تسجيل الدخول

يا راغباً في كل علم نافع، متطلعاً لزيادة الإيمان، وتريد سهلاً والسيرة العلياء؛ بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وآله وصحبه أجمعين. أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

لا يستطيع الإنسان في الغالب أن يظل معتزلاً الناس ولا يتحدث معهم، ولا يجوز في شرعنا أن ينذر الإنسان ألا يكلم اليوم إنسياً، هذا كان جائزاً في شرع من قبلنا، أما في شرعنا فهو محرم، وقد جاء النهي عن تحريم الصمت إلى الليل، فلا يجوز للمسلم أن يفعل ذلك تعبداً. ونحن إذ نتدارس شمائل النبي صلى الله عليه وآله وسلم، كان لزاماً أن نعرف كيف كان يتكلم صلى الله عليه وآله وسلم، فهو كان يكره الثرثارين المتشدقين المتفيهقين ويبغضهم.

هل كان يتحدث صلى الله عليه وآله وسلم بهذه الطريقة؟ حاشا. جابر بن سمرة رضي الله عنه وأرضاه يقول: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم طويل الصمت قليل الضحك، وهذا دليل على الرزانة وعلى رجاحة العقل. فلا كثرة الصمت، كما يقال: السكوت من ذهب إن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب، هذا الكلام ليس على إطلاقه؛ لأن الإنسان إن كان يتحدث في خير كان ذلك في خير، وأما إن كان صمته عن شر أو صمته عن إنكار منكر لا شك أن هذا ليس بجيد ولا من السنة.

الرسول عليه الصلاة والسلام هو أفصح من نطق بالضاد، والعربية تقاس بما جاء به صلى الله عليه وآله وسلم، وهو القائل: «أوتيت جوامع الكلم»، وهذا يشمل القرآن؛ لأن الله آتاه القرآن، ولا شك ولا ريب أن القرآن هو أكمل الكلام وهو أجمعه بفوائده وبكل ما فيه، إلا أن النبي عليه الصلاة والسلام أوتي القرآن ومثله معه، بمعنى أن السنة أيضاً من جوامع الكلم. والرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان يتكلم بالكلمة الواحدة فيشرحها العلماء في مجلدات، وانظر على سبيل المثال للحصر عندما قال صلى الله عليه وآله وسلم: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى»، انظر كم من مجلدات ومؤلفات ومصنفات كتبها العلماء في شرح هذه العبارة، حتى إن أئمة الإسلام قالوا: هذه العبارة "إنما الأعمال بالنيات" يدور عليها ثلث الإسلام، وحديث أمنا عائشة: «من أحدث في ديننا أو في أمرنا ما ليس منه فهو رد» قالوا: وهذه يدور عليها ثلث الإسلام.

فإذاً عبارة قصيرة لكنها مفعمة بالمعاني والفوائد والأوامر والنواهي ما لا يعلم به إلا الله عز وجل. العلماء بذلوا أرواحهم وأعمارهم في مدارسة حديثه صلى الله عليه وآله وسلم، وأسعد الناس هم أهل مدارسة حديثه؛ أهل السنة والجماعة الذين أخذوا كلامه عليه الصلاة والسلام آمنوا به وطبقوه في حياتهم. انظر إلى عبارة معروفة تستخدم في أصول الفقه، وبالأخص في القواعد الفقهية: "لا ضرر ولا ضرار"، كلمتان يبني عليها العلماء الشيء العظيم من الأحكام والقواعد الفقهية الصغرى التي تستنبط منها، والضرورة تقدر بقدرها، والضرر ماذا يكون، والضرار متى يكون، وإن كان على الإنسان أو كان على غيره، ويأتون بالأمثلة والشروحات الطويلة في هاتين العبارتين.

