يا راغبا في كل علم نافع، متطلعا لزيادة الإيمان، وتريده سهل النوال ميسرا، يأتيك ميسورا بأي مكان؛ زاد أكاديمية ينبوعها صاف ليروي غلة الظمآن، والسير العلياء وعطره الشذا طيب يفوح لأهل كل زمان. بشرى زاد أكاديمية للعلم كالأزهار في البستان.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اهتدى بهديه واستن بسنته إلى يوم الدين، أما بعد؛ السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
العرب إن عظم عندها شيء ألقت عليه من الأسماء ما استطاعت، فكلما ارتفع شأن شيء كلما أضفت عليه من الأسماء الشيء الكثير. ولله المثل الأعلى، فربنا عز وجل له من الأسماء الحسنى والصفات العلى ما لا طاقة لأحد بحصره أو عده، ولكن الله عز وجل قد جعل -كما في الحديث الصحيح- تسعة وتسعين اسما، مئة إلا واحدة، من أحصاها دخل الجنة؛ فأسماء الله عز وجل من أولى ما يتدارس المسلم ويتعلم، تعرفا إلى ربه.
كذلك السيف كانت العرب تجله وتقدره وتعظمه، ولذلك له من الأسماء الشيء الكثير: الحسام، المهند، أسماء كثيرة. ولو نظرت إلى يوم القيامة لوجدت أن لها أيضا في الشرع أسماء كثيرة، وكذا جهنم: الغاشية، وغيره؛ جهنم مثل النار، مثل السعير، مثل سقر، أسماء كثيرة.
نبي الرحمة صلى الله عليه واله وسلم خير خلق الله عز وجل ليس ببدع من ذلك، وقد أفرد العلماء مصنفات في ذكر أسمائه صلى الله عليه واله وسلم ما يدل على علو قدره وتعدد شمائله وكثرة خيره صلى الله عليه واله وسلم، ولا يعرف لنبي آخر من الأنبياء ما يعرف لنبينا صلى الله عليه واله وسلم من هذه الأسماء.
ولكن تعداد هذه الأسماء فيه اختلاف عظيم وبون شاسع ما بين عالم وآخر، حتى إن الإنسان لا يحار هذه الأسماء من أين أتت. يقول ابن القيم رحمه الله في كتابه جلاء الأفهام: وأسماؤه عليه الصلاة والسلام نوعان: أحدهما خاص لا يشاركه فيه غيره من الرسل، كمحمد وأحمد والعاقب والحاشر والمقفي ونبي الملحمة. أما الثاني من أنواع أسمائه فهو ما يشاركه في معناه غيره من الرسل ولكن له منه كماله عليه الصلاة والسلام، فهو مختص بكماله دون أصله، كرسول الله، نبي الله، كعب، الشاهد، المبشر، النذير، ونبي الرحمة، ونبي التوبة.
يقول ابن القيم: وأما إن جعل له من كل وصف من أوصافه اسم، تجاوزت آنذاك أسماؤه المئتين؛ يعني لو أن الإنسان ذهب يصف النبي عليه الصلاة والسلام فإن الأوصاف ما تنحصر، تستطيع أن تقول: هو نور العين، هو المخرج من الظلمات إلى النور، أوصاف، لكنها ليست بأسماء. يقول: فإنها تتجاوز المئتين، كالصادي والمصدق والرؤوف الرحيم إلى أمثال ذلك.
والثابت من أسمائه صلى الله عليه واله وسلم محصور معدود، قال صلى الله عليه وسلم -والحديث رواه البخاري ومسلم، إذا هو متفق على صحته-: «إن لي أسماء: أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو الله بي الكفر، وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي، وأنا العاقب الذي ليس بعده أحد». وسيأتي معنا الحديث عن هذه الأسماء بإذن الله عز وجل. إذا هذه خمسة أسماء أثبتها النبي صلى الله عليه واله وسلم لنفسه، والحديث في الصحيحين.
وروى الإمام مسلم في صحيحه عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه وأرضاه قال: كان رسول الله صلى الله عليه واله وسلم يسمي لنا نفسه أسماء، فقال: «أنا محمد، وأحمد، والمقفي، والحاشر، ونبي التوبة، ونبي الرحمة»، وهو الرحمة المهداة صلى الله عليه واله وسلم، وما أرسل إلا رحمة للعالمين.
