الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله الأمين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. جاء في وصف النبي صلى الله عليه وآله وسلم عند ذكر أسمائه أنه الضحاك القتال، فما معنى أنه ضحاك أو ضحوك؟ قال أهل العلم: معنى ذلك أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان طيب النفس، فكهاً على كثرة ما ينتابه ويفد عليه من جفاء العرب وأهل البوادي، لا يراه أحد ضجراً أو قلقاً، بل لطيفاً في النطق رفيقا في المسألة.
ويقول ابن القيم رحمه الله في "هداية الحيارى" إلى أن هاتين الصفتين جاءتا سوياً، وهي لم تثبت في حديث صحيح، ولكنها جاءت في صفته عليه الصلاة والسلام في الكتب المتقدمة في الأديان الأخرى. فيقول ابن القيم في معنى "ضحوك": المراد به أنه لا يمنعه ضحكه وتبسمه وحسن خلقه إذا كان هنالك حد لله وحق له، ما يمنعه أن يقيم هذا الحد وأن يقتل إن احتاج، ولا يمنعه ذلك عن تبسمه في موضعه.
إذاً، من صفة النبي عليه الصلاة والسلام ومن شمائله أنه كان يكثر من الابتسام، وقد جعل صلى الله عليه وآله وسلم الابتسام من المعروف. فعن أبي ذر رضي الله عنه قال: قال لي النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق». بل إن التبسم باب من أبواب المعروف وباب من أبواب الحسنات وأعمال البر، قال صلى الله عليه وآله وسلم: «تبسمك في وجه أخيك صدقة».
وقد كان الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كثير الصمت قليل الضحك، والضحك منه ما هو محمود ومنه ما هو مذموم. فتبسم هو بداية الضحك، وهو انفراج الفم بلا صوت، وهو أقل الضحك وأفضله، وغالباً ما يكون للسرور، قال عز من قائل: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا﴾ [النمل: 19]. فنبينا صلى الله عليه وآله وسلم كان يكثر من هذا النوع. فعن جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه قال: ما حجبني النبي صلى الله عليه وآله وسلم منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم في وجهي.
الآن قارن هذا الحديث وكثرة تبسمه صلى الله عليه وآله وسلم، وبين ما نراه من كثير من المنتسبين إلى العلم الشريف والمنتسبين إلى الدعوة. إذا دخلت على كثير من القضاة أو كتاب العدل أو أئمة المساجد، وربما بعض العلماء، تلقي على أحدهم السلام في مجلسه، قل أن تجد من يتبسم ويهش في وجهك ويقابل بمقابلة حسنة. هل هذه أخلاق النبي عليه الصلاة والسلام؟ كلا والله. أين الخلل؟ الخلل هو في جهل أولئك أو في تجاهلهم لسنته صلى الله عليه وآله وسلم أو لأمور أخرى قد تكون نفسية، قد يكون منشؤها تربيتهم، لكن الأصل فينا نحن معاشر المسلمين أن نتأسى بهديه صلى الله عليه وآله وسلم شبراً بشبر وذراعاً بذراع إن أردنا مرافقته وصحبته في الجنة، نسأل الله أن ييسر لنا ولكم ذلك.
وعن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال: كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يقوم من مصلاه الذي يصلي فيه الصبح حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت قام، وكانوا يتحدثون -يعني الصحابة- فيتكلمون فيأخذون في أمر الجاهلية فيضحكون، ويبتسم صلى الله عليه وآله وسلم. تخيل، حديث عن أمور الكفر والشرك التي أنجاهم الله عز وجل منها في مسجده صلى الله عليه وسلم وبمحضره، ومع ذلك ما كان ينهاهم عليه الصلاة والسلام. ما يقول لهم: اتقوا الله، كيف تذكرون هذه الأمور في بيت الله عز وجل وبمحضر النبي عليه الصلاة والسلام؟ أبداً، أمور مضحكة من أمور الشرك أو الكفر يحمدون الله على نعمة النجاة منها فيضحكون، ويبتسم النبي صلى الله عليه وآله وسلم. فتخيل أحدهم يقول: كنت أتخذ إلهاً صنماً من تمر فأعبده فترة من الزمان، فإذا جعت أكلته! هذا شيء مضحك، قطعاً لا ينهاهم الرسول عليه الصلاة والسلام عن ذلك، بل كان يشاركهم في الابتسام.