وقوله عليه الصلاة والسلام: «البينة على من ادعى واليمين على من أنكر»، قاعدة صغيرة لطيفة جميلة بعبارة واحدة يحل بها النبي عليه الصلاة والسلام قضايا عالقة في المحاكم، ادعاءات جائرة ظالمة أنه أخذ من فلان أو أنه أعطى فلان؛ أنت تدعي ائتنا بالبينة؛ إما اعتراف، إقرار، وإما شاهدين، وإما ورقة. قال: ما عندي ولا شيء، أنت المدعي قال: ما عندي ولا شيء لكنه أخذ مني، إذاً هذا مدعى عليه، قال: نعم، أنكر، ما أخذت منه شيئاً، قال: احلف يمينك، قال: احلف، خلاص انتهى الموضوع. أمور يقولها عليه الصلاة والسلام تكتب بماء الذهب لأن كلامه وحي من عند الله عز وجل.

كيفية الكلام كانت بهيئة معينة، أمنا عائشة تقول: كان الرسول عليه الصلاة والسلام لا يسرد الكلام كسردكم، وهذا رواه الشيخان في الصحيحين، وفي رواية في النسائي قال: كان كلامه فصلاً، بيناً، يحفظه كل من سمعه. إذاً النبي عليه الصلاة والسلام كان يتكلم بتؤدة وبسكينة، حتى إنه جاء في بعض الروايات: كان يحدث حديثاً لو عده العاد لأحصاه، كلامه قليل عليه الصلاة والسلام ولا يكثر الحديث بسرعة. بعض الإخوة إن تحدث لم تدرك آخر كلامه من أوله؛ لأنه ما شاء الله يتحدث بسرعة، ويتكلم ويقول قال الرسول قال الله عز وجل، يا أخي ما فهمنا شيئاً! أنت كواعظ لا بد أن تعظ بأسلوب يفهم الناس؛ لا أقول تمط الكلام كما يفعل البعض بين الكلمة والكلمة خمس شوارع، ولا أنك تسرع من الصفر إلى المئة في أربع ثواني، لكن تتكلم لا كسرد الكلام، إنما بكلام موزون ومفصل وواضح، وقد كان هذا طريقته صلى الله عليه وآله وسلم عند الحديث.

أين أنت من العلم؟ وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «طلب العلم فريضة على كل مسلم». فهناك مقدار من العلم يجب أن يتعلمه المتخصص وغير المتخصص، فعلى كل مسلم أن يتعلم ما تصح به عقيدته وعبادته، وعلى غير المتخصص أن يبدأ بالكتب الميسرة ثم يتدرج. ففي التوحيد مثلاً يبدأ بالأصول الثلاثة والواسطية، ثم كتاب التوحيد، ثم الطحاوية، وهكذا سائر العلوم. وليسأل العلماء عما يشكل عليه ويقلدهم في الفتوى لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]. وليتواصل مع طالب علم متخصص ليشرح له ما صعب عليه فهمه، إذ لا يتيسر له التواصل مع العلماء في كل حين.

وليهتم بوسائل التقنية الحديثة لتعوض انشغاله عن حضور مجالس العلم، أو الالتحاق بالكليات الشرعية. ويحتاج غير المتخصص إلى علو الهمة وقوة العزيمة، فمع ضيق الوقت لن يحصل العلم إلا بالمواصلة والاستمرار. وليستفد من تخصصه في إتقان العلم الشرعي، فالطبيب مثلاً تسهل عليه مسائل الحمل والجراحات، والمهندس تسهل عليه الفرائض لإتقانه الرياضيات، يسخر ذكاءه في فهم دينه وخدمته، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾ [العنكبوت: 43].

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. قبل الفاصل ذكرنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ربما لو عد المستمع كلامه لأحصاه، يعني كم كلمة، ولو قارنت أنت اليوم بعض المتحدثين الخطباء في كلامهم لطال بك المقام. النبي صلى الله عليه وآله وسلم خطبه يوم الجمعة على سبيل المثال لا الحصر كانت جداً قصيرة، ﴿وَإِنَّ قِصَرَ خُطْبَةِ الرَّجُلِ وَطُولَ صَلَاتِهِ مَئِنَّةٌ مِنْ فِقْهِهِ﴾، أو كما جاء عن الرسول عليه الصلاة والسلام، قصر الخطبة وطول الصلاة هذا من فقه الإمام.