يقول العلامة بكر أبو زيد رحمه الله رحمة واسعة: جعلها بعضهم -أي أسماء النبي عليه الصلاة والسلام- كعدد أسماء الله الحسنى تسعة وتسعين اسما، بل منهم من جعل منها نحو سبعين اسما من أسماء الله تعالى؛ يعني من هؤلاء العلماء من قال أسماء الله التسعة والتسعين، منهم من قال ثلاثين منها مشترك مع النبي عليه الصلاة والسلام، كالرؤوف الرحيم وصفه عليه الصلاة والسلام. ونعلم أن أسماء الله منها ما هو مشترك كالسميع، البصير، الحكيم، كالعزيز -يا أيها العزيز، عزيز مصر-، ومنها ما هو خاص بالله عز وجل لا يشترك معه أحد كالخالق، كالرحمن، كلفظ الجلالة الله، وغير ذلك. فمنهم من جعل ثلاثين من أسماء الله عز وجل الحسنى مشتركا، منهم من جعلها سبعين كما يقول الشيخ رحمه الله.
وعد منها الجزولي في دلائل الخيرات مئتي اسم؛ يعني جعل للنبي عليه الصلاة والسلام مئتي اسم. وأوصلها ابن دحية في كتابه المستوفى في أسماء المصطفى نحو ثلاثمئة اسم، وبلغ بها بعض الصوفية ألف اسم، فقال لله ألف اسم ولرسوله عليه الصلاة والسلام ألف اسم، يعني جعل، وهذا من الغلو. وانتهى كلام الشيخ بكر رحمه الله، هذا من الغلو أن يجعل النبي عليه الصلاة والسلام مثل الله عز وجل، فيجعلون لله ألف اسم وهذا أمر مبتدع، ويجعلون للرسول عليه الصلاة والسلام مثل ذلك. كذلك تدخل بعض المساجد فتجد لفظ الجلالة على يمين المحراب، ولفظ محمد صلى الله عليه وسلم على يساره، وهذا أمر قد يوقع الإنسان في شيء من الكفر.
ما أوثق العلاقة بين العلم والعمل! العلم شجرة والعمل ثمرة، والعلم يهتف بالعمل، فإن أجابه وإلا ارتحل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «القرآن حجة لك أو عليك»، أي تنتفع به إن تلوته وعملت به، وإلا فهو حجة عليك. وإنما يراد العلم لأجل العمل، قال أبو الدرداء: لا تكون بالعلم عالما حتى تكون به عاملا.
وقد ذم الله تعالى من لا يعملون بالعلم، فقال: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُمْ وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ ۚ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: 44]. وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل العالم الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل السراج يضيء للناس ويحرق نفسه». والعلم النافع يورث خشية الله، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]. قال ابن مسعود: ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية. والخشية تنير العقل، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ ۖ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]، أي أن تقوى الله وسيلة إلى حصول العلم، فمن صدق العلم بالعمل كان قدوة للمتعلمين، ومن خالف فعله قوله كان من الممقوت: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 2-3].
السلام عليكم ورحمة الله، قبل الفاصل كنا نتحدث عن المبالغة في وصف النبي عليه الصلاة والسلام، وأن من بعض الصوفية من جعل لله عز وجل ألف اسم، وجعل للنبي عليه الصلاة والسلام كذلك ألف اسم، وألف اسم أمر مستبعد وغريب. ولكن ما الذي يحملهم على ذلك؟ هم يزعمون أن هذا دليل حبهم للنبي صلى الله عليه واله وسلم، ولا شك أن هذه الأعداد كثيرة وهي من المبالغات، وأن أسماء النبي عليه الصلاة والسلام أقل من ذلك بكثير جدا، ولا انتقاص للرسول عليه الصلاة والسلام إن نحن قلنا ذلك، بل على العكس؛ إن تعظيمه وإجلاله وتقديره وحبه واحترامه يكون بنسبة الأسماء التي صحت إليه، لا عن طريق اختراع أسماء لم تثبت نسبتها إليه عليه الصلاة والسلام.