فالنبي عليه الصلاة والسلام كان كثير البسمة، بل إنه عليه الصلاة والسلام كان يبتسم أيضاً ويعلم أمته الابتسام حتى لمن أساء إليه. فعن أنس الحديث المعروف رضي الله عنه وأرضاه، أنه كان مع النبي عليه الصلاة والسلام يمشي ذات يوم، وعلى الرسول عليه الصلاة والسلام بُرد نجراني غليظ الحاشية، فجاءه أعرابي من خلفه فجبذه جبذة شديدة أثرت في عاتقه -يعني سوت احمراراً، آذت جلد النبي عليه الصلاة والسلام- من شدة ما جبذه هذا الأعرابي وقال: يا محمد، مر لي من مال الله الذي عندك! انظر إلى هذه الحالة، أنت تمشي في أمان الله وإذ بك تفزع وتروع من قبل شخص ما تدري من أين أتى، يعني كأنه أتى إلى الرسول من خلفه، وأضاف إلى ترويعه للنبي عليه الصلاة والسلام فقد أساء الأدب إذ قال "يا محمد" ولم يقل "يا رسول الله"، "يا نبي الله"، وأنه طلب منه عليه الصلاة والسلام بطريقة غير لائقة، فقال "مر لي من مال الله الذي عندك" بدلاً من أن يقول: لو تكرمت، لو سمحت، تفضل علي أو كذا. فهذه الأمور كلها مدعاة لأن يرد الإنسان على من تكلم بهذه الطريقة بنحو سؤاله، أما أن ينتهره أو ألا يرد عليه. ما فعل ذلك عليه الصلاة والسلام، ما كان منه بأبي هو وأمي إلا أن تبسم في وجهه وأمر له بعطاء. فأين نحن من خلق الرسول صلى الله عليه وسلم؟
النبي صلى الله عليه وآله وسلم تقدم أنه كان كثير الصمت قليل الضحك، ولكن أيضاً تقدم أنه كان يكثر من التبسم عليه الصلاة والسلام، فالجمع بين هذين الحديثين كما قال أهل العلم أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان أغلب ضحكه التبسم. وهذا التبسم هو انفراج للفم وإبداء للأسنان بطريقة محببة طيبة، ولم يكن ضحكه صلى الله عليه وسلم بصوت، فقد قالت أمنا عائشة رضي الله عنها: ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مستجمعاً ضاحكاً قط حتى أرى منه لهواته، وإنما كان يتبسم. يعني ما كان يقهقه كما يعرف هذا الضحك بصوت بالقهقهة، ولم يكن يفرج أو يفتح فاه بطريقة أنك قد ترى منها لهواته صلى الله عليه وآله وسلم، بل كان ضحكه متزناً رزيناً جميلاً صلى الله عليه وآله وسلم. قارن هذا بحال أولئك الذين إذا ضحكوا ربما استلقى أحدهم على ظهره وعلى قفاه ورفع قدماه في الهواء يرفس بهما، والعياذ بالله. بعض الناس ترى منه أشكالاً مزرية، وهذا مذهب للهيبة، مذهب للرزانة، ومقلل لاحترام الناس لك، نسأل الله لنا ولكم العافية.