نحن للأسف الشديد عكسنا الموضوع، الإمام يرتقي المنبر الساعة الثانية عشرة مثلاً، يفرغ من خطبته الواحدة ساعة أو ساعة إلا ربع، يخطب في الناس حتى أصابهم بسكتة بجلطة! ماذا تفعل؟ أذكر الناس، ما عندنا إلا هذه الموعظة في الأسبوع. لو سألت الحاضرين عما تحدث الشيخ، قالوا: والله تحدث عن مبدأ الخلق، وتحدث عن التاريخ، وتحدث عن يأجوج ومأجوج، وتحدث عن الجنة والنار، وعن قيام الساعة، والحمد لله بعد أن قضى الخطبة دخلنا الجنة! ما يذكرون شيئاً من خطبته لكثرة المواضيع وتفرعها، فإذا قام إلى الصلاة لم تتجاوز الصلاة ثلاثة أو أربع دقائق، وهذا خطأ. خير الهدي هدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم.

بعض الوعاظ إذا ألقى محاضرة تسمع المحاضرة طويلة عريضة لا يتخللها آيات قرآنية أو أحاديث نبوية، إنما فلسفة أفكار، والمسلم الأصل فيه أن يعيد الناس إلى الوحيين: القرآن والسنة. استمع إلى فتاوى الشيخ أو محاضرات الشيخ عبد العزيز بن باز رحمه الله، أو الشيخ محمد بن صالح العثيمين، تجد فيها علماً نافعاً لأنهم يبنون حديثهم على كلام الله تعالى وعلى سنة النبي عليه الصلاة والسلام.

أنس بن مالك رضي الله عنه يخبرنا عن طريقة كلامه عليه الصلاة والسلام، فكان يعيد الكلمة ثلاثاً لتعقل عنه؛ إذاً ما يكفيك أنت كمدرس أن تلقي الدرس وتمشي بعض الأحيان، لا بد أن تعيد الكلام مرات كي يفهم عنك وتستوعبه العقول. على سبيل المثال في سفر، الناس متعبون ذهبوا يتوضؤوا، ورأهم عليه الصلاة والسلام وهم يتوضؤون لكنهم كانوا لتعبهم لا يحسنون غسل الأقدام، فقال: «ويل للأعقاب من النار، ويل للأعقاب من النار، ويل للأعقاب من النار». يا رسول الله سمعناها في الأول! لكن يعيدها ثانية وثالثة لكي ترسخ في القلوب ويعلم عظم إثم هذا الأمر الصغير الذي قد يحتقره البعض منا؛ ويل للأعقاب التي لم تغسل جيداً في الوضوء، ويل لها من النار.

أيضاً كان صلى الله عليه وسلم من سنته إذا أتى قوماً سلم عليهم ثلاثاً، وهذا السلام من باب الاستئذان؛ الإنسان إذا جاء على غرفة مغلقة أو على باب قرع الباب وقال: السلام عليكم، أدخل، ثلاث مرات، إن لم يجبه أحد ذهب ورجع، كما حصل ذلك مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم والصحابي في داخل المنزل، لكنه أحب أن يستكثر من دعاء النبي عليه الصلاة والسلام، السلام عليكم، السلام عليكم، السلام عليكم. كذلك الحديث المعروف وأحاديث كثيرة يكررها عليه الصلاة والسلام ثلاثة: «اللهم هل بلغت؟ اللهم فاشهد»، «ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟»، يعيدها ثلاث مرات. طيب هذه مفهومة من أول مرة، لماذا يعيدها؟ هذا التكرار في اللغة العربية للفت وجلب الانتباه؛ لأن الإنسان إذا قيل له: "ألا أنبئك بأكبر الكبائر؟" قال: طيب تفضل، فإن أعيدت عليه العبارة استوى قاعداً؛ لأ المسألة فيها شيء، فإن أعيدت الثالثة أصبح قلبه مستقبلاً ومستعداً للاستماع والانصياع.