حقيقة المحبة أنك تتبعه، فلا يصلح مثلا أن يأتي إنسان فيدعي محبة الله ويضفي على ربنا عز وجل أسماء ما أنزل الله بها من سلطان؛ لأن هذا من الإلحاد في أسمائه عز وجل، وأسماؤه الحسنى لا يجوز أن يأتي أحد بشيء وينسبه إلى الله، وكذا للنبي عليه الصلاة والسلام؛ أسماؤه توقيفية، فما يجوز أنك تعطي أسماء بدون دليل، نعم تقول أسماؤه كذا ولكن من صفاته كذا وكذا. خاصة إذا كانت هذه الأسماء التي يضفيها البعض غير صحيحة ولم تثبت؛ لأن الأصل عندنا أننا لا نتقدم ولا نتأخر إلا بدليل، فكل ما ننسبه من دين الله عز وجل أو إلى دين الله عز وجل لا بد أن يكون مدعوما بدليل بنص؛ إما من القرآن أو من السنة المطهرة، خاصة إن كان في هذه الأسماء المنسوبة إلى النبي عليه الصلاة والسلام فيها شيء من الإفراط والغلو المذموم.
فعلى سبيل المثال -لحصر، لأني كنت أقرأ في بعض كتب الشمائل- فوجدت من جمع أسماء الرسول عليه الصلاة والسلام على حروف المعجم أربعمئة اسم، وقال: حرف الألف فيه كذا وكذا وكذا وكذا، سبحان الله. بعض كتب الصوفية فيها غلو، إن لم يكن كل كتب الصوفية، فمثلا ينسبون إلى الرسول عليه الصلاة والسلام اسم أحيد، ووحيد، ومنح، ويدعون ويسمون الرسول بأنه غوث، أو أنه غياث، أو أنه مقيل العثرات، صفوح عن الزلات، خازن علم الله، بحر أنوار الله، معدن أسرار الله، مؤتي الرحمة، هذه كلها أمور عجيبة، نور الأنوار، السبب في كل موجود؛ وهذا يصل قد بالإنسان إلى الشرك بالله عز وجل. يعني هم يقولون إن الله ما خلق الدنيا وضرتها -أي الآخرة- إلا للنبي عليه الصلاة والسلام، أي غلو هذا؟ وينسبون علم الله عز وجل وعلم اللوح والقلم إلى علمه، ويقولون: وإن من جودك الدنيا وضرتها، وإن من علومك علم اللوح والقلم؛ وهذا شرك بالله عز وجل، أن ترفع النبي عليه الصلاة والسلام إلى مصاف الربوبية، وهو الذي قال: «لا تطروني كما أطرت اليهود والنصارى أنبياءهم، إنما أنا عبد الله، فقولوا عبد الله ورسوله» صلى الله عليه واله وسلم.
كذلك يقولون: نور الأنوار من أسمائه، السبب في كل موجود، ثم يأتوا بما يعرف باسم التفسير الباطني، يقولون: هذه الأمور الظاهرة لكم أنتم العوام، وإلا فحقيقة الكلمات لها معاني باطنة ما يعرفها إلا الخواص. أنتم تقولون: حدثنا فلان عن فلان عن فلان عن أبي هريرة، لكن نحن نقول: حدثني قلبي عن ربي، هذا ما عنده واسطة؛ وهذا من الضلال لا شك. فهم يقولون مثلا: اسمه عليه الصلاة والسلام محمد مشتق من الحمد، الحاء يعني يقولون: الرسول هو حاء الرحمة، ميم الملك، دال الدوام، أي كلام مع احترامي الشديد يعني، وفلسفة زائدة، أي كلام له معنى؟ هذا يقول هذه أسماء النبي عليه الصلاة والسلام، يقولون: هو قطب الجلالة، قطب إيه وفته إيه، السر الجامع، الحجاب الأعظم، آية الله، هذه كلها من الغلو المذموم. يعني الإنسان يربأ بنفسه أن يقرأ في مثل هذه المصنفات والكتب التي وإن كان أصحابها يحبون النبي عليه الصلاة والسلام، إلا أن الحب غير المعتدل، الحب الذي فيه غلو وانحراف عن منهج أهل السنة والجماعة، حب مذموم، ما ينبغي للمسلم أن يترك العنان لنفسه في ذلك.