وعن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه أن عمر رضي الله عنه استأذن على النبي صلى الله عليه وآله وسلم يوماً، وكان في مجلسه نسوة من قريش يكلمنه ويستكثرنه، عالية أصواتهن، والنبي عليه الصلاة والسلام كان يخصص من وقته يوماً للنساء كي يأخذن راحتهن ويسألن عما أشكل عليهن من أمور الدين. فلما استأذن عمر وسمعوا صوت عمر بادرن الحجاب، فدخل عمر رضي الله عنه والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يضحك، فسر لذلك وقال: أضحك الله سنك يا رسول الله -يعني هذه بشارة خير أني أراك تضحك وأنك مسرور- فقال عليه الصلاة والسلام: عجبت من هؤلاء اللاتي كن عندي، فلما سمعن صوتك ابتدرن الحجاب. وهذا أيضاً إشارة إلى أن التبسم كما يكون للضحك والسرور، فيكون أيضاً للتعجب، وهنالك تبسم للغضب مما يسمع الإنسان.
فإذاً النبي صلى الله عليه وآله وسلم كان كثير التبسم، ومما سبق نعرف أن الإسلام ليس بدين تماوت، بدين اكتئاب وحزن دائم، لكنه دين رحمة، دين تفاؤل. ولذلك كان صلى الله عليه وآله وسلم برغم أشغاله وهمومه، برغم المصائب التي كان يبتلى بها، إلا أنه كان يمازح أصحابه وكان يلاعب زوجاته. وجاء في حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما عندما سأله: أتزوجت بكراً أم ثيباً؟ فقال رضي الله عنه وأرضاه بأنها ثيب، فقال: «ألا جارية ألا بكراً تداعبها وتداعبك، تلاعبها وتلاعبك». فدل ذلك على أن اللعب بين الزوجين خاصة أمر محمود، لا ما نراه من الجدية عند البعض؛ تراه مع أصحابه ورفاق العمل طيب الخلق هين المعشر كثير الابتسام، أما إذا دخل بيته تحول إلى وحش كاسر مفترس، كثير التجهم، كأن امرأته قتلت أباه وأولاده قتلوا أمه! والعياذ بالله، لماذا يظن أن هذا من الهيبة وأن هذا من الصواب؟
عمر الذي هو عمر يقول: أحب من الرجل إذا دخل بيته أن يكون كالطفل الصغير. أي أنه يتصرف بطيش وبلعب ومزاح مع أهل بيته كالطفل، يترك الرجولة ويترك هذه الهيبة خارج المنزل. ولذلك النبي عليه الصلاة والسلام إذا دخل بيته كان في مهنة أهله، يخصف نعله، يرقع ثوبه، يحلب داجنه صلى الله عليه وآله وسلم، ما كان فيه ما نراه من شدة ونوع من أنواع الجمود، بأبي هو وأمي عليه الصلاة والسلام. كان يلاعب نساءه وأهل بيته، عائشة تدخل عليه، حتى في أمور الموت عائشة تدخل يدخل عليها فتقول: وارساه! عندها صداع مؤلم، فيقول لها: «بل أنا وارساه!» من باب التكافل ونوع من أنواع المواساة: أنا أيضاً رأسي يؤلمني يا عائشة، يا عائشة كيف بك إذا أنت متِ فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك؟ يعني تخيلي يا عائشة لو صار هذا الأمر. هذا مزاح النبي عليه الصلاة والسلام، فتقول: إذاً والله، إذاً تسارع أو تبادر إلى إحدى زوجاتك! يعني حتى وأنت ميتة تغارين عليه صلى الله عليه وآله وسلم، وإن لم تغر على النبي عليه الصلاة والسلام فعلى من إذاً؟ فكان يداعب نساءه صلى الله عليه وسلم ويمزح معهم.
وأصحابه كذلك كانوا يلاحظون أن الرسول عليه الصلاة والسلام يداعب، فقال أحدهم كما جاء عن أبي هريرة رضي الله عنه: قالوا يا رسول الله، إنك تداعبنا! قال: «إني لا أقول إلا حقاً». صحيح أنا أمزح معكم ولكن انتبه، مزحي ليس فيه كذب. وهذه مسألة هامة جداً، لأن الرسول عليه الصلاة والسلام أخبر أنه زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك الكذب ولو كان مازحاً، إذاً الكذب ما يصلح حتى في المزاح، وهو من الأمور التي ليست بمحمودة. فالرسول يقول: أنا أمازح نعم، لكن لا أقول إلا حقاً.