فإذاً الكلام له دوره، له أهميته؛ كلمة تدخل بها في الإسلام وينجيك الله بها من النار، لا إله إلا الله، وكلمة تهوي بصاحبها في نار جهنم سبعين خريفاً لا يلقي لها بالاً. ولقد قالوا كلمة الكفر، كلمة تقال، ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ﴾ [التوبة: 65]. كلام، إحنا إيش نقول؟ الكلام ما عليه جمرك! هذا كلام فارغ، ﴿مَّا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].

جاء عن سيدنا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما أن أعرابياً أتى النبي عليه الصلاة والسلام فتكلم بكلام بين، والأعراب لغتهم سليمة مائة بالمائة، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إن من البيان سحراً، وإن من الشعر حكماً»، هذا كلامه عليه الصلاة والسلام، إذاً الكلام له تأثيره، الكلام له أثره على القلب، كما أن الشعر وهي دواوين العرب لها حكم، والرسول عليه الصلاة والسلام لم يكن بشاعر، ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ [يس: 69]. ولذلك عندما أراد المشركون أن يتهموا الرسول صلى الله عليه وسلم اتهموه بأنه شاعر، ولو عرضوا القرآن على أوزان الشعر لما استقام. لكن الرسول عليه الصلاة والسلام ربما كان يسمع شيئاً من الشعر كعادة العرب، وربما امتدح شعراء بأسمائهم لما في شعرهم من الحكمة والزهد والحث على الفضيلة والخير والترهيب عن الرذيلة والفساد، ربما امتدحهم.

وأمنا عائشة رضي الله عنها قيل لها: هل كان النبي صلى الله عليه وسلم يتمثل بشيء من الشعر؟ قالت: كان يتمثل بشعر ابن رواحة، يعني عبد الله بن رواحة رضي الله عنه، ويتمثل بقوله: "ويأتيك بالأخبار من لم تزودي". فإذاً النبي عليه الصلاة والسلام ربما استشهد بعجز أو بصدر بيت، وأشعار ابن رواحة لا شك أنها كانت من أشعار الإسلام. وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «إن أصدق كلمة قالها الشاعر كلمة لبيد: ألا كل شيء ما خلا الله باطل»، متفق على صحته. فإذاً إن من الشعر حكمة، وكان عليه الصلاة والسلام ربما اقتبس شيئاً من هذه الحكمة واستشهد بها لموافقتها لشرع الله عز وجل.

﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِن جَلَابِيبِهِنَّ ۚ ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: 59]. الحجاب شعار المؤمنات وزي العفيفات الطاهرات، وتحديد الفتاة في ارتدائه سهل يسير، لكنه يحتاج إلى بضع خطوات؛ منها أن يبدأ الوالدان مع ابنتهما في التزام الحجاب بالتدرج منذ الصغر، فقد تتشكل لديها مع الوقت قناعات خاطئة تصعب معالجتها. أن يغرسا في ابنتهما نبتة المراقبة والخشية، ويرسخا في ذهنها أن الله يرضى عن المرأة العفيفة المحتشمة المطيعة لأوامره. أن يظهرا إعجابهما بالحجاب وذلك بالحديث عنه كثيراً أمامها مع ذكر صفاته ومحاسنه. الحرص على أن تصاحب الابنة الفتيات الصالحات المحجبات، فالصحبة الصالحة لها أكبر الأثر في السلوك والأخلاق. أن يمنح الوالد والأم فرصة اصطحاب ابنتها لدروس العلم وحلقات القرآن، إذ ينبغي أن تكون محجبة أثناء ذلك مما يعودها ارتداء الحجاب. استخدام الهدية والمكافأة التشجيعية، وإعلام الفتاة أن المكافأة الكبرى إنما هي في تحصيل مرضات الله تعالى.