كذلك من الأسماء المشتهرة على ألسنة العوام اسم طه واسم ياسين، وكثير من الناس يظن ويعتقد اعتقادا جازما أن ياسين وطه من أسمائه عليه الصلاة والسلام، وهذا غير صحيح ولا أصل له. أشهر أسمائه عليه الصلاة والسلام بلا خلاف ولا نزاع هو اسم محمد. وحسب إحصائية قرأتها قريبا -الله أعلم بصحتها- أنه أكثر اسم مستخدم في العالم، فأكثر اسم اشتهارا في العالم هو اسم محمد صلى الله عليه واله وسلم، وقد ذكره الله عز وجل في القرآن، وذكر في موضع واحد أيضا اسم أحمد، وهو اسم مشتق من الصفة وأصل هذا الاسم الحمد.
جاء في كتب السيرة أن أم جميل بنت حرب، امرأة أبي لهب، جاءت ذات يوم ولها ولولة وفي يدها فهر -في يدها حجر- فدخلت المسجد ورسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في الحجر ومعه أبو بكر رضي الله عنه وأرضاه، فأقبلت وهي تلملم الفهر في يدها وتقول: مذمما أبينا، ودينَه قلينا، وأمره عصينا. هي جاءت لتضرب النبي عليه الصلاة والسلام، في جيدها حبل من مسد، عليها لعنة الله، دخلت المسجد فما رأت النبي عليه الصلاة والسلام، أعماها الله عز وجل وهو جالس بجوار أبي بكر، وهي تخاطب أبا بكر تقول: مذمما أبينا، يعني هذا الذميم -حاشاه صلى الله عليه وسلم- هذا الذميم أبينا ما نرفضه، ودينه قلينا ابتعدنا عنه وهجرنا، وأمره عصينا.
جاء في صحيح البخاري أن أبا هريرة رضي الله عنه يحدث عن النبي صلى الله عليه واله وسلم قال: «انظروا» -هذا كلامه عليه الصلاة والسلام- «انظروا كيف يصرف الله عني شتم قريش ولعنهم، إنهم يشتمون مذمما ويلعنون مذمما، وأنا محمد». قال حسان بن ثابت رضي الله عنه وأرضاه في مدحه للنبي عليه الصلاة والسلام: وشق له من اسمه ليجله ... فذو العرش محمود وهذا محمد صلى الله عليه واله وسلم.
لقد شرع الله الدين للناس رجالا ونساء، ووعد الجميع الجنة والحياة الطيبة إذا قام بواجبه، فقال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97].
وقد جاء الإسلام فأكرم المرأة وحملها مع الرجل مسؤولية النهوض بالمجتمع وحسن الرعاية له، فقال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وقد شغلت المرأة في العهد النبوي وما بعده مكانا رفيعا بمشاركاتها العلمية والاجتماعية والتربوية، وتصدر اسمها في قائمة المساهمين في بناء المجتمع وصياغة هوية الأمة والمحافظة على ثوابت الدين. ولا زال التاريخ يذكر أم المؤمنين خديجة، وأم المؤمنين عائشة، ونسيبة بنت كعب، وأم حرام بنت ملحان، وحفصة بنت سيرين، وفاطمة بنت عبد الملك، وزبيدة بنت جعفر، وغيرهن رضي الله عنهن ورحمهم.
ومن هنا كان للمرأة المسلمة دورها المهم والخطير في صياغة المجتمع، مما أكسبها قيمة واعتبارا واحتراما لا مثيل له في المجتمعات الأخرى، كما اعترف بذلك المنصفون من الغربيين، وبأنهم إنما تعلموا احترام المرأة من مسلمي الأندلس. يقول المفكر الفرنسي مارسيل بيزارد: إن الشعراء من المسلمين هم الذين علموا مسيحية أوروبا.
فللمرأة على ثغر الحياة الزوجية أثر خطير، وفي التربية على الدين والخلق دور كبير، وفي التعليم والدعوة والطب والرعاية مكانة ومسؤوليات. وقيام المرأة المسلمة بهذا وغيره له أثره الإيجابي في إصلاح المجتمع كله أسرًا وأفرادًا، وصدق عليه الصلاة والسلام حين قال: «إنما النساء شقائق الرجال».
