ليوم الجمعة وللعيد وعند الإحرام وعند حضور الجماعة، كانوا يجمرون المساجد أي يشعلون المجامر ويضعون عليها البخور ويبخرون، يشرع التطيب عند قراءة القرآن وعند طلب العلم وتدريسه وعند ذكر الله عز وجل، كما أنه يشرع ويتأكد لكل من الرجل والمرأة عند المباشرة، فإن ذلك من حسن المعاشرة. لكن ينبغي أن نعلم أن طيب الرجال ما له لون وله ريح، وأما طيب النساء فما له لون ولا رائحة له، لأن المرأة لا يجوز في حقها أن تخرج وهي متطيبة، بل إن ذلك من كبائر الذنوب. قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أيما امرأة خرجت من بيتها وهي متعطرة فهي كذا وكذا»، يعني فهي زانية كما جاء مصرحاً بذلك في بعض الروايات. إذاً طيب المرأة في بيتها أن تتعطر كما شاءت بينما محارمها وبين النساء، لكن لا يجوز أن تخرج من بيتها مع السائق أو تمر على رجال أو تذهب إلى فرح وتدخل في الفندق ويجد الناس من عطرها؛ هذه كبيرة من كبائر الذنوب. وبهذا ننتهي من درسنا على أمل اللقاء بكم في الدرس القادم، فالى ذلك الحين أترككم في أمان الله، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
الشيخ عاصم الحكيم