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. عمرو بن الشريد عن أبيه قال: كنت ردف النبي صلى الله عليه وآله وسلم فأنشدته مائة قافية من قول أمية بن أبي الصلت الثقفي، كلما أنشدته بيتاً قال لي: هيه! فيزيدني، حتى أنشدته مائة بيت، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: «إن كاد ليسلم». يعني شعره مليء بالأمور الحسنة، بالأخلاق الجميلة، بتعظيم الله عز وجل، مما حدا بالنبي عليه الصلاة والسلام أن يمدح شعره فقال: «إن كاد ليسلم»، وهذا رواه الإمام مسلم في صحيحه.

وجاء في بعض الروايات الضعيفة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: «آمن شعره وكفر قلبه». هذا الشاعر أمية بن أبي الصلت، آمن شعره، أمية عاش حتى أدرك بدراً ورثى من قتل بها من المشركين ومات بعد ذلك في سنة تسع ولم يسلم.

فإذا اجتمع عليه الصلاة والسلام لشعر كافر ومدح هذا الشعر لما تضمنه من كلام جميل وحسن؛ ولذا قال ابن عباس رضي الله عنهما: الشعر حسنه حسن، وقبيحه قبيح. فإذا أنت لا تذم الشعر مطلقاً، ولا تمدح الشعر مطلقاً.

وهل كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول الشعر؟ جاء أن النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين حينما انجفل الصحابة عنه بعد أن علاهم المشركون بالنبل، كان على بغلته يتقدم ويهجم على أعداء الله قائلاً: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد المطلب». العلماء قالوا: هذا بيت شعر قاله عليه الصلاة والسلام. فهل كان عليه الصلاة والسلام يقول الشعر؟ أبداً وكلاً؛ هذا جاء اتفاقاً وليس هو كنظم الشعر وإلقائه، فجاء هذا من كلامه عليه الصلاة والسلام اتفاقاً، ولم يكن على أوزانهم أو على طريقتهم في نظم الشعر.

والنبي عليه الصلاة والسلام كان يشجع أصحابه على قول الشعر نصرة للدين، فجاء أنه قال يوم بني قريظة لحسان بن ثابت رضي الله عنه: «اهجُ المشركين فإن جبريل معك»، وفي رواية: «اهجهم وهاجهم وجبريل معك». وعن أبي هريرة أنه قال: يا حسان، أجب عن رسول الله، دافع عن رسول الله عليه الصلاة والسلام، ثم دعا له فقال: «اللهم أيده بروح القدس، أيده بجبريل». وهذا في حق الشاعر، إذاً الشعر له مكانته في الإسلام.

جاء عن كعب بن مالك عندما سمع آخر سورة الشعراء وذم الشعراء الذين يتبعهم الغاوون، وقال إن الله قد أنزل في الشعر ما أنزل، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: «إن المؤمن يجاهد بسيفه ولسانه، والذي نفسي بيده لكأنما ترمونهم به نضح النبل». وجاء عن أنس أنه قال عليه الصلاة والسلام: «جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم». وهذا دليل على أن الجهاد لا يقتصر فقط على الضرب بالسنان وبالسلاح، بل أيضاً بالكلمة وبالبيان، ويدخل في هذا الجهاد الشعر والنثر والموعظة، وما يفعله المسلم في وسائل التواصل الاجتماعي، وما يفعله في تويتر وفي فيسبوك وفي غيرها، إن كان نصرة لدين الله عز وجل.