وعن أنس بن مالك أن أحد الصحابة وهو زاهر بن حرام كان يهدي إلى النبي عليه الصلاة والسلام الهدية، فيجهزه عليه الصلاة والسلام إذا أراد أن يخرج، ويقول: «إن زاهراً بادينا ونحن حاضروه». يعني كأنه هو مندوبنا في الخارج، هو من البادية ونحن الحاضرة، فهو باديتنا ونحن حاضرته. أتاه ذات يوم في السوق عليه الصلاة والسلام وهو يبيع متاعه، فأتاه من خلفه واحتضنه، يعني جاء من وراه واحتضنه هكذا، والرجل لا يبصره ما يستطيع أن يراه، فيقول: أرسلني! من هذا؟ سيبني، اتركني! فلما تبين له أنه النبي عليه الصلاة والسلام جعل يلصق ظهره بصدره، يعني الآن ما يريد أن يفتك من ملامسة النبي عليه الصلاة والسلام بل جعل يرجع نفسه كي يلصق ظهره بصدر النبي عليه الصلاة والسلام. والنبي صلى الله عليه وسلم في السوق، هذا الرجل الأول في الدولة وهو في السوق ممسك بزاهر هذا وهو يقول: «من يشتري هذا العبد؟» والرسول عليه الصلاة والسلام لا يقول إلا حقاً، أليس بعبد لله عز وجل؟ فيمازحه ويقول: من يشتري هذا العبد؟ فيقول زاهر: تجدني يا رسول الله إذاً كاسداً، ما أحد يشتريني، بضاعتك هذه تكسد ولا يشتريها أحد. قال: «ولكنك عند الله لست بكاسد»، وفي رواية: «بل أنت عند الله...».
انظر إلى هذه الروح الطيبة التي تورث المحبة في قلوب أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. أنس بن مالك يخبرنا أن رجلاً أتى النبي عليه الصلاة والسلام يطلب منه الظهر، أتاه يستحمله؛ أي يريد ناقة أو فرساً يركب عليها في سبيل الله عز وجل. فقال عليه الصلاة والسلام: «أنا حاملك على ولد الناقة». فالرجل تعجب وقال: وما أصنع بولد ناقة يا رسول الله؟ ولد الناقة معناها ظاهرياً أنه الجمل الصغير الذي ولدته ناقة قبل لحظات، فالرجل قال: ماذا أفعل به؟ فقال صلى الله عليه وسلم: «وهل تلد الإبل إلا النوق؟». ولد الناقة قد يكون عمره أياماً وقد يكون عمره سنين؛ لأنه مهما كبر ما زال اسمه ولد الناقة حتى لو كان عمره عشر سنوات. فهذا نوع من أنواع مزاحه صلى الله عليه واله وسلم.
سعيان لا يغني أحدهما عن الآخر: السعي في طلب العلم، والسعي في طلب الرزق. وطلب العلم لا يتعارض مع العمل؛ فلأن يستغني طالب العلم بحرفته خير له من أن يكون عالة على غيره. قال صلى الله عليه وسلم: «والذي نفسي بيده، لأن يأخذ أحدكم حبله فيحتطب على ظهره خير له من أن يأتي رجلاً فيسأله، أعطاه أو منعه». وكيف تعوق الحرفة عن العلم وقد قام بها الأنبياء؟ فداود عليه السلام كان يأكل من عمل يده مع أنه كان ملكاً نبياً، وهذا يدل على فضل الحرفة. ولا يتعلل صاحب الصنعة بضيق الوقت؛ فلو ذاكر ساعة يومياً لقرأ ما يزيد على 7000 صفحة، أي 15 مجلداً في العام الواحد. وقد نسب كثير من العلماء إلى الحرف، كالمحيط نسبة إلى بيع القطن، والفقيه أبي بكر القفال نسبة إلى صنع الأقفال، والنحوي أبي إسحاق الزجاج نسبة إلى صنع الزجاج. فتعلم واكتسب قوتك بعمل يدك؛ فقد سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن أفضل الكسب فقال: «عمل الرجل بيده، وكل بيع مبرور».