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. النبي صلى الله عليه واله وسلم اسمه محمد يذكره الناس في جميع أقطار الأرض، ما يوجد بقعة إلا ويتردد فيها اسمه عليه الصلاة والسلام في الأذان في الإقامة. ما يرفع أذان في بقعة من بقاع الأرض إلا وتسمع فيها اسمه، تسمع فيها اسمه صلى الله عليه واله وسلم.
لكن لماذا محمد بالذات؟ لماذا أحمد بالذات؟ ذكر ابن القيم رحمه الله تعليلاً جميلا فقال: تسميته صلى الله عليه واله وسلم بهذا الاسم لما اشتمل عليه من مسماه وهو الحمد، فإنه عليه الصلاة والسلام محمود عند الله ومحمود عند ملائكته ومحمود عند إخوانه من المرسلين ومحمود عند أهل الأرض كلهم، وإن كفر به بعضهم فإن ما فيه من صفات الكمال محمود عند كل عاقل وإن كابر عقله جحودًا أو عنادًا أو جهلا باتصال علم اتصافه بها لِحَمْدِهِ؛ فإنه يحمد من اتصف بصفات الكمال ويجهل وجودها فيه، فهو في الحقيقة حامد له صلى الله عليه واله وسلم.
وهو عليه الصلاة والسلام اختص أو اختص من مسمى الحمد بما لم يجتمع لغيره، فإنه اسمه محمد وأحمد، وأمته الحمادون يحمدون الله في السر والضر، وصلاته وصلاة أمته مفتتحة بالحمد، وخطبته مفتتحة بالحمد، وكتابه يفتتاح بالحمد، وهكذا عند الله في اللوح المحفوظ أن خلفاءه وأصحابه رضوان الله عليهم يكتبون المصحف مفتتحًا بالحمد، وبيده عليه الصلاة والسلام لواء الحمد يوم القيامة.
ولما يسجد بين يدي ربه عز وجل للشفاعة ويؤذن له فيها يحمد ربه بمحامد يفتحها عليه حينئذ، وهو عليه الصلاة والسلام صاحب المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون. قال عز من قائل: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَّكَ عَسَىٰ أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا﴾ [الإسراء: 79]. وإذا قام في ذلك المقام حمده حينئذ أهل الموقف كلهم مسلمهم وكافرهم أولهم وآخرهم.
وهو محمود عليه الصلاة والسلام بما ملأ الأرض من الهدى والإيمان والعلم النافع والعمل الصالح، وفتح الله به القلوب وكشف به الظلمة عن أهل الأرض واستنقذ من أسر الشياطين ومن الشرك بالله والكفر به والجهل، حتى نال به أتباعه شرف الدنيا والآخرة. تعليل جميل جدا لماذا سمي النبي عليه الصلاة والسلام باسم محمد، فكل الحمد يدور عليه عليه الصلاة والسلام وفيما جاء به وفي صلاته وفي دعوته وهو صاحب المقام المحمود، فهو اسم جميل اسم عظيم.
والسؤال: هل يجوز لنا أن نتسمى بهذا الاسم؟ جاء عن أنس والحديث في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم كان ذات يوم في السوق فقال رجل: يا أبا القاسم. فالتفت النبي عليه الصلاة والسلام إلى ذلك الذي يناديه فقال: يا رسول الله إنما دعوت هذا يعني سامحني ما كنت مقصودك أنت إنما أقص رجلا آخر. فقال صلى الله عليه واله وسلم: «تسموا باسمي ولا تكتنوا بكنيتي».
دل ذلك على أنه يجوز أن تقول أو تسمي محمد، ولكن لا يجوز أن تتكنى بأبي القاسم، وهذا خاص في حياته؛ لأن أبا القاسم خاص به في حياته عليه الصلاة والسلام، أما بعد موته فيجوز لك أن تتسمى بأبي القاسم، ويجوز لك التسمي من باب أولى باسم محمد، فقد كان هنالك محمد بن مسلمة من الصحابه في حياته، وأبو بكر رضي الله عنه سمى ولده بمحمد؛ محمد بن أبي بكر، وهذا كان في حياة النبي صلى الله عليه واله وسلم.