فالإعلام لا شك أن له دوراً هاماً في حياة الناس، ولذلك مكانة الإعلام مكانة عظيمة، وزير الإعلام لا بد أن يكون رجلاً يعرف الدين ويعرف أثر الكلمة، لأن الكلمة التي تخرج هذه تبلغ الآفاق. وفي حديث جبريل في الإسراء والمعراج عن الرجل الذي يؤتى بكلوب فيجعل في شدقه فيُشق إلى مؤخرة رأسه، ثم يفعل بشقه الآخر، ثم يلتئم الشق الأول؛ قيل: من هذا؟ قال: هو الرجل الكذاب يكذب الكذبة فتبلغ الآفاق. هذا في الإعلام؛ لذلك الإعلام له دور هام جداً في حياة المسلمين، ولا يجوز أن يُعهد بهذا المنصب سواء كان كاتباً صحفياً أو رئيس تحرير أو إعلامياً إلا لمن يخاف الله ويعرف الدين. ولذلك النبي صلى الله عليه وسلم كان له خطباء، فهنالك ثابت بن قيس وهنالك سهيل بن عمرو، خطباء معروفون يعتلون المنابر إذا خطبوا، وهنالك شعراء للرسول عليه الصلاة والسلام كما نعرف من شعراء: حسان بن ثابت، كعب بن مالك، عبد الله بن رواحة، رضوان الله عليهم أجمعين. فإذاً الشعر له مكانته، والكلمة لها مكانتها.

ولكن جاء عنه عليه الصلاة والسلام ذم الشعر، فعن أبي هريرة أن الرسول عليه الصلاة والسلام قال: «لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحاً خير له من أن يمتلئ شعراً». كيف نجمع بين هذا الحديث وتلك الأحاديث الأخرى في مدح الشعر والجهاد بالسيف واللسان والبيان؟ قال العلماء: الذم محمول على ما كان من قبيح الشعر الذي فيه ذكر مفاتن النساء، الذي فيه الهجاء بين القبائل والانتقاص بينهم، الذي فيه العنصرية والكبر والفخر والخيلاء. ولا شك أن من تسمع في بعض المسجلات الشعرية كلاماً لا يرضي الله عز وجل، وأن من أمضى وقته وهو ينظم الشعر لمثل هذه الأمور؛ فأن يمتلئ جوفه قيحاً ودماً خير له من أن يقول مثل هذا الكلام الفاسد.

أما الشعر فقد جاء ذكره في القرآن، قال عز من قائل: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ * أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ * وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ﴾ [الشعراء: 224-226]. هذا ذم واضح للشعراء وأتباعهم، لكن الله قال بعد ذلك مستثنياً: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الشعراء: 227]. إذاً الشعر حسنه حسن. ولذا جاء عن أنس رضي الله عنه أن النبي عليه الصلاة والسلام لما رأى ما بالصحابة من نصب وجوع في حفر الخندق قال: «اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة، فاغفر للأنصار والمهاجرة». وأيضاً هذا مما جاء عفوياً.

أما قول الله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ﴾ [يس: 69]، فالنبي عليه الصلاة والسلام لم يكن شاعراً، ولم يكن ينشده ولا يحسنه. وجاءت روايات ضعيفة أنه ربما استشهد ببيت فزحفه ولم يتمه عليه الصلاة والسلام، كقوله يستشهد: "كفى بالإسلام والشيب للمرء ناهياً"، فقال له أبو بكر: "كفى الشيب والإسلام للمرء ناهياً". يعني الرسول عليه الصلاة والسلام قلب الشيب والإسلام، جعلها "بالإسلام والشيب". أو قوله للعباس بن مرداس عندما وزع الغنائم يوم حنين وأعطى العباس أقل من عيينة بن حصن والأقرع بن حابس، فقال شعراً، فقال له عليه الصلاة والسلام: «أأنت القائل: أتجعل نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة؟»، فقال: "إنما هو بين عيينة والأقرع". يعني الرسول قلب الاسمين عليه الصلاة والسلام، فقال الكل سواء؛ بمعنى أنه ليس من أهل الشعر عليه الصلاة والسلام، وأنه لا يحسنه ولا يتقنه. وهذا صيانة له عليه الصلاة والسلام بحيث لا ينسب إليه أحد من المشركين أنه كان يقول الشعر، وبالتالي هذا القرآن الذي جاء به هو من كلام البشر؛ صان الله عز وجل كلامه وكتابه عن ذلك بصونه صلى الله عليه وسلم عن الشعر وعن إنشاده وإتقانه.

هذا والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.