صهيب الرومي رضي الله عنه وأرضاه يحدثنا عن حادثة أنه استأذن على النبي صلى الله عليه واله وسلم فأذن له ودخل، وإذ بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام خبز وتمر، فقال له: «ادن فكل». فدنا فأكل من التمر، وكان في إحدى عينيه رمد، فقال له صلى الله عليه وسلم وهو يداعبه: «أتأكل تمراً وبك رمد؟». كان ممكن أن يستفصل منه صهيب ويقول: ما دخل هذا بهذا يا رسول الله؟ لكن النبي صلى الله عليه وسلم يداعبه، فقابل مداعبته بمداعبة، عندما قال له عليه السلام: «أتأكل وعينك بها رمد؟» فقال: يا رسول الله، إني أمضغ من ناحية أخرى؛ فقال له: يا رسول الله، أنا ما آكل من ناحية العين التي بها رمد، لا آكل من ناحية العين الطيبة التي ما فيها شيء. والعين ليس لها أي دخل في أي ناحية تأكل، لكنها مداعبة النبي عليه الصلاة والسلام وممازحته.
يدخل على بيت أنس بن مالك فيجد أخاً له صغيراً قد مات له عصفور "نغير"، فيقول له: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟» يضحك معه، يلاعبه، يداعبه، يمزح معه. امرأة تأتيه عجوز كبيرة في السن تقول: ادع الله أن يدخلني الجنة، فقال: «إن الجنة لا يدخلها عجوز»، فولت تبكي تولول، فقال: «ردوها علي، إن الله يعيدهن عرباً أتراباً أبكاراً». وهذا الحديث فيه نظر من أهل العلم، منهم من صححه ومنهم من ضعف هذا الحديث، ولعل ضعفه أقرب، ولكن هذا يعطيك فكرة عن كيفية معاملة النبي صلى الله عليه واله وسلم لأصحابه.
ولكن هل معنى ذلك أن تتحول جلساتنا وأن تتحول حياتنا إلى ضحك ولعب ومزاح بطريقة ليست طبيعية؟ أبداً، نحن للأسف بين طرفي نقيض؛ قد تجد من الناس من حياتهم كلها ضحك ولعب، ومن الناس من يضيع الساعات الطويلة وهو يشاهد الأفلام والمسلسلات الكوميدية، تجدهم يتراسلون في الواتساب عن مقاطع ساخرة، وحقيقة الأمر أنهم يفنون أعمارهم، لا أقول بالدقائق، بل بالساعات خلف هذه الأجهزة التي يسمونها الذكية ولا تمت إلى الذكاء بصلة، بل هي أجهزة متخلفه غبية، ويضحك الإنسان، فإذا فرغ شعر بالسأم والضجر والقلق، فيداوي ذلك بمقطع آخر وثالث وعاشر. بعضهم يشتري قنوات بفلوس شهرياً لكي يشاهد هذه المشاهد المضحكة ويبحث عنها، وهذا خطأ عظيم. الرسول صلى الله عليه واله وسلم كما جاء في حديث أبي هريرة قال: «أقلوا الضحك»، وفي رواية: «لا تكثروا الضحك، فإن كثرة الضحك تميت القلب». هذا القلب هو مكان نظر الله عز وجل يوم القيامة، ولا ينجو أحد إلا من أتى الله بقلب سليم.