أما ما يظن البعض من أن التسمية بمحمد لها أجر أو فضل عند الله ويروون في ذلك حديثًا لا أصل له مخترع يعني حتى إنه مو ضعيف لا حديث مخترع ما يوجد له اصل في كتب السنة: خير الاسماء ما عبد وحمد. فهذا غير صحيح، إنما الحديث الصحيح بالنسبة للأسهل قوله صلى الله عليه وسلم: «أحب الأسماء إلى الله عبد الله وعبد الرحمن»، هذه أحب أسماء إلى ربنا عز وجل وأصدق الأسماء الحارث وهمام.
فإذا عرفنا معنى محمد وأحمد من أسماء النبي عليه الصلاة والسلام ومن اسمائه الثابتة الماحي، وهو الذي يمحو الله عز وجل به الكفر؛ لأن الرسول عليه الصلاة والسلام دعوته محت الكفر تمامًا وأخرجت الناس من الظلمات إلى النور، فهو الماحي عليه الصلاة والسلام.
وهو الحاشر، والحاشر هو الذي يحشر الناس على قدمه أو على قدميه، أي يحشرون على أثره فكأنما بعث ليحشر الناس، ونحن نعلم أن أول من يحشر هو النبي عليه الصلاة والسلام أول من تنشق عنه الأرض.
ومن أسماءه العاقب، وهو الذي جاء عقب الأنبياء فليس بعده نبي، فإن العاقب هو الآخر فهو خاتم الانبياء والمرسلين عليهم الصلاة والسلام. وقيل لا، العاقب له معنى آخر وهو الذي يخلف في الخير من كان قبله، يعني العقب هو الذي يأتي بعد والده، فالعاقب عليه الصلاة والسلام قد خلف جميع الأنبياء بالخير.
كذلك جاء في اسمائه عليه الصلاة والسلام أنه المتوكل. جاء عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما قال والحديث رواه الإمام البخاري في صحيحه: قرأت في التوراة صفة النبي عليه الصلاة والسلام، ما هي هذه الصفة؟ محمد رسول الله عبدي ورسولي سميته المتوكل ليس بفظ ولا غليظ. ونحن نعلم أن التوكل هي الصفة الأبرز في نبينا صلى الله عليه واله وسلم.
وعن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: كان عليه الصلاة والسلام يسمي لنا نفسه أسماء كما جاء فيمن قبل: «أنا محمد وأحمد والمقفي ونبي التوبة ونبي المرحمه» وفي رواية: «ونبي الملحمه» رواه الإمام مسلم في صحيحه. المقفي والمقفى تأتي بالفتح والكسر، فمعناه على رواية الفتح المقفي أي التابع للأنبياء فكان آخرهم عليه الصلاة والسلام والمتابع لآثارهم كما قال تعالى: ﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: 90].
أما بالكسر المقفي فهو الذي قفى على آثار الأنبياء وختم به الرسالة، قال تعالى: ﴿ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَىٰ آثَارِهِم بِرُسُلِنَا﴾ [المائدة: 44]. نبي التوبة ونبي الرحمة، قال النووي رحمه الله: هو صلى الله عليه وسلم جاء بالتوبة وبالتراحم بين الخلق، فهو الذي فتح الله به باب التوبه على أهل الأرض فتاب الله عليهم توبه لم يحصل مثلها لأهل الأرض قبله، وقد كانوا يؤمرون بقتل أنفسهم ليتوب الله تعالى عليهم، وكان عليه الصلاة والسلام أكثر الناس استغفارًا وتوبة.
نبي ملحمة، قال: هو الذي بعث بجهاد أعداء الله، فلم يجاهد نبي وأمته قط ما جاهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمته. ومن الصفات المشتركة أنه الصادق، أنه الأمين، أنه البشير، أنه المنير صلى الله عليه واله وسلم إلى غير ذلك من الصفات الكثيرة التي ذكرها أهل العلم. هذا والله أعلم ونسبه العلم إليه أسلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد.
يا راغبا في كل علم نافع متطلعا لزيادة الإيمان وتريده سهلا النوال ميسرا ياتيك ميسورا بأي مكان زاد زاد أكاديمية ينبوعها صاف صاف ليروي غلة الظمان والسيرة العلياء عاطرة الشذا طيب يفوح لأهل كل زمان بشرى لنا زاد أكاديمية للعلم كالازهار في البستان
الشيخ عاصم الحكيم