فإذاً لا بد من نوع من التوازن: لا تكثر من الضحك، لا يكن ذلك همك وشغلك الشاغل، وبالمقابل لا تعش حياة نكد واكتئاب. بعض الإخوة إذا كان في مجلس ورأى أحداً يمازح آخر أو أحداً قال طرفة، إذ به يتجهم في وجهه، ويقول له كما يروى عن الحسن البصري أنه مر بشاب يضحك فقال له: هل نجوت من الموت؟ هل أيقنت بعدم عذاب القبر؟ هل رأيت الزبانية؟ فما رؤي الشاب بعد ذلك ضاحكاً. هذه قصة تقطع الظهر من الرجال، من أين أتت هذه النفسية؟ نعم، ربما قد يصدر من بعض أهل العلم من السلف كلمة تؤخذ من غير سياقها فتوحي بأن حياتهم كلها كانت بكاء ونواحاً وشظف عيش، نحن لدينا خير الهدي، وخير الهدي هدي النبي صلى الله عليه وسلم، منه نستقي هذا الدين. فنعم لا تكثر من الضحك، لا يكن ذلك جل اهتمامك والشيء الذي من أجله تحيا وتموت، ولكن بالمقابل لا تقنط الناس ولا تجعلهم يعيشون في حالة من الاكتئاب والحزن الدائم.
جاء عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم خرج على رهط من أصحابه يضحكون ويتحدثون، فقال: «والذي نفسي بيده، لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً»، ثم انصرف، فبكى الناس وأبكى القوم، وأوحى الله عز وجل إليه: يا محمد، لِمَ تقنط عبادي؟ لِمَ تقنط عبادي؟ فرجع إليهم عليه الصلاة والسلام فقال: «أبشروا وسددوا وقاربوا». فانظر سبحان الله إلى هذا التوازن؛ لا تجعل حياة الناس من حولك حياة اكتئاب وحزن وأنهم ميتون وأنهم داخلون نار جهنم لا محالة، وبالمقابل لا تجعل الضحك والسخرية والاستهزاء والانتقاص منها ديدنك. النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ويل للذي يحدث الناس ليضحك به القوم فيكذب، ويل له، ويل له».
الآن انتشر بين المسلمين ما يعرف باللغة الإنجليزية باسم "ستاند أب كوميدي"، بعض الشباب وللأسف بعض الفتيات وجدوا أن جعلهم من أنفسهم مسخرة ومضحكة للناس باب من أبواب المال والرزق، فتجد يخصص -وهذا للأسف قد يكون سراً وقد يكون جهراً، نسأل الله لنا ولكم العافية- حفلة يجتمع فيها الناس، يدفع تذكرة 200، 300 ريال، ربما أكثر، ويقف هذا أمامهم أمام الميكروفون ويقول النكات ويكذب الكذب، وربما بعضها يكون جنسياً صراحة، يتحدث عن أمور مشينة معيبة بينه وبين زوجته، بينه وبين التي يزني بها -نسأل الله العافية- والناس يضحكون من هذا الكذب، يسخر من نفسه، يسخر من أعراق، من قبائل، من كذا، يسخر من كل أحد، أهم شيء أن يسخر من نفسه والناس يدفعون من ذلك من أجل ذلك المال. هذا محرم ولا شك، ربما بعضهم يجعل دخله من محاكاة وتقليد أقوام، والرسول يقول عليه الصلاة والسلام: «ما أحب أن لي كذا وكذا وأني حاكيت فلاناً»؛ أي سويت مثله، قلدته. الرسول يكره ذلك ويمنع منه ويحرمه لأنه غيبة محرمة.
انظر انظر أخي المسلم، أختي المسلمة، إلى حال الرسول عليه الصلاة والسلام، إلى وصفه وسيرته وشمائله، وإلى حال المسلمين اليوم؛ تجد ذلك البون الشاسع. وعليه، إن أردنا إصلاح بيوتنا ومجتمعاتنا ودولنا وعالمنا الإسلامي، فلا بد أن نعود إلى الأصلين، إلى الكتاب والسنة. هذا والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
الشيخ عاصم الحكيم